وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني: شراكة المدنيين والعسكريين ضرورية رغم صعوبتها

خالد عمر قال لـ«الشرق الأوسط» إن مؤتمر الشركاء في باريس «إعلان مدوٍ عن عودة السودان وإنهاء لعزلته الدولية»

وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)
وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)
TT

وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني: شراكة المدنيين والعسكريين ضرورية رغم صعوبتها

وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)
وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)

وصف وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني، خالد عمر، مؤتمر شركاء السودان الذي ينعقد في العاصمة الفرنسية باريس الشهر الحالي، بأنه «إعلان ضخم مدوٍ للعالم عن عودة السودان من عزلته المستمرة منذ ثلاثة عقود»، وتوقع سنداً دولياً واسعاً لبلاده في المؤتمر باتجاه إعفاء ديونها، ومساعدتها على الخروج من أزمتها الاقتصادية، وتشجيع الاستثمارات الدولية.
وقال عمر، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن الحكومة الانتقالية تواجه انتقادات من اتجاهين: أحدهما يصفها بأنها «هبوط ناعم» بمواجهة تصفية تركة نظام الإسلاميين، بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، فيما ينتقد الاتجاه الآخر خطوات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران) وإزالة الفساد، ويعدها «خشنة أكثر من اللازم» تجاه عناصر النظام السابق.
واعترف عمر بالصعوبات التي تواجه العلاقة بين العسكريين والمدنيين في الحكومة الانتقالية، بيد أنه وصفها بـ«الطبيعية المتوقعة»، وأرجعها إلى «التعقيدات التاريخية» التي لازمت علاقات العسكريين والمدنيين في السودان، وأضاف: «هذا نموذج الفترة الانتقالية، وهو غير مبرأ من العيوب... رغم الشوائب والتوترات وميراث عدم الثقة، فإن الشراكة ضرورية للانتقال، ولا يجب دفن رؤوسنا في الرمال عن المشكلات الموجودة فيها، ويجب مواجهتها بشجاعة ووضوح حتى لا تهدد الانتقال»... وفيما يلي نص الحوار:
> ماذا تحملون لمؤتمر شركاء السودان في باريس؟
- يعد مؤتمر شركاء السودان في باريس محطة مهمة في مسيرة الحكومة الانتقالية، فهو يهدف لكسر العزلة عن السودان، وإعادة إدماجها في الأسرة الدولية، ويتناول قضية الاستثمار وقضية إعفاء الديون. وسيشهد المؤتمر ملتقى استثمارياً استعدت له الحكومة والقطاع الخاص، وتم تنظيم «بروفات» للوقوف على الاستعدادات. وسيقدم رئيس الوزراء خلاله أوراق عمل، وعرضاً شاملاً لأهم القطاعات المطروحة للاستثمار في البنية التحتية والطاقة والزراعة والتعدين والتحول الرقمي.
> وملف الديون؟
- اجتاز السودان المراجعة الثانية لصندوق النقد الدولي أخيراً، وبذلك سيشق طريقه لمرحلة اتخاذ القرار، بالاستفادة من مبادرة إعفاء ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك). وخلال المؤتمر، ستسدد متأخرات ديون صندوق النقد الدولي، بقرض تجسيري مقدم من فرنسا، ومتأخرات الديون للبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، إضافة إلى التزامات الدول المختلفة، بالإعفاء الكامل للسودان من الديون ابتداء من شهر يونيو (حزيران) المقبل. لكن العلامة البارزة للمؤتمر أنه إعلان ضخم مدوٍ للعالم عن أن السودان قد عاد بعد ثلاثة عقود من الانغلاق الكامل.
> تراهن على المؤتمر بشكل كبير... ماذا لو لم يحقق السودان أهدافه منه؟
- يأتي الرهان على المؤتمر في سياقه وحجمه الطبيعي؛ قمنا بعمل كبير داخلي في الإصلاحات الاقتصادية، يتمثل في زيادة الإيرادات، وترشيد الصرف وتوجيهه بصورة صحيحة للأولويات، مثل السلع الاستراتيجية والتنمية والإنتاج. المؤتمر سيكمل هذا الجهد. وبناء على التقييمات والإعداد، نتوقع أثراً إيجابياً.
> هل حصلتم على وعود محددة من دول؟
- تنظم المؤتمر فرنسا، وهي دولة مهمة في العالم، وهذا دلالة على اهتمامها والتزامها، إلى جانب مشاركة قيادات عالمية من دول مهمة كبيرة. وقد أُجريت خلال الأيام الماضية اتصالات كثيرة بقادة العالم لحثهم على المشاركة، ودعم السودان خلال المرحلة الانتقالية الدقيقة.
> ماذا تتوقعون من المؤتمر؟
- بشكل أساسي، نتوقع تعزيز بيئة الاستثمار، واجتذاب استثمارات عالمية كبيرة، والحصول على دفعة قوية لإعفاء الديون.
> كيف سيؤثر المؤتمر على الأوضاع في البلاد؟
- تتمثل تأثيراته في إعفاء الديون، واجتذاب استثمارات، وإقامة شراكات عالمية مهمة؛ وهذا أثر اقتصادي كبير، إلى جانب الأثر السياسي المهم الذي سيحدثه، بإنهاء عزلة السودان الذي ظل طوال ثلاثة عقود معزولاً منبوذاً في العالم. إن مؤتمر باريس كرنفال احتفاء بالسودان من فرنسا ودول العالم الكبرى سيعيده لمواقعه، وربما أفضل مما كان عليه في السابق.
> تُنتقد الحكومة الانتقالية لتركيزها على الملفات الخارجية دون الداخلية...
- يحمل برنامج الحكومة الانتقالية الثانية الذي أجيز في فبراير (شباط) ومارس (آذار) الماضيين 5 أولويات رئيسية، واحدة منها العلاقات الخارجية، وتعمل الحكومة على الربط بين هذه الملفات. العمل الأساسي هنا داخل السودان، لكن لا يمكن تجاهل دور التأثير الإقليمي والدولي، فهو قد يكون إيجابياً أو سلبياً، ولهذا نبذل جهدنا لتحسين العلاقات الخارجية، بما يعظم الأثر الإيجابي. الملفات الأربعة الأخرى داخلية بامتياز، وهناك تركيز عليها.
> ما زالت الأزمة الاقتصادية تطحن الناس رغم إجراءات الجراحة القاسية...
- لا يمكن إصلاح خراب ثلاثين عاماً في عام ونصف العام. موضوعياً، يمكن القول إن هناك تقدماً في بعض الملفات وتأخراً في أخرى؛ حدث تقدم في ملف السلام بتوقيع اتفاقية جوبا، وهناك عمل مهم لإلحاق «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو (بالاتفاق). أما اقتصادياً، فقد اتخذت قرارات مهمة لإزالة التشوهات في جسد الاقتصاد السوداني، وقطعت خطوات كبيرة.
بالتأكيد هناك مشكلات تتعلق بحياة المواطنين. لكن بنظرة موضوعية، حدث بعض الانفراج في عدد من الملفات، مثل توفير القمح. أما بشأن الطاقة والوقود، فتوجد بعض الصعوبات، وقد تم إعداد خطط لمواجهتها، ونتوقع خلال هذا الشهر تحسناً في مجال الطاقة. صحيح لم تحل المشكلات جذرياً، لكن هناك خططاً واضحة لحلها، إضافة إلى الملفات الأخرى الأمنية والخارجية والإصلاح المؤسسي.
ولا يمكن حل كل مشكلات السودان خلال الفترة الانتقالية التي تبلغ 3 سنوات و3 أشهر في سنة ونصف السنة. ولو كان ذلك ممكناً لاقتصرت الفترة الانتقالية على هذه السنة ونصف. وبعد تمديد مدة الانتقال باتفاق سلام جوبا، إذا سارت الأمور وفقاً للبرامج المخططة، يمكننا تحقيق أهداف المرحلة الانتقالية بامتياز.
> لكن ماذا عن وقف التداعي على الأقل؟
- من دون شك هناك ضائقة حقيقية، لكن الحقيقة أنها بالأساس موروثة لم تخلقها الحكومة الانتقالية التي وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع ملفات اقتصادية في غاية التعقيد؛ تزيد الديون على 60 مليار دولار، مع بنية إنتاجية محطمة بالكامل، وإيرادات ضعيفة جداً، في مواجهة التزامات عالية. والناس يسألون عن السند الخارجي، لكنه متوقف الآن في الإطار السياسي، ناهيك من الاقتصادي.
هناك مشكلات حقيقية في جهاز الدولة جعلت فاعليته ضعيفة، وأسهمت في تعقيد مهمة الإصلاح الاقتصادي. وبالمقارنة، خصوصاً في الأشهر الأخيرة، نلحظ تقدماً واضحاً في بعض الملفات، فتحريك سعر الصرف خلال 3 أشهر تأرجح في حدود 5 في المائة، وهذا تأرجح محدود جداً، مقارنة بتجارب الدول المشابهة التي حركت سعر الصرف. أما بقية الملفات، مثل القمح، فقد كان هناك شح خانق، أما الآن، بالإنتاج المحلي وخطوات قامت بها الحكومة، فقد أصبح لدينا مخزون يكفي البلاد لنهاية العام. وبمقارنة وضع الكهرباء والوقود مع الشهر الماضي، نلحظ تقدماً واضحاً ملموساً، كما أن هناك خطوات كبيرة لحل مشكلة شح الدواء، بتوفير موارد أحدثت انفراجاً نسبياً في الملف، فقضية الضائقة المعيشية معقدة، تغالب الحكومة الانتقالية وتبذل كل الجهد للتغلب عليها وحلها جذرياً.
> تتهم الحكومة بالتردد في ملف إصلاح الخدمة المدنية، وإعادة تثويرها، وبأنكم أصبحتم جزءاً من «الهبوط الناعم»، وتتعاملون بنعومة مع ما يفعله فلول النظام المعزول...
- تأتينا الاتهامات من اتجاهين: بعضهم يتحدث عن «الهبوط الناعم»، والآخرون ينتقدون لجنة إزالة التمكين، ويقولون إنها توقف الناس من دون محددات، وإنها خشنة أكثر من اللازم مع عناصر النظام البائد؛ هذا أمر نسبي، فالحكم على إطلاقه في الجهتين ليس صحيحاً، فهناك تمكين وتخريب في الخدمة استمر 30 عاماً، وتفكيكه جزء من المهام، لكن في الوقت ذاته لن تنصلح الخدمة بإزالة عناصر النظام البائد فقط. وتعمل الحكومة على موضوع الإصلاح الجذري للخدمة المدنية، وقبل أسابيع استعنا بواحد من أهم بيوت الخبرة العالمية لعمل تقييم للخدمة المدنية، ليساعدنا فنياً ولوجيستياً في الإصلاح الجذري؛ هذا مشروع يستغرق سنوات، وليس يوماً وليلة. هناك إرادة سياسية لتطهير الخدمة المدنية من سيطرة النظام البائد، وأدواته وآلياته وفساده، وإحداث الإصلاح الجذري داخلها.
> المنظومة الأمنية عاجزة عن توفير الأمن وحماية المواطنين، ما زاد معدلات الجرائم الغريبة، والحكومة متهمة بأنها لا تتعامل معه بشكل صارم...
- جزء من تخريب النظام البائد هو تخريب المنظومة الأمنية، فقد قسمها وجعلها مخترفة بواسطة عناصره، وغير في ثقافتها، بما يصعب قبولها للتحول الديمقراطي، لذا تقاومه في داخلها، بما يجعل إصلاحها أكثر صعوبة. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك خطوات تضمنت تغيير قيادات الشرطة، وإعادة المفصولين السابقين إليها، ومراجعة هيكليتها، وتوفير الموارد اللازمة، وهي مثل غيرها من الملفات لا تعالج بين ليلة وضحاها.
وتتعامل الحكومة بالجدية الممكنة في الملف الأمني، لكن الحوادث التي تحدث هنا وهناك متوقعة بسبب السيولة السياسية التي ترافق فترات الانتقال، والتي يتوقع أن يزداد الخطر الأمني فيها. لكن بمقارنة السودان بدول في محيطة مرت بتجربته، فنسبياً الأداء عندنا أفضل، إذ نتصدى أولاً بأول لكل المشكلات، وبكل الجدية الممكنة للسيطرة على الأمن، لكن التحسن الكامل مرتبط بتحسن أداء المنظومة الأمنية، إحدى أولويات الحكومة الخمس.
> من المقرر إجراء جولات تفاوض مع «الحركة الشعبية»، بقيادة عبد العزيز الحلو، في جوبا، في الـ24 من الشهر الحالي... هل تتواصلون مع عبد الواحد محمد نور؟
- تتواصل جهات كثيرة داخلية وخارجية مع عبد الواحد لحثه على الالتحاق بالعملية السلمية، فالحكومة جادة في أن يكون السلام شاملاً جاداً، ونشجع الرفيق عبد الواحد ليكون جزءاً من العملية السلمية، لأن كل ما ينادي به مكانه طاولة الحوار، فلو أغلقت قنواته يصعب حل القضايا. ونحن متفائلون بأن تحقق الاتصالات الكثيرة معه أثراً إيجابياً ليكون جزءاً من التفاوض.
> مرت نحو 7 أشهر على توقيع اتفاقية جوبا، وتقاسمتم السلطة، ولكن لم ينجز الكثير... ما المعوقات؟
- المعوق الأكبر هو التمويل؛ أي اتفاقية سلام بحاجة لموارد مالية لتنزل بها من الأوراق، ويحسها المتأثرون من الحرب، وموارد الدولة شحيحة للغاية، ولم يتم تمويل عملية السلام من أي جهة غير المصادر المحلية، وهو ما أعاق تنفيذ كثير من بنود الاتفاق.
كذلك أخذ التفاوض على آليات التنفيذ وقتاً طويلاً بسبب الآراء المختلفة، لكن الاتفاق على الآليات اكتمل، ونعقد اجتماعات مكثفة لآليات تنفيذ الاتفاق لإعادة ترتيب مصفوفة التنفيذ، ووضعها مجدداً في المسار الصحيح.
> شكلتم لجاناً كثيرة لدرجة وصفكم بـ«حكومة اللجان»، لكنها لا تقدم تقاريرها للرأي العام...
- بالتأكيد، على كل لجنة الوصول لخلاصات. ومن تجربتنا القصيرة، هذا الكلام صحيح، فلجنة تقصي حقائق أزمة المواد البترولية، آخر لجنة كُونت، قدمت للرأي العام خلاصة تحقيقاتها خلال 3 أسابيع، حتى بوجود إخفاقات نحن عازمون على معالجتها والتصدي لها.
> أشير إلى لجنة مهمة جداً هي لجنة التحقيق في محاولة اغتيال رئيس الوزراء؛ لنحو عامين لا أحد يعرف ماذا هناك...
- هذه واحدة من اللجان التي لم تصل إلى نتائج نهائية في الأمر بسبب عوامل كثيرة، لكن هناك متابعة ودفعاً من جهات عدة لتصل إلى خلاصات يتم إعلانها للرأي العام، مع معاقبة المتسببين في الحادثة.
> حتى لجنة التحقيق في أحداث فض الاعتصام تحولت للجنة كلامية...
- فعلاً، هذا الملف بحاجة لمعالجة عاجلة سريعة، على الرغم من أنه ملف معقد للغاية، والعمل الذي تقوم به اللجنة للوصول إلى حقائق نهائية صعب جداً، لكن أيضاً من المفهوم التململ بسبب تأخر تقرير اللجنة؛ هي لجنة عدلية مستقلة. لكن بالتواصل معها، من الواضح أنها في المراحل الأخيرة لإنجاز عملها. ونحن في الحكومة حاضرون لتوفير كل السند اللازم لإكمال مهمتها بأفضل صورة ممكنة.
> ملف الفشقة مقرون بملف «سد النهضة»... هل أدى تغيير السودان لمواقفه السابقة إلى فقده كل أوراق اللعب؟
- لم تتغير مواقف السودان من القضيتين، ففي موضوع «سد النهضة»، يتبنى موقفاً إيجابياً من قيام السد، وفقط يشترط التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، وهذا موقف ثابت. ما حدث هو تغير الموقف الإثيوبي، وتنفيذ الملء الأول بصورة أحادية، والشروع الآن في ملء ثانٍ يتضرر منه السودان من دون اتفاق ملزم.
أما موضوع الفشقة، فموقفنا ثابت منذ 1902: هي أرض سودانية تم اغتصابها واحتلالها، والسودان قائم بتصحيح وضعية مختلة، مسنوداً بالقانون الدولي والشرعية الدولية، وتثبت العلامات الحدودية على الأرض سودانية الفشقة. وقد ظل السودان باستمرار يتمسك بأرضه، مصمماً على عدم التفريط في سيادته عليها، من دون أن يرفض أي شكل من أشكال التعاون مع الجارة إثيوبيا، بما لا يخل بسيادته وسيطرته على أراضيه.
> ماذا لو تعنت الإثيوبيون؟
- نحن أصحاب حق، وسيطرق السودان كل الأبواب لإيقاف الضرر الواقع عليه، لأن خطوة الملء الأحادي مهدد مباشر لأمنه القومي، ولن نقف مكتوفي الأيدي في هذا الأمر. هذه معركة الشعب السوداني كله.
> زار أكثر من مسؤول أميركي السودان في الأيام الماضية، وملفات السد والتوتر الحدودي مع إثيوبيا هي المسيطرة... ما خلاصة الزيارات؟ وهل دعموا الموقف السوداني أم أنهم بصدد مبادرة؟
- هناك تفهم كبير لموقف السودان، ويتضح ذلك حتى في التصريحات التي أدلوا بها، لأنه موقف موضوعي، ويقف الحق معه في كلا القضيتين. قلنا لهم إننا متمسكون بالحل السلمي السياسي، ولا نريد توترات وتصعيداً مع جارتنا إثيوبيا. الحوارات معهم كانت إيجابية للغاية، ونبارك دور الوسطاء المختلفين للوصول إلى حل في الوقت المناسب.
> هل اقترب موقف السودان من مصر أكثر؟
- مصر دولة جارة شقيقة، يربطنا بها رباط عميق في التاريخ والجغرافيا، وهناك مشتركات كثيرة بيننا في ملف «سد النهضة». ومنذ البداية، تحدث السودان عن اتفاق يشمل الجميع ويقرب بينهم، والبناء على ما يوحدنا ويجمعنا.
> ما العوامل التي تحدد قرب السودان من أي من الطرفين؟
- النقطة الأساسية لأي تقارب هي المصلحة المشتركة لشعوب البلدان الثلاثة. وقد عملت الحكومة الانتقالية منذ تكوينها على كيفية إعادة تأسيس علاقات السودان مع جيرانه بأسس صحية إيجابية تخالف الموروث من الماضي، وبذلت الجهد المطلوب مع الجوار لإعادة تأسيس العلاقات وفقاً للمصالح المشتركة.
> تزعم إثيوبيا أن السودان يدرب قوات تابعة لجبهة تحرير تيغراي... إلى ماذا تستند؟
- هذا أمر غير صحيح، وبلا سند، لأننا لا يمكن أن نكون عنصر عدم استقرار في إثيوبيا، ونعلم أن استقرارها من استقرار السودان، والعكس، ولا يمكننا التورط في عمل عدائي تجاه الأشقاء في إثيوبيا. وما يجري داخل إثيوبيا شأن داخلي إثيوبي.
> لكن لماذا يتهمون السودان ما دامت الرؤية بهذا الوضوح؟
- الموقف الإثيوبي في القضيتين المتعلقتين بالسودان (السد والحدود) موقف متأثر بالوضع الداخلي لإثيوبيا، ما خلق صعوبات حتى للقيادة الإثيوبية، فكل المخاطبات الواردة من هنا وهناك مربوطة بالوضع الداخلي الإثيوبي، أكثر من كونها مربوطة بحقائق على الأرض.
> تزعم المعارضة أن المجموعة المدنية مستسلمة للعسكريين، وقد تحولت لأدوات لهم... هل العلاقة بين الطرفين علاقة مثمرة أم علاقة تشاكس؟
- منذ ذهب الثوار إلى القيادة العامة في 6 أبريل (نيسان)، كان التصور أن المرحلة الانتقالية مرحلة تضامنية بين المدنيين والعسكريين لإنجاز مشروع الانتقال. في النهاية، هذا هو «نموذج المرحلة الانتقالية»، من دون أن يعني ذلك أنه مبرأ من العيوب، ففيه نواقص، وهو يواجه صعوبات حقيقية ناتجة من إرث ممتد منذ الاستقلال.
العلاقة بين المدنيين والعسكريين في الأصل بها شوائب وتوترات وميراث من عدم الثقة والمواجهات والتصورات المختلفة لإدارة الدولة، وهذه قضية رئيسية مرتبطة بنشوء الدولة السودانية الحديثة، ولا تحل بين عشية وضحاها. ومن المتوقع أن تشهد العلاقة -من دون أن يكون فيها فصام- تعقيدات كثيرة. لكنها شراكة ضرورية لنجاح الانتقال، ولا يجب أن ندفن رؤوسنا في الرمال عن المشكلات الموجودة داخلها، وما لم نواجهها بشجاعة ووضوح، سيتم تهديد الانتقال. نحن اخترنا من داخل هذه الشراكة مواجهة المشكلات بوضوح، بما يؤدي إلى انتقال ديمقراطي، وتصفية النظام القديم.
> هل أدى هذا إلى تأخير التوافق على تكوين جهاز الأمن الداخلي؟
- ليس جهاز الأمن الداخلي وحده، بل هناك ملفات كثيرة صاحب تنفيذها بطء، ليس بسبب الشراكة بين المدنيين والعسكريين وحدها، ولكن لأن الفترة الانتقالية فترة تمثيل واسع لأطياف مختلفة. وتقوم العلاقة بينها على التوافق، وتحقيق الإجماع قد يؤخر التقدم، ويتسبب في أن يكون بطيئاً بسبب صعوبة الجمع بين الآراء المختلفة. وبالتأكيد تعقيدات العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وداخل المدنيين والعسكريين أنفسهم، تتسبب ببطء بعض الملفات.
> هل ناقش مجلس الوزراء قانون جهاز الأمن الداخلي؟
- لم يدخل القانون مجلس الوزراء قطعاً. والقانون الذي تسرب قال وزير العدل إنه تسرب من داخل الوزارة قبل أن تكمل عملها، وأصدقك القول إن مجلس الوزراء اطلع عليه في أثناء تداوله في الوسائط؛ هو قانون مرفوض جملة وتفصيلاً. نحن نتحدث عن جهاز أمن داخلي ضمن إطار ديمقراطي، ومن الواضح أن المحددات المطلوبة له لا يوفرها القانون المتداول. وتعمل وزارة العدل على استكمال صياغة مشروع قانون لعرضه على مجلس الوزراء في أسرع فرصة.



«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.