سطوة ترمب تعمّق الخلافات في الحزب الجمهوري وقد تطيح عدداً من رموزه

النائبة الجمهورية ليز تشيني تحيي الرئيس الديمقراطي بايدن  خلال دخوله قاعة الكونغرس الأمر الذي أغضب نواب الحزب الجمهوري (إ.ب.أ)
النائبة الجمهورية ليز تشيني تحيي الرئيس الديمقراطي بايدن خلال دخوله قاعة الكونغرس الأمر الذي أغضب نواب الحزب الجمهوري (إ.ب.أ)
TT

سطوة ترمب تعمّق الخلافات في الحزب الجمهوري وقد تطيح عدداً من رموزه

النائبة الجمهورية ليز تشيني تحيي الرئيس الديمقراطي بايدن  خلال دخوله قاعة الكونغرس الأمر الذي أغضب نواب الحزب الجمهوري (إ.ب.أ)
النائبة الجمهورية ليز تشيني تحيي الرئيس الديمقراطي بايدن خلال دخوله قاعة الكونغرس الأمر الذي أغضب نواب الحزب الجمهوري (إ.ب.أ)

شهد الأسبوع الماضي حلقة جديدة من الصراع بين الجمهوريين، بعدما وقفت النائبة ليز تشيني رئيسة مؤتمر الحزب الجمهوري في مجلس النواب وأعلى امرأة جمهورية في الكونغرس، التي صوتت على عزل الرئيس السابق دونالد ترمب، ملوحة بقبضتها في تحية تقدير للرئيس الديمقراطي جو بايدن، خلال دخوله قاعة الكونغرس لإلقاء خطابه الأول. وردت تشيني على منتقديها بأنها ستحترم دائما رئيسا من الطرف الآخر. وقالت في تغريدة لها: «نحن لسنا أعداء لدودين. نحن أميركيون». وهو ما اعتبره معارضوها بأنه «خيانة»، ليس لترمب فقط، بل وللجمهوريين عموما، ويتعارض مع مساعيهم لإعادة توحيد الحزب، خصوصا أن تشيني كشفت عن «خلافات عميقة» في الحزب خلال مؤتمر صحافي عقدته على هامش أعمال اجتماع قيادي لمناقشة سياساته في مدينة أورلاندو في ولاية فلوريدا هذا الأسبوع. وقالت تشيني إن كيفن مكارثي وميتش ماكونيل هما قادة الحزب وليس دونالد ترمب، ولم تستبعد ترشحها أيضا لانتخابات الرئاسة في 2024. وعلى الفور تصدرت عناوين الأخبار، بعدما نجحت في الأشهر الماضية في تقديم نفسها على أنها الوجه المناهض لترمب، الذي تعهد بدوره الانتقام منها ودعم مرشح جمهوري ضدها في انتخابات 2022 النصفية. وسارعت قيادات جمهورية داعمة له للتأكيد على أنهم قد لا يسمحون لها بالبقاء حتى العام المقبل للتخلص منها. فقد نجت تشيني قبل ثلاثة أشهر بسهولة من محاولة إجبارها على الاستقالة من منصبها القيادي في مجلس النواب، بسبب تصويتها على عزل ترمب. ونقلت صحيفة «ذي هيل» عن نائب جمهوري قوله: «بينما نركز على توحيد المؤتمر الجمهوري لاستعادة الأغلبية، فإنها تركز على الماضي. إنها تبعد نفسها عن المؤتمر، ويمكنك تخيل أنه إذا لم تستقل سيكون هناك تصويت جديد في المستقبل القريب وستكون النتيجة مختلفة عن التصويت السابق». وأفصح العديد من النواب الذين صوتوا دفاعا عنها في السابق عن مواقف مشابهة، متوقعين خروجها في نهاية الشهر الحالي. وغرد النائب لانس جودن عن ولاية تكساس، بأن تشيني ستخرج في نهاية مايو (أيار)، وتشيني، ابنة نائب الرئيس السابق ديك تشيني، المعروفة بمواقفها الصلبة مثله، لم تعتذر. وحثت حزبها على التخلي عن ترمب والعودة إلى مبادئ الحزب الجمهوري التقليدية، مثل السياسة الخارجية القوية والانضباط المالي. ووصفت جهوده لإلغاء الانتخابات ودوره في التحريض على أعمال الشغب في 6 يناير (كانون الثاني) بأنها أكبر «خيانة من قبل رئيس الولايات المتحدة لمنصبه وقسمه على الدستور».
وهاجم ترمب تشيني هذا الأسبوع ووصفها بـ«الحمقاء المثيرة للحرب»، متوقعا إعلان تقاعدها من السياسة قريبا، الأمر الذي وصفته تشيني أيضا بأنه «تمنيات». ورغم قلتهم يدافع عدد من حلفائها عنها قائلين إنها من الأصوات القليلة في الحزب المستعدة لانتقاد ترمب ومحاسبته على الكذب على أنصاره بأن انتخابات 2020 قد تم تزويرها. ويصر هؤلاء على ضرورة التمسك بوجود صوت معارض في الحزب الجمهوري، ويحضون كيفن مكارثي زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب على الدفاع عنها، كما وقف معها في التصويت السابق لمنع إقالتها من منصبها القيادي. ويجادلون بأن وجود وجهة نظرها على طاولة القيادة يجعل الحزب أقوى ويثبت أنه خيمة كبيرة تسع الجميع. لكن معارضيها يقولون إن تحركاتها وتصريحاتها في مؤتمراتها الصحافية ومقابلاتها الإعلامية الأسبوع الماضي، خلال مؤتمر الحزب في أورلاندو، وحديثها عن «الانقسامات الحادة للحزب الجمهوري حول ترمب»، تخدم الديمقراطيين وتشتت الانتباه عن جهودهم للتوحد خلف أجندة سياسية، ستساعدهم على استعادة الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل.
وفيما لم يفصح مكارثي بعد عن موقفه من تشيني، نقل عن مقربين منه أنه لن يقف إلى جانبها هذه المرة، في ظل الضغوط التي يمارسها مانحون وعدد من رؤساء الحزب في العديد من الولايات والنشطاء على مستوى القاعدة للتخلي عنها. ويوم السبت عززت صيحات الاستهجان التي تعرض لها السيناتور ميت رومني خلال مؤتمر الحزب في ولاية يوتا، من صورة الانقسام بين قيادة الحزب وقاعدته. وخلال بداية إلقائه كلمته، وبعدما سأل الحشد عن رأيه في أول 100 يوم من إدارة بايدن، علت صيحات الاستهجان ضده، فيما وقف آخرون يصفقون تأييدا له. وحين قال رومني إنه لم يكن من المعجبين بـ«شخصية» ترمب، تزايدت صيحات الاستهجان من معارضيه.
ورغم وقوف رئيس مؤتمر الحزب في الولاية ديريك براون وطلبه من الحشد إظهار الاحترام لرومني لإنهاء خطابه، فإن الحادث شكل مثالا آخر عن سطوة ترمب. وخلال الاجتماع نجا رومني بفارق ضئيل في تصويت على اقتراح يعرب عن استياء مؤتمر الحزب في الولاية ويدعو لمعاقبته جراء تصويته في مجلس الشيوخ على عزل ترمب. وكان رومني أحد أعضاء مجلس الشيوخ السبعة الجمهوريين الذين صوتوا لإدانة ترمب على التحريض على أعمال الشغب في مبنى الكابيتول في 6 يناير الماضي. وصوت مجلس الشيوخ في نهاية المطاف بأغلبية 57 صوتا مقابل 43 لتبرئة ترمب، وفشل في الحصول على أغلبية 67 صوتا اللازمة لإدانته. وربط البعض سبب نجاته بعدم مواجهته لاستحقاق إعادة انتخابه في انتخابات 2022 النصفية.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».