وزير الخارجية الفرنسي يحصر لقاءاته في بيروت مع عون وبري

TT

وزير الخارجية الفرنسي يحصر لقاءاته في بيروت مع عون وبري

فوجئ الوسط السياسي في لبنان بموقف فرنسي لافت وغير مألوف، تمثّل في حصر لقاءات وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان في زيارته لبيروت، التي تبدأ مساء بعد غد (الأربعاء)، وتستمر يومين، بكل من رئيسي الجمهورية ميشال عون والمجلس النيابي نبيه بري، دون الآخرين المعنيين بتأليف الحكومة الجديدة، وأولهم الرئيس المكلف بتشكيلها سعد الحريري، من دون أن يجد من استثناهم من لقاءاته أي تفسير رسمي من قبل السفارة الفرنسية في بيروت التي كانت تواصلت مساء الجمعة الماضي مع عون وبري، واتفقت معهما على تحديد موعدين منفصلين لهما.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر سياسية معنية بتشكيل الحكومة التي تعثّر تشكيلها بعد أن اصطدمت بحائط مسدود من جراء انقطاع التواصل بين عون والحريري، بأن الخطوة الفرنسية قوبلت باستغراب وأحدثت صدمة سلبية بغياب أي تفسير فرنسي لتبرير استثناء أبرز المكوّنات السياسية من لقاءات لودريان في بيروت؛ خصوصاً أنها تتعارض مع الاندفاع الفرنسي الضاغط لتذليل العقبات التي تؤخر تشكيل الحكومة، إضافة إلى أن هذه الخطوة تنم عن إصرار فرنسي على المساواة بين من يسهّل تشكيلها وبين من يرفع شروطه التي لا تزال تعيق ولادتها.
ولفتت المصادر السياسية إلى أن باريس، في حال لم يبادر لودريان إلى إعادة النظر في قراره باتجاه توسيع رقعة المشاورات لتأمين الشروط لتسريع ولادة الحكومة، قررت أن تضع المعرقلين والمسهّلين لتشكيلها في سلة واحدة مع أنها بادرت إلى خرق معيار المساواة الذي حددته بشمول عون بلقاءات وزير الخارجية، رغم أنه في عداد المشمولين بتعطيل تأليفها بالإنابة عن وريثه السياسي رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل الذي يرفع من سقوف شروطه بالتناغم مع الفريق السياسي المحسوب على الرئاسة الأولى لدفع الحريري إلى الاعتذار.
وأكدت أنه لا اعتراض على لقاء لودريان برئيس المجلس الذي لم يوفر فرصة إلا ووظفها لإخراج أزمة تشكيل الحكومة من المأزق الذي تتخبط فيه، وقالت إنه ابتدع أكثر من مبادرة لكنه اصطدم بشروط عون - باسيل وحاول الاستعانة بحليفه «حزب الله» للضغط على حليفيه، لكنه آثر عدم التدخل وهذا ما فتح الباب أمام اتهامه من قبل خصومه بأنه يراعي باسيل إلى أقصى الحدود لأنه يشكل له خط الدفاع الأول الذي يتلطّى خلفه لتأخير تشكيلها وربطها بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية حول الملف النووي، استجابة لطلب طهران.
ومع أن المصادر لم تتوصل إلى قناعة لتبرير موقف لودريان فإنها تتخوف من أن تكون باريس تتحضر للانسحاب تدريجياً من الملف اللبناني، وإلا هل يتصرف وزير خارجيتها بهذه الطريقة من دون العودة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون الذي يوفر له الحماية للدعسة الناقصة التي أقدم عليها - كما يقول رئيس حكومة سابق لـ«الشرق الأوسط» فضّل عدم ذكر اسمه - مضيفاً بأن الموقف الفرنسي قوبل باستهجان وطرح تساؤلات يُفترض بباريس أن تجيب عليها؟
وأكد أن رؤساء الحكومات السابقين لا يزالون يدعمون الحريري الذي يتمسك بالمبادرة الفرنسية لإنقاذ لبنان، وقال إنهم نصحوه بالصمود، وإن بري دخل على خط الاتصالات انطلاقاً من حرصهم على إعطاء فرصة لإنجاح المبادرة قبل أن يُفاجأ هؤلاء بموقف فرنسي غير مدروس ربما يراد منه التحريض على الطبقة السياسية لصرف الأنظار عمن يتحمّل مسؤولية حيال تمديد أزمة تشكيل الحكومة.
وتوقع بأن يبادر الحريري إلى وضع النقاط على الحروف، وقال: «يعود له وحده اختيار التوقيت المناسب ليدلي بدلوه من دون مراعاة أحد، ليس دفاعاً عن نفسه، وإنما لتصويب ما يمكن أن يرافق محادثات لودريان من تداعيات ومفاعيل سياسية من غير الجائز تحميلها لمن أيّد المبادرة الفرنسية بالأعمال لا بالأقوال».
ومع أن رئيس الحكومة السابق دعا إلى ترك الأمور تأخذ مجراها، فإنه في المقابل شدد على أن المساواة بين الحريري وبين عون وباسيل ومن خلفهما «حزب الله» مرفوضة؛ خصوصاً أن تحميل الحريري مسؤولية حيال تعثّر تشكيل الحكومة ما هو إلا تحامل عليه، وسيضطر إلى اتخاذ موقف قد يفاجأ به الجميع ومن بينهم رؤساء الحكومات السابقين الذين كان لهم دور في اجتماعهم الأخير بدعوته إلى تصليب موقفه. وسأل؛ هل أن لودريان مضطر للمجيء إلى بيروت لسحب المبادرة الفرنسية من التداول؟ أم أنه سيحاول إنقاذها، وإنما ليس بهذه الطريقة؟ إلا إذا كان المطلوب تشكيل حكومة بأي ثمن، محملاً الآخرين مسؤولية الخروج عن خريطة الطريق التي رسمها ماكرون لإنقاذ لبنان شرط الالتزام بالمواصفات الدولية لمساعدته للخروج من أزماته. لذلك، فإن المصادر وإن كانت تسعى لتفكيك اللغز الفرنسي باستبعاد أبرز المكوّنات السياسية من جدول أعمال لقاءاته، فهي في المقابل تقف عاجزة أمام القطبة المخفية التي سيحضرها معه لودريان من باريس، لتضاف إلى رزمة الإجراءات التي كان تحدث عنها بمنع من يعرقل تشكيل الحكومة أو من يثبت ضلوعه في الفساد من دخول الأراضي الفرنسية، وصولاً إلى إصدار أحكام مسبقة على المنظومة الحاكمة والطبقة السياسية غير قابلة للتمييز.
وعليه، لا بد من التريُّث للوقوف على ما يحمله لودريان من أحكام «تأديبية» إذا صح التعبير يحمّل من خلالها الطبقة السياسية مسؤولية تعثّر الحكومة مع أنه يدرك أن الفريق الفرنسي المكلّف بمواكبة مبادرة ماكرون للوصول بها إلى بر الأمان أو بعضه على الأقل أسقط نفسه في هفوات عندما اعتقد أن «حزب الله» يؤيد تشكيل الحكومة إلى أن اكتشف أن تأييده لم يقترن بالضغط على عون وباسيل.
ويبقى السؤال؛ كيف سيتصرف ماكرون؟ وهل يستطيع الدخول في مواجهة مع خصومه في الداخل، وهو يستعد للفوز بولاية رئاسية ثانية؟ وماذا سيقول حيال سحب مبادرته عندما يساوي في تحميله المسؤولية بين «محور الممانعة» بقيادة إيران وبين من يؤيد مبادرته على بياض، رغم أنه كان وقع في سوء تقدير عندما أراح «حزب الله» بحذفه نقاط الاشتباك من جدول أعمال حكومة مهمة من دون أي ثمن، ظناً منه بأن ترحيلها يعبّد الطريق أمام تأليفها في غضون أسابيع قليلة كما وعد أثناء اجتماعه بأبرز المكوّنات السياسية في قصر الصنوبر؟
وأخيراً، لا بد من الانتظار وعدم إطلاق الأحكام المسبقة قبل أن تدق ساعة الحقيقة على التوقيت الباريسي الذي يحمله معه لودريان، ولن يتم تظهير الموقف الفرنسي إلا من خلال لقاءاته، إلا إذا حصلت مفاجأة اقتضت إعادة النظر بجدول لقاءاته باتجاه توسيعها.



تقرير حقوقي يوثّق 700 انتهاك حوثي في صنعاء خلال 2025

عنصر حوثي يردد شعارات الجماعة خلال حشد في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (رويترز)
عنصر حوثي يردد شعارات الجماعة خلال حشد في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (رويترز)
TT

تقرير حقوقي يوثّق 700 انتهاك حوثي في صنعاء خلال 2025

عنصر حوثي يردد شعارات الجماعة خلال حشد في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (رويترز)
عنصر حوثي يردد شعارات الجماعة خلال حشد في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (رويترز)

وثق تقرير حقوقي حديث 761 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة الحوثية في أمانة العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومديرياتها خلال عام 2025، متهماً الجماعة باتباع سياسة ممنهجة تقوم على القمع السياسي والتجويع الاقتصادي واستهداف الفضاء المدني، في سياق وُصف بأنه يرقى إلى «جرائم حرب» و«جرائم ضد الإنسانية».

وأوضح التقرير الصادر عن منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» أن الانتهاكات لا تقتصر على البعد الأمني، بل تمتد إلى ما وصفه بـ«التجويع السياسي والفكري»، من خلال تقييد حرية التعبير، والمساس بالأمن الشخصي، واستهداف الهوية الجمهورية، إلى جانب حملات اعتقال وملاحقات طالت مدنيين ونشطاء.

وأشار التقرير إلى استحداث جهاز حوثي أمني جديد في مايو (أيار) 2025 باسم «جهاز أمن الثورة»، قال إنه قاد حملات اعتقال جماعية واستباقية، وأسهم في تضييق الخناق على المجال المدني بالعاصمة.

عنصر حوثي يرتدي زياً أمنياً خلال تجمع في صنعاء (إ.ب.أ)

ورصد التقرير توظيفاً حوثياً واسعاً للأزمة الاقتصادية أداةً للعقاب الجماعي، عبر استمرار انقطاع رواتب نحو 70 في المائة من موظفي القطاع العام، وفرض إتاوات متعددة؛ مما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية بنحو 80 في المائة، ودفع غالبية السكان إلى ما دون خط الفقر.

ووفق البيانات الواردة، فإن نصف سكان مدينة صنعاء باتوا في حالة «عجز غذائي حاد»، في ظل تدهور متسارع للأوضاع المعيشية.

انتهاكات متنوعة

وثّق التقرير الحقوقي 129 انتهاكاً ضد المنظمات الإنسانية والأممية، شملت اعتقال 52 موظفاً، وإخفاء 31 آخرين قسراً في معتقلات سرية، في سياق وصفه التقرير بأنه محاولات للسيطرة على مسار المساعدات الإنسانية و«تجفيف شريان الإغاثة».

وتناول التقرير حادثة انفجار مستودع أسلحة في حي «خشم البكرة» بمديرية بني الحارث في 22 مايو (أيار) 2025، الذي أدى - وفق ما ورد - إلى مقتل وإصابة أكثر من 90 مدنياً، وتدمير نحو 50 منزلاً، مع اتهامات للجماعة الحوثية باستخدام الأحياء السكنية لتخزين مواد متفجرة؛ مما عدّه التقرير انتهاكاً لـ«اتفاقيات جنيف».

موالون للجماعة الحوثية بصنعاء يشاركون في فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)

وسجل التقرير 156 انتهاكاً حوثياً خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي وحده، طالت مواطنين بسبب رفع العلم الوطني، أو إحياء ذكرى «ثورة 26 سبتمبر»، وشملت اعتقال 103 أشخاص؛ بينهم نساء وأطفال، وإخفاء 27 آخرين، إضافة إلى مداهمة 12 منزلاً.

ورأى التقرير أن هذه الانتهاكات «جرائم ضد الإنسانية» و«جرائم حرب» وفق «نظام روما الأساسي»، مؤكداً أنها لا تسقط بالتقادم، داعياً المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى اتخاذ إجراءات أعلى فاعلية لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وإجبار الجماعة الحوثية على إخلاء المناطق السكنية من المخازن العسكرية.


اليمن: المسرح العدني يعود إلى الحياة

حضور جماهيري خلال أول أيام العرض على «مسرح رائد طه» في عدن (إعلام محلي)
حضور جماهيري خلال أول أيام العرض على «مسرح رائد طه» في عدن (إعلام محلي)
TT

اليمن: المسرح العدني يعود إلى الحياة

حضور جماهيري خلال أول أيام العرض على «مسرح رائد طه» في عدن (إعلام محلي)
حضور جماهيري خلال أول أيام العرض على «مسرح رائد طه» في عدن (إعلام محلي)

بالتزامن مع استكمال تجهيز أول دار سينما في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، ضمن خطة لإعادة تأهيل وتفعيل دور السينما والمنشآت الثقافية، عاد المسرح العدني إلى نشاطه بعد سنوات طويلة من التوقف، في خطوة عدّها فنانون ومثقفون مؤشراً على بدء استعادة المدينة حياتها الثقافية التي تضررت بصورة كبيرة بفعل الحرب.

ولم تقتصر أهمية العودة على استئناف العروض المسرحية فقط، بل انعكست أيضاً في الحضور الجماهيري اللافت الذي شهدته أولى الفعاليات؛ إذ امتلأت قاعة «مسرح رائد طه» في مديرية المعلا بالجمهور على مدى يومين، في مشهد أعاد إلى الأذهان المكانة التي احتلها المسرح في الحياة الاجتماعية والثقافية لعدن عقوداً طويلة.

وجاء استئناف النشاط المسرحي برعاية وزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، وبإشراف مكتب الثقافة في المحافظة، ضمن برنامج يهدف إلى إعادة تنشيط الحركة الفنية وتشجيع الإنتاج المسرحي بعد سنوات من التراجع الذي أعقب الحرب، وما تعرضت له المؤسسات الثقافية من دمار وإهمال. وشهد العرض الافتتاحي حضور نائب وزير الثقافة، حسين باسليم، إلى جانب شخصيات ثقافية وفنية وإعلامية وأكاديمية، إضافة إلى عدد كبير من المهتمين بالمسرح، في رسالة تؤكد الاهتمام الرسمي والمجتمعي بإعادة الاعتبار إلى الثقافة بوصفها إحدى أدوات بناء السلام وتعزيز الهوية الوطنية.

عودة النشاط المسرحي واكب جهود إحياء السينما وصناعتها في عدن (إعلام محلي)

وقدمت فرقة المسرح مسرحية «إلى الخلف دُر»، وهي عمل كوميدي حمل في مضمونه رسائل اجتماعية وتوعوية ركزت على أهمية الدور الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية في حماية المواطنين، وضرورة التعاون بين المجتمع ورجال الأمن لترسيخ الاستقرار، وذلك في قالب كوميدي جمع بين الترفيه والرسائل الهادفة.

ويأتي هذا النشاط ضمن خطة أوسع يتبناها «مكتب الثقافة» في عدن لإعادة تنشيط الفنون الأدائية وتشجيع الأعمال الإبداعية التي تناقش القضايا المجتمعية، وتعيد للمسرح دوره التقليدي منبراً للتثقيف والحوار ونشر قيم التعايش والمسؤولية المجتمعية.

وشهد اليوم الختامي للعرض حضوراً جماهيرياً أكبر من المتوقع، حيث تفاعل الحاضرون مع المشاهد الكوميدية والرسائل الاجتماعية التي تضمنتها المسرحية، في مؤشر عدّه مهتمون بالشأن الثقافي دليلاً على تعطش سكان المدينة إلى عودة الأنشطة الفنية بعد سنوات من الانقطاع.

إرث ثقافي عريق

تحتل عدن مكانة خاصة في تاريخ المسرح اليمني؛ إذ تعدّ مهد الحركة المسرحية والسينمائية في البلاد، لشهرتها منذ عقود بامتلاكها عدداً من المسارح ودور السينما والمعاهد الفنية، وبأنها أسهمت في تخريج أجيال من الفنانين والممثلين الذين شكلوا ملامح الحركة الثقافية اليمنية. لكن هذا الإرث تعرض لانتكاسة كبيرة خلال سنوات الصراع، خصوصاً عقب اجتياح الجماعة الحوثية المدينة في 2015، وما رافقه من استهداف للمنشآت الثقافية والفنية، قبل أن تستعيد القوات الحكومية والمقاومة السيطرة على المدينة، لتبدأ بعدها جهوداً متدرجة لإعادة تأهيل المؤسسات العامة، بما فيها المرافق الثقافية.

ورغم محدودية الإمكانات، فإن عدن حافظت على حضورها الفني عبر مبادرات شبابية قادها فنانون ومخرجون محليون، كان من أبرزها «فرقة خليج عدن» بقيادة المخرج السينمائي عمرو جمال، التي نجحت في تقديم عروض مسرحية استقطبت جمهوراً واسعاً، وأسهمت في إعادة الاهتمام بالمسرح بوصفه مساحة للنقاش المجتمعي والتعبير الفني.

نقاشات مكثفة بشأن آليات إحياء الأنشطة الثقافية في عدن (إعلام محلي)

ويرى فنانون أن عودة المسرح خطوة تتجاوز الجانب الترفيهي؛ إذ يشكل المسرح وسيلة فعالة لمعالجة كثير من القضايا الاجتماعية، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، فضلاً عن دوره في اكتشاف المواهب الشابة وإحياء المشهد الثقافي الذي اشتهرت به المدينة. وأكدت مديرة «مكتب الثقافة» في عدن، سميرة المشجري، أن إعادة تشغيل المسرح تأتي ضمن خطة متكاملة لإحياء الحياة الثقافية في المدينة، مشيدة بالدعم الذي تقدمه السلطة المحلية للأنشطة الفنية، وحرصها على توفير البيئة المناسبة لاستمرار العروض المسرحية والفعاليات الثقافية.

وأشادت بالنجاح الذي حققته المسرحية، وبالمستوى الذي قدمه الممثلون، عادّة أن الإقبال الجماهيري الكبير يعكس استمرار ارتباط المجتمع العدني بالمسرح، ويؤكد امتلاك المدينة قاعدة جماهيرية تتطلع إلى استعادة دورها الثقافي والتنويري. وأضافت أن النجاح الذي حققته العروض الأولى يمثل حافزاً لإطلاق أعمال جديدة خلال الفترة المقبلة، بما يسهم في تنشيط الحركة المسرحية وتشجيع الفنانين الشباب على تقديم أعمال تعالج قضايا المجتمع بلغة فنية معاصرة.

أكثر من قرن مسرحاً

تعود البدايات الأولى للمسرح في عدن إلى عام 1904 عندما قدمت فرقةٌ مسرحية هندية بقيادة جملت شاه عروضاً باللغة الهندية، وحققت نجاحاً واسعاً دفع فرقاً هندية أخرى إلى تقديم عروضها في المدينة، لتصبح عدن إحدى أولى المدن في الجزيرة العربية التي عرفت النشاط المسرحي المنظم. وبعد سنوات قليلة، وتحديداً في عام 1910، بدأ أبناء عدن خوض التجربة المسرحية بأنفسهم، حيث قدمت فرقة المدرسة الحكومية في كريتر أول عرض مسرحي باللغة العربية، وكان مسرحية «يوليوس قيصر» للكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير، في محطة تاريخية أرست الأساس للحركة المسرحية اليمنية، التي تطورت لاحقاً لتصبح عدن مركزها الأبرز عقوداً طويلة.


الحوثيون يوسّعون اقتصاد الجباية والاستيلاء على الأصول

عناصر حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون اقتصاد الجباية والاستيلاء على الأصول

عناصر حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

في وقت تتصاعد فيه الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن، تمضي الجماعة الحوثية في توسيع أدواتها المالية داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر استحداث رسوم وإتاوات جديدة تستهدف المواطنين والقطاعات الإنتاجية، والثاني في إعادة توظيف الممتلكات العامة وتحويلها إلى مشاريع استثمارية تدر عوائد لصالح شبكات اقتصادية مرتبطة بقيادات نافذة في الجماعة.

ويرى مراقبون أن هذا السلوك يعكس تحولاً في آليات تمويل الجماعة، إذ لم تعد تكتفي بالجبايات التقليدية المفروضة على التجار ووسائل النقل والأسواق، بل اتجهت إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل الأنشطة الريفية والزراعية، بالتوازي مع الاستحواذ على أصول الدولة وتحويلها إلى مصادر دخل دائمة، في ظل غياب الرقابة والمؤسسات الرسمية.

وفي أحدث حلقات الجبايات، شرعت الجهات التابعة لما يسمى الهيئة العامة لحماية البيئة الخاضعة للحوثيين في محافظتي ريمة وإب بفرض إجراءات ورسوم جديدة على مربي المواشي وأصحاب الحظائر، تحت مبرر تنظيم النشاط الحيواني وحماية البيئة.

تعميم حوثي يلزم مربي المواشي في ريمة بدفع جبايات (فيسبوك)

وذكرت مصادر محلية أن فروع الهيئة أصدرت إشعارات رسمية لعدد من المربين في مديريات السلفية بمحافظة ريمة، ومذيخرة والعدين بمحافظة إب، طالبتهم بالحضور إلى مقارها لاستكمال إجراءات الحصول على تصاريح ودفع رسوم مالية، مع التلويح باتخاذ إجراءات عقابية بحق من يرفض الامتثال.

وتداول ناشطون وثيقة رسمية صادرة عن فرع الهيئة في ريمة تلزم أصحاب المواشي والحظائر بالحصول على تصاريح مسبقة مقابل رسوم مالية، في خطوة وصفها السكان بأنها امتداد لسياسة الجبايات التي تطول مختلف الأنشطة الاقتصادية.

ويرى سكان أن الإجراءات الجديدة لا تستند إلى أساس قانوني واضح، وإنما تأتي ضمن سلسلة من التدابير التي تستهدف مختلف شرائح المجتمع، بعد أن ضمت خلال السنوات الماضية التجار والمزارعين وأصحاب المشاريع الصغيرة ووسائل النقل والأسواق والخدمات.

عبء جديد

أثارت الرسوم الجديدة موجة استياء واسعة في أوساط مربي المواشي، الذين أكدوا أنها تضيف أعباء مالية جديدة إلى قطاع يعاني أصلاً من ارتفاع أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية وتراجع الطلب على المنتجات الحيوانية.

وقال أحد مربي المواشي في مديرية السلفية بمحافظة ريمة لـ«الشرق الأوسط» إن الجهات الحوثية بدأت بإلزامهم بدفع مبالغ مالية تحت اسم الرسوم البيئية، رغم غياب أي خدمات فعلية تتعلق بحماية البيئة أو دعم الثروة الحيوانية.

وأضاف أن هذه الرسوم تمثل شكلاً جديداً من الإتاوات التي تُفرض بالقوة، محذراً من أن استمرارها سيهدد مصدر رزق آلاف الأسر التي تعتمد بصورة رئيسية على تربية المواشي.

وفي محافظة إب، أبدى سكان مخاوف من أن تمتد هذه الرسوم الحوثية إلى قطاعات وأنشطة أخرى، مؤكدين أن الجبايات المتكررة أصبحت عبئاً ثقيلاً على الأسر الريفية التي تعتمد على الزراعة وتربية الحيوانات لتأمين احتياجاتها اليومية.

الحوثيون أرغموا المزارعين على التبرع بالمواشي للجبهات (إعلام حوثي)

وقال «حميد»، وهو اسم مستعار لمزارع من عزلة السارة في مديرية العدين، إن غالبية الأسر في المنطقة تواجه أوضاعاً معيشية صعبة، وإن فرض رسوم إضافية بالقوة يهدد قدرتها على الاستمرار في العمل الزراعي وتربية المواشي.

كما ناشد مزارع من مديرية مذيخرة بإيقاف هذه الإجراءات، مؤكداً أن الأولوية ينبغي أن تكون لدعم القطاعات الإنتاجية وتحسين الظروف الاقتصادية، لا استحداث رسوم جديدة تزيد من معاناة المواطنين.

ويرى اقتصاديون أن استهداف مربي المواشي والمزارعين يعكس انتقال الجماعة إلى مرحلة جديدة من توسيع مصادر الإيرادات، بعد أن أصبحت معظم القطاعات الاقتصادية خاضعة لرسوم وإتاوات متعددة.

ويؤكد هؤلاء أن استمرار فرض أعباء إضافية على الأنشطة الزراعية والحيوانية قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وانخفاض حجم المعروض من المنتجات، بما ينعكس على أسعار الغذاء والأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعتمد ملايين سكانه على الإنتاج الريفي المحدود.

استثمار المرافق العامة

بالتوازي مع توسيع الجبايات، كشفت مصادر مطلعة في صنعاء عن شروع الجماعة الحوثية في تحويل مساحات تابعة لمرافق ومؤسسات عسكرية إلى مجمعات وأسواق تجارية يديرها مقربون من قيادات نافذة في الجماعة.

وأكدت المصادر أن الجماعة استحدثت خلال الفترة الأخيرة منشآت تجارية داخل محيط عدد من المرافق العسكرية والأمنية، من بينها نادي ضباط الشرطة ومعسكر حرس الشرف، بعد تغيير طبيعة استخدام تلك المواقع.

وقالت المصادر إن هذه الخطوة تمثل امتداداً لعمليات الاستحواذ على ممتلكات الدولة وإعادة توظيفها لتحقيق عوائد مالية تصب في مصلحة قيادات الجماعة.

مقر نادي ضباط الشرطة في صنعاء بعد تأجيره لقيادات حوثية (إكس)

ويمثل تحويل باحة نادي ضباط الشرطة في مديرية الوحدة بصنعاء إلى سوق تجارية أحدث حلقات هذا المسار، إذ أفاد شهود عيان بأن الجماعة بدأت إقامة مبانٍ مسقوفة بألواح الزنك والحديد داخل أجزاء من باحة النادي، تمهيداً لتشغيل سوق تجارية تتبع أحد القيادات النافذة المنحدرة من محافظة صعدة.

كما تحدثت مصادر عن استيلاء أحد النافذين على مساحة أرض كانت تتبع كلية الشرطة، واستُخدمت سنوات طويلة بوصفها مواقف للسيارات، قبل تحويلها إلى استثمار خاص.

وكانت الجماعة قد أقدمت في وقت سابق على تأجير أجزاء من نادي ضباط الشرطة لأحد قادتها، الذي حولها إلى مطاعم ومقاهٍ خاصة، الأمر الذي أثار حينها انتقادات واسعة بوصف ذلك استغلالاً لمرفق حكومي لمصلحة أفراد.

ولا تعد هذه الممارسات الأولى من نوعها، إذ سبق للجماعة أن استولت على أجزاء من معسكر التشريفات، أو ما يعرف بحرس الشرف، الكائن في شارع الزبيري وسط صنعاء، وحولت أجزاء من باحته إلى محلات تجارية.

كما كشفت تقارير سابقة عن اقتطاع أجزاء من دار الرئاسة جنوب العاصمة وتحويلها إلى مشروع تجاري خاص، بعد منح الأرض لما يسمى «الشركة القابضة» التي يشرف عليها المسؤول المالي للجماعة.

وتؤكد مصادر تجارية أن المشروع أُقيم بسرية خلف أسوار المجمع الرئاسي، قبل التخطيط لإزالة السور بعد اكتمال الأعمال، في خطوة هدفت إلى تجنب ردود الفعل الشعبية، خصوصاً أن تلك الأراضي كانت قد خُصصت للمصلحة العامة عند ضمها إلى المجمع الرئاسي.

امتيازات حصرية

وفق مصادر مطلعة على ما يدور في أروقة حكم الجماعة الانقلابية، فإن المشاريع الاستثمارية الجديدة تُمنح لشخصيات مقربة من قيادات حوثية نافذة، وتحصل على امتيازات حصرية بعيداً عن أي منافسة أو إجراءات قانونية.

وأضافت المصادر أن الهدف من تحويل المرافق الحكومية إلى مشاريع تجارية يتمثل في توفير موارد مالية مستمرة لشبكات الجماعة الاقتصادية، عبر السيطرة على الأصول العامة وتغيير طبيعة استخدامها.

ويرى مراقبون أن هذه السياسة تعكس اتجاهاً لتعزيز النفوذ الاقتصادي للجماعة، من خلال السيطرة على المؤسسات الحكومية وتحويلها إلى أدوات استثمارية، بدلاً من استمرارها في أداء وظائفها الأصلية.

شارع فرعي أغلقه الحوثيون بعد السطو عليه في صنعاء (فيسبوك)

ويحذر اقتصاديون من أن جمع الحوثيين بين توسيع الجبايات والاستحواذ على الممتلكات العامة ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المحلي، إذ يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وإضعاف ثقة المستثمرين، وتآكل دور مؤسسات الدولة، فضلاً عن حرمانها من أصول كان يفترض أن تبقى مخصصة للخدمة العامة.

كما يرون أن استمرار هذه السياسات يعمق الفجوة الاقتصادية، ويزيد من الضغوط على المواطنين، خصوصاً في ظل استمرار تراجع الدخول وارتفاع معدلات الفقر، واعتماد شريحة واسعة من السكان على الزراعة والرعي والأنشطة الصغيرة لتأمين احتياجاتها الأساسية.