تطبيقات الذكاء الصناعي تتمدد في الإعلام الهندي

تطبيقات الذكاء الصناعي تتمدد في الإعلام الهندي
TT

تطبيقات الذكاء الصناعي تتمدد في الإعلام الهندي

تطبيقات الذكاء الصناعي تتمدد في الإعلام الهندي

يوماً بعد آخر، تتحول الهند إلى مركز للذكاء الصناعي. ويسمح الذكاء الصناعي للآلات بمحاكاة الذكاء البشري وقدرة الإنسان على التعلم، الأمر الذي يمكنها من الاضطلاع بمهام إدراكية معقدة. واحتلت الهند المرتبة الثالثة، بعد الولايات المتحدة الأميركية والصين على صعيد تطبيقات الذكاء الصناعي.
وتبعاً لدراسة عالمية أجرتها مؤسسة «برايس ووترهاوس كوبرز»، جاءت أعلى زيادة في معدلات استخدام الذكاء الصناعي خلال فترة جائحة فيروس «كوفيد - 19» داخل الهند. وسجلت الهند ارتفاعاً بنسبة 45% في استخدام الذكاء الصناعي، المعدل الأعلى بين دول العالم، بينما سجلت الولايات المتحدة زيادة بنسبة 35%، وفي بريطانيا 23% وفي اليابان 28%، وذلك في أعقاب تفشي الجائحة.
إلى جانب ذلك، فإن مستقبل الذكاء الصناعي في الهند ربما يتخذ مساراً مغايراً تماماً لما هو عليه الحال في بعض الدول المتقدمة. على سبيل المثال، يكشف البحث الصادر عن «برايس ووترهاوس كوبرز» أن غالبية استخدامات الذكاء الصناعي في الهند تركزت في مهام المكاتب الأمامية فيما يتعلق بالسعي لاكتساب إدراك أعمق للطلب وتحسين مستوى التفاعل ورضا العملاء.
بوصف الهند أسرع اقتصاديات العالم نمواً وثاني أكبر دول العالم من حيث عدد السكان، فإن لديها مصالح كبرى في ثورة الذكاء الصناعي. ولقد أشار رئيس شؤون الحكومة الإلكترونية الوطنية أبيشيك سنغ، إلى أن «الهند تحظى بأعلى معدل اختراق مهارات على مستوى العالم. ونحن بحاجة لتعزيز التعاون بين الحكومة والشركات في مجال الذكاء الصناعي. وقد جاءت الهند في المرتبة الثانية في ترتيب (مؤشر ستانفورد لحيوية الذكاء الصناعي) نظراً للقوة العاملة الضخمة لديها المتدربة بمجال الذكاء الصناعي. وتملك المعاهد التكنولوجية الرائدة لدينا مثل المعاهد الهندية للتكنولوجيا، وتُعرف اختصاراً باسم (آي آي تي)، والمعاهد الهندية لتكنولوجيا المعلومات (آي آي آي تي)، والمعاهد الوطنية للتكنولوجيا (إن آي تي)، إمكانات تؤهلها لأن تصبح معقل الباحثين والمؤسسات الناشئة بمجال تكنولوجيا المعلومات».

الإعلام والترفيه
أما في مجالي الإعلام والترفيه، فإنه شيئاً فشيئاً تتحول الهند من الاعتماد على الإنسان باتجاه الاعتماد على الآلة. وإلى جانب «أتمتة» العمليات اليومية أو التي تجري من دقيقة لأخرى، يعاون الذكاء الصناعي الشركات الهندية في اتخاذ قرارات استراتيجية. على سبيل المثال، تعتمد مؤسسات إعلامية وإذاعية رائدة على التعلم الآلي وتوليد اللغة الطبيعية لخلق تقارير أداء للقنوات من بيانات تحليلية خام الصادرة عن المجلس الهندي لأبحاث الجمهور.
وعادةً ما تَصدر بيانات أسبوعية عن المجلس الهندي لأبحاث الجمهوري في صورة جداول «إكسل» ضخمة. وكانت مسألة تحليل هذه الجداول بصورة أسبوعية لاستخلاص نتائج مفيدة منها، مهمة بالغة الضخامة أمام الفريق البشري المعنيّ بالتحليل.
ومن خلال الاعتماد على أدوات تحليل بيانات تعتمد على الذكاء الصناعي وأدوات كتابة تقارير تعتمد على تكنولوجيا توليد اللغة الطبيعية، أصبح باستطاعة قادة المؤسسات وضع تقارير أداء بلغة سهلة الفهم في وقت قصير، تحوي معلومات مفيدة ودقيقة يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات.
من جهته، قال نيراف باركه، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «في فريز» الناشئة في مجال الذكاء الصناعي، إن شركته تخوض مباحثات مع اثنتين من كبريات القنوات الإعلامية لنشر تكنولوجيا الذكاء الصناعي بهما. وأضاف: «رغم أن مجال الذكاء الصناعي لا ينمو داخل الهند بالسرعة التي تشهدها دول أخرى، فإن ثمة اهتماماً كبيراً تُبديه شركات الإعلام بهذا المجال، وتخطط هذه الشركات لإنجاز بيانات التحليل المالي من خلال روبوتات». واستطرد موضحاً: «بوجه عام، لا يميل الناس داخل الهند إلى الأتمتة كثيراً. في الوقت الحالي، يزداد أعداد القراء للمطبوعات في الهند في الوقت الذي تفقد وسائل الإعلام المطبوعة في الغرب جزءاً كبيراً من قرائها سنوياً. وفي اللحظة التي يتسطح فيها المؤشر أو يبدأ في الانخفاض، سينطلق حينها السعي الحثيث وراء الأتمتة».
مع ذلك، تجري تجارب في هذا الشأن. وفي هذا الصدد، قال ساتيان جاجواني، نائب رئيس إصدار «تايمز إنترنت»، شارحاً: «بدأنا في اختبار روبوتات بخصوص عدد من القصص الإخبارية المتمركزة حول بيانات، وسنُجري الفترة المقبلة بضعة اختبارات سعياً للحصول على معلومات استرجاعية».
لكن التساؤل الأكبر هنا هو: هل سيحل الذكاء الصناعي محل الصحافيين ويؤدي لموجة ضخمة من إجراءات تسريح العمالة؟
في هذا الصدد، يرى مانيش تشيبار، الصحافي البارز أن «هذا أمر في حكم المستحيل، بل سيعين الذكاء الصناعي الصحافيين على إنتاج محتوى يحمل طابعاً سلعياً أقل، ما يشكّل حاجة ماسّة أمام معظم المطبوعات اليوم. وسيحصل الصحافيون الجيدون دوماً على وظائف، ولا يمكن لأحد أن يحل محلهم في عالم الغد حين ستزداد الحاجة إليهم أكثر من أي وقت مضى». وأضاف تشيبار أن الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة التي تشكّل تحديات قوية «ستُجابَه بالاعتماد على الذكاء الصناعي... ولذا أعتقد أن الذكاء الصناعي سيوجد جنباً إلى جنب مع العنصر البشري داخل غرفة الأخبار كمساعد لفريق التحرير».
من ناحيته، قال فاسوفيدا فارما، الخبير في مجال تكنولوجيا المعلومات من «المعهد الهندي لتكنولوجيا المعلومات» في مدينة حيدر آباد: «من الممكن أتمتة صحافيي العلوم مستقبلاً. في مجال الصحافة، يتسم المحتوى بأهمية محورية، وليس الشخص الذي يكتب». في حين يقول كريشنا بهارات، مؤسس «غوغل نيوز»، إن أحد السبل التي تَستخدم من خلالها «غوغل نيوز» الذكاء الصناعي «يتمثل في نقل الأخبار الواردة من مختلف أرجاء العالم إلى مكان واحد يمكن للقراء من خلاله الاطلاع على وجهات نظر مختلفة، الأمر الذي يشجّعهم على القراءة بتوسع أكبر».
من ناحية أخرى، من المنتظر أن يشهد عام 2021 تنامياً في الإعلان الرقمي، خصوصاً الذكاء الصناعي والتعلم الآلي، بما يمكّن العاملين في مجال التسويق من إمداد جمهورهم بالمحتوى المحدد الذي يرغبونه، حسبما شرح أملان باتي، مدير الشؤون الرقمية لدى مؤسسة «ريلم إنديا». وتابه باتي: «بالنظر إلى أن كثيرين من عملائنا المستهدفين يستخدمون قنوات عبر الإنترنت، فإن توزيع مخصصات موازنتنا يميل دوماً بشدة نحو الاتجاه الرقمي، وبعد ذلك تأتي الوسائط الأخرى مثل التلفزيون ودور السينما والمطبوعات والراديو وسبل الإعلان الأخرى. ونتوقع من جانبنا أن يقترب الوضع من مستواه الطبيعي خلال الربع الثاني من عام 2021، بحيث تجدنا نعود إلى النمط المعتاد لدينا لتوزيع مخصصات الموازنة».
علاوة على ذلك، تخطط المؤسسة لتنفيذ مزيد من النشاطات التفاعلية وستعزّز وجودها خارج الإنترنت من خلال نشر متاجر لها عبر مختلف أرجاء الهند.
وعلى صعيد متصل، من الملاحَظ أن استخدام الذكاء الصناعي في إطار جهود رصد «كوفيد - 19» وتطوير اللقاحات وتقنيات التعرف على الوجوه مع ارتداء أقنعة حماية الوجه، نالت دَفعة كبرى في أثناء الجائحة. كذلك تعاونت الهند مع دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي وأستراليا لإطلاق «الشراكة العالمية حول الذكاء الصناعي». ويرمي هذا التحالف إلى تنمية الاستخدام المسؤول للذكاء الصناعي بحيث يأخذ في الاعتبار حقوق الإنسان ودمج جميع فئات المجتمع والتنوع والابتكار والنمو الاقتصادي.
علاوة على ذلك، فإن شركات مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» و«أمازون» تحاول تلبية احتياجات الحكومة المتعلقة بالحوسبة السحابية والتعلم الآلي. وتتسابق الشركات الكبرى للفوز بتعاقدات كبرى وتعزيز استثماراتها في مجال الابتكار التكنولوجي وتأسيس شركات جديدة ناشئة في مجال الذكاء الصناعي والبيانات، بينما تتحرك الحكومة الهندية بقوة نحو التحوّل الرقمي وتقرّ يوماً بعد آخر مزيداً من مبادرات الذكاء الصناعي.
مع ذلك، تجابه الهند بعض التحديات الكبرى في طريق إقرار الذكاء الصناعي. مثلاً، إذا تحدثنا عن الأبحاث في مجال الذكاء الصناعي والتعلم الآلي داخل الهند سنجده لا يزال في طور الطفولة. وعن هذا، قال ساتيش كومار الرئيس التنفيذي لشركة «إيفرست آي إم إس تكنولوجيز»، والتي يوجد مقرها في مدينة بنغالور (جنوب الهند)، إن «الهاردوير» بحاجة إلى تحديث كبير، مشيراً إلى أن غالبية الكومبيوترات الهائلة التي تساعد في دعم الذكاء الصناعي توجد في الغرب والصين. وشدد على أهمية أن تؤسس الهند بنية تحتية نشطة في مجال تكنولوجيا المعلومات.


مقالات ذات صلة

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.