أنباء عن «جولة نهائية» في مفاوضات فيينا النووية

بايدن: إيران جادة لكن من غير الواضح إلى أي مدى

منسق المحادثات النووية مع إيران إنريكي مورا أمام مقر الاجتماعات في فيينا أمس (أ.ف.ب)
منسق المحادثات النووية مع إيران إنريكي مورا أمام مقر الاجتماعات في فيينا أمس (أ.ف.ب)
TT

أنباء عن «جولة نهائية» في مفاوضات فيينا النووية

منسق المحادثات النووية مع إيران إنريكي مورا أمام مقر الاجتماعات في فيينا أمس (أ.ف.ب)
منسق المحادثات النووية مع إيران إنريكي مورا أمام مقر الاجتماعات في فيينا أمس (أ.ف.ب)

على وقع التصريحات المتضاربة حول المكان الذي وصلت إليها مفاوضات فيينا، عادت الأطراف المتفاوضة أمس إلى العاصمة النمساوية لجولة رابعة من المحادثات مع إيران، والتي يأمل الكثيرون أنها ستكون «الجولة النهائية»، وهي تهدف إلى إعادة العمل كاملاً بالاتفاق النووي الموقع معها في عام 2015.
وانعقدت أمس جلسة رسمية لدول (4 + 1) مع إيران برئاسة منسق المحادثات باسم الاتحاد الأوروبي، إنريكي مورا، من دون مشاركة الولايات المتحدة التي تتفاوض مع إيران بشكل غير مباشر عبر الوسطاء الأوروبيين. وأفادت مصادر في فيينا بأن المفاوضين يعتزمون عدم مغادرة العاصمة النمساوية قبل التوصل إلى اتفاق بشأن برنامج إيران النووي، وأن جولة التفاوض قد تتوج باجتماع على مستوى وزراء الخارجية، مشيرة إلى أن الجولة الحالية قد تمتد لأسبوعين وليس 6 أيام كالعادة.
من جانبه، قال الرئيس الأميركي، جو بايدن، أمس، إنه يعتقد أن إيران جادة بشأن المفاوضات حول برنامجها النووي، لكن ليس من الواضح إلى أي مدى. كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي أمس إن العقوبات على إيران لن ترفع إلا إذا عادت طهران للالتزام بالاتفاق النووي لعام 2015. وأضافت إن المحادثات بين القوى العالمية وطهران شهدت بعض التقدم وإن استمرارها مؤشر جيد.
وبعد اختتام الجلسة بدأت لجان العمل الثلاث اجتماعاتها لحل الخلافات المتبقية. وتعمل لجنة على تحديد العقوبات الأميركية التي سترفع، والثانية على الالتزامات النووية التي ستعود إليها إيران والثالثة على تنسيق الخطوات. يأتي ذلك فيما نقل موقع «أكسيوس» الأميركي عن مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية أن إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، تستعد لاحتمال انهيار محادثات فيينا دون التوصل لاتفاق مع إيران. وأضاف المسؤول الأميركي أنه في حال فشل المحادثات فإن إدارة بايدن ستبذل قصارى جهدها للتأكد من أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً، فيما كشف موقع «أكسيوس» أنه لا تزال هناك فجوات كبيرة بين المواقف الأميركية والإيرانية بشأن شكل العودة المتبادلة للاتفاق النووي.
وقبيل العودة لبدء الجولة الرابعة، قال مسؤول أميركي عشية انطلاقها إن الإيرانيين عليهم أن يتخذوا «قرارا سياسيا» الآن بقبول ما هو مطروح أمامهم، مضيفا أن إدارة بايدن أبدت لطهران «استعدادها لرفع عقوبات تجعلها قادرة على الاستفادة» مما يقدمه لها الاتفاق النووي، ولكنها في المقابل طرحت مطالب «تتجاوز ما يجب أن يحدث للعودة للاتفاق». كما كان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد قال مؤخراً «إننا اقتربنا من الوصول إلى اتفاق في حال كنا موحدين»، في إشارة إلى أن اعتراض التيار المتشدد والخلافات الداخلية هي ما تؤخر العودة للاتفاق.
وذكرت مصادر دبلوماسية أوروبية أن لجنة الخبراء التي تعمل على صياغة العقوبات الأميركية التي يمكن رفعها، قد حققت «تقدماً كبيراً، بينما لا تزال الخلافات تعرقل تقدم عمل اللجنة الثانية التي تبحث التزامات إيران النووية». ونقل موقع «أكسيوس» عن دبلوماسي أوروبي أن واحدة من نقاط الخلاف الأساسية في المفاوضات الحاصلة، هو مصير أجهزة الطرد المركزي الحديثة والمتقدمة التي ركبتها إيران لتخصيب اليورانيوم مؤخرا، وما إذا كان سيتم الاتفاق على تفكيكها وبيعها للخارج أم يسمح لإيران بتخزينها لديها.
وأكد السفير الروسي ميخائيل أوليانوف بعد انتهاء الجلسة الرسمية أن الوفود اتفقت على «تكثيف الجهود»، وأنها أبدت استعدادها للبقاء في فيينا لفترة أطول بهدف تحقيق الهدف بسرعة أكبر. واستمرت كل من الجولات الثلاث السابقة قرابة الـ٥ أيام، كانت تأخذ الوفود فترة استراحة بعدها تعود فيها إلى دولها للتشاور، قبل العودة لجولة جديدة. ورغم اعتراف السفير الروسي باستمرار وجود الكثير من العقبات، فهو يعد من المتفائلين بإمكانية التوصل لاتفاق، وحتى أنه قال إن هذه الجولة الرابعة «قد تكون الأخيرة». ولكن التقييم الأميركي أكثر تشاؤما، فقد أكد مسؤول كبير في الخارجية أمس، أن واشنطن تستعد لسيناريو عدم التوصل لاتفاق مع إيران.
وفيما الآمال معلقة على الجولة الرابعة لتحقق أي اختراق قد يعطي مؤشرات إلى اتجاه سير المفاوضات، تستعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمحادثات طارئة قد تضطر لإجرائها مع المسؤولين الإيرانيين لتمديد الاتفاق التقني الذي توصلت إليه مع طهران في فبراير (شباط) الماضي ويسمح لها بإكمال عمليات التفتيش حتى 20 مايو (أيار) حينها، حذرت طهران أمين عام الوكالة رافايل غروسي من أنها ستوقف كل عمليات التفتيش التابعة للوكالة في حال لم يكن هناك اتفاق سياسي لإعادة العمل بالاتفاق النووي. وفيما يعمل الدبلوماسيون الأوروبيون على أمل إنهاء المفاوضات وإعادة العمل بالاتفاق قبل ذلك التاريخ لتفادي تعقيدات تقنية، فقد يكون من الصعب تحقيق الهدف في مدة قصيرة ونقاط الخلاف الموجودة ما زالت أكبر من نقاط التلاقي.
وفيما حققت الجولتان الأولى والثانية بعض النتائج، يبدو أن الجولة الثالثة كانت أقل نجاحاً، إذ بعد الجولة الأولى اتفقت الأطراف على تشكيل لجنتي عمل، واحدة مهمتها درس العقوبات الأميركية التي يمكن لإدارة بايدن إزالتها، والثانية تدرس الالتزامات النووية لإيران. وفي الجولة الثانية، بدأ العمل على صياغة ورقة الاتفاق للعودة للاتفاق الأصلي، من دون توسيعه. ورغم أن نقاط الخلاف كانت لا تزال أكبر من نقاط الالتقاء، فإن التوافق كان كافياً لبدء الصياغة، بحسب المشاركين.
وتم الاتفاق كذلك في الجولة الثانية على تشكيل لجنة ثالثة مهمتها تنسيق الخطوات التي سيتخذها كل طرف، في ظل تمسك إيران بعدم العودة لالتزاماتها النووية إلا بعد رفع كامل العقوبات الأميركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، من بينها تلك غير المتعلقة مباشرة بالاتفاق النووي. وترفض واشنطن رفع كامل العقوبات، رغم إبدائها ليونة كبيرة في رفع عدد واسع من العقوبات المرتبطة بالإرهاب وحقوق الإنسان، كما ترفض اتخاذ «خطوة أحادية» قبل الحصول على ضمانات من إيران بأنها ستعود لكامل التزاماته.
لكن الجولة الثالثة الأسبوع الماضي، لم تحقق الكثير بل بقيت الخلافات التي حملها المتفاوضون من الجولة الثانية، هي نفسها. وظل الوفد الإيراني يصر على رفع كامل العقوبات الأميركية والتأكد منها، قبل عودة طهران لالتزاماتها، بل لوح الطرف الإيراني بوقف المفاوضات ومغادرتها في حال كان هناك «تسويف ومماطلة» من قبل الأميركيين والأوروبيين. وغادرت الوفود بصورة «أوضح» لما على كل طرف أن يقوم به للعودة للاتفاق النووي خلال مفاوضات الجولة الرابعة الحالية. وفي ختام الجولة الثالثة الأسبوع الماضي، رفض السفير الروسي تحميل الإيرانيين أو الأميركيين المسؤولية لعدم تحقيق اختراق يذكر في المحادثات.



تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».