ألمانيا ستُعيد «برونزيات بنين» إلى نيجيريا

في محاولة لنفض غبار التاريخ الاستعماري عن كاهلها

عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
TT

ألمانيا ستُعيد «برونزيات بنين» إلى نيجيريا

عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)

أعلنت وزارة الثقافة الألمانية، مساء الخميس الماضي، أن الحكومة الألمانية تعتزم البدء في إعادة عدد كبير من القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن، المعروفة باسم «برونزيات بنين»، من مختلف المتاحف الألمانية إلى نيجيريا بدءاً من العام المقبل.
وتتناثر القطع الأثرية المذكورة التي كان الجيش البريطاني قد نهبها في غارة عسكرية شُنت على مدينة بنين، فيما بات يُعرف اليوم بدولة نيجيريا، في عام 1897، بين عدد من المتاحف والمجموعات الخاصة في مختلف أرجاء العالم. ويأتي الإعلان الألماني الأخير، وهو الأول من نوعه من قبل الحكومة الوطنية، متبوعاً بجدول زمني محدد للتسليم، في الآونة التي يتزايد فيها الزخم على جانبي الأطلسي بشأن أحقية إعادة القطع الأثرية المنهوبة إلى مواطنها الأصلية.
وقد توصل المسؤولون الحكوميون مع المشرعين الإقليميين، رفقة مديري المتاحف في ألمانيا، إلى اتفاق ينص على التزام المؤسسات الألمانية التي تستحوذ على المئات من القطع الأثرية البرونزية المذكورة بالشروع في التواصل مع الجهات النيجيرية المعنية، مع بلوغ الحد في السعي والجهد لإنجاز مهمة إعادة الدفعة الأولى من تلك القطع إلى موطنها الأصلي بدءاً من العام المقبل.
وصرحت مونيكا غروترز، وزيرة الثقافة الألمانية، في بيان صحافي صادر عنها: «نحمل على كاهلنا مسؤولية تاريخية وأخلاقية ثقيلة تقتضي منا تسليط الأضواء على ماضي البلاد الاستعماري، ولزوم التصالح معه، والبدء بتناول مسألة برونزيات بنين هي أول اختباراتنا الحقيقية في ذلك الصدد».
ومن شأن القطع البرونزية الأثرية (التي على الرغم مما يشير إليه اسمها هي من العناصر المتعددة المصنوعة من مواد العاج والنحاس والخشب) أن يستقر بها المقام في متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا في مدينة بنين، ذلك الذي يعكف المهندس المعماري ديفيد أدجاي على تصميمه وبنائه، بالإنابة عن مؤسسة «ليجاسي ريستوريشن ترست» الثقافية، وهي المؤسسة التي تمثل الحكومة النيجيرية، والسلطات الإقليمية، بالإضافة إلى الديوان الملكي في بنين.
ويأمل الصندوق الثقافي سالف الذكر في افتتاح المتحف في عام 2025، على الرغم من تكرار إرجاء الجدول الزمني للانتهاء من أعمال البناء عدة مرات في السابق.
وقد رحب السيد فيكتور إيخامينور، كبير أمناء الصندوق الثقافي النيجيري، بالإعلان الصادر عن الحكومة الألمانية، وأفاد في مقابلة أجريت معه عبر الهاتف مؤخراً بأنه «إن قُدر لهذه الخطوة النجاح، فلسوف تكون بمثابة خريطة طريق ثقافية لجهات وأناس آخرين».
ومن شأن وزارة الثقافة الألمانية نشر قائمة تشتمل على مقتنيات مجموعة «برونزيات بنين» كافة الموزعة عبر مختلف المتاحف الألمانية بحلول الثلاثاء الموافق 15 يونيو (حزيران) المقبل، وذلك بموجب الإعلان الرسمي الموقع عليه في اجتماع يوم الخميس الماضي. وستُطرح تفاصيل تتعلق بأصول ومصادر القطع الأثرية بحلول نهاية العام الحالي، بما في ذلك ما إذا كانت قد وصلت إلى البلاد بطريقة مشروعة أو نُهبت من موطنها الأصلي خلافاً لذلك. ولقد أكد الإعلان المشار إليه أن الحكومة الألمانية تأمل في الاحتفاظ بعدد من القطع البرونزية لعرضها في متاحف البلاد.
ومن جانبه، نفى السيد إيخامينور اعتراضه على بقاء بعض العناصر لعرضها في ألمانيا، لا سيما مع إتمام إجراءات نقل الملكية القانونية إلى متحف مدينة بنين، وأضاف معلقاً: «نهتم كثيراً بالتواصل الثقافي العالمي مع مختلف البلدان، ما دام أنه يجري ضمن إطار متبادل من الاحترام والإنصاف، إذ لم نعد نتحمل أن نكون مجرد جزء من بنية استعمارية خارجية قميئة».
وكثيراً ما حاول الشعب الألماني أن ينفض عن كاهله غبار التاريخ النازي البغيض، غير أن مجال النقاش العام قد تحول خلال السنوات الأخيرة إلى فحص الدور الاستعماري الألماني في قاراتي أفريقيا وآسيا، وفي المحيط الهادئ. وفي عام 2019، وقعت الأقاليم الألمانية الستة عشر، وهي المتحملة لمسؤولية الشؤون الثقافية، على اتفاقية تقضي بالتزامها بالعمل على إعادة القطع الأثرية المنهوبة من المستعمرات الألمانية السابقة في الخارج.
وبدأت في المملكة المتحدة التي شن جيشها الاستعماري الغارة سالفة الذكر على بنين في عام 1897 الخطوات الرامية إلى إعادة القطع الأثرية البرونزية التي تستحوذ عليها المؤسسات، وليس الحكومة البريطانية. وفي مارس (آذار) الماضي، نشر متحف «هورنيمان» في العاصمة لندن الذي يضم بين جنباته 49 قطعة أثرية من مجموعة «برونزيات بنين» وثيقة رسمية، أعلن بمقتضاها النظر في إمكانية إعادة أي قطعة من القطع الأثرية ضمن المجموعة التي استحوذ عليها بالقوة أو بالنهب. وبعد ذلك بأيام قليلة، أعلنت جامعة أبردين في اسكوتلندا عن اعتزامها إعادة «منحوتة أوبا» أو «الحاكم» المملوكة بالأساس لمملكة بنين، وهي التي كانت قد نُهبت في غارة للجيش البريطاني عام 1897.
وعلى الرغم من ذلك، فهناك عدد من أكبر المتاحف في المملكة المتحدة -مثل المتحف البريطاني الذي يضم أكثر من 900 قطعة من أفضل القطع الأثرية في مجموعة «برونزيات بنين»- يخضع في نظامه الأساسي للوائح صادرة عن البرلمان البريطاني، ولا يملك حق إعادة أي قطعة من مقتنيات المتحف بصفة دائمة من دون إجراء تعديل تشريعي سابق بهذا الخصوص. ولم تصدر استجابة من قبل وزارة الثقافة البريطانية على طلب التعليق، أول من أمس (الجمعة).
ويعد المتحف البريطاني عضواً ضمن «مجموعة بنين الحوارية»، وهي شبكة من المتاحف الأوروبية نظمت لقاءات مع ممثلين من نيجيريا منذ أكثر من 10 سنوات بغرض ما يمكن القيام به بشأن مجموعة «برونزيات بنين». وتساعد «مجموعة بنين الحوارية» كذلك في أعمال تطوير متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا، كما تساهم في تمويل وتوفير القدرات البشرية المعنية بالأعمال الأثرية في موقع المتحف التي من المقرر أن تبدأ في خريف العام الحالي.
ووصف إيخامينور موقف المتحف البريطاني من محادثات استعادة القطع الأثرية المنهوبة بأنه مثل طاهي أحد المطاعم الشهيرة الذي يرفض إعداد أطباق الطعام! وأضاف: «إن وجود تلك القطع بحوزة المتحف البريطاني لم يسفر أبداً عن نوع المناقشات التي بلغت مسامعنا عن متاحف أخرى مماثلة في أوروبا. وإن كانت ألمانيا تحاول البحث عن وسيلة لإجراء هذه المناقشات، فأعتقد أنه حري بالجانب البريطاني الشروع في ممارسة مماثلة»، وتابع أنه يأمل في أن يغير الإعلان الثقافي الألماني الرسمي من مستجدات الأمور.
ومن ناحيتها، أقرت الناطقة الرسمية باسم المتحف البريطاني، في بيان لها، بأن الاستحواذ الأول على القطع الأثرية البرونزية جرى في ظل ظروف من النهب والدمار، وأضافت أن الأمر قد شُرح ووُضح في بيانات القطع المعروضة بالمتحف، فضلاً عن الموقع الإلكتروني الرسمي للمتحف أيضاً.
وفي حين دخلت المتاحف الأوروبية في حوارات مفتوحة مع نيجيريا منذ سنوات بذلك الشأن، شرعت المؤسسات الأميركية المناظرة في الآونة الأخيرة فقط في اتخاذ بعض الخطوات بشأن القطع البرونزية المحفوظة لدى متاحفها. وتواصلت إدارة متحف «فاولر»، التابع لجامعة كاليفورنيا، مع المسؤولين في نيجيريا بشأن مستقبل 18 قطعة من مجموعة «برونزيات بنين» الأثرية التي يحتفظ بها المتحف ضمن مقتنياته، حسبما أفادت به مارلا سي. بيرنز مديرة المتحف.
وصرحت كريستين كريمر، نائب مدير المتحف الوطني للفنون الأفريقية، بأن مؤسسة «سميثسونيان» الأميركية قد شكلت مجموعة عمل معنية بتطوير سياسات جديدة إزاء فنون الحقبة الاستعمارية، والقطع الأثرية المنهوبة ضمن مجموعاتها الفنية. وأضافت أن هناك 42 قطعة من مجموعة «برونزيات بنين» في متحفها، على الرغم من عدم الاستحواذ عليها بالنهب في المقام الأول، كما توجد بعض القطع أيضاً لدى متاحف أخرى تابعة لمؤسسة «سميثسونيان»، مثل المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي. وأشارت إلى أن الاجتماع الأول لمجموعة العمل المذكورة سيكون خلال الأسبوع المقبل.
واستطردت كريمر تقول: «اتخذت المتاحف الأميركية خطوات بطيئة بعض الشيء في المضي قدماً في هذا المسار. ولقد حان الوقت الآن لتصحيح الأوضاع»، في إشارة منها إلى عدم ضلوع الولايات المتحدة في المساعي الاستعمارية الأوروبية القديمة.
ولم يصدر أي إعلان أو بيان رسمي من جانب متحف «متروبوليتان» الأميركي بشأن جهود إعادة القطع الأثرية إلى مواطنها، وهو الذي يضم بين مقتنياته 150 قطعة أثرية من مدينة بنين، بما في ذلك قناع شهير من العاج. وقال المتحدث باسم المتحف في تصريح يوم الخميس: «وصلت هذه القطع والأعمال الفنية إلى المتحف في الفترة بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي على أيدي أشخاص كانوا قد استحوذوا عليها من مختلف المعارض والأسواق الفنية»، وأضاف أن المتحف على دراية كاملة بخطة الإعادة الألمانية الجديدة.
وقال إيخامينور إن موقف متحف «متروبوليتان» يكتنفه التردد والغموض، تماماً مثل موقف المتحف البريطاني بشأن هذه القطع الأثرية، غير أنه أكد ضرورة التواصل مع المؤسسات الأميركية بهذا الشأن في الوقت المناسب.
وفي السياق، يقول فيليب إيناتشو، الممول الذي يقود حملة جمع التبرعات من أجل متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا، في مقابلة هاتفية، إن الاستعدادات الجديدة لدى عدد من الحكومات والمتاحف لإجراء الحوارات بشأن إعادة مجموعة «برونزيات بنين» الأثرية كانت بمثابة التغيير العاصف لقواعد العمل المعروفة، و«في ظل الزخم الراهن الذي يبدو كالقوة الدافعة وراء عدد من المناقشات الأخيرة، فإننا نشعر بقدر كبير من الثقة في أن التصلب والمجابهة لم يعودا مفيدين في إقناع الآخرين بإعادة ما فُقد منذ عقود، بل يكمن التحدي الجديد في كيفية بناء المؤسسة الثقافية الجديرة باقتناء واحترام والمحافظة على تلك المقتنيات ذات الأهمية».



غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
TT

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

بعد أسبوع على افتتاح صالون الزراعة الدولي، لا يزال العارضون ينتظرون الزوار المتردّدين. والسبب هو غياب الأبقار الشهيرة التي كانت «نجمات» الدورات السابقة ونقطة الجذب للعائلات، ولا سيما الأطفال. ووفق المعلومات، فإنَّ الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض.

جَمَل وصل باريس (الشرق الأوسط)

سبب غياب الأبقار هو احتجاج مربّيها على تصفية أعداد منها بسبب انتشار مرض الجلد العقدي بين الماشية. وقرَّر المربّون الامتناع عن جلب قطعانهم، وكذلك استجابةً لتوصية الهيئات المنظِّمة حتى لا ينتشر المرض.

تونس وزيوتها وتمورها (الشرق الأوسط)

صالون الزراعة هو الحدث الاقتصادي السنوي الأبرز في فرنسا؛ مخصَّص لعرض المنتجات الزراعية والحيوانية التي حقَّقت شهرة عالمية وباتت مصدر فخر للبلد. ونظراً إلى التغطية الإعلامية الواسعة التي يحظى بها، فإن السياسيين وقادة الأحزاب يتسابقون لزيارته والتقاط الصور مع المزارعين ومربّي المواشي ومَن يرافقهم من منتجي الأجبان واللحوم المقدَّدة والمخبوزات والحلويات. ولم يحدث أن تخلَّف أي رئيس من رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة عن زيارة الصالون وقضاء ساعات فيه، يتبادل الحديث مع المزارعين ويتذوَّق المنتجات الغذائية، منذ الجنرال ديغول الذي افتتح دورته الأولى، وحتى إيمانويل ماكرون الذي حرص على أن يمضي نهار الافتتاح بين العارضين، الأحد الماضي. هذا مع استثناء الرئيس فرنسوا ميتران الذي زار الصالون حين كان مرشَّحاً يسعى إلى كسب أصوات الناخبين، لكنه لم يعد إليه بعد فوزه بالرئاسة.

شيراك في المعرض (الأرشيف الوطني الفرنسي)

ضيفة الشرف هذا العام دولة كوت ديفوار. وكان المغرب ضيف العام الماضي وأول دولة أجنبية تنال هذا الشرف في تاريخ المعرض. ورغم بعض المصاعب والتحدّيات، يبقى المعرض منصة عالمية للتبادُل الزراعي الدولي والإضاءة على ثقافات زراعية متنوّعة من كلّ قارة.

ديغول في المعرض الزراعي (الأرشيف الوطني الفرنسي)

ما يلفت نظر الزوار العرب هذا العام حضور السودان بجناح جميل يُشجّع على الاستثمار والتعارف بين رجال الأعمال في هذا البلد العربي الزراعي الذي أنهكته الحروب ومزَّقته، بعدما كان يوصف بأنه «سلّة غذاء العرب». وأبرز معروضات الجناح، الصمغ العربي وعشبة الكركديه وحبوب الكمّون الطبيعي والسمسم.

كما حضر المغرب بعدد من الأجنحة تحت شعار «قرون من النكهات». وتعدَّدت المعروضات ما بين الزعفران وزيت الأرغان والتوابل والمنتجات العطرية والطبّية التي زاد عددها على 700 منتج، أشرفت النساء على إنتاج 60 في المائة منها.

الجزائر وجناحها متعدِّد المعروضات (الشرق الأوسط)

وكان للجزائر حضور تمثَّل بجناح كبير للتمور وزيت الزيتون، وبالأخص ذاك الآتي من معاصر منطقة القبائل. وكذلك العسل الجبلي والأغذية وبعض الملابس التقليدية التي تلقى إقبالاً من أبناء الجالية الجزائرية الكبرى في فرنسا. وحين نتحدَّث عن التمور، فلا بدَّ من الإشارة إلى جناح تونس وما فيه من تمور رفيعة، وحلويات وزيوت عالية الجودة أخذت طريقها إلى التصدير في بلدان العالم.

700 عارض مغربي (الشرق الأوسط)

ومن بين الأجنحة التي تستوقف الزوار، واحد عن الزراعة والثقافات العالمية. ويجذب الانتباه فيه وجود مجموعة من الجمال والنوق التي تأتي بها جمعية فرنسية معروفة في أوروبا وتهتم بالحفاظ على السلالات المنسية. ويتيح الجناح لمرتاديه فرصة تذوّق حليب الإبل.


اللقاءات الاجتماعية في رمضان... بين ذكريات الأجيال وتحدي الشاشات

يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
TT

اللقاءات الاجتماعية في رمضان... بين ذكريات الأجيال وتحدي الشاشات

يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)

تنسج ليالي شهر رمضان تفاصيل اجتماعية فريدة، يملؤها دفء المجالس ورائحة القهوة العربية التي تفوح بعد صلاة التراويح، حيث تزداد وتيرة اللقاءات وتتحول الاجتماعات من مجرد واجبات اجتماعية إلى طقوس بطابع رمضاني تعيد صياغة العلاقات الإنسانية، رغم التحديات المعاصرة المتمثلة في تأثير زحف مواقع التواصل الاجتماعي ومجتمعات الشاشات الصغيرة على وتيرة التواصل واللقاءات.

الأجيال الجديدة ترث العادة تقليدياً من خلال حضورها هذه الاجتماعات (واس)

المقاهي تعد خياراً مفضلاً بالمدينة التي تغرق في الزحام وتنائي المسافات (واس)

اللقاءات الرمضانية... جيل يتصل بآخر

في دول الخليج وكثير من المجتمعات العربية، تبرز وجبة «الغبقة» التي تقدم بين الإفطار والسحور، وتعد تظاهرة اجتماعية رمضانية شهيرة في المنطقة. تأخذ أشكال اللقاءات الاجتماعية الدورية أسماء وصفات مختلفة، والمجتمعات الخليجية على نحو ما اشتهر به العرب عموماً، تتمتع بقوة حضور البعد الاجتماعي في حياتها، وتتصف حياتها بالترابط الاجتماعي والتواصل الوثيق داخل المجتمع الواحد، ويحل رمضان في كل عام ليضاعف قيم الترابط الاجتماعي، ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات مع بعضهم.

وتكتسب الاجتماعات العائلية في ليالي رمضان طابعاً فريداً يتمثل في تعدد الأجيال، على مائدة واحدة، أو في جلسة سمر ليلية، حيث يجلس الحفيد بجانب الجد، وتتصل من خلال هذا المشهد سردية اجتماعية متماسكة ترعاها ليالي رمضان. يقول الباحث الاجتماعي أحمد بن إبراهيم إن ليالي رمضان تعد بيئة ملائمة لتجديد العلاقات والصلات الاجتماعية التي تجد في رمضان فرصة لتعزيزها وتطويرها، مشيراً إلى أن الأجيال الجديدة ترث هذه العادة تقليدياً من خلال حضورها هذه الاجتماعات التي تكتسي بالألفة والتسامح والسلام، بتأثير مباشر من طبيعة وطقوس ليالي شهر رمضان.

ويشير إلى أنه قد تركت موجات التقنيات الجديدة وزحام الشاشات تأثيراً قاسياً على طبيعة التواصل في المجتمعات، لكن ليالي رمضان بطبيعتها الاجتماعية، قد تساعد في استعادة وتيرة هذه العلاقات واللقاءات وتعزيزها.

وعن لقاءات المقهى المفتوح، يقول الباحث الاجتماعي إن ذلك يعد شكلاً للتواصل الاجتماعي، يجمع بين التقليد والمعاصرة، لافتاً إلى أن الكثير بدأ يفضل اختيار هذا الفضاء العمومي لتجديد التواصل مع شبكة علاقاته بدرجة أقل من الرسمية، وشكل أكثر حيوية في التفاعل.

وقال إن المقاهي تعد خياراً مفضلاً في المدينة التي تغرق في الزحام وتنائي المسافات، ويضيف: «أحياناً، يقع عليها الاختيار للتخفيف من رسمية اللقاءات، أو بوصفها خياراً وسطاً بين الأطراف الذين يتوزعون في أنحاء المدينة، وبعيداً عن المنازل، تتحول المقاهي الشعبية والأماكن العامة إلى خلية نحل، ويكتسب التواصل طابعاً عفوياً، وقد يصبح الغرباء أصدقاء حول لعبة طاولة أو شرب الشاي، أو حتى أثناء نقاش محتدم حول أحداث مباراة مفصلية أو مسلسل درامي».

في الخليج تأخذ أشكال اللقاءات الاجتماعية الدورية أسماء وصفات مختلفة (واس)

التواصل الرقمي يعيد تشكيل طقوس رمضان

تشهد ليالي شهر رمضان، طفرة رقمية غير مسبوقة، حيث تتحول المنصات الاجتماعية إلى «مجالس افتراضية» لا تنام. يقول بن إبراهيم إن البيانات السلوكية لمستخدمي الإنترنت في المنطقة العربية تشير إلى أن استهلاك وسائل التواصل الاجتماعي يرتفع خلال الشهر الفضيل.

وهذا الارتفاع يشمل أنشطة مختلفة مثل البحث عن الوصفات، والتفاعل مع المسلسلات والبرامج الحوارية، وموجات من النشاط تتركز على المحتوى الديني، لكنه في المقابل هو نشاط يتعلق بالتواصل بين الأفراد، وتعزيز العلاقات الاجتماعية ببث التهاني والسؤال عن الأحوال.

ويشير إلى أن وسائل التواصل لم تعد مجرد أداة للترفيه، بل تحولت إلى أداة حيوية لصلة الرحم، وأن المجموعات العائلية تشتعل بالتبريكات، ومقاطع «ستوري» توثق تفاصيل الموائد، مما يخلق حالة من المشاركة الوجدانية التي تتجاوز المسافات الجغرافية. ورغم الإيجابيات، يرى الباحث الاجتماعي أن هذه الوتيرة المتسارعة لها وجه آخر، فـ«إدمان الشاشة» قد يهدد الجوهر الروحاني للشهر.


كيف تتصرف عند مواجهة قلّة الاحترام؟

الرد العاطفي لا يساعد في السيطرة على الموقف المؤذي (بيكسلز)
الرد العاطفي لا يساعد في السيطرة على الموقف المؤذي (بيكسلز)
TT

كيف تتصرف عند مواجهة قلّة الاحترام؟

الرد العاطفي لا يساعد في السيطرة على الموقف المؤذي (بيكسلز)
الرد العاطفي لا يساعد في السيطرة على الموقف المؤذي (بيكسلز)

مرّ معظمنا بلحظة شعر فيها بالإحراج أو الغضب عندما يوجه شخص ما كلاماً جارحاً أو تصرفاً غير محترم. قد تكون هذه المواقف في العمل، أثناء الاجتماعات، أو حتى في الحياة اليومية. في اللحظة نفسها، يصعب أحياناً التفكير في رد مناسب، وقد تمر دقائق أو ساعات أو حتى أيام قبل أن تتضح أمامك الكلمات التي كان يجب قولها، مما يترك شعوراً بالإحباط والندم.

لكن لا يجب أن يبقى الأمر على هذا النحو. بصفته مدرباً على مهارات التواصل، يقدم مايكل تشاد هوبنر أفضل النصائح للاستعداد لمثل هذه المواقف والتعامل معها بثقة واحتراف، وفقاً لموقع «سي إن بي سي».

1. تدرب كما يفعل الرياضيون

يشبه هوبنر التدريب على التعامل مع المواقف المحرجة ما يفعله لاعبو الوسط في كرة القدم الأميركية، حيث يمارسون ما يُعرف بـ«الرميات من خارج المنصة» لتطوير مهاراتهم في إيصال الكرة بدقة من أي زاوية. يمكن للمتحدثين أن يتبنوا نفس النهج لتقوية ردودهم في المواقف الصعبة.

يقول هوبنر: «أقدم تمريناً لطلابي لمساعدتهم على التحدث بهدوء ووعي، خاصة عندما يواجهون شخصاً جارحاً أو غير محترم. تهدف هذه الخطوات إلى بناء ذاكرة عضلية لوضعية جسد واثقة ومنتصبة، لتشعر براحة أكبر في المواقف غير المتوقعة».

ويشرح: «تخيّل رأسك كبالون هيليوم وقدميك كجذور شجرة متينة، ثم دع البالون يرتفع والجذور تتعمق. مارس هذا التمرين 5 دقائق يومياً. بعد ذلك، أضف التحدث، واستلهم من التدريب الرياضي باستخدام كرة».

كما يضيف: «قف على مسافة قريبة من الحائط، حافظ على استقامة ظهرك، ثم ارمِ الكرة والتقطها بعد ارتدادها. دع عدم القدرة على التنبؤ بسرعة الكرة وزاويتها يذكّرك بالاستعداد لأي طارئ. استمر في رمي الكرة والتحدث بسرعة مدروسة وبصوت واضح، مع فترات توقف مناسبة».

2. توقف واستجمع أفكارك

بعد تمرين الثقة، يأتي دور ما يسميه هوبنر «عبارات الشفافية»، وهي عبارات قصيرة وسهلة التذكر تساعدك على الاستعداد الذهني عند مواجهة مفاجآت أو تصريحات جارحة، بحيث لا تشعر بالضغط للرد الفوري بما قد تندم عليه لاحقاً.

من الأمثلة على هذه العبارات:

- «أحتاج إلى بعض الوقت لاستيعاب ما قلته للتو».

- «لقد فاجأني تعليقك حقاً، عليّ التفكير في الأمر».

- «أنا متفاجئ من ذلك، سأفكر فيه قليلاً».

اختَر العبارات التي تشعر بالراحة عند قولها، ثم اختبرها عملياً من خلال التمرين الأول مع الكرة: أثناء التقاط الكرة، حافظ على استقامة ظهرك وثقتك بنفسك، وخذ الوقت الكافي للتفكير في ردك.

3. استعد ثقتك بنفسك وركز على الموضوع

عندما يوجه إليك أحدهم تصرفاً أو كلاماً جارحاً، من الطبيعي أن تشعر بالرغبة في الرد بالمثل. لكن الرد العاطفي لا يساعد في السيطرة على الموقف. بعد استخدام عبارات الشفافية، حاول إعادة النقاش إلى صلب الموضوع بطريقة عملية.

يمكنك استخدام مصطلحات جاهزة للتركيز على العمل، مثل:

- «إذا عدنا إلى الخطة التي وضعناها».

- «فقط للتذكير بالبروتوكول الذي نتبعه».

- «دعونا نعود خطوة إلى الوراء ونلقي نظرة على العملية التي أوصلتنا إلى هنا».

يوضح هوبنر: «عندما يستخدم أحدهم إهانة شخصية ضدك لفرض سيطرته، يكون قد قرر اللجوء إلى الترهيب لتحقيق غايته. لكن إذا قمت بإعادة توجيه النقاش باستخدام عبارات تركز على العمل، يمكنك إعادة تأكيد مكانتك، وإظهار قدرتك على المساهمة، وكشف نهجهم بشكل لائق باعتباره غير مناسب وغير فعال».

بهذه الطريقة، يمكنك مواجهة المواقف المحرجة أو التصرفات الجارحة بثقة وهدوء، مع الحفاظ على احترام نفسك ومهنيتك، وتجنّب الشعور بالندم لاحقاً على ردودك.