رئيس الوزراء الفرنسي من مدريد: التيار المتطرف أعلن الحرب على أوروبا

رئيس الوزراء الفرنسي من مدريد: التيار المتطرف أعلن الحرب على أوروبا

مانويل فالس: ليبيا تشكل تهديدًا مباشرًا لأمننا
الأحد - 4 جمادى الأولى 1436 هـ - 22 فبراير 2015 مـ
رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس يواجه وسائل الإعلام على هامش مؤتمر الاشتراكيين الديمقراطيين الأوروبيين أمس في مدريد (رويترز)

حتى وقت قريب كان الجنوب الليبي مصدر الخطر بالنسبة لفرنسا، لأنه تحول بسبب غياب الدولة الليبية إلى «ملاذ آمن» لكل الحركات الإرهابية الموجودة في منطقة بلدان الساحل الممتدة من موريتانيا غربا إلى دارفور شرقا.

ولمحاربة هذا الخطر الذي يهدد أمن واستقرار دول المغرب العربي والساحل، عمدت باريس إلى إعادة نشر قواتها الموجودة في أفريقيا في إطار عملية واسعة سمتها «بركان»، وهدفها ملاحقة الحركات المتشددة والإرهابية وأشهرها حتى أواخر العام الماضي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ومن أجل ذلك، عمدت وزارة الدفاع الفرنسية إلى إعادة تأهيل قاعدة عسكرية تسمى «قاعدة مدام» واقعة شمال النيجر وقريبة جدا من الحدود الليبية. وفي مؤتمر صحافي أواخر الشهر الماضي، قال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إن بلاده «لن تتدخل في ليبيا لكنها ستتصيد (بفضل القاعدة المذكورة) الإرهابيين عندما يخرجون من أوكارهم (في الجنوب الليبي)».

اليوم، تغير الوضع بعد العمليتين الإرهابيتين الداميتين في باريس ما بين 7 و9 يناير (كانون الثاني) الماضي، ثم العملية المستنسخة في كوبنهاغن قبل أيام قليلة، خصوصا تمدد تنظيم داعش على الشواطئ الليبية الشرقية حيث بات يسيطر على مدينة درنة التي يبلغ عدد سكانها نحو 100 ألف نسمة، والأهم على مدينة سرت الأكبر بأضعاف والمعقل السابق للعقيد القذافي. وجاءت مذبحة المصريين الأقباط الـ21 التي وقعت على الأرجح على شاطئ سرت، والتعبئة الإعلامية والسياسية التي رافقتها، لتضع الإصبع على موضع الداء المسمى «داعش» الذي بات على مسافة لا تزيد على 350 كم عن الشواطئ الأوروبية.

هذا الواقع دفع وزيرة الدفاع الإيطالية الأسبوع الماضي لقرع ناقوس الخطر، والتأكيد أن بلادها لا يمكن أن «تتعايش» مع «داعش» على الشواطئ المقابلة للشواطئ الإيطالية، ولتنبه من خطر وصول متشددين إرهابيين بين المهاجرين غير الشرعيين الذين يتدفقون بالمئات على الشواطئ الإيطالية. وأول من أمس، كان الوضع الليبي وما يحبل به من مخاطر موضع تداول في باريس بين وزراء خارجية البلدان الأوروبية المتوسطية السبع التي تستشعر الخطر الجديد أكثر فأكثر لكنها حتى الآن ما زالت عاجزة عن رسم خطة لمواجهته، مكتفية بالإعراب عن الدعم لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة برناردينو ليون، والتأكيد أنه لا حل في ليبيا إلا سياسي وعبر تشكيل حكومة وحدة وطنية.

يبدو اليوم أن الوضع الليبي تحول إلى كابوس يقض مضاجع الأوروبيين. وأمس، عكس رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس، في كلمة له أمام مؤتمر الاشتراكيين الديمقراطيين الأوروبيين في العاصمة الإسبانية، حجم المخاطر والمخاوف، إذ اعتبر أن الحركات المتشددة في ليبيا تشكل «تهديدا مباشرا» لأمن أوروبا. وقال رئيس الحكومة «أود أن أذّكر بمسألة ليبيا، والتهديد المباشر الذي يمثله قيام معقل جديد للإرهاب تحت أعيننا وليس بعيدا عن حدودنا». واستطرد فالس مشيرا إلى «نوع آخر» من الإرهاب وهو «الإرهاب الداخلي» عن طريق استعادة ما حصل في باريس وكوبنهاغن، داعيا إلى «التحلي بنفاذ البصيرة لنوضح للرأي العام أن الإرهاب تمركز في مجتمعاتنا الغربية».

منذ أن ارتكب الأخوان كواشي، في السابع من الشهر الماضي، مقتلة صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة، وبعد أن لحقهما أحمدي كوليبالي بعد يومين في هجومه على المتجر اليهودي على مدخل باريس الشرقي، اغتنى القاموس بمجموعة من العبارات التي ابتدعها رئيس الوزراء لتوصيف النوع الجديد من الإرهاب الذي تواجهه فرنسا وأوروبا. وبحسب فالس فإن «التيار المتشدد» (الذي هو تسمية أخرى للإسلام الفاشي) «أعلن الحرب» على أوروبا، وبالتالي يتعين على الأوروبيين أن يدافعوا عن أنفسهم ويردوا على التحدي ببعديه الداخلي والخارجي. وبحسب باريس، فإن مصدري التهديد، سواء الداخل أو الخارج، يمثلان «وجهين لعملة واحدة».

خلال الأسابيع الستة الماضية، جهدت الحكومة الفرنسية ومعها أجهزتها الأمنية لتوفير «شبكة أمان» تمنع تكرار مقتلتي الشهر الماضي في شوارع العاصمة. وأمس، عرض فالس، الذي شغل قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة منصب وزير الداخلية لأكثر من عامين، تصوره لما يتعين القيام به من أجل أن تدافع أوروبا عن نفسها في وجه الإرهاب. وبداية، رأى فالس أنه يتعين على الأوروبيين أن يرفضوا الابتزاز الإرهابي، وأن يدافعوا عن القيم التي تقوم عليها مجتمعاتهم وأولاها الحرية بكل أشكالها. وقد بدا ذلك بوضوح خلال المسيرة المليونية التي عرفتها شوارع العاصمة الفرنسية في 11 يناير الماضي بحضور نحو خمسين رئيس دولة وحكومة. أما من حيث الجوانب الأمنية المحضة، فقد حث فالس على «تعزيز وسائل مكافحة الإرهاب» التي تشمل توفير الغطاء القانوني الذي يتيح للأجهزة الأمنية التحرك بحرية أكبر والإكثار من «الضربات الاستباقية» ضد الخلايا الضالعة في الإرهاب من قريب أو بعيد، وهو ما يحصل بشكل دوري في فرنسا.

أما التدبير الآخر فيتناول الدعوة لحماية الحدود الخارجية لأوروبا. ويعني ذلك، عمليا، تكثيف الرقابة على الداخلين إلى ما يسمى «فضاء شنغن» الذي يضم 26 دولة أوروبية وإقرار إقامة قاعدة بيانات لكل المسافرين جوا من أوروبا وإليها بحثا عمن يمكن أن يشكل خطرا على أمنها. لكن المشروع الموجود منذ عام 2011 أمام البرلمان الأوروبي ما زال يواجه صعوبات بسبب المخاوف التي يثيرها من تدخل في الحياة الشخصية للمواطنين.

إضافة لهذه التدابير، تسعى باريس إلى زيادة التعاون بين الأجهزة الأمنية الأوروبية ومع بلدان أخرى مثل تركيا أو البلدان العربية، كما أنها تريد فرض رقابة على شبكة الإنترنت التي تعتبر الوسيلة الأوسع لتجنيد المتشددين أو اكتساب المؤيدين للفكر المتطرف. وتحاول الحكومة الفرنسية أن تجد حلولا لموضوعين إضافيين: المساجد وأماكن العبادة، من جهة، والتي ترى أن بعضها يبث فكرا متطرفا وذلك عن طريق «تأطير» الأئمة وتأهيلهم في فرنسا، ومن جهة ثانية التعاطي مع مشكلة السجون التي تشكل بيئة حاضنة لتنشئة المتشددين. ولم ينس فالس الإشارة إلى الخطورة المتمثلة بعودة المتشددين الأوروبيين الذين يقدر عددهم بما بين 3 و5 آلاف شخص، بينهم 1300 فرنسي أو مقيم على الأراضي الفرنسية، إلى بلدانهم الأصلية والحاجة الماسة لوضعهم تحت المراقبة. وتقدر المصادر الأمنية أن نحو 30 في المائة من هؤلاء عادوا بالفعل.

إضافة إلى كل هذه التدابير يريد الغربيون من الجاليات المسلمة في أوروبا أن تلعب دورا أساسيا في محاربة التيارات المتطرفة. وقال فالس عقب عملية كوبنهاغن إنه «يتعين على الإسلام في فرنسا أن يتحمل مسؤولياته كليا».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة