إيليز ستيفانيك...أقوى امرأة في الحزب الجمهوري بعد إطاحة ليز تشيني

مسيرتها تعكس صعود اليمين الأميركي في عهد ترمب مقابل الليبراليين

إيليز ستيفانيك...أقوى امرأة في الحزب الجمهوري بعد إطاحة ليز تشيني
TT

إيليز ستيفانيك...أقوى امرأة في الحزب الجمهوري بعد إطاحة ليز تشيني

إيليز ستيفانيك...أقوى امرأة في الحزب الجمهوري بعد إطاحة ليز تشيني

في تصويت غير عادي يشبه «رفع الأيدي»، أقال نواب الحزب الجمهوري الأميركي يوم الأربعاء الماضي رئيسة مؤتمر الحزب ليز تشيني، ابنة نائب رئيس الجمهورية الأسبق ديك تشيني، من منصبها القيادي، عقاباً لها على معارضتها للرئيس السابق دونالد ترمب وإصرارها على دحض ادعاءاته بأن انتخابات عام 2020 سرقت منه. ولقد وقع الخيار لخلافتها على النائبة إيليز ستيفانيك، عضو مجلس النواب عن ولاية نيويورك، التي تحظى برضا ودعم ترمب.
في قراءة سياسية، تشير عملية التصويت على إقالة تشيني إلى خطورة وراديكالية التحولات التي طرأت على تقاليد الحزب الجمهوري العريقة، في استسلام غير عادي أمام تيار ترمب، الذي تحوّل بفضل خطابه اليميني الشعبوي إلى ظاهرة لم تعهدها الولايات المتحدة في تاريخها من قبل.
التصويت على إسقاط ليز تشيني اعتبر سابقة «غير ديمقراطية»، في حزب كان ولا يزال يعتبر نفسه إحدى قلاع الديمقراطية. إذ امتنعت الهيئة العامة لنواب الحزب عن تسجيل أسماء مَن صوّت مع إقالة تشيني، ومَن صوت ضدها. غير أنها ذكرت أن النواب صوّتوا بغالبية ساحقة، حفاظاً على صورة «الإجماع» حول «وحدة الحزب». من ناحية ثانية، يشير هذا التصويت أيضاً إلى أن رهان الحزب على الاحتفاظ بوحدته قائم الآن على مدى قدرته على الاحتفاظ بقاعدته الشعبية التي تدين بغالبيتها لترمب، وفق الاستطلاعات، ما يجعله «صانعاً» لمرشحي الحزب في انتخابات 2022 النصفية لتجديد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ.
تشيني التي نجت بسهولة من تصويت مماثل في فبراير (شباط) الماضي، كانت لا تزال تحظى بتأييد كبار قيادات الحزب الجمهوري، على رأسهم زعيم الأقلية في مجلس النواب كيفن مكارثي، الذين حاولوا التوصل إلى تسوية معها ومع ترمب. إلا أنه بعد تمسكها بموقفها وتصعيد ترمب ضغوطه وتهديده العلني بأنه على استعداد لتشكيل حزب جديد، رضخت تلك القيادات لرغبته، مضحية بتقاليد الحزب على أمل استعادة السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ... وطبعاً الرئاسة.
أيضاً، مثّلت إقالة تشيني سابقة في الذاكرة الحديثة فهي المرة الأولى التي يُطاح فيها بزعيم الحزب الجمهوري في الكونغرس من قبل «نواب متدرجين». ولقد خرجت تشيني من الاجتماع المغلق الذي صوّت على إقالتها، متعهدة بلهجة أكثر تحدياً بأنها ستواصل العمل على «منع فوز ترمب مجدداً بالرئاسة». بل قالت حرفياً: «سأبذل كل ما في وسعي للحرص على منع وصوله إلى أي مكان قرب البيت الأبيض. رأينا الخطر الذي لا يزال يشكله حتى الساعة من خلال تصريحاته، ورأينا غياب احترامه للدستور، ومن المهم أن نحرص على أن يكون الشخص الذي ننتخبه وفياً للدستور».
- ستيفانيك خلفاً لتشيني
ليز تشيني التي أعلنت أنها ستواصل عملها السياسي داخل الحزب وخارجه، كانت من بين أبرز الشخصيات المؤهلة للعب دور قيادي، سواء عبر احتمال توليها منصب رئيسة مجلس النواب، في حال سيطرة الجمهوريين عليه، حتى الترشح لمنصب الرئاسة. غير أن إقالتها بهذا الشكل قد تنعكس على الحزب وتماسكه، على الرغم من قبضة ترمب عليه الآن. كذلك ألقت تصريحاتها، التي لا تزال تلقى صدى في صفوف الحزب الجمهوري، ظلالاً من الشك أيضاً على دور خليفتها إيليز ستيفانيك، التي يتهمها بعض غلاة اليمين بأنها «ليبرالية» للغاية، وقد لا تستطيع «تمثيل 212 نائباً جمهورياً في المجلس». إذ يشير منتقدو ستيفانيك إلى تصويتها ضد تخفيضات ترمب الضريبية عام 2017 ومعارضتها عدداً من مشروعات قوانين أمن الحدود التي كان يضغط ترمب لتنفيذها. وقال النائب تشيب روي من ولاية تكساس عضو كتلة «الحرية» المحافظة: «يجب أن نتجنب تكليف الجمهوريين الذين يقومون بحملتهم الانتخابية بصفتهم جمهوريين، لكنهم يصوتون بعد ذلك لصالح أجندة الديمقراطيين ويدفعون بها بعد أداء اليمين الدستورية». وذهب روي وبعض غلاة المحافظين الآخرين إلى حد الدعوة للإبقاء على منصب تشيني شاغراً، وهي خطوة كان من شأنها السماح لنائبها مايك جونسون (من ولاية كاليفورنيا) الذي وافق على ذلك، أن يشغل دور كبير الجمهوريين في مجلس النواب حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. غير أن المحافظين الآخرين ألقوا بثقلهم وراء ستيفانيك، وأشادوا بمهاراتها في التواصل ودورها في الدفاع عن ترمب خلال أول محاكمة لعزله. وقال النائب جيم جوردان (من ولاية أوهايو)، الرئيس السابق لـ«الحرية» وحليف ترمب المقرب: «لقد حصلت على دعم الرئيس ودعم الزعيم ودعم مسؤول النظام... وأعتقد أنها ستكون على الأرجح رئيسة المؤتمر التالية، أليس كذلك؟»
- يمين محافظ ويسار راديكالي
مراجعة سجلّ ستيفانيك وتاريخها السياسي، قد يسلط الضوء، ليس فقط على التحولات التي جعلت منها الخيار المفضل لترمب، بل على التغييرات التي طرأت على ولاية نيويورك مسقط رأسها وولاية ترمب الأصلية أيضاً.
نيويورك، التي تعد معقلاً رئيساً للديمقراطيين وللجمهوريين «المعتدلين»، شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولين أساسيين؛ صعود ظاهرة اليساريين التقدميين الأكثر راديكالية في صفوف الحزب الديمقراطي، عُبر عنها بانتخاب أشخاص من أمثال آلكساندريا أوكاسيو - كورتيز... مقابل انزياح بعض ليبراليّي الحزب الجمهوري نحو اليمين المحافظ، وهو عبّرت عنه ستيفانيك نفسها.
وفي 12 يناير (كانون الثاني) 2021، أعلنت جامعة هارفارد العريقة؛ حيث تخرجت ستيفانيك في «معهد كنيدي للسياسة» عام 2006، إزالتها من منصبها في اللجنة الاستشارية العليا للمعهد، بسبب «دورها في الترويج لمزاعم كاذبة بوجود تزوير واسع النطاق في الانتخابات الرئاسية». وقال عميد المعهد دوغ إلمندورف في بيان: «إيليز أصدرت تأكيدات علنية عن تزوير الانتخابات الرئاسية ليس لها أساس من الأدلة، وأدلت بتصريحات كاذبة حول إجراءات المحكمة المتعلقة بالانتخابات». وأضاف: «علاوة على ذلك، فإن هذه التأكيدات والبيانات لا تعبر عن الخلافات السياسية، بل تمس أسس العملية الانتخابية التي يُختار عبرها قادة هذا البلد». وذكر إلمندورف أنه طلب من ستيفانيك التنحي، لكنها رفضت ما اضطره لإقالتها، فردّت ستيفانيك ببيان قالت فيه إن جامعة هارفارد «استسلمت لليسار الصاعد».
- مدافعة شرسة عن ترمب
بعد وقوف ستيفانيك ضد بعض سياسات دونالد ترمب في بداية عهده، فإنها تحولت إلى أشد المدافعين عنه إبان إجراءات عزله مرتين، عام 2019 وبداية 2021. وفي تحليل أجراه موقع «538» وجد أن ستيفانيك «أيّدت بنسبة 78 في المائة مواقف ترمب في عمليات التصويت التي جرت في مجلس النواب». كذلك دعمت الدعوى القضائية التي رفعت أمام المحكمة العليا لإلغاء هزيمته في انتخابات 2020. لقلب نتائج ولايات ميشيغان وبنسلفانيا وويسكونسن وجورجيا. وزعمت أن «أكثر من 140 ألف صوت جاءت من ناخبين دون السن القانونية ومتوفين وغير مؤهلين» في جورجيا. وأيضاً اتهمت ستيفانيك شركة دومينيون التي تشرف على آلات التصويت بأنها ساهمت في التزوير من بين «نظريات المؤامرة» اليمينية التي راجت. وصوّتت بعد ساعات من اقتحام أنصار ترمب مبنى الكابيتول يوم 6 يناير الماضي، للاعتراض على أصوات المجمع الانتخابي لحرمان جو بايدن من الفوز. وفي إشارة بالغة عن حجم التحوّل الذي طرأ على أفكارها ومواقفها، وبعدما قدمت على رأس 8 جمهوريين مشروع قانون «العدالة للجميع» أمام مجلس النواب عام 2019 - الذي يضمن المساواة للمثليين، ويشمل استثناءات للجماعات الدينية والشركات الصغيرة ذات البنية الدينية - صوتت ضده في فبراير هذا العام.
عام 2018 كانت ستيفانيك تصنف في المرتبة الـ19 بين أكثر أعضاء مجلس النواب الداعمين لتعاون الحزبين، أو ما يسمى سياسة «الباي بارتيزانشيب». غير أن التغييرات التي طرأت على مواقفها السياسية والفكرية والعقائدية، توالت في مسيرة عكست التحولات التي أصابت حزبها وولايتها نيويورك. وهذا الشهر وصفت ستيفانيك ترمب الذي لا تزال تدعوه «الرئيس» بأنه «(أقوى مؤيد) من أي رئيس عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الدستور».
أيضاً، بعدما عارضت ستيفانيك أمر ترمب التنفيذي عام 2017 الذي فرض حظراً مؤقتاً على السفر والهجرة إلى الولايات المتحدة من قبل مواطني 7 دول ذات غالبية مسلمة، رفضت لاحقاً إدانة سياسته بشأن فصل الأسرة. وبدلاً من ذلك، نشرت بياناً صحافياً يهنئه على أمره التنفيذي المتعلق بعمليات الفصل الجديدة واحتجاز العائلات.
- بطاقة الشخصية
إيليز ماري ستيفانيك ولدت في مدينة ألباني، عاصمة ولاية نيويورك، عام 1984. والداها كين وميلاني ستيفانيك، من أصلين تشيكي وإيطالي، ويملكان شركة لبيع ألواح الخشب بالجملة. ولقد تخرجت في أكاديمية ألباني للبنات، وهي مدرسة خاصة مرموقة، والتحقت بجامعة هارفارد لتتخرج فيها عام 2006 ببكالوريوس في العلوم الحكومية بعدما تلقت تنويهاً مشرفاً وجائزة عن القيادة النسائية.
عام 2014، أصبحت ستيفانيك في أول انتخابات نيابية تخوضها، وهي في سن الـ30، أصغر امرأة تُنتخب نائبة في مجلس النواب الأميركي. وهي كاثوليكية، متزوجة من ماثيو ماندا، الذي يعمل في مجال التسويق والاتصالات، منذ 19 أغسطس (آب) 2017. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018 انتقلا إلى شويلرفيل، إحدى ضواحي العاصمة واشنطن حيث يقيمان راهناً.
بعد التخرّج في هارفارد، انضمت ستيفانيك إلى إدارة الرئيس جورج بوش الابن، وعملت في طاقم مجلس السياسة الداخلية، في مكتب جوشوا بولتون ثاني رئيس جهاز للبيت الأبيض في إدارة بوش. وعام 2012 ساعدت في إعداد «المنصة» الجمهورية، مديرة لوسائل الإعلام الجديدة للجنة الاستكشافية الرئاسية. كما عملت باحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومبادرة السياسة الخارجية. وخلال 2012، أشرفت على التحضير لمناظرة المرشح لمنصب نائب الرئيس بول ريان إبان انتخابات ذلك العام. وبعد خسارة المرشح الجمهوري ميت رومني وريان الانتخابات أمام باراك أوباما وجو بايدن، عادت إلى نيويورك لتعمل مع والديها.
في أغسطس 2013، أعلنت ستيفانيك ترشحها لانتخابات مجلس النواب الأميركي عام 2014 عن المنطقة 21 في نيويورك، وهي المنطقة التي سيطر عليها الجمهوريون لمدة 100 سنة على التوالي، قبل انتخاب الديمقراطي بيل أوينز في انتخابات خاصة عام 2009. محتفظاً بها حتى عام 2014. بعدما أعلن عزوفه عن الترشح. ولقد هزمت ستيفانيك منافسها الجمهوري مات دوهيني في الانتخابات التمهيدية. ثم واجهت أرون وولف مرشح الحزب الديمقراطي ومات فونيسييلو مرشح حزب «الخضر»، لتفوز عليهما جامعة 55 في المائة من أصوات الناخبين وتعيد سيطرة الجمهوريين التاريخية على المنطقة 21.
وعام 2016 ترشحت مجدداً من دون منافس جمهوري، وأعلنت عن دعمها لترمب بعد فوزه بترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية ذلك العام. وفازت في انتخابات نوفمبر 2016 جامعة 66 في المائة من الأصوات. وعام 2017 أعلن سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة جون بولتون - الذي عيّنه لاحقاً ترمب مستشاره للأمن القومي خلال فترة «شهر العسل» بينهما - دعمه وتأييده لإعادة انتخاب ستيفانيك في انتخابات 2018 النيابية، مشيداً بعملها في لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، و«مواقفها الصلبة» في دعم موازنة وزارة الدفاع التي رفعها ترمب بشكل كبير في ذلك العام. وأعيد انتخابها بـ56 في المائة من الأصوات، وفي انتخابات 2020، كررت ستيفانيك انتصاراتها جامعة 59 في المائة من الأصوات.
من جهة أخرى، عُينت ستيفانيك في يناير 2015 في لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، بعدما انتخبها النواب «المتدرجون» الجدد لتمثلهم في لجنة السياسات، وتولت منصب نائبة رئيس اللجنة الفرعية للجاهزية، التابعة للجنة القوات المسلحة. وفي بداية عام 2017 انتخبت رئيساً مشاركاً لما يعرف بـ«مجموعة الثلاثاء»، وهي تجمع الجمهوريين المعتدلين في مجلس النواب الأميركي. وفي ذلك العام، قادت عمل اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري لاختيار مرشحي الحزب في انتخابات مجلس النواب للعام 2018.
أخيراً، على الصعيد الاجتماعي، مع أن ستيفانيك تُعد من «مؤيدي الحياة» وتعارض الإجهاض وتمويله من أموال دافعي الضرائب، فإنها كانت تدعو الحزب الجمهوري لكي يكون أكثر تفهماً للمواقف الأخرى بشأن هذه القضية. ومع ذلك، خلال عام 2017 انضمت إلى حزبها في تأييد قانون حماية الجنين من الألم، وصوتّت مع حزبها في ذلك العام أيضاً على إلغاء قانون الرعاية الصحية المعروف باسم «أوباما كير».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.