وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني: شراكة المدنيين والعسكريين ضرورية رغم صعوبتها

خالد عمر قال لـ«الشرق الأوسط» إن مؤتمر الشركاء في باريس «إعلان مدوٍ عن عودة السودان وإنهاء لعزلته الدولية»

وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)
وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)
TT

وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني: شراكة المدنيين والعسكريين ضرورية رغم صعوبتها

وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)
وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر (تصوير: مبارك الكردي)

وصف وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني، خالد عمر، مؤتمر شركاء السودان الذي ينعقد في العاصمة الفرنسية باريس الشهر الحالي، بأنه «إعلان ضخم مدوٍ للعالم عن عودة السودان من عزلته المستمرة منذ ثلاثة عقود»، وتوقع سنداً دولياً واسعاً لبلاده في المؤتمر باتجاه إعفاء ديونها، ومساعدتها على الخروج من أزمتها الاقتصادية، وتشجيع الاستثمارات الدولية.
وقال عمر، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن الحكومة الانتقالية تواجه انتقادات من اتجاهين: أحدهما يصفها بأنها «هبوط ناعم» بمواجهة تصفية تركة نظام الإسلاميين، بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، فيما ينتقد الاتجاه الآخر خطوات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران) وإزالة الفساد، ويعدها «خشنة أكثر من اللازم» تجاه عناصر النظام السابق.
واعترف عمر بالصعوبات التي تواجه العلاقة بين العسكريين والمدنيين في الحكومة الانتقالية، بيد أنه وصفها بـ«الطبيعية المتوقعة»، وأرجعها إلى «التعقيدات التاريخية» التي لازمت علاقات العسكريين والمدنيين في السودان، وأضاف: «هذا نموذج الفترة الانتقالية، وهو غير مبرأ من العيوب... رغم الشوائب والتوترات وميراث عدم الثقة، فإن الشراكة ضرورية للانتقال، ولا يجب دفن رؤوسنا في الرمال عن المشكلات الموجودة فيها، ويجب مواجهتها بشجاعة ووضوح حتى لا تهدد الانتقال»... وفيما يلي نص الحوار:
> ماذا تحملون لمؤتمر شركاء السودان في باريس؟
- يعد مؤتمر شركاء السودان في باريس محطة مهمة في مسيرة الحكومة الانتقالية، فهو يهدف لكسر العزلة عن السودان، وإعادة إدماجها في الأسرة الدولية، ويتناول قضية الاستثمار وقضية إعفاء الديون. وسيشهد المؤتمر ملتقى استثمارياً استعدت له الحكومة والقطاع الخاص، وتم تنظيم «بروفات» للوقوف على الاستعدادات. وسيقدم رئيس الوزراء خلاله أوراق عمل، وعرضاً شاملاً لأهم القطاعات المطروحة للاستثمار في البنية التحتية والطاقة والزراعة والتعدين والتحول الرقمي.
> وملف الديون؟
- اجتاز السودان المراجعة الثانية لصندوق النقد الدولي أخيراً، وبذلك سيشق طريقه لمرحلة اتخاذ القرار، بالاستفادة من مبادرة إعفاء ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك). وخلال المؤتمر، ستسدد متأخرات ديون صندوق النقد الدولي، بقرض تجسيري مقدم من فرنسا، ومتأخرات الديون للبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، إضافة إلى التزامات الدول المختلفة، بالإعفاء الكامل للسودان من الديون ابتداء من شهر يونيو (حزيران) المقبل. لكن العلامة البارزة للمؤتمر أنه إعلان ضخم مدوٍ للعالم عن أن السودان قد عاد بعد ثلاثة عقود من الانغلاق الكامل.
> تراهن على المؤتمر بشكل كبير... ماذا لو لم يحقق السودان أهدافه منه؟
- يأتي الرهان على المؤتمر في سياقه وحجمه الطبيعي؛ قمنا بعمل كبير داخلي في الإصلاحات الاقتصادية، يتمثل في زيادة الإيرادات، وترشيد الصرف وتوجيهه بصورة صحيحة للأولويات، مثل السلع الاستراتيجية والتنمية والإنتاج. المؤتمر سيكمل هذا الجهد. وبناء على التقييمات والإعداد، نتوقع أثراً إيجابياً.
> هل حصلتم على وعود محددة من دول؟
- تنظم المؤتمر فرنسا، وهي دولة مهمة في العالم، وهذا دلالة على اهتمامها والتزامها، إلى جانب مشاركة قيادات عالمية من دول مهمة كبيرة. وقد أُجريت خلال الأيام الماضية اتصالات كثيرة بقادة العالم لحثهم على المشاركة، ودعم السودان خلال المرحلة الانتقالية الدقيقة.
> ماذا تتوقعون من المؤتمر؟
- بشكل أساسي، نتوقع تعزيز بيئة الاستثمار، واجتذاب استثمارات عالمية كبيرة، والحصول على دفعة قوية لإعفاء الديون.
> كيف سيؤثر المؤتمر على الأوضاع في البلاد؟
- تتمثل تأثيراته في إعفاء الديون، واجتذاب استثمارات، وإقامة شراكات عالمية مهمة؛ وهذا أثر اقتصادي كبير، إلى جانب الأثر السياسي المهم الذي سيحدثه، بإنهاء عزلة السودان الذي ظل طوال ثلاثة عقود معزولاً منبوذاً في العالم. إن مؤتمر باريس كرنفال احتفاء بالسودان من فرنسا ودول العالم الكبرى سيعيده لمواقعه، وربما أفضل مما كان عليه في السابق.
> تُنتقد الحكومة الانتقالية لتركيزها على الملفات الخارجية دون الداخلية...
- يحمل برنامج الحكومة الانتقالية الثانية الذي أجيز في فبراير (شباط) ومارس (آذار) الماضيين 5 أولويات رئيسية، واحدة منها العلاقات الخارجية، وتعمل الحكومة على الربط بين هذه الملفات. العمل الأساسي هنا داخل السودان، لكن لا يمكن تجاهل دور التأثير الإقليمي والدولي، فهو قد يكون إيجابياً أو سلبياً، ولهذا نبذل جهدنا لتحسين العلاقات الخارجية، بما يعظم الأثر الإيجابي. الملفات الأربعة الأخرى داخلية بامتياز، وهناك تركيز عليها.
> ما زالت الأزمة الاقتصادية تطحن الناس رغم إجراءات الجراحة القاسية...
- لا يمكن إصلاح خراب ثلاثين عاماً في عام ونصف العام. موضوعياً، يمكن القول إن هناك تقدماً في بعض الملفات وتأخراً في أخرى؛ حدث تقدم في ملف السلام بتوقيع اتفاقية جوبا، وهناك عمل مهم لإلحاق «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو (بالاتفاق). أما اقتصادياً، فقد اتخذت قرارات مهمة لإزالة التشوهات في جسد الاقتصاد السوداني، وقطعت خطوات كبيرة.
بالتأكيد هناك مشكلات تتعلق بحياة المواطنين. لكن بنظرة موضوعية، حدث بعض الانفراج في عدد من الملفات، مثل توفير القمح. أما بشأن الطاقة والوقود، فتوجد بعض الصعوبات، وقد تم إعداد خطط لمواجهتها، ونتوقع خلال هذا الشهر تحسناً في مجال الطاقة. صحيح لم تحل المشكلات جذرياً، لكن هناك خططاً واضحة لحلها، إضافة إلى الملفات الأخرى الأمنية والخارجية والإصلاح المؤسسي.
ولا يمكن حل كل مشكلات السودان خلال الفترة الانتقالية التي تبلغ 3 سنوات و3 أشهر في سنة ونصف السنة. ولو كان ذلك ممكناً لاقتصرت الفترة الانتقالية على هذه السنة ونصف. وبعد تمديد مدة الانتقال باتفاق سلام جوبا، إذا سارت الأمور وفقاً للبرامج المخططة، يمكننا تحقيق أهداف المرحلة الانتقالية بامتياز.
> لكن ماذا عن وقف التداعي على الأقل؟
- من دون شك هناك ضائقة حقيقية، لكن الحقيقة أنها بالأساس موروثة لم تخلقها الحكومة الانتقالية التي وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع ملفات اقتصادية في غاية التعقيد؛ تزيد الديون على 60 مليار دولار، مع بنية إنتاجية محطمة بالكامل، وإيرادات ضعيفة جداً، في مواجهة التزامات عالية. والناس يسألون عن السند الخارجي، لكنه متوقف الآن في الإطار السياسي، ناهيك من الاقتصادي.
هناك مشكلات حقيقية في جهاز الدولة جعلت فاعليته ضعيفة، وأسهمت في تعقيد مهمة الإصلاح الاقتصادي. وبالمقارنة، خصوصاً في الأشهر الأخيرة، نلحظ تقدماً واضحاً في بعض الملفات، فتحريك سعر الصرف خلال 3 أشهر تأرجح في حدود 5 في المائة، وهذا تأرجح محدود جداً، مقارنة بتجارب الدول المشابهة التي حركت سعر الصرف. أما بقية الملفات، مثل القمح، فقد كان هناك شح خانق، أما الآن، بالإنتاج المحلي وخطوات قامت بها الحكومة، فقد أصبح لدينا مخزون يكفي البلاد لنهاية العام. وبمقارنة وضع الكهرباء والوقود مع الشهر الماضي، نلحظ تقدماً واضحاً ملموساً، كما أن هناك خطوات كبيرة لحل مشكلة شح الدواء، بتوفير موارد أحدثت انفراجاً نسبياً في الملف، فقضية الضائقة المعيشية معقدة، تغالب الحكومة الانتقالية وتبذل كل الجهد للتغلب عليها وحلها جذرياً.
> تتهم الحكومة بالتردد في ملف إصلاح الخدمة المدنية، وإعادة تثويرها، وبأنكم أصبحتم جزءاً من «الهبوط الناعم»، وتتعاملون بنعومة مع ما يفعله فلول النظام المعزول...
- تأتينا الاتهامات من اتجاهين: بعضهم يتحدث عن «الهبوط الناعم»، والآخرون ينتقدون لجنة إزالة التمكين، ويقولون إنها توقف الناس من دون محددات، وإنها خشنة أكثر من اللازم مع عناصر النظام البائد؛ هذا أمر نسبي، فالحكم على إطلاقه في الجهتين ليس صحيحاً، فهناك تمكين وتخريب في الخدمة استمر 30 عاماً، وتفكيكه جزء من المهام، لكن في الوقت ذاته لن تنصلح الخدمة بإزالة عناصر النظام البائد فقط. وتعمل الحكومة على موضوع الإصلاح الجذري للخدمة المدنية، وقبل أسابيع استعنا بواحد من أهم بيوت الخبرة العالمية لعمل تقييم للخدمة المدنية، ليساعدنا فنياً ولوجيستياً في الإصلاح الجذري؛ هذا مشروع يستغرق سنوات، وليس يوماً وليلة. هناك إرادة سياسية لتطهير الخدمة المدنية من سيطرة النظام البائد، وأدواته وآلياته وفساده، وإحداث الإصلاح الجذري داخلها.
> المنظومة الأمنية عاجزة عن توفير الأمن وحماية المواطنين، ما زاد معدلات الجرائم الغريبة، والحكومة متهمة بأنها لا تتعامل معه بشكل صارم...
- جزء من تخريب النظام البائد هو تخريب المنظومة الأمنية، فقد قسمها وجعلها مخترفة بواسطة عناصره، وغير في ثقافتها، بما يصعب قبولها للتحول الديمقراطي، لذا تقاومه في داخلها، بما يجعل إصلاحها أكثر صعوبة. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك خطوات تضمنت تغيير قيادات الشرطة، وإعادة المفصولين السابقين إليها، ومراجعة هيكليتها، وتوفير الموارد اللازمة، وهي مثل غيرها من الملفات لا تعالج بين ليلة وضحاها.
وتتعامل الحكومة بالجدية الممكنة في الملف الأمني، لكن الحوادث التي تحدث هنا وهناك متوقعة بسبب السيولة السياسية التي ترافق فترات الانتقال، والتي يتوقع أن يزداد الخطر الأمني فيها. لكن بمقارنة السودان بدول في محيطة مرت بتجربته، فنسبياً الأداء عندنا أفضل، إذ نتصدى أولاً بأول لكل المشكلات، وبكل الجدية الممكنة للسيطرة على الأمن، لكن التحسن الكامل مرتبط بتحسن أداء المنظومة الأمنية، إحدى أولويات الحكومة الخمس.
> من المقرر إجراء جولات تفاوض مع «الحركة الشعبية»، بقيادة عبد العزيز الحلو، في جوبا، في الـ24 من الشهر الحالي... هل تتواصلون مع عبد الواحد محمد نور؟
- تتواصل جهات كثيرة داخلية وخارجية مع عبد الواحد لحثه على الالتحاق بالعملية السلمية، فالحكومة جادة في أن يكون السلام شاملاً جاداً، ونشجع الرفيق عبد الواحد ليكون جزءاً من العملية السلمية، لأن كل ما ينادي به مكانه طاولة الحوار، فلو أغلقت قنواته يصعب حل القضايا. ونحن متفائلون بأن تحقق الاتصالات الكثيرة معه أثراً إيجابياً ليكون جزءاً من التفاوض.
> مرت نحو 7 أشهر على توقيع اتفاقية جوبا، وتقاسمتم السلطة، ولكن لم ينجز الكثير... ما المعوقات؟
- المعوق الأكبر هو التمويل؛ أي اتفاقية سلام بحاجة لموارد مالية لتنزل بها من الأوراق، ويحسها المتأثرون من الحرب، وموارد الدولة شحيحة للغاية، ولم يتم تمويل عملية السلام من أي جهة غير المصادر المحلية، وهو ما أعاق تنفيذ كثير من بنود الاتفاق.
كذلك أخذ التفاوض على آليات التنفيذ وقتاً طويلاً بسبب الآراء المختلفة، لكن الاتفاق على الآليات اكتمل، ونعقد اجتماعات مكثفة لآليات تنفيذ الاتفاق لإعادة ترتيب مصفوفة التنفيذ، ووضعها مجدداً في المسار الصحيح.
> شكلتم لجاناً كثيرة لدرجة وصفكم بـ«حكومة اللجان»، لكنها لا تقدم تقاريرها للرأي العام...
- بالتأكيد، على كل لجنة الوصول لخلاصات. ومن تجربتنا القصيرة، هذا الكلام صحيح، فلجنة تقصي حقائق أزمة المواد البترولية، آخر لجنة كُونت، قدمت للرأي العام خلاصة تحقيقاتها خلال 3 أسابيع، حتى بوجود إخفاقات نحن عازمون على معالجتها والتصدي لها.
> أشير إلى لجنة مهمة جداً هي لجنة التحقيق في محاولة اغتيال رئيس الوزراء؛ لنحو عامين لا أحد يعرف ماذا هناك...
- هذه واحدة من اللجان التي لم تصل إلى نتائج نهائية في الأمر بسبب عوامل كثيرة، لكن هناك متابعة ودفعاً من جهات عدة لتصل إلى خلاصات يتم إعلانها للرأي العام، مع معاقبة المتسببين في الحادثة.
> حتى لجنة التحقيق في أحداث فض الاعتصام تحولت للجنة كلامية...
- فعلاً، هذا الملف بحاجة لمعالجة عاجلة سريعة، على الرغم من أنه ملف معقد للغاية، والعمل الذي تقوم به اللجنة للوصول إلى حقائق نهائية صعب جداً، لكن أيضاً من المفهوم التململ بسبب تأخر تقرير اللجنة؛ هي لجنة عدلية مستقلة. لكن بالتواصل معها، من الواضح أنها في المراحل الأخيرة لإنجاز عملها. ونحن في الحكومة حاضرون لتوفير كل السند اللازم لإكمال مهمتها بأفضل صورة ممكنة.
> ملف الفشقة مقرون بملف «سد النهضة»... هل أدى تغيير السودان لمواقفه السابقة إلى فقده كل أوراق اللعب؟
- لم تتغير مواقف السودان من القضيتين، ففي موضوع «سد النهضة»، يتبنى موقفاً إيجابياً من قيام السد، وفقط يشترط التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، وهذا موقف ثابت. ما حدث هو تغير الموقف الإثيوبي، وتنفيذ الملء الأول بصورة أحادية، والشروع الآن في ملء ثانٍ يتضرر منه السودان من دون اتفاق ملزم.
أما موضوع الفشقة، فموقفنا ثابت منذ 1902: هي أرض سودانية تم اغتصابها واحتلالها، والسودان قائم بتصحيح وضعية مختلة، مسنوداً بالقانون الدولي والشرعية الدولية، وتثبت العلامات الحدودية على الأرض سودانية الفشقة. وقد ظل السودان باستمرار يتمسك بأرضه، مصمماً على عدم التفريط في سيادته عليها، من دون أن يرفض أي شكل من أشكال التعاون مع الجارة إثيوبيا، بما لا يخل بسيادته وسيطرته على أراضيه.
> ماذا لو تعنت الإثيوبيون؟
- نحن أصحاب حق، وسيطرق السودان كل الأبواب لإيقاف الضرر الواقع عليه، لأن خطوة الملء الأحادي مهدد مباشر لأمنه القومي، ولن نقف مكتوفي الأيدي في هذا الأمر. هذه معركة الشعب السوداني كله.
> زار أكثر من مسؤول أميركي السودان في الأيام الماضية، وملفات السد والتوتر الحدودي مع إثيوبيا هي المسيطرة... ما خلاصة الزيارات؟ وهل دعموا الموقف السوداني أم أنهم بصدد مبادرة؟
- هناك تفهم كبير لموقف السودان، ويتضح ذلك حتى في التصريحات التي أدلوا بها، لأنه موقف موضوعي، ويقف الحق معه في كلا القضيتين. قلنا لهم إننا متمسكون بالحل السلمي السياسي، ولا نريد توترات وتصعيداً مع جارتنا إثيوبيا. الحوارات معهم كانت إيجابية للغاية، ونبارك دور الوسطاء المختلفين للوصول إلى حل في الوقت المناسب.
> هل اقترب موقف السودان من مصر أكثر؟
- مصر دولة جارة شقيقة، يربطنا بها رباط عميق في التاريخ والجغرافيا، وهناك مشتركات كثيرة بيننا في ملف «سد النهضة». ومنذ البداية، تحدث السودان عن اتفاق يشمل الجميع ويقرب بينهم، والبناء على ما يوحدنا ويجمعنا.
> ما العوامل التي تحدد قرب السودان من أي من الطرفين؟
- النقطة الأساسية لأي تقارب هي المصلحة المشتركة لشعوب البلدان الثلاثة. وقد عملت الحكومة الانتقالية منذ تكوينها على كيفية إعادة تأسيس علاقات السودان مع جيرانه بأسس صحية إيجابية تخالف الموروث من الماضي، وبذلت الجهد المطلوب مع الجوار لإعادة تأسيس العلاقات وفقاً للمصالح المشتركة.
> تزعم إثيوبيا أن السودان يدرب قوات تابعة لجبهة تحرير تيغراي... إلى ماذا تستند؟
- هذا أمر غير صحيح، وبلا سند، لأننا لا يمكن أن نكون عنصر عدم استقرار في إثيوبيا، ونعلم أن استقرارها من استقرار السودان، والعكس، ولا يمكننا التورط في عمل عدائي تجاه الأشقاء في إثيوبيا. وما يجري داخل إثيوبيا شأن داخلي إثيوبي.
> لكن لماذا يتهمون السودان ما دامت الرؤية بهذا الوضوح؟
- الموقف الإثيوبي في القضيتين المتعلقتين بالسودان (السد والحدود) موقف متأثر بالوضع الداخلي لإثيوبيا، ما خلق صعوبات حتى للقيادة الإثيوبية، فكل المخاطبات الواردة من هنا وهناك مربوطة بالوضع الداخلي الإثيوبي، أكثر من كونها مربوطة بحقائق على الأرض.
> تزعم المعارضة أن المجموعة المدنية مستسلمة للعسكريين، وقد تحولت لأدوات لهم... هل العلاقة بين الطرفين علاقة مثمرة أم علاقة تشاكس؟
- منذ ذهب الثوار إلى القيادة العامة في 6 أبريل (نيسان)، كان التصور أن المرحلة الانتقالية مرحلة تضامنية بين المدنيين والعسكريين لإنجاز مشروع الانتقال. في النهاية، هذا هو «نموذج المرحلة الانتقالية»، من دون أن يعني ذلك أنه مبرأ من العيوب، ففيه نواقص، وهو يواجه صعوبات حقيقية ناتجة من إرث ممتد منذ الاستقلال.
العلاقة بين المدنيين والعسكريين في الأصل بها شوائب وتوترات وميراث من عدم الثقة والمواجهات والتصورات المختلفة لإدارة الدولة، وهذه قضية رئيسية مرتبطة بنشوء الدولة السودانية الحديثة، ولا تحل بين عشية وضحاها. ومن المتوقع أن تشهد العلاقة -من دون أن يكون فيها فصام- تعقيدات كثيرة. لكنها شراكة ضرورية لنجاح الانتقال، ولا يجب أن ندفن رؤوسنا في الرمال عن المشكلات الموجودة داخلها، وما لم نواجهها بشجاعة ووضوح، سيتم تهديد الانتقال. نحن اخترنا من داخل هذه الشراكة مواجهة المشكلات بوضوح، بما يؤدي إلى انتقال ديمقراطي، وتصفية النظام القديم.
> هل أدى هذا إلى تأخير التوافق على تكوين جهاز الأمن الداخلي؟
- ليس جهاز الأمن الداخلي وحده، بل هناك ملفات كثيرة صاحب تنفيذها بطء، ليس بسبب الشراكة بين المدنيين والعسكريين وحدها، ولكن لأن الفترة الانتقالية فترة تمثيل واسع لأطياف مختلفة. وتقوم العلاقة بينها على التوافق، وتحقيق الإجماع قد يؤخر التقدم، ويتسبب في أن يكون بطيئاً بسبب صعوبة الجمع بين الآراء المختلفة. وبالتأكيد تعقيدات العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وداخل المدنيين والعسكريين أنفسهم، تتسبب ببطء بعض الملفات.
> هل ناقش مجلس الوزراء قانون جهاز الأمن الداخلي؟
- لم يدخل القانون مجلس الوزراء قطعاً. والقانون الذي تسرب قال وزير العدل إنه تسرب من داخل الوزارة قبل أن تكمل عملها، وأصدقك القول إن مجلس الوزراء اطلع عليه في أثناء تداوله في الوسائط؛ هو قانون مرفوض جملة وتفصيلاً. نحن نتحدث عن جهاز أمن داخلي ضمن إطار ديمقراطي، ومن الواضح أن المحددات المطلوبة له لا يوفرها القانون المتداول. وتعمل وزارة العدل على استكمال صياغة مشروع قانون لعرضه على مجلس الوزراء في أسرع فرصة.



أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.