وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني: شراكة المدنيين والعسكريين ضرورية رغم صعوبتها

خالد عمر قال لـ«الشرق الأوسط» إن مؤتمر الشركاء في باريس «إعلان مدوٍ عن عودة السودان وإنهاء لعزلته الدولية»

وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)
وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)
TT

وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني: شراكة المدنيين والعسكريين ضرورية رغم صعوبتها

وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)
وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)

وصف وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني، خالد عمر، مؤتمر شركاء السودان الذي ينعقد في العاصمة الفرنسية باريس الشهر الحالي، بأنه «إعلان ضخم مدوٍ للعالم عن عودة السودان من عزلته المستمرة منذ ثلاثة عقود»، وتوقع سنداً دولياً واسعاً لبلاده في المؤتمر باتجاه إعفاء ديونها، ومساعدتها على الخروج من أزمتها الاقتصادية، وتشجيع الاستثمارات الدولية.
وقال عمر، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن الحكومة الانتقالية تواجه انتقادات من اتجاهين: أحدهما يصفها بأنها «هبوط ناعم» بمواجهة تصفية تركة نظام الإسلاميين، بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، فيما ينتقد الاتجاه الآخر خطوات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران) وإزالة الفساد، ويعدها «خشنة أكثر من اللازم» تجاه عناصر النظام السابق.
واعترف عمر بالصعوبات التي تواجه العلاقة بين العسكريين والمدنيين في الحكومة الانتقالية، بيد أنه وصفها بـ«الطبيعية المتوقعة»، وأرجعها إلى «التعقيدات التاريخية» التي لازمت علاقات العسكريين والمدنيين في السودان، وأضاف: «هذا نموذج الفترة الانتقالية، وهو غير مبرأ من العيوب... رغم الشوائب والتوترات وميراث عدم الثقة، فإن الشراكة ضرورية للانتقال، ولا يجب دفن رؤوسنا في الرمال عن المشكلات الموجودة فيها، ويجب مواجهتها بشجاعة ووضوح حتى لا تهدد الانتقال»... وفيما يلي نص الحوار:
> ماذا تحملون لمؤتمر شركاء السودان في باريس؟
- يعد مؤتمر شركاء السودان في باريس محطة مهمة في مسيرة الحكومة الانتقالية، فهو يهدف لكسر العزلة عن السودان، وإعادة إدماجها في الأسرة الدولية، ويتناول قضية الاستثمار وقضية إعفاء الديون. وسيشهد المؤتمر ملتقى استثمارياً استعدت له الحكومة والقطاع الخاص، وتم تنظيم «بروفات» للوقوف على الاستعدادات. وسيقدم رئيس الوزراء خلاله أوراق عمل، وعرضاً شاملاً لأهم القطاعات المطروحة للاستثمار في البنية التحتية والطاقة والزراعة والتعدين والتحول الرقمي.
> وملف الديون؟
- اجتاز السودان المراجعة الثانية لصندوق النقد الدولي أخيراً، وبذلك سيشق طريقه لمرحلة اتخاذ القرار، بالاستفادة من مبادرة إعفاء ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك). وخلال المؤتمر، ستسدد متأخرات ديون صندوق النقد الدولي، بقرض تجسيري مقدم من فرنسا، ومتأخرات الديون للبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، إضافة إلى التزامات الدول المختلفة، بالإعفاء الكامل للسودان من الديون ابتداء من شهر يونيو (حزيران) المقبل. لكن العلامة البارزة للمؤتمر أنه إعلان ضخم مدوٍ للعالم عن أن السودان قد عاد بعد ثلاثة عقود من الانغلاق الكامل.
> تراهن على المؤتمر بشكل كبير... ماذا لو لم يحقق السودان أهدافه منه؟
- يأتي الرهان على المؤتمر في سياقه وحجمه الطبيعي؛ قمنا بعمل كبير داخلي في الإصلاحات الاقتصادية، يتمثل في زيادة الإيرادات، وترشيد الصرف وتوجيهه بصورة صحيحة للأولويات، مثل السلع الاستراتيجية والتنمية والإنتاج. المؤتمر سيكمل هذا الجهد. وبناء على التقييمات والإعداد، نتوقع أثراً إيجابياً.
> هل حصلتم على وعود محددة من دول؟
- تنظم المؤتمر فرنسا، وهي دولة مهمة في العالم، وهذا دلالة على اهتمامها والتزامها، إلى جانب مشاركة قيادات عالمية من دول مهمة كبيرة. وقد أُجريت خلال الأيام الماضية اتصالات كثيرة بقادة العالم لحثهم على المشاركة، ودعم السودان خلال المرحلة الانتقالية الدقيقة.
> ماذا تتوقعون من المؤتمر؟
- بشكل أساسي، نتوقع تعزيز بيئة الاستثمار، واجتذاب استثمارات عالمية كبيرة، والحصول على دفعة قوية لإعفاء الديون.
> كيف سيؤثر المؤتمر على الأوضاع في البلاد؟
- تتمثل تأثيراته في إعفاء الديون، واجتذاب استثمارات، وإقامة شراكات عالمية مهمة؛ وهذا أثر اقتصادي كبير، إلى جانب الأثر السياسي المهم الذي سيحدثه، بإنهاء عزلة السودان الذي ظل طوال ثلاثة عقود معزولاً منبوذاً في العالم. إن مؤتمر باريس كرنفال احتفاء بالسودان من فرنسا ودول العالم الكبرى سيعيده لمواقعه، وربما أفضل مما كان عليه في السابق.
> تُنتقد الحكومة الانتقالية لتركيزها على الملفات الخارجية دون الداخلية...
- يحمل برنامج الحكومة الانتقالية الثانية الذي أجيز في فبراير (شباط) ومارس (آذار) الماضيين 5 أولويات رئيسية، واحدة منها العلاقات الخارجية، وتعمل الحكومة على الربط بين هذه الملفات. العمل الأساسي هنا داخل السودان، لكن لا يمكن تجاهل دور التأثير الإقليمي والدولي، فهو قد يكون إيجابياً أو سلبياً، ولهذا نبذل جهدنا لتحسين العلاقات الخارجية، بما يعظم الأثر الإيجابي. الملفات الأربعة الأخرى داخلية بامتياز، وهناك تركيز عليها.
> ما زالت الأزمة الاقتصادية تطحن الناس رغم إجراءات الجراحة القاسية...
- لا يمكن إصلاح خراب ثلاثين عاماً في عام ونصف العام. موضوعياً، يمكن القول إن هناك تقدماً في بعض الملفات وتأخراً في أخرى؛ حدث تقدم في ملف السلام بتوقيع اتفاقية جوبا، وهناك عمل مهم لإلحاق «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو (بالاتفاق). أما اقتصادياً، فقد اتخذت قرارات مهمة لإزالة التشوهات في جسد الاقتصاد السوداني، وقطعت خطوات كبيرة.
بالتأكيد هناك مشكلات تتعلق بحياة المواطنين. لكن بنظرة موضوعية، حدث بعض الانفراج في عدد من الملفات، مثل توفير القمح. أما بشأن الطاقة والوقود، فتوجد بعض الصعوبات، وقد تم إعداد خطط لمواجهتها، ونتوقع خلال هذا الشهر تحسناً في مجال الطاقة. صحيح لم تحل المشكلات جذرياً، لكن هناك خططاً واضحة لحلها، إضافة إلى الملفات الأخرى الأمنية والخارجية والإصلاح المؤسسي.
ولا يمكن حل كل مشكلات السودان خلال الفترة الانتقالية التي تبلغ 3 سنوات و3 أشهر في سنة ونصف السنة. ولو كان ذلك ممكناً لاقتصرت الفترة الانتقالية على هذه السنة ونصف. وبعد تمديد مدة الانتقال باتفاق سلام جوبا، إذا سارت الأمور وفقاً للبرامج المخططة، يمكننا تحقيق أهداف المرحلة الانتقالية بامتياز.
> لكن ماذا عن وقف التداعي على الأقل؟
- من دون شك هناك ضائقة حقيقية، لكن الحقيقة أنها بالأساس موروثة لم تخلقها الحكومة الانتقالية التي وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع ملفات اقتصادية في غاية التعقيد؛ تزيد الديون على 60 مليار دولار، مع بنية إنتاجية محطمة بالكامل، وإيرادات ضعيفة جداً، في مواجهة التزامات عالية. والناس يسألون عن السند الخارجي، لكنه متوقف الآن في الإطار السياسي، ناهيك من الاقتصادي.
هناك مشكلات حقيقية في جهاز الدولة جعلت فاعليته ضعيفة، وأسهمت في تعقيد مهمة الإصلاح الاقتصادي. وبالمقارنة، خصوصاً في الأشهر الأخيرة، نلحظ تقدماً واضحاً في بعض الملفات، فتحريك سعر الصرف خلال 3 أشهر تأرجح في حدود 5 في المائة، وهذا تأرجح محدود جداً، مقارنة بتجارب الدول المشابهة التي حركت سعر الصرف. أما بقية الملفات، مثل القمح، فقد كان هناك شح خانق، أما الآن، بالإنتاج المحلي وخطوات قامت بها الحكومة، فقد أصبح لدينا مخزون يكفي البلاد لنهاية العام. وبمقارنة وضع الكهرباء والوقود مع الشهر الماضي، نلحظ تقدماً واضحاً ملموساً، كما أن هناك خطوات كبيرة لحل مشكلة شح الدواء، بتوفير موارد أحدثت انفراجاً نسبياً في الملف، فقضية الضائقة المعيشية معقدة، تغالب الحكومة الانتقالية وتبذل كل الجهد للتغلب عليها وحلها جذرياً.
> تتهم الحكومة بالتردد في ملف إصلاح الخدمة المدنية، وإعادة تثويرها، وبأنكم أصبحتم جزءاً من «الهبوط الناعم»، وتتعاملون بنعومة مع ما يفعله فلول النظام المعزول...
- تأتينا الاتهامات من اتجاهين: بعضهم يتحدث عن «الهبوط الناعم»، والآخرون ينتقدون لجنة إزالة التمكين، ويقولون إنها توقف الناس من دون محددات، وإنها خشنة أكثر من اللازم مع عناصر النظام البائد؛ هذا أمر نسبي، فالحكم على إطلاقه في الجهتين ليس صحيحاً، فهناك تمكين وتخريب في الخدمة استمر 30 عاماً، وتفكيكه جزء من المهام، لكن في الوقت ذاته لن تنصلح الخدمة بإزالة عناصر النظام البائد فقط. وتعمل الحكومة على موضوع الإصلاح الجذري للخدمة المدنية، وقبل أسابيع استعنا بواحد من أهم بيوت الخبرة العالمية لعمل تقييم للخدمة المدنية، ليساعدنا فنياً ولوجيستياً في الإصلاح الجذري؛ هذا مشروع يستغرق سنوات، وليس يوماً وليلة. هناك إرادة سياسية لتطهير الخدمة المدنية من سيطرة النظام البائد، وأدواته وآلياته وفساده، وإحداث الإصلاح الجذري داخلها.
> المنظومة الأمنية عاجزة عن توفير الأمن وحماية المواطنين، ما زاد معدلات الجرائم الغريبة، والحكومة متهمة بأنها لا تتعامل معه بشكل صارم...
- جزء من تخريب النظام البائد هو تخريب المنظومة الأمنية، فقد قسمها وجعلها مخترفة بواسطة عناصره، وغير في ثقافتها، بما يصعب قبولها للتحول الديمقراطي، لذا تقاومه في داخلها، بما يجعل إصلاحها أكثر صعوبة. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك خطوات تضمنت تغيير قيادات الشرطة، وإعادة المفصولين السابقين إليها، ومراجعة هيكليتها، وتوفير الموارد اللازمة، وهي مثل غيرها من الملفات لا تعالج بين ليلة وضحاها.
وتتعامل الحكومة بالجدية الممكنة في الملف الأمني، لكن الحوادث التي تحدث هنا وهناك متوقعة بسبب السيولة السياسية التي ترافق فترات الانتقال، والتي يتوقع أن يزداد الخطر الأمني فيها. لكن بمقارنة السودان بدول في محيطة مرت بتجربته، فنسبياً الأداء عندنا أفضل، إذ نتصدى أولاً بأول لكل المشكلات، وبكل الجدية الممكنة للسيطرة على الأمن، لكن التحسن الكامل مرتبط بتحسن أداء المنظومة الأمنية، إحدى أولويات الحكومة الخمس.
> من المقرر إجراء جولات تفاوض مع «الحركة الشعبية»، بقيادة عبد العزيز الحلو، في جوبا، في الـ24 من الشهر الحالي... هل تتواصلون مع عبد الواحد محمد نور؟
- تتواصل جهات كثيرة داخلية وخارجية مع عبد الواحد لحثه على الالتحاق بالعملية السلمية، فالحكومة جادة في أن يكون السلام شاملاً جاداً، ونشجع الرفيق عبد الواحد ليكون جزءاً من العملية السلمية، لأن كل ما ينادي به مكانه طاولة الحوار، فلو أغلقت قنواته يصعب حل القضايا. ونحن متفائلون بأن تحقق الاتصالات الكثيرة معه أثراً إيجابياً ليكون جزءاً من التفاوض.
> مرت نحو 7 أشهر على توقيع اتفاقية جوبا، وتقاسمتم السلطة، ولكن لم ينجز الكثير... ما المعوقات؟
- المعوق الأكبر هو التمويل؛ أي اتفاقية سلام بحاجة لموارد مالية لتنزل بها من الأوراق، ويحسها المتأثرون من الحرب، وموارد الدولة شحيحة للغاية، ولم يتم تمويل عملية السلام من أي جهة غير المصادر المحلية، وهو ما أعاق تنفيذ كثير من بنود الاتفاق.
كذلك أخذ التفاوض على آليات التنفيذ وقتاً طويلاً بسبب الآراء المختلفة، لكن الاتفاق على الآليات اكتمل، ونعقد اجتماعات مكثفة لآليات تنفيذ الاتفاق لإعادة ترتيب مصفوفة التنفيذ، ووضعها مجدداً في المسار الصحيح.
> شكلتم لجاناً كثيرة لدرجة وصفكم بـ«حكومة اللجان»، لكنها لا تقدم تقاريرها للرأي العام...
- بالتأكيد، على كل لجنة الوصول لخلاصات. ومن تجربتنا القصيرة، هذا الكلام صحيح، فلجنة تقصي حقائق أزمة المواد البترولية، آخر لجنة كُونت، قدمت للرأي العام خلاصة تحقيقاتها خلال 3 أسابيع، حتى بوجود إخفاقات نحن عازمون على معالجتها والتصدي لها.
> أشير إلى لجنة مهمة جداً هي لجنة التحقيق في محاولة اغتيال رئيس الوزراء؛ لنحو عامين لا أحد يعرف ماذا هناك...
- هذه واحدة من اللجان التي لم تصل إلى نتائج نهائية في الأمر بسبب عوامل كثيرة، لكن هناك متابعة ودفعاً من جهات عدة لتصل إلى خلاصات يتم إعلانها للرأي العام، مع معاقبة المتسببين في الحادثة.
> حتى لجنة التحقيق في أحداث فض الاعتصام تحولت للجنة كلامية...
- فعلاً، هذا الملف بحاجة لمعالجة عاجلة سريعة، على الرغم من أنه ملف معقد للغاية، والعمل الذي تقوم به اللجنة للوصول إلى حقائق نهائية صعب جداً، لكن أيضاً من المفهوم التململ بسبب تأخر تقرير اللجنة؛ هي لجنة عدلية مستقلة. لكن بالتواصل معها، من الواضح أنها في المراحل الأخيرة لإنجاز عملها. ونحن في الحكومة حاضرون لتوفير كل السند اللازم لإكمال مهمتها بأفضل صورة ممكنة.
> ملف الفشقة مقرون بملف «سد النهضة»... هل أدى تغيير السودان لمواقفه السابقة إلى فقده كل أوراق اللعب؟
- لم تتغير مواقف السودان من القضيتين، ففي موضوع «سد النهضة»، يتبنى موقفاً إيجابياً من قيام السد، وفقط يشترط التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، وهذا موقف ثابت. ما حدث هو تغير الموقف الإثيوبي، وتنفيذ الملء الأول بصورة أحادية، والشروع الآن في ملء ثانٍ يتضرر منه السودان من دون اتفاق ملزم.
أما موضوع الفشقة، فموقفنا ثابت منذ 1902: هي أرض سودانية تم اغتصابها واحتلالها، والسودان قائم بتصحيح وضعية مختلة، مسنوداً بالقانون الدولي والشرعية الدولية، وتثبت العلامات الحدودية على الأرض سودانية الفشقة. وقد ظل السودان باستمرار يتمسك بأرضه، مصمماً على عدم التفريط في سيادته عليها، من دون أن يرفض أي شكل من أشكال التعاون مع الجارة إثيوبيا، بما لا يخل بسيادته وسيطرته على أراضيه.
> ماذا لو تعنت الإثيوبيون؟
- نحن أصحاب حق، وسيطرق السودان كل الأبواب لإيقاف الضرر الواقع عليه، لأن خطوة الملء الأحادي مهدد مباشر لأمنه القومي، ولن نقف مكتوفي الأيدي في هذا الأمر. هذه معركة الشعب السوداني كله.
> زار أكثر من مسؤول أميركي السودان في الأيام الماضية، وملفات السد والتوتر الحدودي مع إثيوبيا هي المسيطرة... ما خلاصة الزيارات؟ وهل دعموا الموقف السوداني أم أنهم بصدد مبادرة؟
- هناك تفهم كبير لموقف السودان، ويتضح ذلك حتى في التصريحات التي أدلوا بها، لأنه موقف موضوعي، ويقف الحق معه في كلا القضيتين. قلنا لهم إننا متمسكون بالحل السلمي السياسي، ولا نريد توترات وتصعيداً مع جارتنا إثيوبيا. الحوارات معهم كانت إيجابية للغاية، ونبارك دور الوسطاء المختلفين للوصول إلى حل في الوقت المناسب.
> هل اقترب موقف السودان من مصر أكثر؟
- مصر دولة جارة شقيقة، يربطنا بها رباط عميق في التاريخ والجغرافيا، وهناك مشتركات كثيرة بيننا في ملف «سد النهضة». ومنذ البداية، تحدث السودان عن اتفاق يشمل الجميع ويقرب بينهم، والبناء على ما يوحدنا ويجمعنا.
> ما العوامل التي تحدد قرب السودان من أي من الطرفين؟
- النقطة الأساسية لأي تقارب هي المصلحة المشتركة لشعوب البلدان الثلاثة. وقد عملت الحكومة الانتقالية منذ تكوينها على كيفية إعادة تأسيس علاقات السودان مع جيرانه بأسس صحية إيجابية تخالف الموروث من الماضي، وبذلت الجهد المطلوب مع الجوار لإعادة تأسيس العلاقات وفقاً للمصالح المشتركة.
> تزعم إثيوبيا أن السودان يدرب قوات تابعة لجبهة تحرير تيغراي... إلى ماذا تستند؟
- هذا أمر غير صحيح، وبلا سند، لأننا لا يمكن أن نكون عنصر عدم استقرار في إثيوبيا، ونعلم أن استقرارها من استقرار السودان، والعكس، ولا يمكننا التورط في عمل عدائي تجاه الأشقاء في إثيوبيا. وما يجري داخل إثيوبيا شأن داخلي إثيوبي.
> لكن لماذا يتهمون السودان ما دامت الرؤية بهذا الوضوح؟
- الموقف الإثيوبي في القضيتين المتعلقتين بالسودان (السد والحدود) موقف متأثر بالوضع الداخلي لإثيوبيا، ما خلق صعوبات حتى للقيادة الإثيوبية، فكل المخاطبات الواردة من هنا وهناك مربوطة بالوضع الداخلي الإثيوبي، أكثر من كونها مربوطة بحقائق على الأرض.
> تزعم المعارضة أن المجموعة المدنية مستسلمة للعسكريين، وقد تحولت لأدوات لهم... هل العلاقة بين الطرفين علاقة مثمرة أم علاقة تشاكس؟
- منذ ذهب الثوار إلى القيادة العامة في 6 أبريل (نيسان)، كان التصور أن المرحلة الانتقالية مرحلة تضامنية بين المدنيين والعسكريين لإنجاز مشروع الانتقال. في النهاية، هذا هو «نموذج المرحلة الانتقالية»، من دون أن يعني ذلك أنه مبرأ من العيوب، ففيه نواقص، وهو يواجه صعوبات حقيقية ناتجة من إرث ممتد منذ الاستقلال.
العلاقة بين المدنيين والعسكريين في الأصل بها شوائب وتوترات وميراث من عدم الثقة والمواجهات والتصورات المختلفة لإدارة الدولة، وهذه قضية رئيسية مرتبطة بنشوء الدولة السودانية الحديثة، ولا تحل بين عشية وضحاها. ومن المتوقع أن تشهد العلاقة -من دون أن يكون فيها فصام- تعقيدات كثيرة. لكنها شراكة ضرورية لنجاح الانتقال، ولا يجب أن ندفن رؤوسنا في الرمال عن المشكلات الموجودة داخلها، وما لم نواجهها بشجاعة ووضوح، سيتم تهديد الانتقال. نحن اخترنا من داخل هذه الشراكة مواجهة المشكلات بوضوح، بما يؤدي إلى انتقال ديمقراطي، وتصفية النظام القديم.
> هل أدى هذا إلى تأخير التوافق على تكوين جهاز الأمن الداخلي؟
- ليس جهاز الأمن الداخلي وحده، بل هناك ملفات كثيرة صاحب تنفيذها بطء، ليس بسبب الشراكة بين المدنيين والعسكريين وحدها، ولكن لأن الفترة الانتقالية فترة تمثيل واسع لأطياف مختلفة. وتقوم العلاقة بينها على التوافق، وتحقيق الإجماع قد يؤخر التقدم، ويتسبب في أن يكون بطيئاً بسبب صعوبة الجمع بين الآراء المختلفة. وبالتأكيد تعقيدات العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وداخل المدنيين والعسكريين أنفسهم، تتسبب ببطء بعض الملفات.
> هل ناقش مجلس الوزراء قانون جهاز الأمن الداخلي؟
- لم يدخل القانون مجلس الوزراء قطعاً. والقانون الذي تسرب قال وزير العدل إنه تسرب من داخل الوزارة قبل أن تكمل عملها، وأصدقك القول إن مجلس الوزراء اطلع عليه في أثناء تداوله في الوسائط؛ هو قانون مرفوض جملة وتفصيلاً. نحن نتحدث عن جهاز أمن داخلي ضمن إطار ديمقراطي، ومن الواضح أن المحددات المطلوبة له لا يوفرها القانون المتداول. وتعمل وزارة العدل على استكمال صياغة مشروع قانون لعرضه على مجلس الوزراء في أسرع فرصة.



«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

https://x.com/mohdsalj/status/2108508784049926499

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً. كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة. وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية. وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية. كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.


التصعيد الحوثي يستنزف الخدمات الصحية ويفاقم النزوح

آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)
آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)
TT

التصعيد الحوثي يستنزف الخدمات الصحية ويفاقم النزوح

آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)
آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)

تتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع اتساع رقعة التصعيد الحوثي، وارتفاع أعداد القتلى والجرحى إلى أكثر من خمسة آلاف منذ أغسطس (آب) الماضي، بالتزامن مع نزوح نحو 200 ألف شخص وتزايد الإصابات المشتبه بها بالكوليرا والحصبة.

وفي حين تحذر الأمم المتحدة من فجوات الرعاية ومخاطر الأوبئة، تواجه الخدمات الصحية صعوبات متنامية في الوصول إلى المصابين وتوفير الرعاية الطارئة، خصوصاً في مناطق المواجهات ومخيمات النازحين.

وتشير بيانات كتلة الصحة التابعة للأمم المتحدة إلى تسجيل 5166 ضحية منذ 6 أغسطس (آب) الماضي، بينهم 959 قتيلاً، فيما سجلت البيانات 685 ضحية جديدة خلال ستة أيام، بمتوسط 114 حالة يومياً، مقارنة بنحو 101 حالة يومياً خلال الفترة السابقة، في مؤشر على استمرار تصاعد الخسائر المرتبطة بالنزاع.

وتبرز محافظة تعز (جنوب غرب) باعتبارها إحدى أكثر الجبهات دموية خلال الفترة الأخيرة، إذ ارتفع متوسط الضحايا اليومي فيها من ثماني حالات إلى 109 خلال أسبوع، بالتزامن مع انتقال القتال إلى مدينة تعز. كما وردت تقارير أولية عن سقوط ضحايا في حضرموت والجوف، بينما لا تزال محافظتا لحج ومأرب تواجهان مستويات مرتفعة من العنف والخسائر.

أطفال في مخيم للنازحين بالقرب من عدن شردهم الحوثيون مع عائلاتهم (رويترز)

وفي موازاة الخسائر البشرية، تتسع حركة النزوح وتزداد الضغوط على المجتمعات المضيفة، فيما تواجه الفرق الطبية صعوبات في الوصول إلى الجرحى، وسط نقص في نقاط تثبيت الإصابات والإمدادات العلاجية، وتراجع القدرة على الاستجابة للاحتياجات الصحية المتزايدة.

وتواجه الفرق الطبية العاملة قرب خطوط المواجهة تحدياً حاسماً يتمثل في صعوبة الوصول السريع إلى المصابين. ويؤدي نقص نقاط تثبيت الإصابات بالقرب من جبهات القتال إلى إهدار ما يُعرف بـ«الساعة الذهبية»، وهي الفترة الحرجة التي يمكن خلالها تقديم التدخلات الطبية العاجلة وزيادة فرص إنقاذ حياة المصاب.

وتعد نقاط تثبيت الإصابات من المستوى الأول إحدى أبرز الثغرات في الاستجابة الصحية الحالية. فمن أصل 20 نقطة مخططاً لها، لا تزال ست نقاط من دون دعم من الشركاء، ما يحد من قدرة النظام الصحي على تثبيت حالات الإصابة ونقل المرضى إلى غرف العمليات خلال الساعة الأولى من الإصابة.

صعوبات في تقديم الخدمات الطبية على خطوط المواجهة مع الحوثيين (إعلام محلي)

وتزداد صعوبة رصد الأوضاع الإنسانية بفعل انقطاع الاتصالات والمخاطر الأمنية، وفق البيانات المتاحة، التي يرجح العاملون في المجال الإنساني أنها لا تعكس الحجم الكامل للخسائر الفعلية. كما يواجه التحقق من التقارير المتعلقة بالهجمات على مرافق الرعاية الصحية صعوبات كبيرة في ظل استمرار القتال.

نزوح وأوبئة

لا تقتصر تداعيات التصعيد الحوثي على القتلى والجرحى، إذ تشير البيانات إلى نزوح نحو 200 ألف شخص، بينهم 29.519 أسرة في عشر محافظات، بزيادة قدرها 8 في المائة خلال خمسة أيام فقط.

وسُجل نحو ثلثي الزيادة الأخيرة في أعداد النازحين بمحافظة لحج، بما يعكس حجم الضغوط التي يفرضها استمرار القتال على السكان المحليين والمجتمعات المضيفة، التي تواجه احتياجات متزايدة في مجالات الإيواء والخدمات الأساسية والرعاية الصحية.

مخيمات نزوح في اليمن تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة (إعلام محلي)

وامتدت حركة النزوح بصورة أكبر إلى المحافظات الشرقية، بما فيها حضرموت والمهرة وشبوة. ويحصي التقرير الموحد 454 أسرة نازحة في هذه المحافظات، مقارنة بـ201 أسرة في 23 سبتمبر (أيلول).

وفي حضرموت، أفاد مركز المكلا بوجود 429 أسرة إضافية في منطقة العبر بوادي حضرموت، لم تُدرج بعد ضمن التقرير الموحد، ما يرجح أن تكون الأعداد الفعلية للنازحين أعلى من الأرقام المعلنة.

وعلى صعيد النزوح عبر الحدود، أفادت البيانات بأن أكثر من 3600 شخص عبروا إلى جيبوتي، في تطور يعكس امتداد التداعيات الإنسانية للنزاع إلى خارج اليمن.

في ظل اتساع النزوح وتدهور الظروف المعيشية والصحية، تزداد المخاوف من انتشار الأوبئة، مع ارتفاع حالات الكوليرا والحصبة واتساع فجوات التحصين، إلى جانب تسجيل معدلات مقلقة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال النازحين.

المدنيون يدفعون ثمن التصعيد الحوثي في عدد من المحافظات (إعلام محلي)

وأظهرت بيانات الترصد ارتفاع الحالات المشتبه بإصابتها بالكوليرا إلى 647 حالة خلال الأسبوع التاسع والثلاثين، مقارنة بـ217 حالة في الأسبوع السادس والثلاثين، أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف خلال ثلاثة أسابيع.

وتتزامن زيادة الإصابات بالكوليرا مع انتشار الحصبة، في ظل اتساع فجوة المناعة بفعل النزوح والاكتظاظ في مناطق تجمع الأسر المتضررة، وهو ما يزيد المخاطر الصحية على الأطفال، خصوصاً الذين يعانون من سوء التغذية.

سوء التغذية

في مؤشر آخر على تدهور الظروف الصحية والمعيشية، كشفت عمليات الفحص التي أجرتها الفرق الطبية المتنقلة التابعة للهيئة الطبية الدولية عن معدلات مرتفعة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال النازحين.

فارون من التصعيد الحوثي في محافظة تعز (إعلام محلي)

ومن بين 54 طفلاً نازحاً دون سن الخامسة خضعوا للفحص، تبين أن تسعة أطفال يعانون من سوء تغذية حاد شديد، و29 طفلاً من سوء تغذية حاد متوسط، بما يعكس حجم الاحتياجات الغذائية والعلاجية لدى الفئات الأكثر ضعفاً.

وتزداد المخاوف مع نفاد مخزون الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام في خمس منشآت صحية على الأقل، ونفاد مخزون الأغذية التكميلية في ثلاث منشآت، ما يهدد قدرة المرافق على تقديم العلاج للأطفال الأكثر عرضة للمضاعفات.