الدبلوماسي الإيراني المسجون في بلجيكا بتهمة الإرهاب يتنازل عن حق الطعن بحكمه

الدبلوماسي الإيراني المسجون في بلجيكا بتهمة الإرهاب يتنازل عن حق الطعن بحكمه

الخميس - 24 شهر رمضان 1442 هـ - 06 مايو 2021 مـ رقم العدد [ 15500]
المحاميان جورج هنري بوجر وريك فان روسيل (وسط) يتحدثان إلى الصحافة بعد محاكمة أسدي في 4 فبراير 2021 (أ.ف.ب)

لم تُعرف الأسباب الحقيقية التي دفعت أسد الله أسدي، «الدبلوماسي» الإيراني في سفارة بلاده في فيينا، إلى سحب طلب استئناف حكم السجن لعشرين عاماً الصادر بحقه في شهر فبراير (شباط)، عن محكمة الدرجة الأولى في مدينة أنتويرب «شمال بلجيكا» بعد إدانته بتهمتي ارتكاب «محاولة اغتيال إرهابية» و«المشاركة في نشاطات مجموعة إرهابية».
ويمثل الحكم العقوبة القصوى التي تستطيع المحكمة النطق بها في مثل هذه الحالات، مقتدية بذلك بما طلبه الادعاء العام. واكتفى ديميتري دي بيكو، محامي أسدي، بالقول، أمس، إن موكله تنازل عن حقه بالاستئناف وقال ما حرفيته: «بالنسبة لي الأمر ينتهي هنا. لا يعترف موكلي باختصاص القضاء البلجيكي للحكم عليه». مضيفاً أن أسدي كان يتمتع بحصانة دبلوماسية نظراً لأنه كان القنصل الثالث في السفارة الإيرانية في فيينا. ومن جانبه، أكد أريك فان دويز، الناطق باسم النيابة العامة الفيدرالية المسؤولة عن الإرهاب في المدينة البلجيكية، وفق ما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية، أن أسدي لن يمارس حقه في الاستئناف.
وفي المقابل، فإن المتهمين الإيرانيين الثلاثة الآخرين في القضية نفسها وهم رجل وزوجته وشاعر إيراني منشق لاجئ في بلجيكا الذين صدرت بحقهم أحكام تتراوح ما بين 15 و18 سنة، قرروا استئناف الأحكام، حسبما أشار إليه أحد محاميهم. ويُنتظر أن تبدأ المحاكمة الجدية أوساط نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وبما أن النيابة العامة البلجيكية لم تطلب استئناف الحكم بحق أسدي، فقد أصبح نهائياً على الصعيد القضائي. بيد أن ذلك لا يعني أنه أُغلق سياسياً. وطيلة الوقت الذي استغرقته المحاكمة وبعد صدور الحكم، نفى أسدي كل الاتهامات الموجهة إليه.
وأمس، صدر بيان عن السفارة الإيرانية في بلجيكا يجدد إدانة الحكم الصادر بحق أسدي ويندد بتصرفات بلجيكا وألمانيا التي يعدها «انتهاكاً واضحاً» للقانون والأعراف الدولية خصوصاً اتفاقية فيينا لعام 1961، وسبق لطهران أن أرسلت مذكرتَي احتجاج رسميتين إلى بروكسل وبرلين تنددان بانتهاك الحصانة الدبلوماسية التي يتمتع بها أسدي.
الحجة الرئيسية التي يستند إليها أسدي، الذي رفض العام الماضي حضور محاكمته كما كان غائباً لدى النطق بالحكم، عنوانها عدم أهلية المحكمة البلجيكية لمحاكمته بوصفه يحظى بالحصانة الدبلوماسية التي توفرها له اتفاقية فيينا، وهو ما لم تعترف به السلطات القضائية البلجيكية التي أثبتت أنه ينتمي إلى جهاز أمني إيراني، وأن صفته الدبلوماسية ليست سوى غطاء لأنشطته التجسسية والأمنية.
وقالت المحكمة في حكمها إنه كان يدير شبكة مخابرات حكومية إيرانية، وكان يتصرف بناءً على أوامر من طهران. وللتذكير، فإن القبض على أسدي تم على الأراضي الألمانية في الأول من يوليو (تموز)، فيما أُلقي القبض على الثلاثة الآخرين قبل ذلك بيومين في بلجيكا، وآخرين على الأراضي الفرنسية. وكانت الخطة تقضي بتفجير الموقع القائم في ضاحية فيلبانت القريبة من باريس بمناسبة انعقاد مؤتمر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية «مجاهدي خلق» نهاية يونيو (حزيران) 2018، الذي حضرته شخصيات أوروبية وأميركية عديدة. وقُبض على الإيراني وزوجته اللذين يتمتعان بالجنسية الإيرانية والبلجيكية على طريق سريع قريباً من بروكسل، المؤدي إلى فرنسا وهو يمر بجانب موقع المؤتمر ووُجد في حوزتهما 500 غرام من مادة «سي آي تي بي» المتفجرة وصاعق. وأثبت التحقيق أنهما تسلماها من أسدي في ألمانيا.
كان من الطبيعي أن تثير هذه القضية أزمة سياسية بين طهران من جهة وبروكسل وباريس وبرلين من جهة أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا أصدرت في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه بياناً يحمّل وزارة المخابرات الإيرانية المسؤولية ويفرض عقوبات على اثنين من مسؤوليها. كذلك، عمد الاتحاد الأوروبي بدوره، لاحقاً، إلى فرض عقوبات على إيران بسب هذه القضية.
حقيقة الأمر أنها ليست المرة الأولى التي تُتهَم فيها إيران بارتكاب أعمال إرهابية في أوروبا. إلا أنها المرة الأولى التي تثبت فيها هذه التهمة بحق مسؤول رسمي إيراني يشغل موقعاً دبلوماسياً في السفارة الإيرانية في فيينا بوصفه سكرتيراً ثالثاً. وهذا الأمر لم يعد مستغرباً بعد الذي اطّلع عليه العالم عقب تسريب تصريحات وزير الخارجية محمد جواد ظريف، مؤخراً، حيث أكد أن كثيراً من الدبلوماسيين الإيرانيين في الخارج هم في الواقع تابعون لأجهزة أمنية ولـ«الحرس الثوري» بشكل خاص.
إبان محاكمة المدانين الأربعة الخريف الماضي، زوّدت المخابرات البلجيكية، في شهر أغسطس (آب) 2019، النيابة العامة المكلفة شؤون الإرهاب، بتقرير بالغ الأهمية يفصّل الزيارات التي تلقاها أسدي في سجنه في مدنية ليمبورغ الواقعة جنوب شرقي بروكسل قريباً من الحدود الألمانية. ويفيد التقرير الأخير بأنه تلقى في سجنه زيارة 14 شخصية بينهم السفير الإيراني في بروكسل وكبار موظفي السفارة إضافةً إلى طبيب ومحامٍ يعيشان في فرنسا وخصوصاً زيارة خمس شخصيات «على علاقة بإدارة محددة مقرها طهران»، وقدموا أنفسهم على أنهم من موظفي وزارة الخارجية الإيرانية. ويفيد التقرير بأن أجهزة الخارجية البلجيكية لم تنجح في تحديد سوى ثلاثة من بين الخمسة. وحسب معلومات المعارضة الإيرانية، فإن أحد الخمسة ليس سوى مسؤول في وزارة المخابرات ويشرف على عملائها في الخارج. وأفادت تقارير أخرى بأن أسدي قد هدد السلطات البلجيكية بأعمال انتقامية في حال إدانته.
ثمة أمر بالغ الأهمية أشار إليه، أمس، محامي الادعاء جورج أونري بوتيه في أنتويرب الذي أكد أن هناك ضمانات من دولة بلجيكا بعدم مبادلة الأسدي بسجناء غربيين في إيران، مشيراً إلى فصل السلطات بين السلطة القضائية والنظام السياسي. وأضاف بوتيه: «لن تناقش الحكومة البلجيكية مبادلة سجناء».
وبذلك يكون قد أشار إلى خطة سارت عليها السلطات الإيرانية منذ سنوات وهي «المبادلة»، كالتي يجري التفاوض بشأنها حالياً بين الولايات المتحدة وإيران. وليس سراً أن كثيراً من الاعتقالات لمواطنين مزدوجي الجنسية «إيرانية - غربية» غرضها توفير مادة مقايضة بين مسجونين إيرانيين في الغرب ورهائن غربيين في إيران. من هنا، فإن محامي الادعاء البلجيكي أراد استباق الأمور وقطع الطريق على عملية من هذا النوع. لكنّ حديثه عن «ضمانات» حكومية بلجيكية لا يمكن النظر إليها على أنها نهائية لأن منطق الدولة يختلف عن منطق القضاء.
منذ ثلاث سنوات، تحمّل طهران الدول الثلاث «بلجيكا وفرنسا وألمانيا» مسؤولية توقيف أسدي وسجنه ومحاكمته وإدانته. وتحتفظ طهران بـفريبا عادل خواه الفرنسية - الإيرانية رهينة لديها بعد أن قبلت خروجها من السجن شرط إبقائها قيد الإقامة الجبرية، كما أنها اعتقلت فرنسياً اسمه بنجامين بريير بتهمة التجسس في شهر مايو (أيار) من العام الماضي، وذلك لقيامه بالتقاط صور عبر طائرة مسيّرة صغيرة الحجم شمال إيران. كذلك اتُّهم بريير بممارسة الدعاية ضد النظام الإيراني بسبب سؤال طرحه على موقع تواصل اجتماعي بشأن ارتداء الحجاب في إيران. وربما تعمد السلطات في طهران إلى استخدام هذين الشخصين في عملية مبادلة لاحقة. ولكن بعيداً عن هذا الجانب، فإن إثارة هذه المسألة اليوم تحلّ في وقت غير مناسب لطهران التي تفاوض في فيينا من أجل رفع العقوبات الأميركية المفروضة عليها. والحال أن بعضها على علاقة بالإرهاب والجانب الأميركي يرفض الاستجابة لمطالب إيران. ولذا، فإن الحديث عنها يمكن أن يشكّل ورقة ضاغطة على واشنطن للاستمرار في رفضها وبالتالي عرقلة مسار فيينا.


أوروبا أخبار إيران الارهاب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة