الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»

حدة الموجة الثانية مرتبطة بالتراخي والتجمعات السياسية والخشية من أخذ اللقاح

الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»
TT

الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»

الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»

شهدت الهند يومياً، خلال الأيام السبعة الفائتة، وفاة ما يزيد عن 3000 شخص يومياً، وإصابة نحو 350000 شخص بفيروس «كوفيد 19»، ما يجعل الموجة الثانية من الجائحة تبدو أشبه بتسونامي يضرب البلاد. وحقاً سجلت الهند أكبر حصيلة يومية لضحايا الفيروس على الإطلاق على مستوى العالم، محطمة يوماً بعد يوم الرقم القياسي للإصابات. واليوم، تشهد سقوط أكبر عدد من الوفيات اليومية منذ بدء الجائحة.
وفي حين عصفت الجائحة بالفقراء بصورة أساسية خلال الموجة الأولى، انتقل الفيروس هذه المرة إلى المراكز الحضرية، ليضرب أحياء أبناء الطبقة المتوسطة والنخبة، وكذلك أبناء الطبقة العاملة. وفي كل مكان، توجد الآن قوائم انتظار من أجل جميع ما يتعلق بالخدمات الصحية تقريباً، من اختبارات ودخول للمستشفيات، حتى محارق الجثث والمدافن.
وبوجه عام، يبدو الوضع المتعلق بالرعاية الصحية في حالة انهيار، بينما يكافح الناس للحصول على الأدوية والأكسجين. وتتكشف فصول المحنة يوماً بعد آخر أمام الجيل الحالي من الهنود الذي لم تسبق له قط معاينة مثل هذا المستوى من قبل. ففي الشوارع، تكدست أكوام من الجثث، ويواجه الناس صعوبة بالغة في دفن أحبائهم، ويتسارع بناء محارق مؤقتة للجثث.
المؤكد أن الوضع برمته يبدو مظلماً، لكن الملاحظ أن 80 في المائة من حالات الإصابة يأتي من مدينتي دلهي ومومباي وأجزاء من ولايات أوتار براديش وتاميل نادو والبنجاب مع ولايات قليلة أخرى. أما في باقي ولايات الهند وأقاليمها الاتحادية، فيبقى الوضع عموماً تحت السيطرة.
فتح الجحيم أبوابه فجأة أمام سانجانا (17 سنة)، وذلك بإصابة جدتها ووالدها ووالدتها وشقيقها بفيروس «كوفيد 19»، ووجدت الفتاة المراهقة نفسها بمفردها تماماً تسعى بدأب لطلب النجدة. وفي منشور لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كتبت: «أرجوكم ساعدوني. لقد اضطررت لمخالفة القانون وقيادة السيارة لنقل والدتي إلى المستشفى، لكن 3 مستشفيات رفضت استقبالها. اليوم، أقف بالسيارة خارج غوردوارا (مكان للعبادة لدى طائفة السيخ) وقدّمت لوالدتي كمية أكسجين تبرّع بها أحد الأشخاص مجاناً، وآمل أن تبقى على قيد الحياة. أرجوكم ليساعدني أحدكم». وقالت شاهدة عيان: «بعد كثير من التردد من جانب أسرتي، غامرت بالدخول إلى واحدة من مستشفيات (إل إن جيه بي) الشهيرة. وحملت لوحة الإعلانات الرقمية رسالة تقول؛ لا توجد أسرة. نعتذر لكم». داخل المستشفى، لن تستطيع منع نفسك من البكاء بسبب مشاهد العجز والبكاء من حولك من أفراد الأسر المختلفة. تحركات سريعة محمومة ومرضى يلهثون في محاولة لالتقاط الأنفاس.

تجارب قاسية ومعاناة شديدة
الدكتور سوريش كومار، مدير الشؤون الطبية داخل مستشفى «لوك ناياك»، يقول إنه في خضم الوضع الحاد لفيروس «كوفيد 19» داخل العاصمة نيودلهي، أصبحت جميع أسرة وحدة الرعاية المكثفة مشغولة على مدار الأيام الخمسة الأخيرة. وأكد كومار أنه لم يشهد طوال مسيرته المهنية الممتدة لـ30 سنة مثل هذه الأزمة. وأشار إلى أن بعض الحالات الحرجة من المرضى تحتاج إلى ما بين 40 و50 لتراً من الأكسجين في الدقيقة للحفاظ على مستواه داخل أجسادهم. وفي هذه الأثناء، قال براديب شارما، بينما كان يبكي بلا توقف على أبواب أحد المستشفيات: «لا توجد أسرة داخل المستشفى. لقد جئت هنا لتوّي رفقة شقيقي البالغ 26 سنة. وقد مات والدي الليلة الماضية. لا أدري ماذا أفعل الآن. أما جثمان والدي فجرى حرقه داخل محرقة جماعية».
وعلى مسافة قصيرة، كانت سابا خان (35 سنة) تحاول إعطاء زوجها المصاب تنفساً من الفم للفم، بعدما فرغت أنبوبة الأكسجين التي كان متصلاً بها. وقالت، وهي تبكي: «ماذا يمكنني أن أفعل، إنه يلهث كي يلتقط أنفاسه، وذهب شقيقه لإحضار أنبوبة أكسجين من منشأة لإعادة ملء الأنبوبة. أما المستشفى، فلا تسمح بدخول مرضى لعدم توافر أسرة، لذا نقف هنا بانتظار دورنا. أعلم أنه يمكن أن أصاب أنا أيضاً بالفيروس، لكنني لا أستطيع أن أتركه يموت بهذه الطريقة. لدينا المال اللازم لتغطية النفقات الطبية، لكن لا تتوفر المنشآت الصحية المتاحة».
وفي مختلف أرجاء دلهي، تقابلك مشاهد مؤلمة في كل مكان. ورغم فرض حالة إغلاق كامل بالمدينة منذ أسبوع، تصطف عائلات خارج المستشفيات برفقة مرضى متصلين بأنابيب الأكسجين. وذكر طبيب يعمل بمستشفى «سير غانغا رام» أنه يعمل في القطاعات المخصصة لمرضى «كوفيد 19» منذ أكثر عن سنة، مؤكداً على «وجوب القلق إزاء الموجة الحالية». ويوضح: «على الناس التأكد أننا نفعل كل ما بوسعنا لإنقاذ كل روح. يأتي إليّ بعض أقارب المرضى ويبدأون في البكاء والصراخ والتوسل، الأمر الذي يحطم قلبي». ويتابع: «هذا كله يؤذينا بالتأكيد، فنحن أيضاً لا ندري ماذا يحدث مع أفراد عائلاتنا. إننا نحاول فعل ما بوسعنا بالاعتماد على أي مورد متاح لنا. هذا ليس خطأنا. ولذا، ثبتت إصابة كثير من زملائي بالفيروس من جديد. هذا أمر يفوق طاقتنا».

وضع مروّع داخل المدافن والمحارق
وبالنظر إلى عدد سكان دلهي وضواحيها البالغ 20 مليون نسمة، تشهد العاصمة الهندية واقعاً مخيفاً، ذلك أن الأسر تهرع في مختلف أرجاء المدينة بحثاً عن أسرة في المستشفيات، بينما تنفد النقالات داخل المشارح، وتمتد الأزمة إلى المدافن والمحارق، الأمر الذي يزيد بشاعة الوضع في المدينة. وحقاً، تواجه المحارق في مختلف أنحاء دلهي صعوبة بالغة في التعامل مع الأعداد الضخمة للجثث، ناهيك من اضطرار أهل المتوفين إلى الانتظار لفترات تصل إلى 20 ساعة لتنظيم الجنائز وحرق جثامين أقاربهم. وداخل المدينة يصار إلى حرق عشرات الجثث في ساحة كانت مخصصة أصلاً لانتظار السيارات، لكنها تحولت الآن لمحرقة مؤقتة للجثامين. وفي هذا الصدد، أفاد جيتندر سنغ شانتي، الذي يتولى التنسيق بين ما يزيد عن 100 عملية حرق للجثامين يومياً في موقع بشرق دلهي، أن «الناس يموتون فحسب، إنهم يموتون... ويموتون»!
وفي سياق متصل، تعاني المدافن في مختلف أحياء المدينة من مشكلات مشابهة، فمع وصول مزيد من الجثث إلى مواقع الدفن، اضطر مسؤولون في جبانة «آي تي أو»، وهي واحدة من أكبر المدافن في دلهي، إلى الاستعانة بمعدات حفر من أجل حفر مزيد من القبور. وقال محمد شاميم، المشرف على الجبانة: «... بات مستحيلاً حفر المقابر يدوياً، لأننا نستقبل يومياً ما بين 15 و20 جثة».

أين ومتى وقع الخطأ؟
في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الفائتين، أجريت عدة دراسات لاختبار الأجسام المضادة لفيروس «سارس - كوفيد - 2»، التي تعتبر مؤشراً على التعرّض لعدوى سابقة. وخلصت الدراسات إلى أن ما يزيد عن 50 في المائة من المواطنين في مدن كبيرة مثل دلهي ومومباي وتشيناي تعرّضوا للإصابة بالفعل. ودفعت هذه النتائج نحو الظن بأن الجزء الأصعب من الجائحة قد ولى... وأن الموجة التالية ستكون أقل حدة.
وفي حين تركّزت الإصابات إبّان الموجة الأولى بصورة أساسية في أوساط الفقراء (الأحياء الشعبية) داخل المناطق الحضرية، انتقل الفيروس الآن إلى أشخاص كانوا قد عزلوا أنفسهم خلال الموجة الأولى، بينهم أشخاص من المجتمعات الحضرية الأكثر ثراءً، لكنهم بدأوا في الاختلاط أثناء الموجة الثانية. وعن هذا الأمر، شرح مانوج مورهيكار، المتخصص بمجال الأوبئة في تشيناي (مدراس سابقاً) قائلاً: «توحي الدراسات كذلك بأنه على الصعيد الوطني تعرّض 271 مليوناً للفيروس... أي نحو خُمس عدد سكان الهند، البالغ 1.4 مليار نسمة».
ومن ثم، الواضح الآن أن التراخي والشعور بالرضا عن الوضع القائم كانا في رأس أسباب شدة الموجة الثانية القاتلة. وتقف التجمّعات الضخمة في الأماكن المفتوحة والمغلقة، ومنها حفلات الزفاف، وراء المشاهد المروّعة داخل المستشفيات والعيادات الطبية في عموم البلاد مع انهيار المنظومة الصحية تحت وطأة الارتفاع المفاجئ في حالات الإصابة. وهنا يعلّق راتان سنغ غيل، الصحافي البارز، قائلاً إنه «عندما ضربت الموجة الأولى من الفيروس عام 2020. كان هناك عدد غير مناسب من الأسرة والمعدات الطبية على مستوى الهند، كما لم تكن هناك لقاحات. ومع ذلك، نجحت الهند في مواجهة الموجة الأولى. غير أننا اليوم نجد بعد مرور سنة توافر مزيد من المعدات الطبية والأسرة في المستشفيات واللقاحات، لكن من دون أن يكون هناك استعداد كبير لأن أحداً لم يتوقّع حدوث موجة ثانية. وتضاعف الضرر جرّاء إهمال الحكومة وسوء تصرّف الناس، ومنه الشعور بالرضا والتراخي. ثم إنه فور انتهاء الموجة الأولى تقريباً، أعلنت الحكومة الهندية انتصارها على الفيروس، الأمر الذي أدى لخفض مستوى الجدية في التعامل مع الفيروس، بدلاً عن مواصلة الجهود لمكافحته».

الثقة المفرطة والتراخي
وفعلاً، كانت السلطات على درجة بالغة من الثقة، لدرجة أن وزير الصحة هارش فادران أعلن انتهاء حقبة «كوفيد 19» في مارس (آذار) الماضي. وأجرت المفوضية الهندية للانتخابات انتخابات برلمانية في 5 ولايات، هي البنغال الغربية وأسام وكيرالا وتاميل نادو وبونديشيري في خضم الجائحة. ويعتقد كثير من الخبراء أن التجمعات الانتخابية كانت السبب الأول وراء تفشي الجائحة بسرعة كبيرة. وعن هذه النقطة، قال الصحافي طارق بهات: «السياسيون في مختلف الأحزاب يتحملون المسؤولية عن هذا الأمر، ذلك أن فعاليات سياسية ضخمة جرى تنظيمها، ألقى خلالها مختلف السياسيين خطباً، بداية من رئيس الوزراء ناريندرا مودي، إلى زعيم المعارضة راهول غاندي، على مدار الأسابيع الستة الماضية، مع عقد انتخابات في 5 ولايات هندية منذ مارس».
وأضاف بهات: «في خطبهم إلى الآلاف المكدّسين داخل خيم والجالسين بعضهم بجوار بعض، وكثرة منهم لا يضعون كمامات واقية، لم ينطق القادة السياسيون بكلمة واحدة عن السلوك الآمن للوقاية من (كوفيد 19)، الأمر الذي بعث برسالة إلى الحشود تفيد بأن الفيروس بات كابوساً من الماضي». وتابع: «كان باستطاعة مفوضية الانتخابات على الأقل حظر التجمعات الانتخابية. وباستطاعة الأحزاب الامتناع عن توجيه خطابات إلى تجمعات ضخمة لا يلتزم حضورها بوضع كمامات ولا يحافظون على التباعد الاجتماعي. وهكذا، بحلول الوقت الذي انتبهت فيه مفوضية الانتخابات للخطر وأخذت تلوم التجمعات الانتخابية، كان الأوان قد فات».
وللعلم، زاد الطين بلة عندما سمحت الحكومة لملايين المتدينين الهندوس بالاستحمام في نهر الغانج في هاردوار أثناء مهرجان كومبه وميلا، هذا الشهر. ولقد ثبتت إصابة ملك نيبال السابق غيانيندرا شاه وزوجته كومال بالفيروس، ولم يتطلب الأمر مجهوداً كبيراً لمعرفة كيف أصيبا، ذلك أنهما اختارا زيارة كومبه ميلا. وسرعان ما انتشرت صورة للملك السابق وهو عاري الصدر ولا يضع كمامة ويقف وسط مئات الرجال المتدينين على ضفاف نهر الغانج المقدس. ومن جديد، كان هذا الحدث سبباً في تفشي الفيروس بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع. وبعد ذلك، قررت الحكومة تقليص التجمعات الدينية، لكن بعد فوات الأوان أيضاً.
وعلى صعيد آخر، ازداد الوضع سوءاً بسبب الصبغة السياسية التي أضفيت على أزمة «كوفيد 19»، إذ حملت السلطة الاتحادية في دلهي سلطات الولايات المسؤولية، واتهمتها بالغفلة. وفي المقابل، ادعت الولايات أن دلهي لم تستجب لمطالبها بتوفير مزيد من الأكسجين وجرعات اللقاحات. ولكن الوضع تفاقم على أرض الواقع بغض النظر عمّن يتحمل اللوم حقاً. واللافت هنا أن هذه العناصر نفسها هي التي واجهت الفيروس العام الماضي، عندما تعاون رئيس الوزراء الاتحادي مع كبار قادة الولايات وتحمّلوا المسؤولية معاً. واستمر هذا الحال على هذا المنوال حتى ديسمبر (كانون الأول) 2020، إلا أنه منذ عام 2021 سيطرت السياسة على المشهد برمته.
وأخيراً، لا شك أن الجماهير تتحمل هي الأخرى نصيبها من اللوم، وذلك بسبب استخفافها وتجاهلها للتدابير المفروضة لمواجهة الفيروس منذ يناير 2021. وأيضاً لتأثرها بإشاعات كاذبة، وتخوّف كثيرين من تلقّي اللقاح عندما أطلقت الحكومة أكبر حملة تطعيم على الإطلاق خلال مارس، والمؤسف أنه بينما هناك طلب هائل على اللقاحات، فإن المتاح منها ما عاد كافياً.

دعم عالمي مكثّف للهند في مواجهتها الموجة الثانية من الجائحة
> مع خوض الهند مواجهة شرسة ضد الموجة الثانية العاتية من «كوفيد 19»، حظيت البلاد بدعم عالمي ضخم. ونجحت الدبلوماسية الهندية في إدارة هذه الأزمة بنجاح، وتدفقت على البلاد معدات طبية لإنقاذ الحياة، منها أجهزة تنفس وأجهزة تكثيف أكسجين أرسلت من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمملكة العربية السعودية وألمانيا ودولة الإمارات العربية المتحدة وسنغافورة، حتى بهوتان. وفي تعبير عن تضامنهم، تعاون نحو 40 رئيساً تنفيذياً لشركات أميركية كبرى في تشكيل قوة عمل عالمية لحشد الموارد اللازمة لمعاونة الهند لخوض معركتها ضد «كوفيد 19».
المملكة العربية السعودية أرسلت حتى تاريخه 80 طناً مترياً من الأكسجين إلى الهند للتخفيف من أزمة النقص التي تعاني منها الهند جراء الارتفاع القياسي في أعداد المصابين. كذلك، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إن معدات طبية حيوية، منها مئات من أنابيب الأكسجين، في طريقها الآن إلى الهند، لدعم الجهود المبذولة لتلافي سقوط مزيد من الضحايا للفيروس المروّع.
الولايات المتحدة تولت أيضاً تصدير مواد خام إلى الهند تتسم بأهمية محورية لإنتاج اللقاحات، ما يجعل البلاد استثناءً في ظل قانون الإنتاج الدفاعي الصادر عام 1950. والجدير بالذكر في هذا الصدد، أن الهند من جانبها كانت قدّمت يد العون هي الأخرى لكثير من الدول بتوفير أدوية تسهم في إنقاذ الحياة أثناء الموجة الأولى من الجائحة. وفي بادئ الأمر، أبدت واشنطن ترددها حيال إرسال المواد الخام المطلوبة لإنتاج اللقاحات ضد «كوفيد 19» داخل الهند، لكن مصادر مطلعة أشارت إلى أن سلطات نيودلهي هددت بوقف إمداد الولايات المتحدة بالمواد الخام التي تصدرها الهند للولايات المتحدة لاستخدامها في إنتاج لقاح «مودرنا» الأميركي.
وفي هذا الشأن، أعرب آرون سنغ، السفير الهندي السابق لدى الولايات المتحدة، في تصريحات صحافية، عن اعتقاده بأن «الولايات المتحدة أخطأت في التأخر بتقديم العون للهند وتوفير الدعم لها بمجرد اشتعال الأزمة. وأثار هذا الموقف في أذهان كثيرين ذكريات الحرب الباردة، عندما كان الرأي العام ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً غير جدير بالاعتماد عليه».
ومع ذلك، أجرى الرئيس الأميركي جو بايدن اتصالاً هاتفياً برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وتعهد بتوفير «دعم قوي». ومن ناحيته، حثّ مودي بايدن على تأييد مقترح الهند وجنوب أفريقيا داخل منظمة التجارة العالمية بإلغاء حقوق الملكية الفكرية وبراءة الاختراع المتعلقة بلقاحات «كوفيد 19»، وذلك لضمان وصول الدول النامية بسرعة، وبتكلفة معقولة، للقاحات والأدوية الضرورية.
أيضاً، انضمت فرنسا إلى الأصوات العالمية الداعية لدعم الهند، وأرسلت معدات طبية وأكسجين. وأجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالاً هاتفياً شخصياً برئيس الوزراء الهندي، ووضع منشوراً بالهندية على صفحته في «فيسبوك» أكد خلاله أن البلدين سينتصران في الحرب ضد الوباء معاً. وقال ماكرون: «تعمل وزاراتنا ومؤسساتنا بجدّية. وتتعاون الشركات الفرنسية معاً. وتشكل روح الوحدة قلب أمتنا، وهي الروح ذاتها التي تقف خلف الصداقة بين بلدينا. وسننتصر في هذا الأمر معاً».
في هذه الأثناء، كثّفت الهند جهودها في مجال التطعيم، مع حصول 170 مليون هندي بالفعل على جرعة واحدة على الأقل من لقاح «كوفاكسين». ولقد صرّح د. أنتوني فاوتشي، المستشار الطبي للبيت الأبيض والخبير الأول بمجال الأوبئة في الولايات المتحدة، إن لقاح «كوفاكسين» الهندي نجح في تحييد «617 سلالة متحوّرة من الفيروس الفتاك».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.