لبنان: الانهيارات تسابق التسويات

بعد فشل المبادرة الفرنسية

لبنان: الانهيارات تسابق التسويات
TT

لبنان: الانهيارات تسابق التسويات

لبنان: الانهيارات تسابق التسويات

يشبه لبنان اليوم قطاراً فقد مكابحه ويتجه بسرعة قصوى إلى اصطدام يهدد نظامه بعد انهيار قسم من مؤسساته وقطاعاته. إذ فشل اللبنانيون في التقاط حبل النجاة الأخير الذي ألقاه لهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد انفجار مرفأ بيروت في أغسطس (آب) الماضي، والذي تمثل بما عرف بـ«المبادرة الفرنسية» القائمة على فكرة تشكيل حكومة اختصاصيين تسارع لإنجاز إصلاحات تسمح للبلاد بالحصول على مساعدات خارجية.
وعلى الرغم من التداعيات الكارثية للانهيار الاقتصادي المتمادي والضغوط الدولية، التي قادتها فرنسا تحديداً، أخفقت القوى السياسية بالاتفاق على تشكيل حكومة، وبالأخص، بعد تصاعد الخلاف بين المعنيين الأساسيين دستورياً بعملية التشكيل، أي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف، وانقطاع التواصل بينهما منذ أشهر.
وسط الأزمة السياسية اللبنانية المستعصية لوّحت مصادر رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري أخيراً بورقة الاعتذار خلال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، الذي هدّد من بيروت بفرض عقوبات إضافية على المسؤولين اللبنانيين للحؤول دون «انتحار جماعي». ومعلوم أنه في محاولة لمضاعفة الضغوط على الطبقة السياسية، فرضت فرنسا الشهر الماضي قيوداً على دخول شخصيات لبنانية تعتبرها مسؤولة عن المراوحة السياسية والفساد. ولكن لم يجر حتى الآن الإفصاح عن هوية هؤلاء الشخصيات أو ماهيّة القيود.
- المبادرة الفرنسية انتهت
الأستاذ الجامعي في العلوم السياسية ميشال دويهي يقول، إن «المبادرة الفرنسية» انتهت ولم يبق منها إلا الاسم منذ التعديلات التي بدأها الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه عليها»، وذلك «من خلال إشراك الطبقة السياسية الفاسدة بحل الأزمة، وانتقاله بعدها للاجتماع والتفاهم مع السياسيين، لا سيما عبر الاجتماعات الأولى في قصر الصنوبر (مقر السفارة الفرنسية في بيروت)». ويتابع دويهي في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن «المبادرة الفرنسية فشلت عندما قرّر ماكرون الفصل بين السياسة من جهة والاقتصاد والإصلاح من جهة أخرى، ومن ثم رضخ لرفض معظم القوى السياسة طرح الانتخابات النيابية المبكّرة مقابل تشكيل حكومة». وشدّد على أن «الإشكالية في البلد (أي لبنان) بالسياسة وليست بالاقتصاد... باعتبار أن الانهيار الاقتصادي الذي نشهده ليس محصوراً بالسياسات المالية والاقتصادية الخاطئة، بل وبشكل أساسي بالطبقة الفاشلة ومن ثم الفساد والزبائنية وغياب المحاسبة والرقابة».
دويهي يعتبر أن الإدارة الفرنسية تتحمّل مسؤولية ما آلت إليه الأمور «لأنها صدّقت أن هذه الطبقة ستقوم بالإصلاحات المطلوبة، في حين الحقيقة أنها تعي أن الإصلاح في أي قطاع سيشكل نهايتها؛ كونه سينسحب بعدها على كل القطاعات، ثم إن النظام الإيراني بواسطة (حزب الله) لن يعطي فرنسا مكتسبات سياسية... لأنه يفضل أن يتواصل مباشرة مع الأميركيين»، لافتاً إلى أن «الفرنسيين حاولوا أن يرضوا الجميع، في حين أنه لا يمكن لأي مبادرة أن تنجح على هذا الأساس».
- تجاهل موضوع السلاح
ويذهب المحلل السياسي سام منسّى أبعد من ذلك، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «مقتل المبادرة الفرنسية كان بتجاهل ماكرون موضوع سلاح (حزب الله)، وهيمنة الحزب على صناعة القرار في لبنان، والذهاب للاجتماع بممثل عن الحزب هو عبر النائب محمد رعد من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أنه إذا أرادت إيران أن تقدّم تسهيلات ما، فهي ستقدّمها للأميركيين وليس للفرنسيين».
ويرى منسّى أن «الانتكاسات الكثيرة والمتسارعة التي أصيبت بها المبادرة الفرنسية جاءت لتقوّض الاستماتة الفرنسية لتحقيق إنجاز انتشال لبنان من أزمته. وهذه استماتة تعتمد، لا شك، على حسابات فرنسية مرتبطة بالدور الإقليمي لفرنسا وعلاقة باريس بطهران... وذلك باعتبار أن جانباً من الهروَلة الأوروبية لدفع واشنطن إلى العودة إلى الاتفاق النووي وتحسين علاقات الولايات المتحدة الأميركية بطهران هدفه تشجيع الاستثمارات الأوروبية، فرنسية وغير فرنسية، في إيران».
في المقابل، بخلاف التقارير عن أن باريس تخلّت عن جهودها والمساعي التي تبذلها في لبنان، نقلت «الشرق الأوسط» أخيراً عن مصادر فرنسية تأكيدها أن باريس «لم تتخلَ عن لبنان»، بل ما زالت ماضية في متابعة أوضاعه، ولكن «وفق منهج مختلف» عما طرحته في المرحلة الأولى. وتضيف، أن هذا المنهج ينطوي على طريقين: فرض عقوبات إضافية من جهة، ومن جهة أخرى الاستمرار في دفع جهود الاتحاد الأوروبي إلى الأمام من أجل التوافق على عقوبات أوروبية جماعية، على الرغم من التردّد الذي أبدته بعض حكومات دول الاتحاد.
- ترقب نتائج المفاوضات
في هذه الأثناء، لا تقتصر تداعيات سقوط «المبادرة الفرنسية» على عملية تشكيل الحكومة التي لا تزال عالقة في عنق الزجاجة؛ إذ ينبّه العميد المتقاعد خالد حمادة، مدير «المنتدى الإقليمي للدراسات والاستشارات» في بيروت، من أن «انتهاء المبادرة الفرنسية وعودة لودريان إلى باريس خالي الوفاض قطعت آخر خطوط التواصل بين لبنان والعالم الغربي، بعدما كانت باريس تسعى لوضع لبنان على قائمة القضايا التي تناقشها الأسرة الدولية». ويرى العميد حمادة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «لبنان أصبح خارج كل ما يتّصل بالقرار الدولي. يضاف إلى ذلك توقف المفاوضات غير المباشرة مع الجانب الإسرائيلي عبر الوسيط الأميركي... وهو نطاق كان يمكن العبور منه لمعالجة الأزمة اللبنانية».
ويضيف حمادة، أن «لبنان بات معزولاً دولياً، هذا بالإضافة إلى أنّ حالة العدمية السياسية والانهيار الاقتصادي وفوضى الأسعار قد تؤدي إلى احتمالات مفتوحة لا نستطيع التنبؤ بها. فبعدما تخلى لبنان عن أبسط مقوّماته كدولة وأضحى يفتقر لأي اهتمام، قد تتجه الساحة اللبنانية نحو شكل من أشكال الانفجار ليس بفعل العاملين الاقتصادي والاجتماعي فقط، إنما أيضاً لتنفيذ أجندة سياسية تستخدم الساحة اللبنانية». ويتابع «ربما سيكون هناك نوع من الاجتهاد من قبل بعض الدول الغربية لإعادة بعض الخصوصية للبنان مقابل تقديمات أخرى ومكاسب لإيران، لكن في كل الأحوال ما يمكن تأكيده أن لبنان تحوّل من دولة إلى ورقة تفاوض». وهنا يستبعد حمادة تماماً أن تؤدّي التطورات في المنطقة إلى «تعويم العهد»، معتبراً أن «العهد (أي رئاسة الرئيس ميشال عون) سقط وانتهى ولا أحد يسعى لتعويمه... فحتى (حزب الله) يريد في المرحلة المقبلة أن يصبح مقبولاً دولياً بمعزل عن تحالفه مع (التيار الوطني الحر)؛ وهو ما يسمح بالاستغناء عن حلفائه المحليين الذين باتوا يمثلون عبئاً وشراكة لا تقدّم له شيئاً».
في سياق موازٍ، بدأ «التيار الوطني الحر» - الذي أسّسه عون - يبني على الحراك الحاصل في المنطقة والمفاوضات الناشطة على أكثر من صعيد ليثبت «نجاح خياراته السياسية». ويبدو أنه يتّجه نحو التشدّد أكثر في عملية تشكيل الحكومة لاعتقاده أن المسارين الدولي والإقليمي للأحداث يصبّان لصالح المحوَر الذي ينتمي إليه ولصالح حليفه «حزب الله». وهنا تعتبر مصادر «التيار» في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تلويح الحريري بورقة الاعتذار أخيراً «إنما يندرج ضمن إطار قراءته لتطور الأوضاع لصالح اخصامه، لكنه حتى الساعة لا يزال يدرس حجم الخسارات التي سيتكبّدها... وما إذا كان قادراً على استيعابها قبل سنة واحدة من موعد الانتخابات النيابية».
حول هذه النقطة، يرى ميشال دويهي أن «وضع الحريري بات صعباً، خاصة أن مستقبله السياسي لا يبدو واضحاً إذا قرّر الاعتذار مثلاً... وإن البعض سيقرأ بذلك رضوخاً منه للعهد». في حين يعتقد سام منسّى، أن «مشكلة الحريري الأساسية تكمن في كون روح المبادرة الفرنسية غير موجودة أصلاً في تعاطيه مع كل الملف الحكومي». أما الكاتب والباحث قاسم قصير – القريب من بيئة «حزب الله» – فيعتبر أن كل الخيارات والاحتمالات واردة، «فإما التوصل إلى تسوية حكومية بعد عيد الفطر أو الذهاب إلى المزيد من الأوضاع الأمنية في وضع بات مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بما ستؤول إليه المفاوضات الناشطة في المنطقة»، ويلفت قصير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «المساعي التي بُذلت في الأيام الماضية لصياغة تسوية داخلية اصطدمت بحجم الهوة التي أضحت غير مسبوقة بين بعبدا (عون) وبيت الوسط (الحريري)؛ ما يجعل الجميع مترقباً تسوية دولية أو إقليمية كبرى ينصاع لنتائجها الفرقاء اللبنانيون».
- مصير لبنان
هنا يتحدث البعض عن تسوية داخلية محدودة قد تبصر النور نتيجة تطورات المنطقة، فتكون شبيهة بالتسوية الرئاسية التي أمكن التوصل إليها عام 2016 وأدت إلى انتخاب عون رئيساً للجمهورية، بينما لا يستبعد آخرون أن نكون قد اقتربنا أكثر من أي وقت مضى من إعادة النظر بالنظام ككل.
العميد خالد حمادة يعتقد أن أحداً من اللاعبين الدوليين لا يريد تقسيم لبنان أو تعديل دستوره. ويقول إن «الخلافات الداخلية حول أدوار الطوائف في النظام وحصة كل منها داخل التركيبة، موضوع لبناني بحت لا يتصل إطلاقاً بما يجري تداوله على الساحتين الدولية الإقليمية»، ويستطرد «كيفما كان شكل النظام اللبناني فإن استمرار لبنان في حالة التماهي مع طهران من دون أن يكون له أي حيثية وطنية، سيبقيه فاقداً قراره السياسي والاقتصادي». ثم يشير إلى أن لبنان «دخل مرحلة العدمية السياسية والاقتصادية، ولم يعد هناك مؤسسات صانعة للقرار أو جمهور لبناني ينظر باحترام إلى السلطة السياسية»، موضحاً «نحن مستمرون كدولة مفكّكة إلى أن يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود في المفاوضات الناشطة حالياً، ولا يبدو أن ذلك سيحصل قريباً».
ومن جهته، يعتبر سام منسّى أن «ما نشهده اليوم هو تغيير هوية وبنية البلد الاجتماعية. فالتركيبة المتعارف عليها سقطت تماماً كما لبنان الذي كنا نعرفه، علماً بأن النظام على مستوى الممارسة لا يطبَّق إلا نظرياً منذ الحرب الأهلية من خلال تركيبات تعكس موازين القوى».
مع هذا، لا يبدو منسّى ممن يروّجون لانفجار اجتماعي مقبل، لافتاً إلى أنه «رغم كل الصعوبات التي مررنا ونمرّ بها، من فقدان الودائع وانهيار الليرة وتفجير مرفأ بيروت والدمار الذي خلفه، وكلها تؤشّر لإمكانية الوصول لانفجار اجتماعي، فإنني أستبعد ذلك. لكنني في الوقت عينه أرجح ازدياد الجرائم والسرقات والفلتان والاضطرابات في بعض المناطق. ذلك أن انهيار الوضع الأمني لا يبدو لي حاصلاً؛ لأن هناك سلطة للجيش موجودة ودوره منسَّق مع (حزب الله) ولا وجود لطرف ثان يستطيع خوض المواجهة مع الحزب». ويتابع منسّى، أن «أساس الأزمة اللبنانية هو وجود قوة تابعة لدولة لها مصالحها وأدوارها التي لا شك ستنعكس على لبنان. وميزان القوى اليوم ليس لصالح لبنان الذي نعرفه ولم يعد هناك مِن دور يلعبه بعدما تلاشى الاهتمام الخارجي به، أضف إلى أنه لا أدوات ولا قضية للقوى الأخرى في لبنان».
قصير يقرّ بأن «لبنان يعيش مرحلة انتقالية صعبة»، وهنا يشدد دويهي على أن «الانهيار المالي والاقتصادي يؤدي تلقائياً إلى انهيار اجتماعي في ظل توجه الناس لتناتش السلع والخدمات؛ لأن الدولة لن تكون بعد اليوم قادرة على تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين». ومن ثم، يقول إنه «حتى إبّان الحرب الأهلية (1975 - 1990) لم يعرف لبنان الجوع والمجاعة؛ لأنه كان هناك دولارات تدخل إلى البلد بخلاف ما يحصل اليوم عندما غدا اللبنانيون متروكين لمصيرهم... ولكن رغم كل ذلك نستبعد حرباً أهلية بالتوازي مع توقع ارتفاع معدلات الجرائم والسرقات والعنف».
- أخيراً... ماذا عن الحلول؟
كثيرون ينظرون إلى الانتخابات النيابية المقبلة - المفترض تنظيمها بعد سنة بالتحديد - على أنها ستكون بوابة الخلاص للبنانيين. ويعتقد هؤلاء أنها ستؤدي إلى خرق كبير لقوى ومجموعات المعارضة؛ نظراً إلى أن المناخ العام هو ضد الطبقة السياسية التقليدية منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، تاريخ «الانتفاضة» الشعبية الأخيرة. بيد أن آخرين لا يظنون أن حصولها محسوم لأن القوى السياسية قد تعمد إلى تأجيلها تخوفا من نتائجها، وهو ما يعبّر عنه سام منسى الذي يرى أنه «من السابق لأوانه الجزم حول ما كان تطور الأمور يجعل الانتخابات النيابية موجودة على (أجندة) فريق (الممانعة)، أي الفريق الانقلابي الذي حلف عون – (حزب الله)، وإذا ما كان المطلوب إجراء الاستحقاقات في مواعيدها أو إعادة النظر بنظام وشكل الحكم ككل».
من جانبه، يؤكد دويهي أن «كل الطبقة السياسية الحالية لا تريد أن تخوض انتخابات نيابية لتخوّفها من أن يحاسبها الناس في صناديق الاقتراع... فهي لطالما وظفت القوانين الانتخابية لتجدد شرعيتها لا لضمان انتقال للسلطة»، معتبراً أن «الضغوط الدولية الكبيرة التي بدأت لضمان إجراء الانتخابات في موعدها، والتي تترافق مع ضغوط تمارسها قوى المعارضة في الداخل، خطوات أساسية للتصدي لمخططات قوى السلطة”. ومن ثم، يرى دويهي - كما كثيرون سواه – في الانتخابات المقبلة «آخر فرصة للتغيير السياسي وفق الآليات الدستورية... فهي قد تكون بداية خلاص لبنان. ولكن المطلوب من قوى المعارضة توحيد خطابها المفترض أن يكون مقنعاً ويقدم مشاريع حلول فلا يقتصر على انتقاد الطبقة السياسية».
والجدير بالذكر، أن الوزير الفرنسي لودريان التقى أثناء زيارته الأخيرة إلى بيروت ممثلين عن مجموعات معارضة، شاركت في «انتفاضة” عام 2019، ونقلت هذه المجموعات للمسؤول الفرنسي خشيتها من أن تعمد الطبقة السياسية إلى تأجيل الانتخابات التشريعية المرتقبة في ربيع 2022.
- 5 معضلات شائكة تعمّق الانهيارات
> يتحدث مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت، وهو مبادرة بحثية تهدف إلى دراسة الأزمات في لبنان ورصد تداعياتها واقتراح طرق لمقاربتها، عن خمس قضايا يجب ترقّبها ومقاربتها في المرحلة المقبلة، ولا سيما بعد رفع الدعم عن السلع الأساسية، وبالتالي ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، هي:
- زيادة كبيرة في معدّلي البطالة والفقر. إذ يتوقع أن يؤدّي التدهور الاقتصادي مصحوباً بالتضخّم إلى إغلاق المزيد من المؤسّسات وتوقّف العديد من القطاعات. وهو ما يعني فقدان العديد من فرص العمل، القليلة بالأساس، وارتفاع معدّل البطالة وتدني القوّة الشرائية وارتفاع معدّل الفقر.
- تأزم أوضاع القطاع الصحّي وهجرة العاملين فيه، ما يُهدّد بفشل احتواء جائحة «كوفيد - 19»، وتراجع مستوى الخدمات الطبية، وخسارة لبنان دوره الرائد كـ«مستشفى الشرق الأوسط».
- تدهور مستوى التعليم، وخصوصاً نتيجة تراجع قدرة العائلات على تعليم أبنائها في المدارس والجامعات الخاصّة، ونضوب الموارد المالية المُتاحة للاستدانة ودعم الطلب على هذا التعليم، فضلاً عن تفريغ هذه المؤسّسات الخاصّة من كوادرها وتراجع مستوياتها نتيجة تراجع الأجور وتدحرج الانهيار.
- زيادة التوترات الاجتماعية والعنف ومعدّلات الجريمة، فخلال فترة «الكساد الكبير» عام 1929 في الولايات المّتحدة كان الناس يرمون بأنفسهم من النوافذ انتحاراً نتيجة تنامي معدّلي الفقر والبطالة، في حين نشط عمل المافيات وعصابات الجريمة المنظّمة والسرقات. هذه السيناريوهات تكاد تكون واحدة في معظم المجتمعات التي تشهد أزمات اقتصادية، وهو ما يرجّح حصوله في لبنان أيضاً.
- تنامي النزعات الانفصالية وتعميق سياسات الهوية، باعتبار أنه خلال الأزمات العميقة، تبرز غالباً النزعات القومية والانعزالية، وأخطرها تلك التي تعبّر عنها التنظيمات السياسية اليمينية والشعبوية؛ نظراً لقدرتها على حرف الخطاب العام عن أسباب المشكلة نحو النتائج التي أوصلت إليها، بما يؤدّي إلى تكرار الوقوع في المشكلة نفسها.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.