الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»

حدة الموجة الثانية مرتبطة بالتراخي والتجمعات السياسية والخشية من أخذ اللقاح

الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»
TT

الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»

الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»

شهدت الهند يومياً، خلال الأيام السبعة الفائتة، وفاة ما يزيد عن 3000 شخص يومياً، وإصابة نحو 350000 شخص بفيروس «كوفيد 19»، ما يجعل الموجة الثانية من الجائحة تبدو أشبه بتسونامي يضرب البلاد. وحقاً سجلت الهند أكبر حصيلة يومية لضحايا الفيروس على الإطلاق على مستوى العالم، محطمة يوماً بعد يوم الرقم القياسي للإصابات. واليوم، تشهد سقوط أكبر عدد من الوفيات اليومية منذ بدء الجائحة.
وفي حين عصفت الجائحة بالفقراء بصورة أساسية خلال الموجة الأولى، انتقل الفيروس هذه المرة إلى المراكز الحضرية، ليضرب أحياء أبناء الطبقة المتوسطة والنخبة، وكذلك أبناء الطبقة العاملة. وفي كل مكان، توجد الآن قوائم انتظار من أجل جميع ما يتعلق بالخدمات الصحية تقريباً، من اختبارات ودخول للمستشفيات، حتى محارق الجثث والمدافن.
وبوجه عام، يبدو الوضع المتعلق بالرعاية الصحية في حالة انهيار، بينما يكافح الناس للحصول على الأدوية والأكسجين. وتتكشف فصول المحنة يوماً بعد آخر أمام الجيل الحالي من الهنود الذي لم تسبق له قط معاينة مثل هذا المستوى من قبل. ففي الشوارع، تكدست أكوام من الجثث، ويواجه الناس صعوبة بالغة في دفن أحبائهم، ويتسارع بناء محارق مؤقتة للجثث.
المؤكد أن الوضع برمته يبدو مظلماً، لكن الملاحظ أن 80 في المائة من حالات الإصابة يأتي من مدينتي دلهي ومومباي وأجزاء من ولايات أوتار براديش وتاميل نادو والبنجاب مع ولايات قليلة أخرى. أما في باقي ولايات الهند وأقاليمها الاتحادية، فيبقى الوضع عموماً تحت السيطرة.
فتح الجحيم أبوابه فجأة أمام سانجانا (17 سنة)، وذلك بإصابة جدتها ووالدها ووالدتها وشقيقها بفيروس «كوفيد 19»، ووجدت الفتاة المراهقة نفسها بمفردها تماماً تسعى بدأب لطلب النجدة. وفي منشور لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كتبت: «أرجوكم ساعدوني. لقد اضطررت لمخالفة القانون وقيادة السيارة لنقل والدتي إلى المستشفى، لكن 3 مستشفيات رفضت استقبالها. اليوم، أقف بالسيارة خارج غوردوارا (مكان للعبادة لدى طائفة السيخ) وقدّمت لوالدتي كمية أكسجين تبرّع بها أحد الأشخاص مجاناً، وآمل أن تبقى على قيد الحياة. أرجوكم ليساعدني أحدكم». وقالت شاهدة عيان: «بعد كثير من التردد من جانب أسرتي، غامرت بالدخول إلى واحدة من مستشفيات (إل إن جيه بي) الشهيرة. وحملت لوحة الإعلانات الرقمية رسالة تقول؛ لا توجد أسرة. نعتذر لكم». داخل المستشفى، لن تستطيع منع نفسك من البكاء بسبب مشاهد العجز والبكاء من حولك من أفراد الأسر المختلفة. تحركات سريعة محمومة ومرضى يلهثون في محاولة لالتقاط الأنفاس.

تجارب قاسية ومعاناة شديدة
الدكتور سوريش كومار، مدير الشؤون الطبية داخل مستشفى «لوك ناياك»، يقول إنه في خضم الوضع الحاد لفيروس «كوفيد 19» داخل العاصمة نيودلهي، أصبحت جميع أسرة وحدة الرعاية المكثفة مشغولة على مدار الأيام الخمسة الأخيرة. وأكد كومار أنه لم يشهد طوال مسيرته المهنية الممتدة لـ30 سنة مثل هذه الأزمة. وأشار إلى أن بعض الحالات الحرجة من المرضى تحتاج إلى ما بين 40 و50 لتراً من الأكسجين في الدقيقة للحفاظ على مستواه داخل أجسادهم. وفي هذه الأثناء، قال براديب شارما، بينما كان يبكي بلا توقف على أبواب أحد المستشفيات: «لا توجد أسرة داخل المستشفى. لقد جئت هنا لتوّي رفقة شقيقي البالغ 26 سنة. وقد مات والدي الليلة الماضية. لا أدري ماذا أفعل الآن. أما جثمان والدي فجرى حرقه داخل محرقة جماعية».
وعلى مسافة قصيرة، كانت سابا خان (35 سنة) تحاول إعطاء زوجها المصاب تنفساً من الفم للفم، بعدما فرغت أنبوبة الأكسجين التي كان متصلاً بها. وقالت، وهي تبكي: «ماذا يمكنني أن أفعل، إنه يلهث كي يلتقط أنفاسه، وذهب شقيقه لإحضار أنبوبة أكسجين من منشأة لإعادة ملء الأنبوبة. أما المستشفى، فلا تسمح بدخول مرضى لعدم توافر أسرة، لذا نقف هنا بانتظار دورنا. أعلم أنه يمكن أن أصاب أنا أيضاً بالفيروس، لكنني لا أستطيع أن أتركه يموت بهذه الطريقة. لدينا المال اللازم لتغطية النفقات الطبية، لكن لا تتوفر المنشآت الصحية المتاحة».
وفي مختلف أرجاء دلهي، تقابلك مشاهد مؤلمة في كل مكان. ورغم فرض حالة إغلاق كامل بالمدينة منذ أسبوع، تصطف عائلات خارج المستشفيات برفقة مرضى متصلين بأنابيب الأكسجين. وذكر طبيب يعمل بمستشفى «سير غانغا رام» أنه يعمل في القطاعات المخصصة لمرضى «كوفيد 19» منذ أكثر عن سنة، مؤكداً على «وجوب القلق إزاء الموجة الحالية». ويوضح: «على الناس التأكد أننا نفعل كل ما بوسعنا لإنقاذ كل روح. يأتي إليّ بعض أقارب المرضى ويبدأون في البكاء والصراخ والتوسل، الأمر الذي يحطم قلبي». ويتابع: «هذا كله يؤذينا بالتأكيد، فنحن أيضاً لا ندري ماذا يحدث مع أفراد عائلاتنا. إننا نحاول فعل ما بوسعنا بالاعتماد على أي مورد متاح لنا. هذا ليس خطأنا. ولذا، ثبتت إصابة كثير من زملائي بالفيروس من جديد. هذا أمر يفوق طاقتنا».

وضع مروّع داخل المدافن والمحارق
وبالنظر إلى عدد سكان دلهي وضواحيها البالغ 20 مليون نسمة، تشهد العاصمة الهندية واقعاً مخيفاً، ذلك أن الأسر تهرع في مختلف أرجاء المدينة بحثاً عن أسرة في المستشفيات، بينما تنفد النقالات داخل المشارح، وتمتد الأزمة إلى المدافن والمحارق، الأمر الذي يزيد بشاعة الوضع في المدينة. وحقاً، تواجه المحارق في مختلف أنحاء دلهي صعوبة بالغة في التعامل مع الأعداد الضخمة للجثث، ناهيك من اضطرار أهل المتوفين إلى الانتظار لفترات تصل إلى 20 ساعة لتنظيم الجنائز وحرق جثامين أقاربهم. وداخل المدينة يصار إلى حرق عشرات الجثث في ساحة كانت مخصصة أصلاً لانتظار السيارات، لكنها تحولت الآن لمحرقة مؤقتة للجثامين. وفي هذا الصدد، أفاد جيتندر سنغ شانتي، الذي يتولى التنسيق بين ما يزيد عن 100 عملية حرق للجثامين يومياً في موقع بشرق دلهي، أن «الناس يموتون فحسب، إنهم يموتون... ويموتون»!
وفي سياق متصل، تعاني المدافن في مختلف أحياء المدينة من مشكلات مشابهة، فمع وصول مزيد من الجثث إلى مواقع الدفن، اضطر مسؤولون في جبانة «آي تي أو»، وهي واحدة من أكبر المدافن في دلهي، إلى الاستعانة بمعدات حفر من أجل حفر مزيد من القبور. وقال محمد شاميم، المشرف على الجبانة: «... بات مستحيلاً حفر المقابر يدوياً، لأننا نستقبل يومياً ما بين 15 و20 جثة».

أين ومتى وقع الخطأ؟
في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الفائتين، أجريت عدة دراسات لاختبار الأجسام المضادة لفيروس «سارس - كوفيد - 2»، التي تعتبر مؤشراً على التعرّض لعدوى سابقة. وخلصت الدراسات إلى أن ما يزيد عن 50 في المائة من المواطنين في مدن كبيرة مثل دلهي ومومباي وتشيناي تعرّضوا للإصابة بالفعل. ودفعت هذه النتائج نحو الظن بأن الجزء الأصعب من الجائحة قد ولى... وأن الموجة التالية ستكون أقل حدة.
وفي حين تركّزت الإصابات إبّان الموجة الأولى بصورة أساسية في أوساط الفقراء (الأحياء الشعبية) داخل المناطق الحضرية، انتقل الفيروس الآن إلى أشخاص كانوا قد عزلوا أنفسهم خلال الموجة الأولى، بينهم أشخاص من المجتمعات الحضرية الأكثر ثراءً، لكنهم بدأوا في الاختلاط أثناء الموجة الثانية. وعن هذا الأمر، شرح مانوج مورهيكار، المتخصص بمجال الأوبئة في تشيناي (مدراس سابقاً) قائلاً: «توحي الدراسات كذلك بأنه على الصعيد الوطني تعرّض 271 مليوناً للفيروس... أي نحو خُمس عدد سكان الهند، البالغ 1.4 مليار نسمة».
ومن ثم، الواضح الآن أن التراخي والشعور بالرضا عن الوضع القائم كانا في رأس أسباب شدة الموجة الثانية القاتلة. وتقف التجمّعات الضخمة في الأماكن المفتوحة والمغلقة، ومنها حفلات الزفاف، وراء المشاهد المروّعة داخل المستشفيات والعيادات الطبية في عموم البلاد مع انهيار المنظومة الصحية تحت وطأة الارتفاع المفاجئ في حالات الإصابة. وهنا يعلّق راتان سنغ غيل، الصحافي البارز، قائلاً إنه «عندما ضربت الموجة الأولى من الفيروس عام 2020. كان هناك عدد غير مناسب من الأسرة والمعدات الطبية على مستوى الهند، كما لم تكن هناك لقاحات. ومع ذلك، نجحت الهند في مواجهة الموجة الأولى. غير أننا اليوم نجد بعد مرور سنة توافر مزيد من المعدات الطبية والأسرة في المستشفيات واللقاحات، لكن من دون أن يكون هناك استعداد كبير لأن أحداً لم يتوقّع حدوث موجة ثانية. وتضاعف الضرر جرّاء إهمال الحكومة وسوء تصرّف الناس، ومنه الشعور بالرضا والتراخي. ثم إنه فور انتهاء الموجة الأولى تقريباً، أعلنت الحكومة الهندية انتصارها على الفيروس، الأمر الذي أدى لخفض مستوى الجدية في التعامل مع الفيروس، بدلاً عن مواصلة الجهود لمكافحته».

الثقة المفرطة والتراخي
وفعلاً، كانت السلطات على درجة بالغة من الثقة، لدرجة أن وزير الصحة هارش فادران أعلن انتهاء حقبة «كوفيد 19» في مارس (آذار) الماضي. وأجرت المفوضية الهندية للانتخابات انتخابات برلمانية في 5 ولايات، هي البنغال الغربية وأسام وكيرالا وتاميل نادو وبونديشيري في خضم الجائحة. ويعتقد كثير من الخبراء أن التجمعات الانتخابية كانت السبب الأول وراء تفشي الجائحة بسرعة كبيرة. وعن هذه النقطة، قال الصحافي طارق بهات: «السياسيون في مختلف الأحزاب يتحملون المسؤولية عن هذا الأمر، ذلك أن فعاليات سياسية ضخمة جرى تنظيمها، ألقى خلالها مختلف السياسيين خطباً، بداية من رئيس الوزراء ناريندرا مودي، إلى زعيم المعارضة راهول غاندي، على مدار الأسابيع الستة الماضية، مع عقد انتخابات في 5 ولايات هندية منذ مارس».
وأضاف بهات: «في خطبهم إلى الآلاف المكدّسين داخل خيم والجالسين بعضهم بجوار بعض، وكثرة منهم لا يضعون كمامات واقية، لم ينطق القادة السياسيون بكلمة واحدة عن السلوك الآمن للوقاية من (كوفيد 19)، الأمر الذي بعث برسالة إلى الحشود تفيد بأن الفيروس بات كابوساً من الماضي». وتابع: «كان باستطاعة مفوضية الانتخابات على الأقل حظر التجمعات الانتخابية. وباستطاعة الأحزاب الامتناع عن توجيه خطابات إلى تجمعات ضخمة لا يلتزم حضورها بوضع كمامات ولا يحافظون على التباعد الاجتماعي. وهكذا، بحلول الوقت الذي انتبهت فيه مفوضية الانتخابات للخطر وأخذت تلوم التجمعات الانتخابية، كان الأوان قد فات».
وللعلم، زاد الطين بلة عندما سمحت الحكومة لملايين المتدينين الهندوس بالاستحمام في نهر الغانج في هاردوار أثناء مهرجان كومبه وميلا، هذا الشهر. ولقد ثبتت إصابة ملك نيبال السابق غيانيندرا شاه وزوجته كومال بالفيروس، ولم يتطلب الأمر مجهوداً كبيراً لمعرفة كيف أصيبا، ذلك أنهما اختارا زيارة كومبه ميلا. وسرعان ما انتشرت صورة للملك السابق وهو عاري الصدر ولا يضع كمامة ويقف وسط مئات الرجال المتدينين على ضفاف نهر الغانج المقدس. ومن جديد، كان هذا الحدث سبباً في تفشي الفيروس بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع. وبعد ذلك، قررت الحكومة تقليص التجمعات الدينية، لكن بعد فوات الأوان أيضاً.
وعلى صعيد آخر، ازداد الوضع سوءاً بسبب الصبغة السياسية التي أضفيت على أزمة «كوفيد 19»، إذ حملت السلطة الاتحادية في دلهي سلطات الولايات المسؤولية، واتهمتها بالغفلة. وفي المقابل، ادعت الولايات أن دلهي لم تستجب لمطالبها بتوفير مزيد من الأكسجين وجرعات اللقاحات. ولكن الوضع تفاقم على أرض الواقع بغض النظر عمّن يتحمل اللوم حقاً. واللافت هنا أن هذه العناصر نفسها هي التي واجهت الفيروس العام الماضي، عندما تعاون رئيس الوزراء الاتحادي مع كبار قادة الولايات وتحمّلوا المسؤولية معاً. واستمر هذا الحال على هذا المنوال حتى ديسمبر (كانون الأول) 2020، إلا أنه منذ عام 2021 سيطرت السياسة على المشهد برمته.
وأخيراً، لا شك أن الجماهير تتحمل هي الأخرى نصيبها من اللوم، وذلك بسبب استخفافها وتجاهلها للتدابير المفروضة لمواجهة الفيروس منذ يناير 2021. وأيضاً لتأثرها بإشاعات كاذبة، وتخوّف كثيرين من تلقّي اللقاح عندما أطلقت الحكومة أكبر حملة تطعيم على الإطلاق خلال مارس، والمؤسف أنه بينما هناك طلب هائل على اللقاحات، فإن المتاح منها ما عاد كافياً.

دعم عالمي مكثّف للهند في مواجهتها الموجة الثانية من الجائحة
> مع خوض الهند مواجهة شرسة ضد الموجة الثانية العاتية من «كوفيد 19»، حظيت البلاد بدعم عالمي ضخم. ونجحت الدبلوماسية الهندية في إدارة هذه الأزمة بنجاح، وتدفقت على البلاد معدات طبية لإنقاذ الحياة، منها أجهزة تنفس وأجهزة تكثيف أكسجين أرسلت من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمملكة العربية السعودية وألمانيا ودولة الإمارات العربية المتحدة وسنغافورة، حتى بهوتان. وفي تعبير عن تضامنهم، تعاون نحو 40 رئيساً تنفيذياً لشركات أميركية كبرى في تشكيل قوة عمل عالمية لحشد الموارد اللازمة لمعاونة الهند لخوض معركتها ضد «كوفيد 19».
المملكة العربية السعودية أرسلت حتى تاريخه 80 طناً مترياً من الأكسجين إلى الهند للتخفيف من أزمة النقص التي تعاني منها الهند جراء الارتفاع القياسي في أعداد المصابين. كذلك، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إن معدات طبية حيوية، منها مئات من أنابيب الأكسجين، في طريقها الآن إلى الهند، لدعم الجهود المبذولة لتلافي سقوط مزيد من الضحايا للفيروس المروّع.
الولايات المتحدة تولت أيضاً تصدير مواد خام إلى الهند تتسم بأهمية محورية لإنتاج اللقاحات، ما يجعل البلاد استثناءً في ظل قانون الإنتاج الدفاعي الصادر عام 1950. والجدير بالذكر في هذا الصدد، أن الهند من جانبها كانت قدّمت يد العون هي الأخرى لكثير من الدول بتوفير أدوية تسهم في إنقاذ الحياة أثناء الموجة الأولى من الجائحة. وفي بادئ الأمر، أبدت واشنطن ترددها حيال إرسال المواد الخام المطلوبة لإنتاج اللقاحات ضد «كوفيد 19» داخل الهند، لكن مصادر مطلعة أشارت إلى أن سلطات نيودلهي هددت بوقف إمداد الولايات المتحدة بالمواد الخام التي تصدرها الهند للولايات المتحدة لاستخدامها في إنتاج لقاح «مودرنا» الأميركي.
وفي هذا الشأن، أعرب آرون سنغ، السفير الهندي السابق لدى الولايات المتحدة، في تصريحات صحافية، عن اعتقاده بأن «الولايات المتحدة أخطأت في التأخر بتقديم العون للهند وتوفير الدعم لها بمجرد اشتعال الأزمة. وأثار هذا الموقف في أذهان كثيرين ذكريات الحرب الباردة، عندما كان الرأي العام ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً غير جدير بالاعتماد عليه».
ومع ذلك، أجرى الرئيس الأميركي جو بايدن اتصالاً هاتفياً برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وتعهد بتوفير «دعم قوي». ومن ناحيته، حثّ مودي بايدن على تأييد مقترح الهند وجنوب أفريقيا داخل منظمة التجارة العالمية بإلغاء حقوق الملكية الفكرية وبراءة الاختراع المتعلقة بلقاحات «كوفيد 19»، وذلك لضمان وصول الدول النامية بسرعة، وبتكلفة معقولة، للقاحات والأدوية الضرورية.
أيضاً، انضمت فرنسا إلى الأصوات العالمية الداعية لدعم الهند، وأرسلت معدات طبية وأكسجين. وأجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالاً هاتفياً شخصياً برئيس الوزراء الهندي، ووضع منشوراً بالهندية على صفحته في «فيسبوك» أكد خلاله أن البلدين سينتصران في الحرب ضد الوباء معاً. وقال ماكرون: «تعمل وزاراتنا ومؤسساتنا بجدّية. وتتعاون الشركات الفرنسية معاً. وتشكل روح الوحدة قلب أمتنا، وهي الروح ذاتها التي تقف خلف الصداقة بين بلدينا. وسننتصر في هذا الأمر معاً».
في هذه الأثناء، كثّفت الهند جهودها في مجال التطعيم، مع حصول 170 مليون هندي بالفعل على جرعة واحدة على الأقل من لقاح «كوفاكسين». ولقد صرّح د. أنتوني فاوتشي، المستشار الطبي للبيت الأبيض والخبير الأول بمجال الأوبئة في الولايات المتحدة، إن لقاح «كوفاكسين» الهندي نجح في تحييد «617 سلالة متحوّرة من الفيروس الفتاك».



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟