المعارضة اللبنانية تتحصن بالانتخابات لإسقاط التمديد لرئيس الجمهورية والبرلمان

TT

المعارضة اللبنانية تتحصن بالانتخابات لإسقاط التمديد لرئيس الجمهورية والبرلمان

يقف لبنان الرسمي عاجزاً أمام استمرار انحلال مؤسسات الدولة وإداراتها، الذي بلغ ذروته في الآونة الأخيرة ويكاد يؤدي إلى تعطيلها وتوقفها عن تقديم الخدمات الضرورية للبنانيين، لو لم يبادر أصحاب الأيادي الخيرة إلى جمع التبرعات المالية لمنعها من التوقف عن العمل بسبب عدم تأمين مادة المازوت لتشغيل أجهزة الكومبيوتر بالاستعانة بمولدات الكهرباء بعد أن تعذر تأمينها من الشركات التي تتولى تزويدها بهذه المادة لرفضها سداد ما يتوجب على الدولة بحوالات مالية وإصرارها على تسديدها نقداً.
وكشف مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط» عن أن أصحاب الأيادي الخيّرة تنادوا وقاموا بجمع الأموال لشراء مادة المازوت لسيارات الدفاع المدني للقيام بأعمال الإغاثة وإطفاء الحرائق في عدد من المناطق اللبنانية، وقال إن انحلال مؤسسات الدولة كاد يطال وزارات أساسية لو لم تتأمّن الأموال لتشغيلها، خصوصاً تلك المعنية بتوفير الحد الأدنى من الخدمات للبنانيين، فيما تغرق حكومة تصريف الأعمال في غيبوبة قاتلة وتبقى عاجزة عن توفير التغطية المالية لرفع الدعم والاستبدال به خطة لترشيده لن ترى النور على الأقل في المدى المنظور.
ولفت المصدر نفسه إلى أن ما ينسحب على حكومة تصريف الأعمال ينطبق على رئيس الجمهورية ميشال عون وبنسبة أقل على المنظومة السياسية، فيما يتدحرج البلد إلى مزيد من السقوط، وقال إن «تدارك سقوط لبنان في حالة من الفوضى وما يمكن أن يترتب عليه من فلتان أمني يصعب السيطرة عليه رغم مبادرة القوى الأمنية إلى اتخاذ رزمة من التدابير الاستباقية لاستيعاب ردود الفعل بعد أن أخذ الجوع يدق أبواب اللبنانيين، لا يعالج بإقحام البلد في لعبة شراء الوقت كما يحلو للتيار السياسي المحسوب على رئيس الجمهورية، فيما انسداد الأفق أمام الوصول إلى تسوية يحاصر المنظومة السياسية».
ورأى أن «لعبة شراء الوقت لن تكون لمصلحة عون قبل الآخرين، في ظل تعثّر المحاولات الرامية لإحداث اختراق للأزمة المستفحلة يبدأ بإعادة الروح إلى المشاورات لتشكيل (حكومة مهمة) بعد أن اصطدمت بحائط مسدود»، وقال: «لم يعد جائزاً التضحية بالبلد لمصلحة أشخاص؛ وتحديداً للحسابات السياسية لرئيس (التيار الوطني الحر) النائب جبران باسيل».
وعدّ المصدر نفسه أن «معظم الدول تضحي بالأشخاص لمصلحة إنقاذ بلدانها، فيما يحصل في لبنان بخلاف ذلك (كرمال عيون) باسيل»، وقال إنه «لم يعد من همّ لعون سوى الحفاظ على استمرارية إرثه السياسي المتمثل في صهره الذي يحتجز التوقيع على مراسيم تشكيل (حكومة مهمة) بغطاء مباشر من (العهد القوي) الذي قارب على نهايته من دون أن يحقق ما تعهد به من وعود ظلّت حبراً على ورق».
وقال إن «إصرار عون على شراء الوقت لن يبدّل من واقعه السياسي المأزوم بعد أن خرج رئيس المجلس النيابي نبيه بري عن مراعاته وقرر الانتقال إلى الضفة الأخرى التي تتموضع فيها قوى المعارضة رغم أنها تواجه مشكلة في إعادة ترميم صفوفها»، وأكد أن البيان الأخير للمكتب السياسي لـ«حركة أمل» كان بمثابة «إنجاز معاملات الطلاق السياسي بين بري وعون الذي يتهمه بالانحياز إلى جانب الرئيس المكلف سعد الحريري مما يفقده القدرة على القيام بدور الوسيط».
فرئيس البرلمان - كما يقول المصدر النيابي - «كان وراء توفير الغطاء السياسي للبيان الذي صدر عن قيادة (أمل) بعد أن نفد صبره وفقد الأمل في تنعيم موقف عون للإفراج عن الحكومة في مقابل المرونة التي أبداها الحريري؛ سواء لجهة موافقته على توسيع الحكومة برفع عدد الوزراء من 18 إلى 24 وزيراً، وبالنسبة إلى تفويض بري للبحث عن صيغة وسطية لفض النزاع القائم حول وزارتي الداخلية والعدل».
وعدّ أن «بري أطلق مبادرة إنقاذية بمواصفات خريطة الطريق التي حددها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنقاذ لبنان»، وقال إنه «راهن على حليفه (حزب الله) لإقناع حليفيه عون وباسيل بضرورة السير فيها، لكنه أخفق في إقناعهما من دون أن يتبنّى وجهة نظرهما لمعرفته المسبقة بعدم قدرته على تسويقها محلياً وعربياً ودولياً، وبالتالي آثر الانسحاب لئلا يصطدم بحليفيه نظراً لحاجته إليهما لغياب الحليف المسيحي البديل».
وسأل: «على ماذا يراهن عون؟ وهل لديه من ترف الوقت الذي يتيح له اختلاق (المعجزات) لدفع الحريري للاعتذار عن تأليف الحكومة؟ وماذا سيقول لتبرير عدم موافقته على مبادرة بري التي لقيت تأييداً عربياً ودولياً؟». وقال إن «بري من خلال البيان الناري لـ(حركة أمل) أراد تمرير رسالة بوقوفه إلى جانب الحريري».
وتوقّف المصدر النيابي أمام «ما يتردد من أن الرئيس نجيب ميقاتي هو الآن أوفر حظاً لتولّي رئاسة الحكومة خلفاً للحريري»، ودعا إلى «الكف عن إقحام البلد في حرتقات سياسية لا أساس لها من الصحة»، وعزا الأمر إلى أن ميقاتي ليس في وارد الدخول في مبارزة يروج لها فريق معين في محاولة لصرف النظر عن التمسّك بالحريري، وصولاً لإيحائه بأن رؤساء الحكومات السابقين يقفون الآن على مفترق طريق، وأن بوادر الانشقاق بدأت تلوح في الأفق، وإلا لم يكن ميقاتي مضطراً للقول في لقاء طرابلس إن اعتذار الحريري عن تأليف الحكومة انتحار سياسي.
وفي هذا السياق، كشف رئيس حكومة سابق، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط» عن أنه لا صحة لما أشيع بأن مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد هيل، صارح ميقاتي في مأدبة الإفطار التي أقامها في دارته في مسألة ترشّحه لرئاسة الحكومة خلفاً للحريري.
وأكد أن هيل لم يتطرق لمسألة ترشح ميقاتي الذي لا يزال على موقفه بدعم الحريري، وكان أدلى بأكثر من موقف حمّل فيه عون ومن معه مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة والانقلاب على الأصول الدستورية، وقال إن الحريري كان أبدى استعداده لعزوفه عن التكليف لمصلحة ميقاتي، لكن الأخير ليس في هذا الوارد، وقال كلاماً صريحاً لا شبهة فيه وبشهادة من رؤساء الحكومات في أحد اجتماعاتهم التي يعقدونها للتداول في أزمة تشكيل الحكومة.
لذلك، فإن تمديد شراء الوقت الذي يراهن عليه عون لن يكون مديداً، وبات عليه أن يستعد منذ الآن - كما يقول المصدر النيابي - لمواجهة مروحة من الاعتراضات السياسية الواسعة تأخذ على عاتقها الإصرار على إجراء الانتخابات النيابية في ربيع 2022 لانتخاب مجلس نيابي جديد من أولى مهامه انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً لعون، وهذا ما شددت عليه «أمل» في إصرارها على إنجاز الاستحقاق النيابي في موعده في رسالة هي الأولى من نوعها لمن يتذرّع بالتمديد للبرلمان لتبرير تلازمه مع بقاء عون في بعبدا.
ويضيف أن وجود صعوبة في إعادة توحيد «قوى 14 آذار» أو في تشكيل جبهة معارضة، لن يكون عائقاً أمام قيام معارضة واقعية، حتى إذا استحال عليها أن تتشكل، تلتقي حول بند وحيد بعدم التمديد للبرلمان لقطع الطريق على الفريق السياسي المحسوب على عون الذي أعد مطالعات «دستورية» تحت عنوان أن التمديد للبرلمان يجب أن ينسحب على رئيس الجمهورية لتفادي وقوع البلد في فراغ رئاسي.
ويؤكد أنه «على عون أن يعيد النظر في حساباته إذا كان يعتقد أن الظروف السياسية ستكون مواتية لاستنساخ تجربته عام 1989 عندما حاول منع انتخاب رئيس جديد خلفاً للرئيس أمين الجميل، لكنه اضطر للخروج من بعبدا واللجوء إلى السفارة الفرنسية تحت ضغط العملية العسكرية التي نفذها الجيش السوري، ومنها انتقل إلى باريس».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.