«النصوص المبتكرة» تُثبت جدارتها درامياً في الموسم الرمضاني

إشادات نقدية بأعمال الفخراني ومنى زكي وكريم عبد العزيز

يحيى الفخراني في مسلسل «نجيب زاهي زركش»
يحيى الفخراني في مسلسل «نجيب زاهي زركش»
TT

«النصوص المبتكرة» تُثبت جدارتها درامياً في الموسم الرمضاني

يحيى الفخراني في مسلسل «نجيب زاهي زركش»
يحيى الفخراني في مسلسل «نجيب زاهي زركش»

28 عملاً قدمتها الدراما المصرية خلال موسم رمضان، وشهدت تبايناً في مستواها، فقد حققت المسلسلات التي تضمنت نصوصاً مبتكرة وجديدة إشادات لافتة من قبل الجمهور والنقاد على حد سواء، بينما حظيت المسلسلات التي تناولت أفكاراً وقصصاً «مستهلكة»، أو مكررة بتقييم سلبي وانتقادات حادة.
وفي الوقت الذي اتفق فيه نقاد على تصدر مسلسلات «الاختيار»، و«لعبة نيوتن»، و«القاهرة كابول»، و«هجمة مرتدة»، و«نجيب زاهي زركش» قائمة «الأفضل» في رمضان، رجحوا كذلك خفوت أعمال نجوم اعتادوا الحضور الرمضاني مثل محمد رمضان في مسلسل «موسى».
مغامرة منى زكي
يتوقف الكاتب والناقد المصري طارق الشناوي عند فكرة «المغامرة»، التي صاحبت عدداً من المسلسلات المتميزة من بينها مسلسل «لعبة نيوتن»، الذي يعتبره الشناوي مع مسلسل «الاختيار» من أفضل المسلسلات هذا الموسم، ويصفه بأنه «مغامرة كبرى» على مستوى تكنيك الكتابة، والأداء، والوهج الفني والجمالي الذي أبدعه المخرج تامر محسن، مشيراً إلى أنه «إذا كنا قد اعتدنا دوماً النظر لورش السيناريو باعتبارها مصدراً للأعمال الرديئة، ففي هذا المسلسل اكتشفنا أنها يمكن أن تطرح سيناريو جيداً ومتكاملاً، والأمر يتوقف على (الأسطى) الذي يدير الورشة، ومن الواضح أن المخرج تامر محسن (أسطى) صاحب طموح كبير في هذا المسلسل، كما أن عودة النجمة منى زكي بعد غياب خمس سنوات يعد فارقاً كبيراً في فن الأداء فقد وصلت منى لقمة تفاصيل هذا الفن، وهو ألا يشعر المشاهد أنها تمثل«.
كما يشيد الشناوي بفكرة «مواجهة التطرف الديني والإرهاب»، التي طرحتها ثلاثة أعمال مهمة هي: «الاختيار»، و«القاهرة كابول»، و«هجمة مرتدة»، فكل منهم يرنو لمنطقة مغايرة لكن في النهاية يجمعهم هدف واحد، وهو فضح أذرع التطرف، مؤكداً أن «مسلسل (الاختيار 2) استطاع أن يقفز جماهيرياً على نظيره في العام الماضي، ونجح المخرج بيتر ميمي في الجمع بحرفية بين التوثيق والدراما، ليحقق العمل حالة توحد جماهيري برغم أن هذه النوعية من الدراما تعد ضرباً من المغامرة لتحقيق دائرة واسعة من النجاح».
وعن حجم الإنتاج الدرامي المصري بموسم رمضان هذا العام يقول: «ليس الأعلى في مصر بل تفوقت سنوات سابقة عليه من حيث الكم، لكن الأخير شهد تنوعاً في الأفكار، وفي الأبطال، وضم مسلسلات لديها طموح، وأخرى تسير في نفس الإطار القديم، على غرار (موسى)، لمحمد رمضان، فلا يوجد به طموح»، على حد تعبيره.
ويرصد الشناوي ظاهرة مشاركة مختلف الأجيال في الموسم، بدءاً من يحيى الفخراني ويسرا اللذين يوجدان على الساحة على مدى أربعة عقود من الزمان، وكل منهما له جمهوره ويؤدي أدوار بطولة، بالإضافة إلى الرهان على أسماء جديدة مثل أمينة خليل في «خلي بالك من زيزي»، وإعادة اكتشاف نجوم كبار على غرار محمد محمود الذي جسد شخصية «طريف» في مسلسل «نجيب زاهي زركش»، فهو ممثل مخضرم لم يلتفت أحد لتقديمه في مساحات أكبر سوى المخرج شادي الفخراني.
ومن الظواهر الإيجابية التي يرصدها أيضاً الناقد طارق الشناوي هذا الموسم عودة المسلسلات القصيرة المكونة من 15 حلقة، مؤكداً تطلعه لعودة دراما الخمس حلقات والسباعية.
ويلفت الشناوي إلى أن غياب المرأة كمخرجة وسط هذا الكم من المسلسلات الذي لم تشارك به سوى المخرجة شيرين عادل بمسلسل «النمر» لمحمد عادل إمام، يعد من أبرز سلبيات الموسم أزمة الكتابة.
وترى المخرجة المصرية إنعام محمد علي، أن الكتابة هي أزمة كل الأعمال وأن الإعلانات هي آفة الدراما هذا العام مؤكدة: «هناك أعمال جيدة لكن بها ضعف في الكتابة مثل مسلسل (هجمة مرتدة) إذ تكاد تغيب عنه تفاصيل لمشاهد مهمة تحقق نوعاً من التوازن بين المادة الحقيقية المأخوذ عنها، والجزء الدرامي، فالمشاهد العائلية قليلة جداً، وكذلك المشاهد الرومانسية لعلاقة الحب بين هند صبري وأحمد عز، ففي أعمال الكاتب الراحل صالح مرسي مثل (رأفت الهجان)، كان هناك مشاهد تنطوي على دفء حتى في علاقة العاملين بجهاز المخابرات والعميل الذي يتبنونه، بينما جاءت في (هجمة مرتدة) بشكل ينطوي على جفاف كبير، والأمر ذاته لاحق كتاب جيدين مثل عبد الرحيم كمال في مسلسل (القاهرة كابول)، الذي يغلب عليه مشاهد حوارية وليس مشاهد يغلب عليها الحركة والتنقل في أماكن عدة، مما أظهره في بعض الحلقات كمسلسل إذاعي».
وتشير إلى أن «مشاهد كمال في مسلسله الآخر (نجيب زاهي زركش)، المأخوذ عن مسرحية إيطالية، جاءت طويلة ومترهلة، ولم ينقذها سوى الأداء العبقري ليحيى الفخراني الذي يملك حضوراً أخاذاً ويتحمل مسؤولية العمل كاملاً وتظهر بجواره الممثلة التي تؤدي شخصية ابنة شقيقته وتمثل طاقة جميلة في المسلسل، وكذلك ابنه الذي يجسد دوره رامز أمير وهو ممثل جيد جداً».
في السياق تنتقد إنعام عرض مسلسل «كوفيد - 25» في هذا التوقيت مبررة ذلك بقولها: «في ظل الأجواء الكئيبة التي سببها وباء (كورونا)، لم يكن من اللائق عرض هذا المسلسل ليرفع حدة الكآبة لدى الناس، ويزيد مخاوفهم»، مؤكدة أن «نصف الأعمال التي عرضت في الموسم الرمضاني لا ترقى لمستوى المنافسة، ومن بينها مسلسل (موسى) لمحمد رمضان الذي يكرر نفسه، ويقدم مواقف في مسلسله سبق وأن شاهدناها في أعماله الأخرى.«
صدارة المشهد
فيما يرى الناقد خالد محمود أن أعمال هذا العام تعيد الدراما المصرية إلى صدارة المشهد بأعمال هي الأكثر تنوعاً وتميزاً في السنوات الأخيرة، محدداً خمسة أعمال باعتبارها الأفضل، وهي «الاختيار2»، و«هجمة مرتدة»، و«القاهرة كابول»، و«لعبة نيوتن»، و«نجيب زاهي زركش»، وتنتمي جميعها لإنتاج متميز أتاح لصناعها حرية كبيرة في اختيار الأبطال، وكشفت هذه الأعمال أيضاً عن كتاب سيناريو موهوبين وأسماء سيكون لها شأن كبير مثل هاني سرحان، وفي عالم المخرجين يبرز اسم بيتر ميمي، ومحمد سلامة، ومحمد أسامة، وقدم مسلسل «الطاووس» قضيته بذكاء بعيد تماماً عن الافتعال وقد أدرك المجلس الأعلى للإعلام منذ اللحظة الأولى أن ما أثير بشأنه لم يكن صائباً، خصوصاً مع معالجة السيناريو التي جاءت مختلفة، فقد لجأ لنهايات قدرية وليس لأحكام المجتمع وتعامل المؤلف والمخرج بذكاء ولم يقدما مشهداً واحداً مبتذلاً، كما برع في الأداء الفنان جمال سليمان وسهر الصايغ.
وعن البطولات النسائية التي استحوذت على أكثر من 11 عملاً درامياً بالموسم الأخير، يقول: «لم تستطع أي بطلة أن تشكل عنصر جذب في سباق دراما رمضان باستثناء منى زكي في (لعبة نيوتن) حيث تمكنت من جذب الجميع بأدائها وأرى أنه العمل الأبرع في أدائها بعد فيلم (إحكي يا شهرزاد)، في مراحل أخرى تأتي حنان مطاوع في (القاهرة كابول) وريم سامي في (موسى)، ويشير محمود إلى أن هناك أعمالاً لم يستطع استمرار مشاهدتها لأنها خرجت عن السياق الفني على غرار (لحم غزال، وملوك الجدعنة، واللي مالوش كبير، ونسل الأغراب) لاعتمادها على أداء مبالغ فيه وشخصيات مستهلكة».
ويطالب خالد محمود بعض الممثلين بإعادة النظر في ظهورهم المتكرر كل رمضان، مؤكداً أن «فكرة الظهور كل سنة تحرق أصحابها، ولا تمنحهم فرصة لاختيار أعمال مميزة».



ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

ظلّ القمر، على مدى عقود، يثير تساؤلاتٍ علمية بدت أحياناً أقرب إلى المفارقة: كيف لجسمٍ صغيرٍ نسبياً، كقمر الأرض، أن يحمل في تاريخه المبكر مجالاً مغناطيسياً قيل إنه يفوق في قوته نظيره الأرضي؟

استند طويلاً هذا التصوّر إلى تحليلات صخورٍ أعادتها بعثات «أبولو»، وأوحت نتائجها بأن القمر عرف، في مرحلة ما، نشاطاً مغناطيسياً شديداً. غير أن دراسة حديثة قدّمت قراءة مختلفة، تكاد تعيد رسم الصورة من أساسها، وتمنح هذا اللغز العلمي تفسيراً أكثر توازناً... وأكثر إنسانية في فهم حدود المعرفة نفسها. وفقاً لصحيفة «الغارديان».

الباحثة كلير نيكولز، وفريقها من جامعة أكسفورد، اتجهوا إلى تفصيلٍ بدا في السابق ثانوياً: محتوى التيتانيوم في صخور القمر.

وبالتحليل، تبيّن أن الصخور الغنية بهذا العنصر نشأت من مواد عميقة داخل القمر؛ حيث أسهمت عمليات الانصهار في توليد مجالاتٍ مغناطيسية قوية، ولكنها كانت موضعية ومؤقتة.

المفارقة أن بعثات «أبولو»، وبمحض الصدفة، جمعت عدداً أكبر من هذه الصخور تحديداً، نظراً لانتشارها في المناطق المستوية التي اختيرت مواقعَ للهبوط. وهو ما أفضى، دون قصد، إلى تحيّزٍ في العينات، ومن ثم إلى استنتاجٍ بدا وكأنه حقيقة عامة.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر غيوساينس»، إلى أن هذا «التحيّز العيّني» قدّم صورة مضخّمة عن قوة المجال المغناطيسي للقمر، مانحاً إيّاه ما يشبه «سمعة» علمية لا تعكس واقعه بدقة كاملة.

ويرى الباحثون أن الفترات التي شهد فيها القمر مجالاً مغناطيسياً قوياً كانت قصيرة ونادرة، ولم تدم إلا آلافاً قليلة من السنين، في مقابل تاريخٍ أطول ساد فيه مجالٌ ضعيف.

ومع اقتراب بعثات «أرتميس»، يأمل العلماء في اختبار هذه الفرضية بصورة أدق، عبر عيناتٍ أوسع وأكثر تنوّعاً ربما تعيد، مرة أخرى، صياغة فهمنا للقمر... ولكن هذه المرة، تعويضاً مناسباً لسنواتٍ من الاستنتاجات غير المكتملة.


بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر، التي شُخِّصت بمرض «ألزهايمر» عام 2011، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 4 عقود على خشبة المسرح في «جزر فارو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته كانت خلال تلك السنوات واحدة من أبرز الوجوه المسرحية في بلدها، وكانت تقدم عروضاً مسرحية بشكل مستمر، إذ اعتادت المشاركة في 4 أو 5 مسرحيات شهرياً، وكانت حياتها كلها مرتبطة بالمسرح والأداء.

وأوضح أن بداية المرض شكّلت صدمة للعائلة؛ خصوصاً بعدما بدأت والدته تفقد قدرتها على تذكر النصوص والتعليمات المسرحية، وهو ما أجبرها على التوقف عن العمل الذي أحبته طوال حياتها، مشيراً إلى أن شغفها بالمسرح لم يتراجع مع مرور الوقت، بل على العكس من ذلك، ازداد حنينها إلى الوقوف مجدداً على خشبة المسرح كلما تدهورت ذاكرتها.

وأكد أن هذه الرغبة دفعت العائلة إلى التفكير في إيجاد طريقة تعيدها إلى المسرح، حتى لو بشكل مختلف عن المعتاد، لتبدأ فكرة الفيلم عندما جلس مع والده لمناقشة إمكانية تصميم عرض مسرحي خاص يتناسب مع ظروفها الصحية، بحيث يمنحها مساحة للوجود على المسرح دون الحاجة إلى حفظ النصوص أو الالتزام بتفاصيل الإخراج التقليدية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن» (الشركة المنتجة)

وأشار بوي دام إلى أنهما قررا في النهاية تنفيذ هذا المشروع عندما أدركا أن الوقت يمر سريعاً، وأن حالتها الصحية قد تتدهور أكثر، فاختارا المُضي قدماً في التجربة، لافتاً إلى أنه قرر تقديم فيلم وثائقي، لشعوره بأن التجربة تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية مهمة تستحق التوثيق.

وأضاف أن الفيلم بالنسبة له لم يكن فقط عن والدته أو عن مرض «ألزهايمر»، بل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الذين يفقدون بعض قدراتهم الإدراكية، وكيف يمكن إيجاد مساحة لهم داخل المجتمع بدلاً من عزلهم.

وأوضح أن المسرح في الفيلم يتحول إلى رمز للمجتمع نفسه، إذ إن منح شخص يعاني فقدان الذاكرة مكاناً على خشبة المسرح يُشبه منح مساحة مماثلة له داخل المجتمع، فوالدته كانت طوال حياتها مدافعة عن الأقليات والفئات المهمشة، ولذلك شعر بأن هذا المشروع يُمثل استمراراً لرسالتها الإنسانية، حتى في الوقت الذي فقدت فيه القدرة على التعبير بالكلمات.

وأشار المخرج إلى أن تصوير فيلم عن والدته في هذه المرحلة الحساسة من حياتها لم يكن أمراً سهلاً على الصعيد العاطفي، لكنه بالنسبة لعائلته يُعد امتداداً طبيعياً لأسلوب حياتهم الفني؛ فوالداه ممثلان ومخرجان، وقد نشأ في بيئة اعتادت تحويل التجارب الإنسانية الخاصة إلى مادة فنية تُقدَّم على المسرح، سواء أكانت مؤلمة أم سعيدة.

ويروي الفيلم الوثائقي «بيريتا» الذي عرض ضمن النسخة الحالية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» قصة عائلة من صناع المسرح في «جزر فارو» الدنماركية، تُحاول تنفيذ تجربة فنية غير تقليدية تتمثل في تقديم مسرحية «الملك لير» مع إسناد الدور الرئيسي إلى الممثلة المخضرمة بيريتا موهر رغم إصابتها بمرض «ألزهايمر».

وثق المخرج جانباً من دعم والده لوالدته خلال مرضها (الشركة المنتجة)

ويقود المشروع ابنها المخرج بوي دام، الذي يؤمن بأن شغف والدته بالمسرح لا يزال حياً رغم فقدانها القدرة على الكلام، في حين يحاول والدهما الموازنة بين رعاية زوجته ودعم هذا المشروع الفني، وخلال التحضيرات للعرض تُثير التجربة أسئلة أخلاقية حول حدود المشاركة الفنية للأشخاص الذين يعانون فقدان الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قوة حضور بيريتا الإنساني والفني، وتأثيرها العميق في كل من يشارك في هذه الرحلة.

وأوضح أن اختيار مسرحية «الملك لير» لويليام شكسبير لم يكن اختياراً عشوائياً، بل جاء لعدة أسباب، منها أنه يعدّها واحدة من أعظم المسرحيات التي كُتبت في تاريخ المسرح، وكان حلماً قديماً بالنسبة له أن يقدمها على المسرح، بالإضافة إلى موضوعها الذي يرتبط بشكل عميق بما عاشته عائلته.

وأضاف أن هذا التشابه بين موضوع المسرحية وتجربة عائلته جعل العمل يبدو كأنه مرآة لما كانوا يعيشونه في الواقع، خصوصاً أن والدته كانت قبل المرض شخصية قيادية داخل العائلة وفي الوسط المسرحي، وكانت بالنسبة لهم أشبه بملكة تقود الجميع، مشيراً إلى أن فقدان هذا الدور القيادي بسبب المرض أحدث تغيراً كبيراً في توازن العائلة، وهو ما يُشبه إلى حد كبير ما يحدث في مسرحية «الملك لير».

وأكد المخرج الدنماركي رغبته في تقديم عمل درامي قوي ومليء بالصراعات لوالدته، بدلاً من تقديم عمل بسيط أو عاطفي، فلم يشأ أن يعاملها بطريقة مفرطة في الحماية، بل أراد أن يمنحها فرصة للوجود داخل عالم مسرحي غني بالتوتر والدراما كما اعتادت طوال حياتها.

المخرج الدنماركي بوي دام (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم صورة متوازنة للحياة مع المرض تجمع بين الحزن والفرح، وبين فقدان الذاكرة والقدرة على الاستمتاع بالحياة، لقناعته بأن كثيراً من الأفلام التي تتناول مرض «ألزهايمر» تميل إلى التركيز على الجانب المأساوي فقط، في حين أراد هو أن يظهر أيضاً الجانب الإنساني المليء بالحب والضحك واللحظات الجميلة.

ولفت دام إلى أن أكثر ما فاجأه خلال البروفات المسرحية هو التأثير القوي الذي تركه حضور والدته على الممثلين الآخرين، مؤكداً أن وجودها في غرفة البروفات جعل أداء الممثلين أكثر صدقاً وبساطة، لأنهم كانوا يشعرون بصدق اللحظة الإنسانية التي يعيشونها معها، فالممثلون كانوا يؤدون النصوص بطريقة أكثر طبيعية عندما تكون حاضرة، في حين يعودون إلى أسلوبهم المسرحي التقليدي عندما تغادر.

في الختام، أشار المخرج إلى أن هذه اللحظات كانت من الأكثر تأثيراً بالنسبة له؛ إذ أظهرت أن الفن يمكن أن يظل حاضراً حتى مع بدء تلاشي الذاكرة. وأكد أن الفن يعتمد بدرجة كبيرة على العاطفة والإحساس، لا على الذاكرة أو القدرات العقلية وحدها.


عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.