دراسة لكمال الصليبي عن لبنان والشرق الأوسط تبصر النور بالعربية

دراسة لكمال الصليبي عن لبنان والشرق الأوسط تبصر النور بالعربية

بمناسبة مرور 10 سنوات على وفاة المؤرخ المثير للجدل
الخميس - 17 شهر رمضان 1442 هـ - 29 أبريل 2021 مـ رقم العدد [ 15493]

بمناسبة مرور 10 سنوات على وفاة كمال الصليبي، تصدر «دار نلسن» في بيروت دراسة للمؤرخ المثير للجدل، عكف على ترجمتها محمود شريح، تعود إلى عام 1988، وتحمل عنوان «لبنان ومسألة الشرق الأوسط». والكتاب الذي سيبصر النور بعد أيام يقدم للقارئ النص باللغة الإنجليزية الأصلية وتعريبها، مع مقدمة للمترجم. وهذه الدراسة هي الورقة الثامنة في سلسلة «أوراق لبنانية» الصادرة عن مركز «الدراسات اللبنانية» في جامعة «أكسفورد».

وأهمية البحث الطويل الشيق أنه يتتبع المسار الفكري العربي الحديث بمنهجية حاذقة، من خلال التحولات اللبنانية الصاخبة، منذ إعلان دولة لبنان الكبير في عام 1920، مروراً بنكبة فلسطين والحرب الأهلية في لبنان، وصولاً إلى اندلاع الحرب الإيرانية - العراقية، وانعكاساتها لبنانياً وعربياً. ومن دون أن يقول ذلك صراحة، يلحظ القارئ هذا الميل عند الصليبي لاعتبار لبنان والقضية الفلسطينية هما المختبر الذي من خلالهما بمقدوره أن يقرأ الظواهر والمفاصل ويستخلص العبر. ومترجم الدراسة محمود شريح تتلمذ على يد الصليبي منذ عام 1973 في الجامعة الأميركية في بيروت، ورافقه على مدى 4 عقود، ويقول عن أستاذه إنه «غيّر، إلى الأبد، مسار الدراسات التوراتية في كتابه (التوراة جاءت من جزيرة العرب)، وهو الذي قلب مفاهيم التاريخ وأساليب تدوينه في بلاد الشام والجزيرة العربية».

ويحاول الصليبي أن يعثر على أساس النظرية القائلة إن حل النزاعات الداخلية في لبنان لا يمكن إنجازه إلا من خلال صفقة إقليمية، مع أن جزءاً مهماً من الخلافات منذ عام 1975 هو داخلي. فمن أين تأتي هذه الفكرة المزمنة المستمرة إلى اليوم؟ وهل هي صحيحة أم ضرب من الوهم؟ ولماذا لبنان تحديداً واقع في هذه الورطة؟

ولدت الدول العربية كلها، حسب الصليبي، وفق تقسيمات قسرية، أما لبنان فولد برغبة مسيحية، ورضي به مسلموه على مضض، إذ رأى غالبيتهم أنهم ينتمون إلى أمة عربية أوسع، وأنهم جزء من سوريا. وبما أن المسيحيين بقوا يتناقصون عددياً ويتشتتون، ليس في لبنان وحده بل في المنطقة كلها، ظلوا شديدي اليقظة فيما يتعلق بسيادة لبنان وعلاقاته العربية. وبسبب التركيبة السكانية التعددية، كان من المحال أن يقوم لبنان إلا ديمقراطياً منفتحاً. ولهذا سار على عكس محيطه، تطفو مسائله الخلافية على السطح، وتناقش بصوتٍ عالٍ، من دون حاجة للتلطيف والممالأة، وتتخذ أشكالها الحقيقية. ذلك لم يكن متاحاً في أي مكان عربي آخر. النقاش المحلي الحر لم يكن بالمقدور حصره في الداخل، مما جر البلاد تدريجياً إلى بؤرة صراع إقليمي لقضايا لم يكن متاحاً نقاشها أو محاربتها في مواطنها الأصلية. وبهذا المعنى، تحول لبنان إلى ساحة تعويض للعرب، ليس للحوار فقط بل للحرب أيضاً.

يتحدث الكاتب أيضاً عن الفرصة الكبيرة التي ضيعها العرب، إذ كان يفترض من الدول العربية بعد استقلالها أن تلائم سياساتها مع أهدافها القومية، لكنها بدل ذلك سعت لتحقيق مصالحها الخاصة. «ولو قدر للعرب أن ينسقوا ويوفقوا بين مصالحهم المتضاربة، لكانت العروبة، في أحسن حالاتها، أساساً للتعاون بين الدول المستقلة، ووفرت الرفاهية العربية».

الصليبي ينتقد بشدة دور جامعة الدول العربية التي تأسست عام 1945، وكان يفترض أن تقوم بهذا الدور التنسيقي، لكنها بدل ذلك منحت امتيازات لدول عربية طامحة في التعدي على دول أخرى وزعزعة استقرارها لخدمة سياساتها الخاصة، أو مجرد الاقتصاص من غيرها. ولبنان كان ضحية نموذجية لمثل هذه الاختبارات، وقد ساهمت المعارضة في لبنان، تحت شعار العروبة، في تسهيل هذه التدخلات، بل واستدعتها؛ ويصفها الصليبي بأنها «تدخلات متهورة» و«اختبارات تدميرية».

أحد المفاصل الرئيسية في هذا المسار العربي - اللبناني هي المسألة الفلسطينية التي بقيت تحظى بقصب السبق. والنقطة المهمة التي يلفت إليها الكتاب هنا أن إعلان دولة يهودية على الأراضي الفلسطينية أشعر الفلسطينيين بأن المواجهة يجب أن تكون عربية قومية، هم آمنوا بذلك وحاولوا، لكن النتائج كانت محبطة. لذلك وجدوا في أعقاب هزيمة 1967، وعقدين من الابتلاء، أن عليهم أن يمسكوا زمامهم بيدهم، وأصبح المسار الوحيد أمامهم هو «تنظيم أنفسهم في صورة ثورة مستقلة تحت المظلة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية».

ويرى الصليبي أنه «إلى جانب اللبنانيين، لا سيما المسيحيين منهم، وقف الفلسطينيون في طليعة العرب، شعباً متقدماً على الصعيدين الاجتماعي والثقافي، إذ شكلوا فيما بينهم طبقة وسطى متألقة متوزعة على عدة دول عربية متقدمة في مهاراتها، فكانوا قدوة، ووفروا لحركتهم قيادة وبنى تحتية. وفي المقابل، كانت هناك الجماهير في مخيمات اللاجئين على أهبة الاستعداد للتطوع سياسياً وعسكرياً».

وتثير الدراسة نقطة جمعت اللبنانيين إلى الفلسطينيين، وهي «الحرية». كانت الثورة الفلسطينية تشعر بأنها حرة في العمل كما تشاء لأنها تحظى بشرعية كاملة على مستويين: المستوى الفلسطيني من الفلسطينيين، والعروبي من العرب أجمعين، مما منحهم قدرة كبيرة على التحرك، وأحدث نوعاً من الخلخلة في بعض الكيانات العربية.

لبنان بحريته، ومنظمة التحرير بشرعيتها العابرة للحدود والمشاعر العربية، وضعهما في خانة متشابهة مزعجة عربياً. فقد وفر المجتمع اللبناني المنفتح «منصة مثالية للثورة الفلسطينية، وقاعدة تنطلق منها سياسياً وعسكرياً بأدنى قدر من القيود. التوتر الإسلامي - المسيحي بدوره سهل نشوء وضع ثوري محلي في لبنان تمكن الفلسطينيون من استغلاله، وأصبحت الثورة الفلسطينية في لبنان دولة داخل الدولة بدعم إسلامي عريض. ويعتقد صليبي أن هذا الوضع سمح بتدمير الحالتين معاً: اللبنانية والفلسطينية.

فالحرية التي تمتع بها الفلسطينيون داخل دول عربية عدة مهدت لحركة شعبية ضدهم في الأردن، ومن ثم في لبنان. ومنذ عام 1982، حيث تم تدمير الثورة الفلسطينية بعد الاجتياح الإسرائيلي، وخروج منظمة التحرير من لبنان «أحجمت عن كونها ثورة... وظهرت مواجهة مباشرة مفتوحة في العالم العربي بين مصالح الدولة المستقلة من ناحية والتزاماتها بالعروبة من ناحية ثانية»، وهي مواجهة سترسم خريطة المستقبل. أما لبنان، فبحلول عام 1984 كان قد أصبح مدمراً بالفعل بسبب الحرب الأهلية، وصالحاً لمزيد من النزاعات، حيث سيحمل عبء صراع جديد بعد نجاح الثورة الإيرانية.

وزاد الأمر تأججاً إثر اندلاع الحرب الإيرانية - العراقية، فهي مواجهة بين عرب وإيرانيين، بين الإسلام الشيعي في إيران والإسلام السني المهيمن في العالم العربي. وحين تنضم بعض الدول العربية إلى جانب إيران، سيحدث شرخ في العالم العربي.

يقول الصليبي: «على المرء أن يلتفت إلى لبنان نموذجاً لفهم كيفية تشابك المسائل الجوهرية الناشئة وانعكاسها على المنطقة إثر النزاع العراقي - الإيراني. فنجاح الثورة الإسلامية في إيران على هذه السرعة أطلق موجة عارمة من النشاط الشيعي والأصولية الإسلامية السنية». ونفهم من الكتاب أن المخاوف من الثورة الإيرانية هي التي سرعت بتوقف الحرب اللبنانية. فقد قلق السنة، وسارعوا إلى التصالح مع الجانب المسيحي، ونحا الإسلاميون الذين كانوا يرفضون العروبة إلى الالتزام بها، وسعى الجميع للوصول إلى تسوية في البلاد ضمنها الأطراف الإسلامية التقليدية، وبقي رافضاً لهذا الحل المتطرفون المسيحيون والمسلمون على السواء، مما وضعهم في مواجهة مع المعتدلين من الجانبين. وبدا أن زخم الأصولية بدل أن يرسخ التفرقة بين المسيحيين والمسلمين في البلاد، أدى فعلياً إلى تذليلها، ووضع أكثرية غير قتالية من المسيحيين والمسلمين في مقابل أقلية قتالية من كلا الطائفتين على الجانب الآخر، حيث «كان الجانب الأول مستعداً للموافقة على إعادة تفسير مفهوم الدولة اللبنانية في الإطار الأوسع لمفهوم العروبة، فيما كان الجانب الآخر مصمماً على عدم إيجاد حل للمسألة لأطول وقت ممكن».

ويعود الصليبي في نهاية الكتاب إلى السؤال نفسه: «هل يمكن التوصل إلى تسوية للمسألة اللبنانية بمعزل عما يحدث خارج لبنان؟ ليست الإجابة ممكنة، إلا أنه منذ 1975، فإن القضايا الأساسية العالقة في المنطقة شهدت تحللاً إلى عناصرها التركيبية، الواحد تلو الآخر، وتقلصت إلى حبوب دقيقة بين رُحى المطاحن السريعة في لبنان - البلد الوحيد في المنطقة الذي يمكن أن يحدث فيه ذلك». وهذه القضايا الخلافية الكبرى هي نتيجة تفاعل بين 3 حقائق في المنطقة: طبيعة الأنظمة العربية، والالتزام الأخلاقي بالعروبة، والتحولات الإسلامية من اجتماعية وتاريخية.


لبنان كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة