أسباب فشل المبادرة الفرنسية في لبنان... ورهانات المستقبل

TT

أسباب فشل المبادرة الفرنسية في لبنان... ورهانات المستقبل

ماذا بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى بيروت التي أكدت أن المبادرة الفرنسية التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون بمناسبة زيارتيه إلى لبنان في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) الماضيين وصلت إلى طريق مسدود؟
تقول مصادر رسمية فرنسية إنه «حان الوقت من أجل مراجعة معمقة لمسار المبادرة الفرنسية منذ انطلاقها وحتى اليوم وللأسباب التي آلت إلى إخفاقها»، علماً بأنها كانت «مبادرة إنقاذية» أساسها خريطة طريق واضحة ومحددة وهدفها الأوحد «منع انهيار لبنان». كذلك لم تكن «تتطلب كثيراً من التضحيات» من الطبقة السياسية اللبنانية، مكتفيةً بالدعوة إلى تشكيل حكومة توحي بالثقة للأسرة الدولية والقيام بمجموعة إصلاحات تصرّ عليها هذه الأسرة دورياً من أجل مد يد المساعدة للبنان. ورغم ذلك، فشلت هذه المبادرة في ليّ ذراع السياسيين اللبنانيين الذين أغرقوها في تفاصيل اللعبة السياسية الداخلية وتشعباتها الخارجية.
يرى سفير فرنسي سابق مطلع على خفايا دبلوماسية بلاده أن الخطأ الأول الذي ارتكبته باريس يتمثل في أن الرئيس ماكرون الذي كان أول من سارع بالتوجه إلى بيروت بعد يومين فقط من انفجار المرفأ في 4 أغسطس الماضي، «لم يستغل الفرصة المتاحة والاستثنائية لفرض تنفيذ رؤيته مستفيداً من كون الطبقة السياسية بما فيها رئاسة الجمهورية والحكومة والأحزاب في حال وهن شديد وعديمة القدرة على مقاومة الضغوط». والخطأ الثاني أن باريس وفّرت الوقت اللازم للسياسيين الذين أعادت تأهيلهم بشكل غير مباشر من خلال جعل الخلاص عن طريقهم، لالتقاط أنفاسهم متجاهلةً أن لديهم قدرة فائقة على «امتصاص الصدمات والأزمات». والخطأ الثالث أن الرئيس الفرنسي شدد على «المحفزات» التي عرضها على الدولة وعلى السياسيين مثل الدعوة إلى مؤتمر دولي لمساعدة لبنان والوقوف إلى جانبه في عملية التفاوض مع صندوق النقد الدولي وإعادة إعمار ما هدمه الانفجاران وتوفير المساعدات الإنسانية وغيرها من وسائل «الإغراء». والحال أنها، من جهة، لم تكن كافية لإقناعهم بقبولها والسير بخطته الإنقاذية. ومن جهة أخرى، لوّح ماكرون باتخاذ إجراءات قسرية وجزرية «أي عقوبات» بحق الممانعين والمعطلين ولكن من غير إبراز نوعية العقوبات ومدى جديتها. وبكلام آخر، يضيف السفير السابق، أن السياسيين رأوا أن «الهراوة» التي لوّح بها «لم تكن لا مرئية بشكل كافٍ ولا غليظة إلى درجة أنها تضر بمصالحهم الأساسية وتدفعهم لمراجعة حساباتهم». والخلاصة أن التهديد بالعقوبات لم يكن ولن يكون «رادعاً» بل يتعين الكشف عنها صراحة وعن الأطراف التي تطالها وعن التدابير الإضافية التي تستطيع باريس اتخاذها إنْ على المستوى الفردي أو الجماعي.
ثمة نقطة رئيسية يشدد عليها المصدر المشار إليه وهي كيفية التعامل مع «حزب الله» الذي تعده باريس «الحلقة الأصعب» بسبب قدرته على التأثير في المشهد السياسي الداخلي وبسبب ارتباطاته الخارجية، خصوصاً بإيران. وحسب هذا السفير، فإن الدبلوماسية الفرنسية التي احتفظت بعلاقة مع الحزب، كان بمقدورها أن تدفعه للتعاون بالتلويح بإمكانية الاحتذاء بالأطراف الأوروبية كبريطانيا وهولندا والدنمارك وغيرها التي وضعته على لائحة المنظمات الإرهابية بشقيه العسكري والسياسي. والحال أن باريس عارضت دوماً هذا التوجه من زاوية أنه حزب سياسي له حضوره في البرلمان ويتعين العمل معه. ولذا، يبدو واضحاً أن باريس لم تأخذ بعين الاعتبار «بشكل كافٍ» تعقيدات المشهد السياسي اللبناني حيث أدخلها سياسيوه في زواريب الحصص والأسماء والحقائب وحقوق الطوائف والمذاهب والصيغ والحساسيات الشخصية بين اللاعبين الكبار كما أنها، من جهة ثانية، لم تكن قادرة على توفير الغطاء العربي والإقليمي والدولي الذي من شأنه «تسهيل» مهمتها الإنقاذية رغم أنها كانت الوحيدة التي تتحرك بشكل مكثف من أجل إحداث تغيير ملموس وسريع. والقناعة التي كانت سائدة في وقت من الأوقات أن باريس قادرة وحدها على إحداث التغيير المطلوب من غير توفير «الأدوات» الضرورية، كانت أحد الأسباب التي أدت إلى وصول مبادرتها إلى طريق مسدود.
رغم ما سبق، تقول باريس إن مبادرتها ما زالت قائمة وإنها «لم تفشل بل من فشل هم اللبنانيون». ويبدو أنها تريد التعويض عن النواقص السابقة عن طريق «تغليظ» العصا التي هدد بها لودريان المعرقلين والفاسدين وهو ما عاد إليه في كلامه الختامي صباح أمس، لمجموعة من الصحافيين في قصر الصنوبر. وإذ أكد أن بلاده «ستبقى معبأة لدعم الشعب اللبناني»، أردف مهدداً الطبقة السياسية التي عنّفها مراراً بأن العقوبات التي أقرّتها باريس «ليست سوى البداية ويمكن أن توسَّع وتُشدَّد إذا استمر الانسداد، ويمكن أن تُستكمل بأدوات ضاغطة من الاتحاد الأوروبي... ولذا يتعين على كل طرف أن يتحمل مسؤوليته». وغرض لودريان كما قال: «تلافي الانتحار الجماعي» الذي تقود الطبقة السياسية لبنان إليه. ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، فإن باريس ستسعى لعقوبات مشتركة مع الولايات المتحدة وبريطانيا كما أنها ستعمل، داخل الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات بالتشارك مع دول راغبة بذلك مثل ألمانيا في حال عجز الاتحاد عن الاتفاق على سياسة موحدة إزاء لبنان. يضاف إلى ذلك أن لودريان استخدم ورقة ضغط إضافية عن طريق لقائه مجموعة من التنظيمات والأحزاب الناشطة والتي تعد معارضة للحكومة، ملوحاً بذلك بأنها يمكن أن تكون البديل خصوصاً في إشارته إلى أهمية حصول الانتخابات التشريعية العام القادم في موعدها وإمكانية أن تكون مدخلاً لتجديد الطبقة السياسية.
يرى السفير السابق أن الخطوات المشار إليها جاءت «متأخرة» وليس من المؤكد أنها ستتوافر حقيقة. وفي نظره، فإن العامل الخارجي يمكن أن يوفر الظروف من أجل إحداث تغيير في المشهد السياسي الداخلي نظراً للتحولات الجارية في الإقليم وإعادة رسم خريطة التحالفات خصوصاً مصير الاتفاق النووي مع إيران. وحسب السيناريو الإيجابي، فإن التوصل إلى اتفاق جديد في فيينا سيكون له ثمن على الصعيد الإيراني ليس فيما يخص برنامج طهران النووي ولكن أيضاً بشأن سياستها الإقليمية ما يمس لبنان عبر «حزب الله».
ولذا، فإن الأمل يكمن في «ألا يكون الرئيس بايدن مستعجلاً في إبرام اتفاق متسرع مع إيران» على غرار ما فعله سلفه أوباما الذي أراد إنجازاً دبلوماسياً قبل نهاية ولايته الثانية، وراهن على «تطبيع» السياسة الإيرانية، الأمر الذي لم يحصل. ويبدو أن باريس تعمل على الخط الإيراني إذ علمت «الشرق الأوسط» أن مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الفرنسية سيزور إيران الأسبوع القادم في جولة تشمل أيضاً العراق. كذلك من المقرر أن يقوم الرئيس ماكرون بجولة خليجية تشمل أربعة بلدان (السعودية والإمارات والكويت وقطر) في موعد لم يُقرَّر نهائياً، ولكن يُرجَّح أن يحصل نهاية الشهر الجاري. وسيكون لبنان بالطبع على جدول مباحثاته.



استهداف حوثي لمطاري عدن والمكلا

جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
TT

استهداف حوثي لمطاري عدن والمكلا

جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية هجماتها على المنشآت الحيوية في اليمن، مستهدفةً مطاري عدن الدولي والريان في المكلا بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، بالتزامن مع احتدام المعارك في تعز وغرب لحج، واستمرار عملية «فجر اليمن» في استنزاف قدراتها العسكرية والبشرية.

وأفادت معلومات رسمية بسقوط صاروخ باليستي في محيط مطار عدن، فيما تعرض مطار الريان بمحافظة حضرموت لهجوم صاروخي وجوي، لم يسفر عن خسائر بشرية، وفق السلطة المحلية. كما استهدفت الجماعة مصنعاً للإسفنج في منطقة بير باشا في مدينة تعز، في تصعيد طال مرافق مدنية وحيوية.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني إن الجماعة التي تتهم خصومها بفرض الحصار، تمارسه عملياً على السكان عبر استهداف المطارات والمنشآت والبنية التحتية ومنافذ السفر ومصادر الرزق، معتبراً أن هذه الهجمات تعكس نهجاً يتصاعد كلما تعرضت لضغوط ميدانية.


«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
TT

«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)

تتواصل تحركات إريتريا الرافضة للمساس بسيادتها من جانب إثيوبيا، وأعلنت سفارتها في القاهرة عقد اجتماع وصفته بـ«العاجل» للجالية المقيمة في مصر، في ظل تصعيد مع أديس أبابا منذ مطلع الشهر الحالي، ومخاوف دولية من تجدد الحرب بينهما.

ويرى الباحث السوداني في الشأن الأفريقي، عبد المنعم أبو إدريس، أن «اجتماع السفارة الإريترية في القاهرة يعد «تحركاً داخل عاصمة حليفة لأسمرة، في ظل وجود جالية إريترية كبيرة، والواضح أن السفارة تريد شرح وجهة نظر الحكومة ومخاوفها من أن تشن إثيوبيا حرباً عليها بعد أن أصبحت قوات الحكومة الفيدرالية على مقربة من الحدود بين البلدين».

وليس هذا التحرك الوحيد الذي تتجه إليه أسمرة، في ظل تخوفات متصاعدة بشأن تداعيات التصعيد الإثيوبي، إذ أطلق ناشطون إريتريون في المهجر عريضة عبر منصة «أفاز»، دعوا فيها «المجتمع الدولي إلى حماية سيادة إريتريا وسلامة أراضيها، والتحرك لمنع تصعيد عسكري محتمل في القرن الأفريقي، على خلفية تصريحات مسؤولين إثيوبيين بشأن الوصول إلى البحر الأحمر»، حسب ما نقلته وسائل إعلام إريترية الأربعاء.

وطالبت العريضة، الموجهة إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، بـ«اتخاذ موقف واضح إزاء أي تهديدات تمس السيادة الإريترية، واحترام الحدود الدولية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لتجنب اندلاع نزاع جديد».

كما التقت السفيرة الإريترية لدى الأمم المتحدة، صوفيا تسفاماريام، المندوب الأميركي الدائم لدى المنظمة، مايك والتز، والسفير جيفري بارتوس، ممثل الولايات المتحدة لشؤون الإدارة والإصلاح بالأمم المتحدة، لبحث تطورات القرن الأفريقي والعلاقات بين إريتريا وإثيوبيا.

وقالت تسفاماريام، في منشور على منصة «إكس»، الثلاثاء، إنه لا توجد «أزمة» بين البلدين، متهمةً إثيوبيا بمواصلة التهديدات ضد سيادة إريتريا وسلامة أراضيها في سياق مساعيها للوصول إلى البحر الأحمر، وداعيةً الأطراف الدولية إلى التحرك لمنع تجدد الصراع في المنطقة.

وأضافت أنها أطلعت المسؤولين الأميركيين على طرد إثيوبيا ممثلي إريتريا لدى الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، وتدهور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو في إثيوبيا (رويترز)

والتحركات الإريترية لم تقتصر على القاهرة والأمم المتحدة فقط، «ففي اليومين الماضيين زار وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، العاصمة الكينية نيروبي وتلت ذلك مشاركة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أحد الأعياد الوطنية الكينية، وهاتان الزيارتان كانتا بغرض بحث وساطة حتى لا يصل الأمر إلى المواجهة المباشرة»، حسب تقديرات عبد المنعم أبو إدريس في حديث لـ«الشرق الأوسط».

تصعيد متبادل

ويأتي ذلك المسار الإريتري، وسط تصاعد التوتر بين أسمرة وأديس أبابا منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وأثارت المعارك التي اندلعت في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي مخاوف من اندلاع حرب إقليمية، إذ اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين ونشر آلاف الجنود داخل الأراضي الإثيوبية، قبل أن تقول إنها أجبرتها على التراجع بعد نحو أسبوعين، وهو ما نفته إريتريا.

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات كلياً مطلع هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.

وفي 10 أكتوبر طالبت إريتريا، في رسالة إلى مجلس الأمن، بإدانة ما وصفته بأنه إعلان حرب عليها من جانب إثيوبيا، محذرة من أن ذلك سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة. وطالبت باتخاذ «إجراءات ردعية مناسبة» ضد أديس أبابا.

ومساء الاثنين، قال رئيس الوزراء آبي أحمد، منتقداً الأوضاع بأسمرة، إن «الشعب الإريتري فقد كل ما كان يمتلكه بالفترة التي كانت فيها إريتريا جزءاً من إثيوبيا، وتحولت مدنه اليوم إلى ما يشبه القرى البسيطة».

وشدد آبي أحمد على أن «الخيار الأجدى هو حسن الجوار والصداقة»، محذراً من أن «تجاهل الدعوات إلى الشراكة التنموية بدلاً من الانجرار إلى خدمة أجندات الأعداء ينطوي على مخاطر جسيمة وعواقب وخيمة»، حسب مقابلة نقلها تلفزيون «فانا» الإثيوبي ووكالة الأنباء الرسمية للبلاد.

وإزاء تلك التطورات، يعتقد الخبير في الشؤون الأفريقية عبد المنعم أبو إدريس أنه «ليس من مصلحة الدولتين والإقليم بأكمله اندلاع حرب إثيوبية إريترية»، مضيفاً: «ولا أظن ذلك سيحدث».


منشآت الصحة والطواقم الطبية في تعز أهداف للقصف الحوثي

طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
TT

منشآت الصحة والطواقم الطبية في تعز أهداف للقصف الحوثي

طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)

تتسع التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في محافظة تعز اليمنية، مع تواصل القصف على الأحياء السكنية واستهداف المنشآت الصحية وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، بالتزامن مع تشديد الحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات الأساسية، في وقت وثّقت فيه جهة حقوقية مقتل 8 مدنيين وإصابة 26 آخرين خلال 48 ساعة، وحذرت السلطات الصحية من انهيار قدرة المستشفيات على التعامل مع المرضى والجرحى.

وتزامن هذا التصعيد مع إصابة عدد من الفتيات بقصف حوثي استهدف أحياء سكنية في مدينة تعز وقرى جبل صبر، ومقتل فتاة وإصابة 8 مدنيين من أسرة واحدة جراء قصف صاروخي شمل منزلاً في منطقة الرجم، وفق بيانات محلية رسمية، بينما جدّدت الحكومة اليمنية مطالبتها بتحرك دولي عاجل لوقف الاعتداءات ورفع الحصار.

وقال مدير مكتب الصحة العامة والسكان في تعز، الدكتور فهد النظاري، إن الاعتداءات المستمرة على المنشآت الصحية والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، إلى جانب منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، تهدد قدرة المرافق الصحية على مواصلة تقديم خدماتها، خصوصاً في المناطق التي تشهد مواجهات أو تخضع لسيطرة الحوثيين.

دخان يتصاعد من وسط الأحياء السكنية في تعز جراء قصف حوثي (إعلام محلي)

وأوضح النظاري، في تصريح رسمي أن 5 مستشفيات ومراكز صحية تعرضت لأضرار متفاوتة جراء القصف والاستهداف، بينها هيئة مستشفى الثورة العام ومستشفى الصفوة، والمركز الصحي في منطقة العروس بجبل صبر، ومركز صحي في مديرية الوازعية، وآخر في مديرية المواسط.

وأضاف أن مرافق صحية أخرى تعرضت لأضرار جراء القذائف المباشرة وغير المباشرة، وأن عمليات الحصر والتوثيق لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن القطاع الصحي فقد 15 سيارة إسعاف تابعة للمستشفيات ومكاتب الصحة، قال إن الحوثيين نهبوها، فضلاً عن نهب أجهزة ومعدات طبية من مستشفيات في المخا والتربة.

وأكد أن هذه الاعتداءات أضعفت قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للحالات الطارئة ونقل المصابين والمرضى، واتهم الجماعة باستخدام مرافق صحية لأغراض عسكرية، من خلال تحويل بعضها إلى مواقع لتجمع عناصرها أو مراكز لقيادة العمليات والاحتماء بها، ونشر أطقم عسكرية داخلها.

الحوثيون يقصفون أحياء تعز بشكل عشوائي (إعلام محلي)

وحذّر النظاري من أن استمرار استهداف المنشآت الصحية والطواقم الطبية ومنع الإمدادات يفاقمان معاناة آلاف المرضى، خصوصاً المصابين بالسكري وأمراض الكلى والسرطان والأمراض المزمنة، مطالباً بإيصال الأدوية والوقود بصورة عاجلة، وضمان حماية المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين الصحيين وتمكينهم من أداء مهامهم الإنسانية دون عوائق.

استهداف المسعفين

ومن أبرز الوقائع التي أشار إليها المسؤول الصحي تعذّر الوصول إلى رجل وابنته أُصيبا برصاص قناصة حوثيين داخل منزلهما في منطقة الشقب بمديرية صبر الموادم، بعد استهداف المسعفين وسيارة الإسعاف، ما حال دون إسعافهما وانتشال جثمانيهما، وفق روايته.

وفي حادثة أخرى، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات استهداف سيارة إسعاف بقذيفة مدفعية في منطقة صبر، ما أدى إلى مقتل سائقها وإصابة الطبيب المرافق وتدمير السيارة.

وقالت الشبكة إنها وثّقت 109 جرائم وانتهاكات خلال 48 ساعة في محافظة تعز، إلى جانب إطلاق نحو 147 مقذوفاً بصورة عشوائية، استهدف معظمها الأحياء السكنية، وإطلاق صاروخين باليستيين على حي صينة وسط المدينة.

وحسب تقرير الشبكة، شملت الحصيلة مقتل 8 مدنيين، بينهم 3 نساء و3 أطفال، وإصابة 26 آخرين، بينهم 7 نساء و4 أطفال، فضلاً عن اختطاف 24 مواطناً ونقلهم إلى جهات مجهولة، ومداهمة نحو 23 منزلاً، وتضرر 17 منزلاً جراء القصف، إلى جانب تضرر 11 مركبة خاصة.

مئات الآلاف من سكان تعز تحت وطأة القصف والحصار (إعلام محلي)

وذكر التقرير أن الانتهاكات شملت القتل والإصابة بالقصف والقنص، والاختطاف والإخفاء القسري، ومداهمة المنازل، واستهداف سيارات الإسعاف والفرق الطبية، واقتحام مراكز لتحفيظ القرآن الكريم ودور عبادة، وقطع الطرق العامة، واستمرار الحصار المفروض على المحافظة.

ورصدت الشبكة إطلاق قذائف هاون وصواريخ كاتيوشا وقذائف مدفعية، إلى جانب استخدام طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، مشيرة إلى أن القصف تركز في مناطق الشقب والمسراخ والأقروض، ومناطق شمالية غربية وشرقية، وأحياء المسبح وصينة، ومنطقة الضبة بمديرية التعزية، ومنطقة الظهر بمديرية جبل حبشي، ومناطق أخرى في المدينة وريفها.

تحرك أممي

في سياق التحركات الدبلوماسية، بحث مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، في نيويورك، مع مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ونائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، محمد يحيى، تطورات الأوضاع الإنسانية في اليمن، وتداعيات التصعيد العسكري الحوثي، وسبل تعزيز الاستجابة الإغاثية، وحشد الموارد اللازمة لمواجهة احتياجات السكان المتضررين والنازحين.

واستعرض السعدي تداعيات الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية ومؤسسات الدولة، خصوصاً في تعز ومأرب وعدن، وما خلفته من ضحايا ونزوح وتعطيل للخدمات الأساسية والعمليات الإنسانية. وسلط الضوء على تدهور الأوضاع في تعز جراء القصف والحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات، وما ترتب على ذلك من نقص في الغذاء والدواء والوقود والمياه، وتهديد لاستمرار الخدمات الصحية.

كومة من القمامة في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الجماعة الحوثية (رويترز)

ودعا إلى تحرك دولي منسق لإنهاء الحصار وفتح الطرق وضمان حرية حركة المدنيين ووصول المساعدات والسلع الأساسية، مطالباً بتكثيف التمويل الإنساني وإعطاء الأولوية للمساعدات الغذائية والصحية والإيوائية، ومواجهة مخاطر الأوبئة وسوء التغذية في مواقع النزوح.

ونسب الإعلام الرسمي اليمني إلى المسؤول الأممي محمد يحيى أنه أكد التزام الأمم المتحدة بمواصلة تقديم المساعدات الإنسانية للشعب اليمني رغم نقص التمويل والتحديات الأمنية والقيود المفروضة على الوصول.

كما أعرب يحيى عن القلق إزاء التداعيات الإنسانية للتصعيد، مشيراً إلى نزوح أكثر من ربع مليون شخص والتدهور السريع للأوضاع في مدينة تعز، ومجدداً الدعوة إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان المرور الآمن والمستدام للمساعدات والخدمات والسلع التجارية.