أسوأ تدهور في علاقات موسكو وواشنطن يقوّض فرص «تفاهمات الحد الأدنى»

بوتين يرسم «خطوطاً حمراء» في وجه الحملة الأميركية ـ الأوروبية المنسّقة

أسوأ تدهور في علاقات موسكو وواشنطن يقوّض فرص «تفاهمات الحد الأدنى»
TT

أسوأ تدهور في علاقات موسكو وواشنطن يقوّض فرص «تفاهمات الحد الأدنى»

أسوأ تدهور في علاقات موسكو وواشنطن يقوّض فرص «تفاهمات الحد الأدنى»

أربعة أسابيع فصلت بين تدشين الرئيس الأميركي جو بايدن سياسته تجاه روسيا، بإطلاق اتهامات وعبارات غير مسبوقة ضد نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ووصول العلاقات بين البلدين إلى «القاع»، وفقاً لوصف ساسة روس، رأوا أن «الفرص تضاءلت في إيجاد آليات لتضييق مساحة الخلاف، أو التوصل إلى نقاط مشتركة لإطلاق حوار يكبح جماح التوتر المتصاعد بقوة».
وحقاً، خلال الأسابيع الأربعة الماضية، واجهت روسيا إعلانات متزامنة من جانب الولايات المتحدة وأوروبا بفرض رُزم عقوبات واسعة النطاق طاولت للمرة الأولى قطاعات حيوية وحساسة، فضلاً عن تبادل طرد الدبلوماسيين، وإغلاق آخر قنوات الحوار المتبقية مع عدد من البلدان الغربية. وتزامن ذلك، مع تصاعد التوتر في أوكرانيا، وتراكم سحب مواجهة واسعة النطاق، على وقع زيادة الحشود العسكرية على الجانب الروسي من الحدود، مع تحركات لا تقل أهمية لقوات حلف الأطلسي (ناتو) على مقربة من الحدود الروسية. وهكذا، بدا أن المشهد الذي تكرّس بقوة خلال الأيام الأخيرة، يعكس أن موسكو باتت تواجه حملة عقوبات وتضييق واسعة النطاق ومنسقة بشكل جيد بين واشنطن والعواصم الأوروبية، هو ما دفع بوتين إلى التلويح بـ«خطوط حمراء» حذر من تجاوزها متوعّداً بـ«رد قاس وسريع».
تجنّب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حديثه، أمام البرلمان في موسكو قبل أيام، التطرق بشكل مباشر إلى رُزم العقوبات الأميركية والأوروبية والتحركات العسكرية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) على طول الحدود مع روسيا. إلا أنه قال إن بلاده «تتوخى أقصى درجات ضبط النفس أمام محاولات المساس بها، لكنها لن تتردد في الرد بشكل حاسم على أي خطوات عدائية تهدد مصالحها». وزاد أن «الحملات العدائية ضدنا لا تتوقف، ويُلقى اللوم علينا في كل شيء، ومن دون تقديم أي أدلة».
وزاد الرئيس الروسي، أن بلاده «تسعى إلى بناء علاقات طيبة مع جميع الدول، بما في ذلك تلك التي برزت خلافات بينها وموسكو في الآونة الأخيرة». وأردف «لا نريد في الواقع إحراق الجسور، لكن إذا كان أحد يرى في حسن نياتنا مؤشراً على التقاعس أو الضعف، وينوي إحراق أو حتى تفجير هذه الجسور بنفسه، فيجب عليه أن يعرف أن رد روسيا سيكون مناسباً وسريعاً وقاسياً». وفي لهجة تهديد غير مسبوقة من جانب بوتين، تابع، أن بلاده «لن تسمح لأحد بتجاوز الخطوط الحمراء... نحن من يحدد أين تقع هذه الحدود... ومدبرو أي استفزازات تهدد المصالح الجذرية لأمننا سيندمون على تصرفاتهم كما لم يندموا في أي وقت».

الرد الأكثر حدة
الرد الروسي على المستوى الرئاسي كان الأكثر حدة منذ فترة طويلة على وقع التطورات الساخنة في علاقات روسيا مع الغرب. وبدا معه أن المواجهة الروسية - الغربية اتخذت بُعداً أشمل خلال الأسبوع الأخير؛ ما أقلق الكرملين.
وبعد مرور يومين على إعلان رزمة واسعة من العقوبات الأميركية ضد روسيا، شملت للمرة الأولى القطاع الاقتصادي، من خلال فرض قيود على التعامل مع سندات الدين العام الروسي، شكّل انضمام عدد من البلدان الأوروبية إلى الحملة القوية والمنسقة ضد موسكو نقطة تحول مهمة. وهذا وما دفع خبراء روس إلى الكلام عن «مجرى تصاعدي للمواجهة سيكون له تأثيرات سلبية» على كل محاولات تخفيف التوتر أو إيجاد آليات للتوصل إلى «تفاهمات الحد الأدنى»، التي كانت موسكو تعوّل عليها في حال تم ترتيب لقاء مباشر بين الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين.
أيضاً، رأى خبراء أن التطور الجديد الذي تمثل في طرد 18 دبلوماسياً روسياً من جمهورية تشيكيا يشكل نقطة تحول جدية في الحملة المنسقة التي تديرها واشنطن. ومع أن موسكو سارعت بعد ذلك مباشرة إلى طرد 20 دبلوماسياً تشيكياً في إطار «الرد المتكافئ» الذي تعهدت به، فإن حقيقة دخول تشيكيا على خط المواجهة الروسية - الأميركية أثار مخاوف جدية في موسكو. وهذا؛ لأن التدهور في العلاقات مع براغ استمر عبر تصعيد الاتهامات المتبادلة والتلويح بخطوات أخرى قد يكون بينها قطع العلاقات.
وعليه، فإن التطور الجديد يشير إلى أن جمهوريات حوض البلطيق وبولندا ما عادت وحدها تشكل «رأس حربة المواجهة» بين روسيا والغرب - كما كان الوضع في الماضي -، بل دخلت المواجهة أيضاً جمهورية التشيك، وهي الدولة التي كانت تربطها بموسكو علاقات متساوية وإيجابية حتى وقت قريب. ولقد شكّل دخول سلوفاكيا وبلغاريا على الخط عبر توالي طرد دبلوماسيين من روسيا «تضامناً» مع براغ إضافة جديدة عززت نهج «الحملة المنسقة» ضد روسيا التي سعى إليها بايدن.
ومعلومٌ أنه مباشرة بعد إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن أخيراً الإجراءات المناهضة للكرملين، التي تشمل بالإضافة إلى العقوبات طرد الدبلوماسيين، رد الاتحاد الأوروبي ببوادر دعم. وكان هذا متوقعاً تماماً، بعد تكرار الحديث عن الحاجة إلى العمل ضد روسيا كجبهة موحدة. لذا؛ كانت متوقعة تصريحات «ناتو» والاتحاد الأوروبي الداعمة للعقوبات الأميركية. ومن المقرر أن تجري دراسة تفصيلية للمسألة الروسية في قمة الاتحاد الأوروبي خلال يونيو (حزيران) المقبل. وهذا يعني توقع تصعيد أقوى للحملة المنسقة. ومع أن بوتين شارك بعد تردد طويل في قمة المناخ التي دعا إليها بايدن، فإن هذا التطور لم يسفر عن تحول في منحى التدهور المتواصل.

موقف فرنسا وأبعاده
من ناحية أخرى، ثمة تطور آخر مزعج للكرملين أضيف إلى الخطوات التي اتخذها عدد من البلدان الأوروبية. إذ جاءت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة بأنه لا يستبعد فرض رزمة عقوبات جديدة على روسيا في حال تدهور الوضع في أوكرانيا، لتشكل عنصراً ضاغطاً ومؤشراً جدياً إلى مدى اتساع الحملة المناهضة لموسكو ودرجة تنسيقها في الغرب.
والصحيح، وفقاً لخبراء، أن ماكرون تحدث عن عقوبات تتعلق بأوكرانيا فقط، بخلاف المواقف الأميركية والأوروبية الأخرى. ولكن، بينما تنطلق واشنطن، ومعها بعض الحلفاء الأوروبيين، في تصعيد الضغوط على موسكو انطلاقاً من ملف التدخل الروسي في استحقاقات محلية أو القيام بأنشطة تجسّسية وتخريبية (الولايات المتحدة، وبولندا، وتشيكيا، ولاتفيا، وبلغاريا، وإيطاليا، وبريطانيا وعدد آخر من بلدان أوروبا)، يحمل التلويح الفرنسي بُعداً إضافياً يمكن أن يوحّد الصف الأوروبي أكثر ضد موسكو. ويأتي هذا على خلفية تزايد التوتر في الشرق الأوكراني، وبروز صوت موحّد للأوروبيين الذين طالبوا موسكو بسرعة سحب قواتها المنتشرة على الحدود مع أوكرانيا.
وفي سياق الإشارة إلى أن العقوبات الغربية تتّخذ منحى تصاعدياً ومساراً يستهدف إيقاع أوسع ضرر ممكن بروسيا، رجّح رئيس مجلس الدوما (النواب) الروسي فياتشيسلاف فولودين فرض عقوبات جديدة على روسيا في مجال الصناعة وقطاع الوقود والطاقة. ويعتقد فولودين أن الضربات ستوجه إلى «الصناعة وقطاع الوقود والطاقة من أجل وقف التنمية الاقتصادية لروسيا الاتحادية». إذ قال «لذلك؛ إذا اهتممنا بمصير بلدنا يجب أن نفهم أخيراً قيمة كل هذه الاتهامات الموجهة ضدنا، وعلينا جميعاً أن نبذل جهوداً لمنع التدخل الخارجي».
عقوبات واشنطن تهيئ
لمرحلة جديدة

في هذه الأجواء، جاء التلويح الأميركي - الأوروبي المشترك بفرض تدابير جديدة ضد روسيا على خلفية ملف المعارض اليكسي نافالني ليضيف عنصراً جديداً إلى مسار التصعيد. ففي 18 أبريل (نيسان) قال مساعد الرئيس الأميركي للأمن القومي جيك سوليفان، إنه «إذا مات نافالني في السجن فستكون هناك عواقب على روسيا». ورأى أن عقد اجتماع للرئيسين بايدن وبوتين مرهون بتوافر الشروط المناسبة.
جاء هذا التلويح على خلفية الترويج لتقارير تؤكد تدهور الوضع الصحي لنافالني في سجنه. وقال محاموه، إنه يواجه وضعاً حرجاً، وهناك مخاوف جدية على حياته. إلا أن موسكو أكدت، أن تلك التقارير لا تستند إلى أدلة، وشددت على أن الحالة الصحية لنافالني مرضية على وجه العموم. مع هذا، بدا أن إصرار واشنطن على التعامل مع روسيا بلغة الحصار والعزل وسياسة العقوبات سيهدد فرص عقد لقاء قريباً بين الرئيسين، وفقاً لمعلقين في روسيا. وكان بايدن اقترح قبل فترة قصيرة عقد لقاء في غضون أسابيع مع الرئيس بوتين لتسوية الخلافات ومنع تفاقم التوتر أكثر، ولكن اتبعت الإدارة الأميركية ذلك بفرض رزمة جديدة من العقوبات، في خطوة رأى فيها الروس «انعكاساً لتناقضات داخلية في إدارة بايدن»، وفقاً للمعلق السياسي في صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا»، الذي قال إن مراجعة القائمة الكاملة للعقوبات الأميركية الجديدة ضد الكرملين تظهر أنها على عكس الإجراءات المماثلة السابقة لا تتعلق فقط بالأفراد والمنظمات، بل أيضاً بمسعى مباشر للأضرار بالاقتصاد. وهو ما يعني أن المرحلة الجديدة قد تحمل - وفقاً للصحيفة - بداية «صفحة جديدة ومحزنة للغاية في العلاقات بين البلدين، عندما تكتسب المواجهة بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة طابعاً شديد القسوة بشكل تدريجي».
الوعود الانتخابية
في أي حال، بإصدار مرسوم العقوبات الجديد، يمكن القول إن بايدن أوفى بأحد وعوده الانتخابية. فخلال حملته الانتخابية تحدث عن الحاجة إلى التشدد تجاه روسيا، بعد وضع مراجعة كاملة لاتهامات واشنطن ضد موسكو. وأصدر أمراً مماثلاً في اليوم الثاني لتوليه منصبه. وتشمل العقوبات التي فرضها هذا المرسوم على جميع عناصر الاتهامات الأميركية ضد روسيا، باستثناء عنصر واحد يشير إلى أن المخابرات الروسية دفعت حسب ما يُزعم لمقاتلي حركة «طالبان» المحظورة في روسيا لقتل جنود أميركيين في أفغانستان، وهو أمر ستتعامل معه واشنطن بشكل منفصل. هذا يعني أن رزمة العقوبات الحالية ستتبعها عقوبات جديدة. وعادة، ترد واشنطن على الإجراءات ضد الجيش الأميركي من خلال البنتاغون. وفي هذه الحالة قد يكون الرد – مثلاً - الانسحاب من أي اتفاق مشترك في مجال الدفاع.
في غضون ذلك، تحدث مرسوم العقوبات الأخيرة عن مجموعة كبيرة من الإجراءات ضد المنظمات والمواطنين الروس. إذ فُرضت عقوبات على ست شركات روسية عالية التقنية، حُمّلت مسؤولية التورط في هجوم إلكتروني على وكالات حكومية أميركية. وتضم القائمة السوداء 32 فرداً وكياناً يُزعم تورطهم في «أعمال عدائية» ضد الولايات المتحدة. ويشير هذا إلى محاولة للتدخل في مسار الانتخابات الرئاسية لعام 2020. وكان هذا الأمر، بالذات، قد نوقش في تقرير مارس (آذار) لمكتب مدير المخابرات الوطنية الأميركية. وفي تلك الوثيقة، قيل إن روسيا «أرادت تقويض الثقة الأميركية بالمؤسسات الديمقراطية ولعبت في الواقع ضد بايدن، في محاولة لمنع فوزه». أيضاً، نص المرسوم الجديد على عقوبات في مجال انتهاكات حقوق الإنسان، وعقوبات أخرى مرتبطة بشبه جزيرة القرم، حيث جرى إدراج خمسة أشخاص وثلاث منظمات مرتبطة بشبه الجزيرة.
وتجدر الإشارة إلى بند المرسوم المتعلق بالسفارة الروسية. وبناءً عليه، فإن الولايات المتحدة تطرد 10 أشخاص من البعثة الدبلوماسية الروسية في واشنطن العاصمة بعد توجيه اتهام لـ«طاقم العمل الدبلوماسي يضم ممثلين عن الخدمات الخاصة الروسية». في المقابل، ردت موسكو بطرد عشرة دبلوماسيين أميركيين، و«نصحت» السفير الأميركي لديها بالعودة إلى بلاده للتشاور. كانت هذه الصيغة المخففة البديلة عن إجراء بطرد السفير، وهو أمر تلقفته واشنطن بهدوء وأعلنت أن سفيرها سيعود إلى موسكو في غضون أسابيع.



يون سوك ــ يول... رئيس كوريا الجنوبية أثار زوبعة دعت لعزله في تصويت برلماني

تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط
تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط
TT

يون سوك ــ يول... رئيس كوريا الجنوبية أثار زوبعة دعت لعزله في تصويت برلماني

تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط
تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط

تشهد كوريا الجنوبية، منذ نحو أسبوعين، تطورات متلاحقة لا تلوح لها نهاية حقيقية، شهدت اهتزاز موقع رئيس الجمهورية يون سوك - يول بعد إعلانه في بيان تلفزيوني فرض الأحكام العرفية، وتعليق الحكم المدني، وإرساله قوة عسكرية مدعومة بالهيلوكوبترات إلى البرلمان. ثم اضطراره للتراجع عن قراره في وجه معارضة عارمة. بيد أن تراجع الرئيس خلال ساعات قليلة من هذه المغامرة لم يزد المعارضة إلا إصراراً على إطاحته، في أزمة سياسية غير مسبوقة منذ التحوّل الديمقراطي في البلاد عام 1980 بعد فترة من الحكم التسلطي. ولقد تطوّرت الأوضاع خلال الأيام والساعات الأخيرة من الاحتجاجات في الشوارع إلى تصويت برلماني على عزل يون. وبعدما أقر البرلمان عزل الرئيس ردّ الأخير بتأكيد عزمه على المقاومة والبقاء... في أزمة مفتوحة لا تخلو من خطورة على تجربة البلاد الديمقراطية الطريّة العود.

دبلوماسي مخضرم خدم في كوريا الجنوبية قال، قبل بضعة أيام، معلقاً على الأزمة المتصاعدة: «إذا تم تمرير اقتراح العزل، يمكن وقف (الرئيس) يون (سوك - يول) عن مباشرة مهام منصبه لمدة تصل إلى 180 يوماً، بينما تنظر المحكمة الدستورية في القضية. وفي هذا (السيناريو)، يتولى رئيس الوزراء هان دوك سو منصب الرئيس المؤقت، وتُجرى انتخابات جديدة في غضون 60 يوماً».

وبالفعل، دعا هان دونغ - هون، زعيم حزب «قوة الشعب»، الحاكم، إلى تعليق سريع لسلطات الرئيس مستنداً - كما قال - إلى توافر «أدلة موثوقة» على أن يون سعى إلى اعتقال القادة السياسيين بعد إعلانه الأحكام العرفية الذي لم يدُم طويلاً. ومما أورده هان - الذي كان في وقت سابق معارضاً للمساعي الرامية إلى عزل يون - إن «الحقائق الناشئة حديثاً قلبت الموازين ضد يون، بالتالي، ومن أجل حماية كوريا الجنوبية وشعبنا، أعتقد أنه من الضروري منع الرئيس يون من ممارسة سلطاته رئيساً للجمهورية على الفور». وتابع زعيم الحزب الحاكم أن الرئيس لم يعترف بأن إعلانه فرض الأحكام العرفية إجراء غير قانوني وخاطئ، وكان ثمة «خطر كبير» من إمكانية اتخاذ قرار متطرف مماثل مرة أخرى إذا ظل في منصبه.

بالتوازي، ذكرت تقارير إعلامية كورية أن يون يخضع حالياً للتحقيق بتهمة الخيانة إلى جانب وزير الدفاع المستقيل كيم يونغ - هيون، (الذي ذُكر أنه حاول الانتحار)، ورئيس أركان الجيش الجنرال بارك آن - سو، ووزير الداخلية لي سانغ - مين. وحقاً، تمثل الدعوة التي وجهها هان، وهو وزير العدل وأحد أبرز منافسي يون في حزب «قوة الشعب»، تحولاً حاسماً في استجابة الحزب الحاكم للأزمة.

خلفية الأزمة

تولى يون سوك - يول منصبه كرجل دولة جديد على السلطة، واعداً بنهج عصري مختلف في حكم البلاد. إلا أنه في منتصف فترة ولايته الرئاسية الوحيدة التي تمتد لخمس سنوات، شهد حكمه احتكاكات شبه دائمة مع البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة، وتهديدات «بالإبادة» من كوريا الشمالية، ناهيك من سلسلة من الفضائح التي اتهم وعائلته بالتورّط فيها.

وعندما حاول يون في خطابه التلفزيوني تبرير فرض الأحكام العرفية، قال: «أنا أعلن حالة الطوارئ من أجل حماية النظام الدستوري القائم على الحرية، وللقضاء على الجماعات المشينة المناصرة لنظام كوريا الشمالية، التي تسرق الحرية والسعادة من شعبنا»، في إشارة واضحة إلى الحزب الديمقراطي المعارض، مع أنه لم يقدم أي دليل على ادعائه.

إلا أن محللين سياسيين رأوا في الأيام الأخيرة أن الرئيس خطّط على الأرجح لإصدار مرسوم «الأحكام العرفية الخرقاء» أملاً بحرف انتباه الرأي العام بعيداً عن الفضائح المختلفة والإخفاق في معالجة العديد من القضايا المحلية. ولذا اعتبروا أن عليه ألا يطيل أمد حكمه الفاقد الشعبية، بل يبادر من تلقاء نفسه إلى الاستقالة من دون انتظار إجراءات العزل، ومن ثم، السماح للبلاد بانتخاب رئيس جديد.

بطاقة هوية

ولد يون سوك - يول، البالغ من العمر 64 سنة، عام 1960 في العاصمة سيول لعائلة من الأكاديميين اللامعين. إذ كان أبوه يون كي - جونغ أستاذاً للاقتصاد في جامعة يونساي، وأمه تشوي سيونغ - جا محاضرة في جامعة إيوها للنساء قبل زواجها. وحصل يون على شهادته الثانوية عام 1979، وكان يريد في الأصل أن يدرس الاقتصاد ليغدو أستاذاً، كأبيه، ولكن بناءً على نصيحة الأخير درس الحقوق، وحصل على شهادتي الإجازة ثم الماجستير في الحقوق من جامعة سيول الوطنية - التي هي إحدى «جامعات النخبة الثلاث» في كوريا مع جامعتي يونساي وكوريا - وأصبح مدّعياً عاماً بارزاً قاد حملة ناجحة لمكافحة الفساد لمدة 27 سنة.

ووفق وسائل الإعلام الكورية، كانت إحدى محطات حياته عندما كان طالب حقوق عندما لعب دور القاضي في محاكمة صورية للديكتاتور (آنذاك) تشون دو - هوان، الذي نفذ انقلاباً عسكرياً وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة. وفي أعقاب ذلك، اضطر يون إلى الفرار إلى الريف مع تمديد جيش تشون الأحكام العرفية ونشر القوات والمدرّعات في الجامعة.

بعدها، عاد يون إلى العاصمة، وصار في نهاية المطاف مدعياً عاماً، وواصل ترقيه الوظيفي ما يقرب من ثلاثة عقود، بانياً صورة له بأنه حازم وصارم لا يتسامح ولا يقدّم تنازلات.

مسيرته القانونية... ثم الرئاسة

قبل تولي يون سوك - يول رئاسة الجمهورية، كان رئيس مكتب الادعاء العام في المنطقة المركزية في سيول، وأتاح له ذلك محاكمة أسلافه من الرؤساء. إذ لعب دوراً فعالاً في إدانة الرئيسة السابقة بارك غيون - هاي التي أُدينت بسوء استخدام السلطة، وعُزلت وأودعت السجن عام 2016. كذلك، وجه الاتهام إلى مون جاي - إن، أحد كبار مساعدي خليفة الرئيسة بارك، في قضية احتيال ورشوة.

أما على الصعيد السياسي، فقد انخرط يون في السياسة الحزبية قبل سنة واحدة فقط من فوزه بالرئاسة، وذلك عندما كان حزب «قوة الشعب» المحافظ - وكان حزب المعارضة يومذاك - معجباً بما رأوه منه كمدّعٍ عام حاكم كبار الشخصيات، وأقنع يون، من ثم، ليصبح مرشح الحزب لمنصب رئاسة الجمهورية.

وفي الانتخابات الرئاسية عام 2022 تغلّب يون على منافسه الليبرالي لي جاي - ميونغ، مرشح الحزب الديمقراطي، بفارق ضئيل بلغ 0.76 في المائة... وهو أدنى فارق على الإطلاق في تاريخ الانتخابات في البلاد.

الواقع أن الحملة الانتخابية لعام 2022 كانت واحدةً من الحملات الانتخابية القاسية في تاريخ البلاد الحديث. إذ شبّه يون غريمه لي بـ«هتلر» و«موسوليني». ووصف حلفاء لي الديمقراطيون، يون، بأنه «وحش» و«ديكتاتور»، وسخروا من جراحة التجميل المزعومة لزوجته.

إضافة إلى ذلك، شنّ يون حملته الانتخابية بناء على إلغاء القيود المالية والموقف المناهض للمرأة. لكنه عندما وصل إلى السلطة، ألغى وزارة المساواة بين الجنسين والأسرة، قائلاً إنها «مجرد مقولة قديمة بأن النساء يُعاملن بشكل غير متساوٍ والرجال يُعاملون بشكل أفضل». وللعلم، تعد الفجوة في الأجور بين الجنسين في كوريا الجنوبية الأسوأ حالياً في أي بلد عضو في «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية».

أيضاً، أدى استخدام يون «الفيتو» تكراراً إلى ركود في العمل الحكومي، بينما أدت تهم الفساد الموجهة إلى زوجته لتفاقم السخط العام ضد حكومته.

تراجع شعبيته

بالتالي، تحت ضغط الفضائح والخلافات، انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب كوريا» أن شعبيته انخفضت إلى 19 في المائة فقط. وتعد «كارثة» الأحكام العرفية الحلقة الأخيرة في سلسلة من الممارسات التي حددت رئاسة يون وأخطائها.

إذ ألقي باللوم على إدارة يون في التضخم الغذائي، وتباطؤ الاقتصاد، والتضييق المتزايد على حرية التعبير. وفي أواخر 2022، بعدما أسفر تدافع حشود في احتفال «الهالوين» (البربارة) في سيول عن سقوط 159 قتيلاً، تعرضت طريقة تعامل الحكومة مع المأساة لانتقادات واسعة.

زوجته في قلب مشاكله!

من جهة ثانية، كانت كيم كيون - هي، زوجة الرئيس منذ عام 2012، سبباً آخر للسخط والانتقادات في وسائل الإعلام الكورية الجنوبية. فقد اتهمت «السيدة الأولى» بالتهرب الضريبي، والحصول على عمولات لاستضافة معارض فنية عن طريق عملها. كذلك واجهت اتهامات بالانتحال الأدبي في أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه وغيرها من الأعمال الأكاديمية.

لكن أكبر فضيحة على الإطلاق تورّطت فيها كيم، كانت قبولها عام 2023 هدية هي حقيبة يد بقيمة 1800 جنيه إسترليني سراً من قسيس، الأمر الذي أدى إلى مزاعم بالتصرف غير اللائق وإثارة الغضب العام، لكون الثمن تجاوز الحد الأقصى لما يمكن أن يقبله الساسة في كوريا الجنوبية وشركاؤهم قانونياً لهدية. لكن الرئيس يون ومؤيديه رفضوا هذه المزاعم وعدوها جزءاً من حملة تشويه سياسية.

أيضاً أثيرت تساؤلات حول العديد من القطع الثمينة من المجوهرات التي تملكها «السيدة الأولى»، والتي لم يعلَن عنها كجزء من الأصول الرئاسية الخاصة. وبالمناسبة، عندما فُتح التحقيق في الأمر قبل ست سنوات، كان زوجها رئيس النيابة العامة. أما عن حماته، تشوي يون - سون، فإنها أمضت بالفعل حكماً بالسجن لمدة سنة إثر إدانتها بتزوير وثائق مالية في صفقة عقارية.

يُضاف إلى كل ما سبق، تعرّض الرئيس يون لانتقادات تتعلق باستخدام «الفيتو» الرئاسي في قضايا منها رفض مشروع قانون يمهد الطريق لتحقيق خاص في التلاعب المزعوم بالأسهم من قبل زوجته كيم كيون - هي لصالح شركة «دويتشه موتورز». وأيضاً استخدام «الفيتو» ضد مشروع قانون يفوّض مستشاراً خاصاً بالتحقيق في مزاعم بأن مسؤولين عسكريين ومكتب الرئاسة قد تدخلوا في تحقيق داخلي يتعلق بوفاة جندي بمشاة البحرية الكورية عام 2023.

وهكذا، بعد سنتين ونصف السنة من أداء يون اليمين الدستورية عام 2022، وعلى أثر انتخابات رئاسية مثيرة للانقسام الشديد، انقلبت الأمور ضد الرئيس. وفي خضم ارتباك الأحداث السياسية وتزايد المخاوف الدولية يرزح اقتصاد كوريا الجنوبية تحت ضغوط مقلقة.

أمام هذا المشهد الغامض، تعيش «الحالة الديمقراطية» في كوريا الجنوبية أحد أهم التحديات التي تهددها منذ ظهورها في أواخر القرن العشرين.