هيمنغواي عشق الجزيرة «الجميلة والطويلة والبائسة» وأهداها جائزة نوبل

هايدي عبد اللطيف قامت برحلة إلى كوبا لتتقصى آثاره فيها

هيمنغواي في أحد مقاهي هافانا
هيمنغواي في أحد مقاهي هافانا
TT

هيمنغواي عشق الجزيرة «الجميلة والطويلة والبائسة» وأهداها جائزة نوبل

هيمنغواي في أحد مقاهي هافانا
هيمنغواي في أحد مقاهي هافانا

يتناول كتاب «على خطى هيمنغواي في كوبا»، الصادر في القاهرة عن دار «آفاق» للكاتبة هايدي عبد اللطيف، واحدة من أكثر مراحل الروائي الأميركي خصوبة على المستويين الحياتي والإبداعي، وهي فترة إقامته في كوبا التي امتدت 20 عاماً.
تقصّت المؤلفة التي تجيد الإسبانية والإنجليزية أثر خطى هيمنغواي في المكان، ولمست روائحها في الفنادق والمقاهي والجزر والحانات، من خلال رحلة قامت بها لتعرف كيف أثرت «لؤلؤة الكاريبي» على مجمل تجربته الإنسانية.
الكتاب ينتمي لأدب الرحلة، وتستهله المؤلفة بشهادة لجابرييل غارثيا ماركيز الذي يرى أنه لم يترك كاتب أثراً في كوبا كما فعل هيمنغواي، إذ يقول؛ توغل هيمنغواي في روح كوبا أكثر مما قدر عليه الكوبيون في عصره، ولعل هذا ما يفسر شعور صاحب «العجوز والبحر» نفسه بأنه «نصف كوبي» في تصريحات تلفزيونية بعد حصوله على نوبل حينما قال بالإسبانية التي كان يجيدها؛ أنا سعيد للغاية بكوني أول «كوبانو ساتو» يفوز بهذه الجائزة.
صحيح أن نوبل منحت هيمنغواي شهرة عالمية، لكنه أصبح أيضاً مواطناً عالمياً بفضل أعماله التي اتخذت من بقاع كثيرة خارج موطنه الأصلي مسرحاً لها وترجمت قصصه ورواياته لعشرات اللغات وقرأها ملايين في أرجاء المعمورة كما شاهدوا الأفلام المقتبسة عنها. ولد في أميركا، وحمل جنسيتها، وامتلك فيها منزلين، لكنه استقر أطول وقت في بيته في كوبا حيث قضى فيه نحو 20 عاماً من حياته التي تخطت الـ60 بقليل، فأوراقه ومسودات رواياته ورسائله وأغراضه الخاصة استقر معظمها في بيته هناك.
يقول ماركيز: «غالباً ما يُسأل كثير من الكتاب الذين لديهم منازل عدة في أماكن مختلفة من العالم عن تلك التي يعتبرونها مكان إقامتهم الرئيسي وجميعهم تقريباً يجيبون؛ إنه المكان الذي توجد فيه كتبهم». وهيمنغواي ترك في تلك البلد كتبه التي يبلغ عددها 9 آلاف تقريباً، فضلاً عن رسائل وأعمال لم تنشر، و900 أسطوانة من موسيقاه المفضلة حتى الأثاث والتحف واللوحات الفنية.

ميدالية «نوبل»

غادر صاحب «ثلوج كلمنجارو» كوبا مضطراً في عام 1960 نتيجة لسوء العلاقات بين حكومة الثورة بقيادة فيدل كاسترو والولايات المتحدة، تاركاً كل شيء في موضعه كأنه سيعود في القريب، كما ترك أيضاً أثره في شوارع هافانا القديمة وحاناتها ومطاعمها، فضلاً عن موانئ الصيد على امتداد خليجها. لقد أغرم بالجزيرة الخلابة التي وصفها في كتابه «التلال الخضراء لأفريقيا» بـ«الجزيرة الجميلة والطويلة والبائسة»، معترفاً بعشقه لها في كل مناسبة: «أعيش في كوبا لأنني أحبها، هنا أجد الخصوصية التي تجعلني أكتب». كان يرغب في أن يبقى فيها حتى نهاية حياته ويدفن في حديقة بيته إلى جوار شجرة القابوق «السيبا» العملاقة التي تستقر عند مدخل المنزل.
وعندما نال جائزة نوبل للآداب 1954 أهدى الجائزة للكوبيين قائلاً: «هذه الجائزة تنتمي إلى كوبا لأن هذا العمل (العجوز والبحر) تشكل وخلق في كوبا وسط أهالي كوهيمر الذين أعدني واحداً منهم». ومنح الميدالية التذكارية للجائزة إلى هذا البلد لتحفظ في كنيسة السيدة العذراء في مدينة سانتياغو، موضحاً سبب اختياره: «أهديت ميدالية الجائزة إلى الصيادين في بلدة كوهيمر، ومع أن قصة رجل عجوز وسمكته تخص العالم أجمع، فإنها حكايتهم، وتجب مشاركة هذه الميدالية معهم، فالميدالية تعلق إلى جوار القلب، وأنا قلبي في كوبا».
ولا تزال ميدالية نوبل محفوظة في كنيسة «لابيرخن دي لاكاريداد» في أقصى جنوب الجزيرة إلى اليوم، وكانت كوبا قد منحته في العام ذاته قبل فوزه بنوبل أرفع أوسمتها المدنية، وهو وسام كارلوس مانويل الذي تسلمه يوم ميلاده الخامس والخمسين في 21 يوليو (تموز) 1954.

مكانة خاصة

وبعد نجاح الثورة الكوبية مطلع 1959 لم يخفِ هيمنغواي إعجابه بها، وعبّر عن ذلك في أكثر من تصريح صحافي: «نحن الرجال الشرفاء نؤمن بالثورة الكوبية». وحينما عاد إلى البلد في نهاية ذلك العام كان في استقباله عدد من الصحافيين وجمع من أهالي البلدة، فكرر الإعلان عن تقديره للثورة قائلاً: «يسعدني أن أعود إلى هنا مجدداً، فأنا أنتمي إلى كوبا، ولم أصدق كل التقارير التي نشرت في الصحافة الأجنبية ضد الثورة». وفي لفتة مفاجئة، احتضن هيمنغواي العلم الكوبي، ولثمه بشفتيه لتحييه الجماهير الواقفة بحرارة. وعندما طلب منه المصورون تكرار ما فعله ليقوموا بالتقاط الصور، أجابهم: «يا سادة، أنا كاتب، ولست ممثلاً، لقد قبلت العلم بإخلاص». ويوضح الكتاب أن مشاعره تجاه تلك البلاد وأهلها كانت صادقة، وارتباطه بها حقيقياً، ورغم أنه عاش في أماكن متعددة حيث نشأ في شيكاغو، ثم سافر إلى إيطاليا خلال الحرب العالمية الأولى، وعاد منها إلى شمال ميتشغان، ثم تورونتو في كندا، كما انتقل إلى باريس مطلع العشرينات، وخلال العقد التالي كتب عن الحرب الأهلية في إسبانيا، وسافر في رحلات صيد في أفريقيا، لكن أي منها لم تنافس المكانة التي احتلتها كوبا في قلبه وحياته وكتاباته. هنا صار كوبياً يرتدي «الجوابيرا» وهي قمصان كوبية بيضاء واسعة مصنوعة من الكتان والمعروفة بتصميمها الشهير ذي الجيوب الأربعة الأمامية. ومن تلك الجزيرة بلغت شهرته الآفاق بعد نيله أرفع وأشهر الجوائز الأدبية.

في شوارع هافانا

جاءت علاقته بالعاصمة هافانا بمثابة الحبيبة التي يهرب إليها من بيته في «كي ويست» حيث يبحر إليها بقارب صديقه «جو راسل» ويقيم في الغرفة 511 بفندق «موندوس» مطلاً على خليجها من بعيد. كانت رحلات هروبه بعيداً عن بيته وزوجته وولديه بغرض ممارسة الصيد في الخليج والكتابة، ويمكنك أن تتخيله يتجول في شوارع المدينة القديمة بقامته الفارعة وكتفيه العريضتين يتسكع فيها ويلتقي بفنانيها ومثقفيها. وخلال تلك السنوات استمتع هيمنغواي بالعاصمة الفاتنة لأقصى درجة، استكشف حاناتها ومقاهيها وتعرف على كثير من أهلها ونسائها وصادق بعضهن فقد صادفت تلك الفترة حالة من عدم استقرار علاقته بزوجته. ومنذ نهاية الثلاثينات صارت هافانا الحبيبة السكن والمستقر، فقد منحته كوبا الوحي والإبداع بعد سنوات عجاف مرت عليه خلال الأربعينات، لم ينشر أثناءها رواية ذات قيمة حتى ألهمته مياهها قصة «العجوز والبحر» التي تعد أشهر أعماله.

لقب «بابا»

تستقصي المؤلفة صور وآثار هيمنغواي وحكاياته في حانات هافانا ومطاعمها ومع أهل بلدة سان فرانسيسكو دي باولا حيث يقع بيته و«كوهيمر» القريبة منها، موضحة كيف توغل في المجتمع الكوبي وصار جزءاً منه، فالروائي الأميركي الشهير يحمل في الجزيرة لقب «بابا» أطلقه عليه جيرانه من الصبية الصغار عقب انتقاله إلى مزرعته في «فينكا بيهيا» فقد عاملهم بلطف وسمح لهم بالدخول إلى حديقة بيته ليقطفوا ثمار الفواكه المتوفرة فيها وكوّن منهم فريقاً للعبة البيسبول، كما ضمّ ابنه للفريق، وتولى بنفسه تدريبهم على امتلاك مهارات اللعبة التي كان من أكبر مشجعيها. وهي الرياضة الشعبية الأكثر انتشاراً في البلد.
وتروي أن الصغار استصعبوا اسم هيمنغواي، فنادوه بابا مثلما يناديه أبناؤه، وأصبح الاسم معتاداً بينهم، خصوصاً بعدما استعان بعدد منهم للعناية بقططه وكلابه أثناء غيابه أو في إحضار رسائله من مكتب البريد. شاع اللقب، حتى بين العاملين في البيت، وبعدها انتشر بين أهالي البلدة الصغيرة، وكانوا يجدون فيه تعبيراً عن مدى إحساسهم به، خصوصاً أنه اقترب منهم ودخل بيوت أغلبيتهم كواحد منهم، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم ويقدم لهم مساعدات حرص أن تيسر لهم حياتهم، ومنها على سبيل المثال مساهمته في تمويل إنشاء خط لمياه الشرب.
في «كوهيمر» التي كان ينطلق من مينائها بقاربه «بيلار» في رحلات صيد، توثقت علاقته بعدد من صياديها وارتبط مع سكانها بعلاقات صداقة، وخصوصاً «جريجوريو فوينتس» قائد القارب وأحد ملهمي روايته «العجوز والبحر». وتلعب كوهيمر دوراً مركزياً في الرواية وتحظى بالوصف الدقيق حيث يصف ميناءها الشهير الذي انطلق منه الصياد سانتياغو، بينما يظهر في أحداثها مطعمه المفضل «لاتيراثا» وكان يطل منه على خليجها الصغير. ولأنه منح كوهيمر الخلود من خلال عمله الأدبي، فقد حرص أهل البلدة على تكريمه وتخليد ذكراه بعد وفاته بإقامة تمثال نصفي له، صنعوه من الحديد والمعادن الموجودة في قواربهم، ليظل هيمنغواي حياً بذكراه؛ حيث يقع التمثال متوسطاً ساحة القلعة موجهاً نظره إلى مدخل الميناء الذي طالما أبحر منه.



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.