تطبيقات الذكاء الصناعي تتمدد في الإعلام الهندي

تطبيقات الذكاء الصناعي تتمدد في الإعلام الهندي
TT

تطبيقات الذكاء الصناعي تتمدد في الإعلام الهندي

تطبيقات الذكاء الصناعي تتمدد في الإعلام الهندي

يوماً بعد آخر، تتحول الهند إلى مركز للذكاء الصناعي. ويسمح الذكاء الصناعي للآلات بمحاكاة الذكاء البشري وقدرة الإنسان على التعلم، الأمر الذي يمكنها من الاضطلاع بمهام إدراكية معقدة. واحتلت الهند المرتبة الثالثة، بعد الولايات المتحدة الأميركية والصين على صعيد تطبيقات الذكاء الصناعي.
وتبعاً لدراسة عالمية أجرتها مؤسسة «برايس ووترهاوس كوبرز»، جاءت أعلى زيادة في معدلات استخدام الذكاء الصناعي خلال فترة جائحة فيروس «كوفيد - 19» داخل الهند. وسجلت الهند ارتفاعاً بنسبة 45% في استخدام الذكاء الصناعي، المعدل الأعلى بين دول العالم، بينما سجلت الولايات المتحدة زيادة بنسبة 35%، وفي بريطانيا 23% وفي اليابان 28%، وذلك في أعقاب تفشي الجائحة.
إلى جانب ذلك، فإن مستقبل الذكاء الصناعي في الهند ربما يتخذ مساراً مغايراً تماماً لما هو عليه الحال في بعض الدول المتقدمة. على سبيل المثال، يكشف البحث الصادر عن «برايس ووترهاوس كوبرز» أن غالبية استخدامات الذكاء الصناعي في الهند تركزت في مهام المكاتب الأمامية فيما يتعلق بالسعي لاكتساب إدراك أعمق للطلب وتحسين مستوى التفاعل ورضا العملاء.
بوصف الهند أسرع اقتصاديات العالم نمواً وثاني أكبر دول العالم من حيث عدد السكان، فإن لديها مصالح كبرى في ثورة الذكاء الصناعي. ولقد أشار رئيس شؤون الحكومة الإلكترونية الوطنية أبيشيك سنغ، إلى أن «الهند تحظى بأعلى معدل اختراق مهارات على مستوى العالم. ونحن بحاجة لتعزيز التعاون بين الحكومة والشركات في مجال الذكاء الصناعي. وقد جاءت الهند في المرتبة الثانية في ترتيب (مؤشر ستانفورد لحيوية الذكاء الصناعي) نظراً للقوة العاملة الضخمة لديها المتدربة بمجال الذكاء الصناعي. وتملك المعاهد التكنولوجية الرائدة لدينا مثل المعاهد الهندية للتكنولوجيا، وتُعرف اختصاراً باسم (آي آي تي)، والمعاهد الهندية لتكنولوجيا المعلومات (آي آي آي تي)، والمعاهد الوطنية للتكنولوجيا (إن آي تي)، إمكانات تؤهلها لأن تصبح معقل الباحثين والمؤسسات الناشئة بمجال تكنولوجيا المعلومات».

الإعلام والترفيه
أما في مجالي الإعلام والترفيه، فإنه شيئاً فشيئاً تتحول الهند من الاعتماد على الإنسان باتجاه الاعتماد على الآلة. وإلى جانب «أتمتة» العمليات اليومية أو التي تجري من دقيقة لأخرى، يعاون الذكاء الصناعي الشركات الهندية في اتخاذ قرارات استراتيجية. على سبيل المثال، تعتمد مؤسسات إعلامية وإذاعية رائدة على التعلم الآلي وتوليد اللغة الطبيعية لخلق تقارير أداء للقنوات من بيانات تحليلية خام الصادرة عن المجلس الهندي لأبحاث الجمهور.
وعادةً ما تَصدر بيانات أسبوعية عن المجلس الهندي لأبحاث الجمهوري في صورة جداول «إكسل» ضخمة. وكانت مسألة تحليل هذه الجداول بصورة أسبوعية لاستخلاص نتائج مفيدة منها، مهمة بالغة الضخامة أمام الفريق البشري المعنيّ بالتحليل.
ومن خلال الاعتماد على أدوات تحليل بيانات تعتمد على الذكاء الصناعي وأدوات كتابة تقارير تعتمد على تكنولوجيا توليد اللغة الطبيعية، أصبح باستطاعة قادة المؤسسات وضع تقارير أداء بلغة سهلة الفهم في وقت قصير، تحوي معلومات مفيدة ودقيقة يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات.
من جهته، قال نيراف باركه، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «في فريز» الناشئة في مجال الذكاء الصناعي، إن شركته تخوض مباحثات مع اثنتين من كبريات القنوات الإعلامية لنشر تكنولوجيا الذكاء الصناعي بهما. وأضاف: «رغم أن مجال الذكاء الصناعي لا ينمو داخل الهند بالسرعة التي تشهدها دول أخرى، فإن ثمة اهتماماً كبيراً تُبديه شركات الإعلام بهذا المجال، وتخطط هذه الشركات لإنجاز بيانات التحليل المالي من خلال روبوتات». واستطرد موضحاً: «بوجه عام، لا يميل الناس داخل الهند إلى الأتمتة كثيراً. في الوقت الحالي، يزداد أعداد القراء للمطبوعات في الهند في الوقت الذي تفقد وسائل الإعلام المطبوعة في الغرب جزءاً كبيراً من قرائها سنوياً. وفي اللحظة التي يتسطح فيها المؤشر أو يبدأ في الانخفاض، سينطلق حينها السعي الحثيث وراء الأتمتة».
مع ذلك، تجري تجارب في هذا الشأن. وفي هذا الصدد، قال ساتيان جاجواني، نائب رئيس إصدار «تايمز إنترنت»، شارحاً: «بدأنا في اختبار روبوتات بخصوص عدد من القصص الإخبارية المتمركزة حول بيانات، وسنُجري الفترة المقبلة بضعة اختبارات سعياً للحصول على معلومات استرجاعية».
لكن التساؤل الأكبر هنا هو: هل سيحل الذكاء الصناعي محل الصحافيين ويؤدي لموجة ضخمة من إجراءات تسريح العمالة؟
في هذا الصدد، يرى مانيش تشيبار، الصحافي البارز أن «هذا أمر في حكم المستحيل، بل سيعين الذكاء الصناعي الصحافيين على إنتاج محتوى يحمل طابعاً سلعياً أقل، ما يشكّل حاجة ماسّة أمام معظم المطبوعات اليوم. وسيحصل الصحافيون الجيدون دوماً على وظائف، ولا يمكن لأحد أن يحل محلهم في عالم الغد حين ستزداد الحاجة إليهم أكثر من أي وقت مضى». وأضاف تشيبار أن الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة التي تشكّل تحديات قوية «ستُجابَه بالاعتماد على الذكاء الصناعي... ولذا أعتقد أن الذكاء الصناعي سيوجد جنباً إلى جنب مع العنصر البشري داخل غرفة الأخبار كمساعد لفريق التحرير».
من ناحيته، قال فاسوفيدا فارما، الخبير في مجال تكنولوجيا المعلومات من «المعهد الهندي لتكنولوجيا المعلومات» في مدينة حيدر آباد: «من الممكن أتمتة صحافيي العلوم مستقبلاً. في مجال الصحافة، يتسم المحتوى بأهمية محورية، وليس الشخص الذي يكتب». في حين يقول كريشنا بهارات، مؤسس «غوغل نيوز»، إن أحد السبل التي تَستخدم من خلالها «غوغل نيوز» الذكاء الصناعي «يتمثل في نقل الأخبار الواردة من مختلف أرجاء العالم إلى مكان واحد يمكن للقراء من خلاله الاطلاع على وجهات نظر مختلفة، الأمر الذي يشجّعهم على القراءة بتوسع أكبر».
من ناحية أخرى، من المنتظر أن يشهد عام 2021 تنامياً في الإعلان الرقمي، خصوصاً الذكاء الصناعي والتعلم الآلي، بما يمكّن العاملين في مجال التسويق من إمداد جمهورهم بالمحتوى المحدد الذي يرغبونه، حسبما شرح أملان باتي، مدير الشؤون الرقمية لدى مؤسسة «ريلم إنديا». وتابه باتي: «بالنظر إلى أن كثيرين من عملائنا المستهدفين يستخدمون قنوات عبر الإنترنت، فإن توزيع مخصصات موازنتنا يميل دوماً بشدة نحو الاتجاه الرقمي، وبعد ذلك تأتي الوسائط الأخرى مثل التلفزيون ودور السينما والمطبوعات والراديو وسبل الإعلان الأخرى. ونتوقع من جانبنا أن يقترب الوضع من مستواه الطبيعي خلال الربع الثاني من عام 2021، بحيث تجدنا نعود إلى النمط المعتاد لدينا لتوزيع مخصصات الموازنة».
علاوة على ذلك، تخطط المؤسسة لتنفيذ مزيد من النشاطات التفاعلية وستعزّز وجودها خارج الإنترنت من خلال نشر متاجر لها عبر مختلف أرجاء الهند.
وعلى صعيد متصل، من الملاحَظ أن استخدام الذكاء الصناعي في إطار جهود رصد «كوفيد - 19» وتطوير اللقاحات وتقنيات التعرف على الوجوه مع ارتداء أقنعة حماية الوجه، نالت دَفعة كبرى في أثناء الجائحة. كذلك تعاونت الهند مع دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي وأستراليا لإطلاق «الشراكة العالمية حول الذكاء الصناعي». ويرمي هذا التحالف إلى تنمية الاستخدام المسؤول للذكاء الصناعي بحيث يأخذ في الاعتبار حقوق الإنسان ودمج جميع فئات المجتمع والتنوع والابتكار والنمو الاقتصادي.
علاوة على ذلك، فإن شركات مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» و«أمازون» تحاول تلبية احتياجات الحكومة المتعلقة بالحوسبة السحابية والتعلم الآلي. وتتسابق الشركات الكبرى للفوز بتعاقدات كبرى وتعزيز استثماراتها في مجال الابتكار التكنولوجي وتأسيس شركات جديدة ناشئة في مجال الذكاء الصناعي والبيانات، بينما تتحرك الحكومة الهندية بقوة نحو التحوّل الرقمي وتقرّ يوماً بعد آخر مزيداً من مبادرات الذكاء الصناعي.
مع ذلك، تجابه الهند بعض التحديات الكبرى في طريق إقرار الذكاء الصناعي. مثلاً، إذا تحدثنا عن الأبحاث في مجال الذكاء الصناعي والتعلم الآلي داخل الهند سنجده لا يزال في طور الطفولة. وعن هذا، قال ساتيش كومار الرئيس التنفيذي لشركة «إيفرست آي إم إس تكنولوجيز»، والتي يوجد مقرها في مدينة بنغالور (جنوب الهند)، إن «الهاردوير» بحاجة إلى تحديث كبير، مشيراً إلى أن غالبية الكومبيوترات الهائلة التي تساعد في دعم الذكاء الصناعي توجد في الغرب والصين. وشدد على أهمية أن تؤسس الهند بنية تحتية نشطة في مجال تكنولوجيا المعلومات.


مقالات ذات صلة

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.