التكلفة الباهظة لخلود المبدعين والالتفاف المؤقت على نسيانهم

يتحدثون عن الديمومة كما لو أنها المكافأة الطبيعية للمشتغلين بالأدب والفن

نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - أمل دنقل - يوسف الخال
نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - أمل دنقل - يوسف الخال
TT

التكلفة الباهظة لخلود المبدعين والالتفاف المؤقت على نسيانهم

نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - أمل دنقل - يوسف الخال
نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - أمل دنقل - يوسف الخال

لطالما كان البحث عن الخلود والإفلات من الهلاك هو هاجس الإنسان منذ خسارته للفردوس وهبوطه إلى الأرض، وحتى يومنا هذا. ولم تكن محاولة الملك السومري كَلكَامش للبحث عن العشبة التي تعصم من الموت، سوى واحدة من المحاولات المتكررة، التي لم يكتب لها النجاح، لتأبيد الإقامة على الأرض بدلاً من التحلل السريع في جوفها المظلم. ولعل حرص الفراعنة على تحنيط الأجساد ومنعها من التحلل النهائي بعد الموت، هو التعبير الأبلغ عن اعتقادهم بعودة الروح المحتملة إلى الأجساد التي فارقتها. وليس أمراً بلا دلالة أن تعطي الأديان السماوية للحياة الثانية طابع الديمومة، وأن يتحول الخلود إلى مكافأة قيمة لأولئك الذين استحقوا بالإيمان والعمل الصالح نعمة الفردوس، فيما يتخذ طابع اللعنة الكابوسية بالنسبة لمرتكبي المعاصي والكفرة الآثمين.
ليس الفن من جهته سوى محاولة رمزية موازية لقهر الموت أو مراوغته وتضليله. فإذا كان يتعذر على المسمى، بحكم تكوينه الجسدي الهش، أن يرد غائلة الموت، فإن الاسم هو المنوط بفعل ذلك، عن طريق إنجازاته الفنية والأدبية التي تتيح له الرسوخ الدائم في ذاكرة الأجيال والعصور اللاحقة. ولعل هذا المعنى بالذات هو ما قصده محمود درويش بقوله «هزمتك يا موت الفنون جميعها\ هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين\ مسلة المصري\ مقبرة الفراعنة\ النقوش على حجارة معبدٍ هزمتك وانتصرتْ\ وأفْلتَ من كمائنك الخلودُ\ وأنا أريد، أريد أن أحيا». وإذا كان درويش قد أفصح بشكل جلي عن رغبته في الخلود، وعن خوفه العميق من الزوال التام، فإن ما قاله صاحب «ذاكرة للنسيان» لا يعبر عن أناه الفردية فحسب، بل هو لسان حال جميع البشر، خصوصاً الكتاب والفنانين، سواء عبروا عن هذه الرغبة بشكل مضمر، أو بشكل سافر الوضوح، كما فعل صاحب «الجدارية». كما أن هذا الهاجس لا يقتصر على الشعراء وحدهم، بل يتعداهم إلى سائر المشتغلين بالأدب والفن، حيث لفتني على نحو خاص تصدير الكاتب الأردني جلال برجس روايته الأخيرة «دفاتر الوراق» بعبارة «إلى قرائي الذين أفسحوا لكلمتي مكاناً في قلوبهم، فربحتُ الخلود». وفي هذا السياق أيضاً يمكن لنا أن نفهم السبب الذي دفع الفرنسيين إلى إطلاق صفة «الخالدين» على أعضاء الأكاديمية الفرنسية، التي انتقلت عدواها فيما بعد إلى مؤسسات عربية مماثلة تعنى بحماية اللغة الأم وتطويرها، فأُطلقت على مجمع اللغة العربية في القاهرة تسمية موازية هي «مجمع الخالدين».
على أن الخلود الدنيوي هو أمر نسبي ومتعدد الدلالات، بما يمنحه بُعداً رمزياً واصطلاحياً، ليعني فيما يعنيه البقاء لأطول مدة ممكنة. وكذلك هو الحال مع كلمة «إلى الأبد» التي يكثر استخدامها في مجال الحب، وفي عهود الوفاء التي يقطعها العشاق على أنفسهم. فحين يأمر فلورينتينو أريثا بطل «الحب في زمن الكوليرا» الذي استعاد حبيبته فيرمينا داثا بعد خمسين عاماً من الفراق، قبطان سفينته المبحرة في أحد أنهار كولومبيا، بعدم النزول إلى اليابسة، يسأله هذا الأخير «إلى متى؟»، فيجيب العجوز العاشق «إلى الأبد». ولعل العبارة التي أطلقها ماركيز على لسان العجوز لا تعني أبدية الجسد الفاني، بقدر ما هي تعبير مضمر عن خلود البطل في النص لا في الحياة، تماماً كما هو حال المؤلف في الوقت ذاته.
ومع ذلك فإن العلاقة بين الكتابة والخلود ليست من النوع السهل. وهي بأي حال ليست علاقة تلازم تلقائي، ولو كان الأمر كذلك، لوجب على التاريخ أن يحفظ لنا أسماء عشرات الآلاف من الكتاب والمؤلفين والفنانين، فيما أن نسبة الناجين من «تايتنيك» الكتابة الغارقة هي بكل المعايير ضئيلة جداً، كما هي ضئيلة أيضاً تلك الأعمال العظيمة التي أمكن لأصحابها أن يتخذوا منها زوارق حقيقية توصلهم إلى بر النجاة من التلاشي. يكفي أن يخطر لأحدنا الآن أن يتصفح أي مرجع مهم من مراجع النقد العربي القديم، ليكتشف أن من ظلوا صامدين في وجه الزمن من بين مئات الأسماء التي عرض لها ابن سلام الجمحي في «طبقات الشعراء»، أو ابن عبد ربه في «العقد الفريد»، أو أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني»، لم يتبق لنا في الذاكرة سوى ثلة قليلة من الكبار، الذين لم يمنعهم اختلاف أساليبهم ومناخاتهم ورؤيتهم إلى العالم من حفر أسمائهم ونصوصهم عميقاً في الذاكرة الجمعية، كما هو حال امرئ القيس وطرفة وأبي تمام وأبي نواس والمتنبي وابن الرومي والمعري، وآخرين غيرهم.
ولم يختلف الأمر كثيراً في عصرنا الراهن. لا بل إن الأمور بدت أكثر تعقيداً من ذي قبل، حيث لم يظل من بين آلاف الأسماء التي لبست لبوس الحداثة واستظلت بشعاراتها البراقة سوى حفنة من المبدعين الذين ربحوا إلى حد بعيد معركتهم مع البقاء. وإذا أتيح لأي منا أن يجد الوقت الكافي لإلقاء نظرة سريعة على فهارس الدوريات الثقافية العربية في القرن الفائت، بدءاً من «الرسالة» و«الأديب»، و«الآداب» و«شعر» و«حوار»، ووصولاً إلى «الطريق» و«مواقف» و«الأقلام» وغيرها، لاستبدت به الدهشة العارمة إزاء المآلات الغامضة لمعظم الشعراء الذين ظهرت نصوصهم بكثرة على صفحات تلك المجلات، قبل أن تخرج فيما بعد من التداول. فإلى جانب قصائد يوسف الخال وأدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وبدر شاكر السياب وسركون بولص وغيرهم، ممن اخترقت أسماؤهم سقوف المراحل اللاحقة، نشرت «شعر» نصوصاً شعرية موازية لأسماء أخرى لم تصمد في حساب الحضور الشعري، من أمثال إدفيك شيبوب وإبراهيم شكرالله ورياض الريس وهنري القيم وهاني أبي صالح ومجاهد مجاهد ولور غريب وإلياس مسوح ولؤي الأسعد وفالح عبد الرحمن وميشال كمال وفؤاد العتر وسامية توتنجي وجمال أبو حمدان وآخرين، ممن آلت أسماؤهم إلى الضمور، أو انصرفوا عن الشعر إلى سواه من الخيارات. وإلى جانب التجارب العالية التي ظهرت في «الآداب» من وزن نزار قباني وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي وسعدي يوسف ومحمود درويش وأمل دنقل، ظهرت وجوه كثيرة لم نعد نعثر على أسمائها في خارطة الشعر، من مثل كمال عمار وأحمد عزالدين ومحمد خالدي ونزار نجار وخليل الموسى ووصفي صادق وكمال الجزولي وكامل أيوب وموسى النقدي وحسين جليل وبشرى البستاني وسعد دعبيس، وكثر مثلهم.
على أن لإشكالية الخلود والنسيان جانباً أكثر غموضاً وإثارة للتساؤل، لا يقتصر على ذوي التجارب العادية والهامشية من الكتاب والشعراء فحسب، بل يتعدى ذلك ليطال نسبة غير قليلة من أصحاب التجارب المؤثرة، والمواهب التي لا ترقى الشكوك إلى تميزها. وأكثر ما يستوقفنا في هذا المجال هو الغياب، أو التغييب، السريع لمعظم الأسماء التي استطاعت خلال حضورها المباشر على مسرح الحياة أن تحظى بقدر غير قليل من الشهرة والاهتمام الإعلامي والمتابعة النقدية. وبصرف النظر عن حفلات التأبين الإعلامي والمراثي الصاخبة التي تعقب الرحيل الجسدي للكثير من الكتاب العرب المعاصرين، عبر مواقع التواصل وما تبقى من الصحف والدوريات، فإن ما ينجم عن الغياب من ترددات، هو أشبه بالفقاعات التي ترسلها أنفاس الغرقى إلى سطح المياه قبل أن تخمد بشكل نهائي. وإذا استثنينا أسماء قليلة ما زالت قادرة على أن تهز من وراء القبر، وبالنصوص المجردة، شجرة الوجدان العربي الجمعي، من أمثال نزار قباني ومحمود درويش، ومن ثم الجواهري والبردوني ومحمد الماغوط وأنسي الحاج، بنِسَب متفاوتة، فإن معظم الشعراء والكتاب المرموقين الذين رحلوا عن هذا العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، قد آلت شهرتهم وأسماؤهم إلى التراجع والانكفاء، حتى لو كان هؤلاء من وزن عبد الوهاب البياتي ومحمد الفيتوري وسميح القاسم ومحمد القيسي وممدوح عدوان وفاروق شوشة وجوزف حرب وحلمي سالم وأنور سلمان وفوزي كريم وكثير غيرهم.
سيكون من الصعب أخيراً أن نعثر على إجابات قاطعة بشأن خلود المبدعين أو سقوطهم من الذاكرة الجمعية، قبل مرور عقود عديدة على رحيلهم. وإذا كان ت. س. إليوت قد جعل من الخلود بطاقة سفر باهظة الثمن يقتصر استخدامها على الصفوة النادرة من المغامرين الرؤيويين، والآخذين بناصية لغاتهم الأم نحو منعطفات جديدة، الذين لا تحظى بهم الأمم في العادة إلا مرة أو اثنتين كل قرن من الزمن، فإن رهان الآلاف المؤلفة من المشتغلين بالكتابة على نجاتهم من النسيان، هو رهان صعب ونادر التحقق. وقد يجترح البعض وسائل مبتكرة، بهدف حماية رموزه الوطنية أو الآيديولوجية أو العائلية من النسيان المحقق، كأن تُدرج أعمال هذا الكاتب في المناهج الدراسية، أو يسمى باسم ذاك زقاق أو شارع فرعي، أو تنشأ باسم آخرين جوائز أدبية لتخليد أسمائهم، بما يجعل من هذه الوسائل أشبه بطرق ذكية للالتفاف على النسيان. ومع ذلك فليست الأمور المتعلقة بالخلود محسومة تماماً. إذ لربما أتيح لبعض الذين تم تهميشهم، بداعي الإهمال المقصود أو العقاب التعسفي، أو لسوء تفاهمٍ ما بينهم وبين أزمنتهم، أن يعودوا فجأة، وبفضل «منقبين» طليعيين، إلى واجهة العصور اللاحقة. وإذا كان محمد بن عبد الجبار النفري الذي اجتهد أدونيس في الكشف عن إبداعه الفريد هو أحد الذين استحقوا العودة إلى دائرة الضوء بعد ألف عام من الإقامة في الظل، فهو ليس الوحيد بالقطع، بل ثمة آخرون غيره ينتظرون بدورهم من يحررهم من غياهب العتمة والتجاهل المجحف.



طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
TT

طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)

يُعدُّ المغنيسيوم من أهم المعادن الضرورية لصحة الإنسان، ومع ذلك لا يحصل كثير من الأشخاص على الكمية الكافية منه يومياً، وفقاً لخبراء التغذية.

ويؤدي هذا المعدن أدواراً حيوية في الجسم؛ إذ يساهم في تنظيم ضغط الدم ومستويات السكر في الدم، ويدعم جهاز المناعة وصحة العضلات، كما يساعد على تحسين جودة النوم، من خلال تعزيز الاسترخاء، وتحفيز إنتاج هرمون الميلاتونين، حسب صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

وتقول اختصاصية التغذية السريرية الأميركية، بيثاني ماري دورفلر، من مركز «نورثويسترن» لصحة الجهاز الهضمي، إن الاهتمام بالمغنيسيوم ازداد بشكل ملحوظ؛ خصوصاً مع انتشار مشكلات الأرق؛ حيث يتساءل كثير من المرضى عن مدى إمكانية استخدامه لتحسين النوم.

وتشير إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالمغنيسيوم ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية، كما تساعد في زيادة كثافة المعادن في العظام، ما يقلل من خطر الكسور وهشاشة العظام.

ورغم هذه الفوائد، أظهرت بحوث أن نحو نصف الأميركيين لا يستهلكون الكميات الموصَى بها من المغنيسيوم، ولكن الخبراء يؤكدون أن الحل لا يتطلب بالضرورة تناول مكملات غذائية؛ بل يمكن تحقيقه بسهولة عبر تحسين النظام الغذائي.

وتوضح دورفلر أن معظم الأشخاص الأصحاء لا يحتاجون إلى مكملات؛ بل إلى زيادة تناول الأطعمة النباتية، مشيرة إلى أن الجسم يمتلك آليات ذكية للحفاظ على المغنيسيوم، مثل تقليل فقدانه عبر الكلى.

وتوصي الجهات الصحية بأن تستهلك النساء البالغات ما بين 310 و320 ملِّيغراماً يومياً حسب السن، بينما يحتاج الرجال إلى ما بين 400 و420 ملِّيغراماً يومياً، مع زيادة طفيفة خلال فترة الحمل.

وتُعد حالات النقص الشديد نادرة، وغالباً ما ترتبط بمشكلات صحية، مثل أمراض الكلى أو اضطرابات الجهاز الهضمي التي تؤثر على امتصاص العناصر الغذائية.

مصادر غذائية

توجد عدَّة طرق فعَّالة لزيادة المغنيسيوم من خلال الطعام دون الحاجة إلى المكملات الغذائية، وذلك عبر التركيز على أطعمة طبيعية غنية بهذا المعدن الأساسي.

وتُعدُّ بذور اليقطين من أغنى المصادر بالمغنيسيوم؛ إذ يوفر ربع كوب منها نسبة كبيرة من الاحتياج اليومي، كما يمكن إضافتها بسهولة إلى السلطات أو تناولها كوجبة خفيفة بين الوجبات الرئيسية.

كما تُعتبر المكسرات والبذور مثل اللوز والكاجو وبذور الشيا خيارات غذائية مهمة، فهي لا توفر المغنيسيوم فحسب؛ بل تحتوي أيضاً على دهون صحية مفيدة للجسم.

أما البقوليات والحبوب الكاملة، مثل الفاصوليا السوداء والحمص والكينوا، فهي مصادر غنية تجمع بين المغنيسيوم والألياف والبروتين، ما يجعلها جزءاً أساسياً من النظام الغذائي المتوازن.

وتساهم الخضراوات الورقية الداكنة، مثل السبانخ، في تعزيز مستوى المغنيسيوم في الجسم، إلى جانب ما تحتويه من فيتامينات ومعادن مهمة تدعم الصحة العامة.

كما يمكن الاعتماد على مجموعة متنوعة من الأطعمة النباتية، مثل التوفو والأفوكادو وحليب الصويا، والتي يسهل دمجها في الوجبات اليومية للحصول على تغذية متكاملة.

ويشير خبراء التغذية إلى أن تنويع النظام الغذائي وزيادة الاعتماد على الأطعمة النباتية يُعدان الطريقة الأكثر أماناً وفاعلية لتلبية احتياجات الجسم من المغنيسيوم، مع فوائد إضافية تشمل دعم صحة القلب والعظام وتحسين جودة النوم.


تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
TT

تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)

في حين تواصل الجرافات والمعدات الثقيلة عملها في الإسكندرية ضمن مشروع إعادة تأهيل «ترام الرمل»؛ ارتفعت أصوات مواطنين بالإسكندرية للمطالبة بالتصدي لما يحدث في مسار الترام، معتبرين إزالة المحطات التاريخية «طمساً لذاكرة المدينة واعتداءً على هويتها البصرية».

ويخضع «ترام الرمل»، نسبةً إلى منطقة محطة الرمل، أو «الترام الأزرق» حيث لونه المميز، في الوقت الحالي لعملية تطوير شاملة ليحل محله ترام متطور، إذ تتضمن خطة التطوير هيكلة شاملة تتضمن تجديد القضبان وعربات الترام، واستخدام قطارات كهربائية مكيفة ومجهزة بأحدث سبل الراحة، وإنشاء أنفاق للمشاة و«كباري» أمام إشارات المرور والمزلقانات لاختصار زمن التقاطر؛ مما يسمح بتقليل وقت الانتظار ومضاعفة طاقته الاستيعابية، وزيادة سرعته.

ويُعدّ ترام الإسكندرية من أقدم شبكات الترام في العالم، حيث بدأ إنشاؤه عام 1860 ليكون أول وسيلة نقل جماعي في مصر وأفريقيا، وفي عام 1863 افتُتح الخط لنقل الجمهور بقطار واحد تجره الخيول، قبل أن تتم كهربته بالكامل عام 1904، حيث استعملت المركبات الكهربائية فى نقل الركاب، وفقاً لـ«الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الإسكندرية».

هدم محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية أثار انتقادات (المحامي المصري محمد فتوح)

وتداول نشطاء التراث والبيئة وكذلك حقوقيون، خلال الساعات الماضية، مقاطع فيديو وصوراً تُظهر تعرض محطات الترام التاريخية للهدم، كان أبرزها محطة إيزيس أو «بولكلي»، والتي تعرف شعبيا بمسمى «بوكلا»، مما دعاهم إلى إطلاق حملات واستغاثات للمسؤولين والجهات المعنية لإنقاذ هوية الإسكندرية، مشددين على أن هدم المحطات يعد مخالفة للقانون ويأتي خلافاً لتفاصيل التطوير المعلنة.

كان من أبرز تلك الحملات ما تم توجيهه إلى وزيرة الثقافة المصرية، جيهان زكي، للحفاظ ما تبقى من تراث الإسكندرية، وممارسة سلطتها القانونية في حماية محطات الترام كمعالم تاريخية بالمدينة.

وقال المحامي المصري، محمد فتوح، صاحب الحملة، والذي تقدم قبل أسابيع بدعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري لإلغاء مشروع تطوير ترام الرمل بالإسكندرية، إن النشطاء بالمدينة ليسوا ضد التطوير، فهم يدعمون أي خطوات نحو التقدم، لكنهم يشددون على أن التطوير يجب أن يتم بطريقة تحافظ على الهوية البصرية للمدينة الكوزموبوليتانية، وتحمي تراثها وتاريخها من الاندثار.

محطات ترام الرمل تضم معالم معمارية تعكس هوية المدينة (سيرة الإسكندرية)

وأضاف فتوح لـ«الشرق الأوسط»، أن محطة إيزيس (بولكلي) هي درة معمارية يتجاوز عمرها 163 عاماً، ومسجلة رسمياً في مجلد الحفاظ على التراث المعماري بالإسكندرية تحت رقم توثيق 1898، حيث تتميز المحطة بعناصر معمارية فريدة، أبرزها العمود الكبير المزود بأربع ساعات على غرار ساعة لندن، والذي كان رمزاً بصرياً يمكن مشاهدته من جميع الاتجاهات، مشيراً إلى أن «مشهد هدم هذا العمود أمام أعين الناس يعد بالنسبة للنشطاء ليس مجرد فقدان قطعة أثرية، بل محو لمعالم معمارية تعكس هوية المدينة».

ويؤكد فتوح أن هدم المحطة لم يكن مطروحاً ضمن خطط التطوير المعلنة، واصفاً ما يحدث حالياً بأنه عكس ما تم الترويج له تماماً، إذ كان الحديث يدور عن تحسين المرافق وتجميلها، لا عن محوها بالكامل، موضحاً أن «هدم أصل تراثي مسجل يُعد مخالفة صريحة للقانون».

كما يشير إلى أن المحطة كانت تحتضن أشجاراً قديمة أُدمجت في تصميم المبنى خلال أعمال تطوير سابقة عام 2008، على غرار ما يحدث في المدن الأوروبية، حيث تُحافظ المباني على الأشجار كجزء من المشهد العمراني، لكنها أُزيلت هي الأخرى، وهو ما يجعل المشهد أكثر إيلاماً».

وبيّن أن المطالبة الأساسية للنشطاء هي أن يتم مشروع تطوير الترام في إطار يوازن بين التحديث والحفاظ على التراث، بحيث لا يُجرف تاريخ الإسكندرية تحت شعار التطوير، فالمطلوب هو نموذج يدمج بين التقدم العمراني وصون الذاكرة الجمعية، ليبقى الترام ومعالمه جزءاً حياً من شخصية المدينة.

ويلفت المحامي السكندري إلى أن نزاعه القضائي لإلغاء مشروع تطوير الترام لا يزال منظورا أمام ساحات القضاء، مؤكداً أن «محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية أصدرت أمراً قضائياً باختصام رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري (التابع لوزارة الثقافة)، وإلزامه بتقديم مذكرة توضح طعونه واعتراضاته الفنية على القرار الخاص بالمشروع، وإلزامه بأن يكشف للمحكمة هل وافق فعلاً على هدم محطات الترام؟».

محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية (المحامي المصري محمد فتوح)

من ناحية أخرى، يؤكد النائب حسام حسن، عضو مجلس النواب المصري، الذي سبق أن قدم إحاطة برلمانية موجّهة إلى وزير النقل والمواصلات، بشأن وقف تشغيل ترام الرمل، لما أثاره من تساؤلات تتعلق بحماية المال العام والحفاظ على التراث، أن «أزمة الترام لا تتعلق بالإسكندرية وحدها، بل هي جزء من مشكلة أوسع تتمثل في طرح مشروعات التطوير دون مشاركة مجتمعية حقيقية أو مراعاة للبعد الشعوري للمواطنين أو حتى في تسويق مشروعات التطوير».

وأضاف حسن، لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب هذه المشاركة يجعل الأفراد يشعرون بأن هويتهم تُنتزع منهم، مشيراً إلى أن «مواطني الإسكندرية يرون في الترام جزءاً من شخصيتهم وهويتهم، وأن فقدان هذا المعلم التاريخي يُفسَّر على أنه انتزاع لجزء من ذاكرة المدينة»، موضحاً أن «المصريين بطبيعتهم مرتبطون بالتراث والهوية البصرية، لكن غياب الاعتبار لهذه القيم في مشروعات التطوير يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن على أرض الواقع»، على حد تعبيره.

ويلفت إلى أن القيادة السياسية تتحدث عن أهمية الهوية البصرية، لكن التنفيذ على الأرض لا يراعي هذه الاعتبارات، وهو ما يفسر حالة الغضب الشعبي من هدم معالم تاريخية مثل محطة ترام بولكلي، مؤكداً أن الشعب المصري مرتبط بأرضه وتاريخه، وأي مشروع لا يضع هذا الارتباط في الاعتبار يظل مهدداً بفقدان ثقة الناس فيه.

كان المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري قد أوضح في بيان خلال فبراير (شباط) الماضي، عدم صحة ما تردد حول إزالة ترام الرمل بشكل نهائي، لافتاً إلى «تأكيد وزارة النقل أن ما يجري هو تنفيذ أعمال إعادة تأهيل وتطوير للمشروع».

وبدورها، شددت محافظة الإسكندرية على أن مشروع تطوير «ترام الرمل» لا يستهدف إلغاءه بأي حال، وإنما يهدف إلى الحفاظ عليه وتطويره ليواكب متطلبات النقل الحديث، مع تحقيق أعلى معايير السلامة والكفاءة البيئية، مؤكدةً أن جميع الدراسات والإجراءات التنفيذية تمت وتتم وفق أسس علمية وفنية دقيقة، وبمشاركة جهات استشارية دولية ووطنية متخصصة.

Your Premium trial has ended


اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
TT

اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)

كشفت أعمال التنقيب في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، عن أدلة جديدة توثِّق عمق الروابط التجارية والحضارية، التي شهدها واحد من أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر، حيث أدى دوراً محورياً في التجارة والحج والملاحة بين اليمن ومكة المكرمة وشرق آسيا وأفريقيا، مُسجِّلاً ذروة ازدهاره الحضاري خلال القرنين الرابع والخامس الهجريَّين.

وأعلنت هيئة التراث، الثلاثاء، نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025م للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، ضمن جهودها لتوثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية، وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ التاريخية الإسلامية على ساحل البحر الأحمر.

ومن أبرز المكتشفات المُوثَّقة، جزء من جرة خزفية صينية تعود إلى عصر سونغ الشمالية (960 - 1127م)، تتميَّز بوجود بقايا ختم زخرفي يحمل رموزاً كتابية صينية متضررة وغير مقروءة، وتعدُّ شاهداً أثرياً على الاتصال التجاري بين جنوب الصين وسواحل البحر الأحمر خلال العصر الإسلامي.

شهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه والمباخر الفخارية والأدوات الحجرية (هيئة التراث)

وأظهرت أعمال الموسم الرابع من أعمال التنقيب في «موقع السرين»، عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب بالموقع، شملت توثيق وحدات سكنية وخدمية وتخزينية، ومواقد فخارية تعكس أنشطة الحياة المعيشية، إلى جانب الكشف عن سور يحيط بالموقع ويمتد في الجهات الجنوبية والشمالية والغربية، بما أتاح قراءة أوضح لتنظيم الموقع وحدوده العمرانية.

وأسفرت أعمال التنقيب ضمن السياق المعماري، عن بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية من الموقع، ولا تزال أعمال التنقيب والدراسة مستمرة فيه، مع توقُّع امتداد العمل إلى الموسم المقبل نظراً لأهميته في فهم البنية الدينية والتنظيم الحضري لمدينة السرين.

وشهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه، والمباخر الفخارية، والأدوات الحجرية، وخرز العقيق، والزجاج، إلى جانب مواد عضوية عبارة عن أصداف وعظام حيوانية، بما يعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية والمعيشية لسكان الموقع.

وتستمر أعمال التنقيب والدراسة في «موقع السرين» الأثري خلال المواسم المقبلة؛ حسبما أكدت هيئة التراث؛ وذلك بهدف بناء تصور علمي متكامل لتاريخ الاستيطان، والتطور العمراني، وإبراز القيمة الحضارية للموقع بوصفه أحد أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر.

التنقيب يأتي ضمن جهود توثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ (هيئة التراث)

عمق تاريخي لأكثر من ألفَي عام

توجد مدينة السِّرّين في محافظة الليث، الواقعة على بُعد 250 كيلومتراً، جنوب مكة المكرمة، وتحديداً في السهل الفيضي لوادي «حَلية» الشهير، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة الشامية» عند مصب الوادي في البحر، ويقع في جنوبها مصب «وادي عِلْيَب»، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة اليمانية».

وتعود تسمية المدينة الأثرية بهذا الاسم نسبة إلى هذين الواديين، إذ يُعدُّ «حلية» و«عليب» من أشهر وأخصب أودية مكة المكرمة، في حين يُعدُّ ميناء المدينة، الذي تعود نشأته إلى فترة ما قبل الإسلام، جزءاً رئيسياً من تفاصيل المدينة التي كانت أحد المواقع الحيوية والاقتصادية التي نهضت بحركة اقتصادية ونشاط اجتماعي لافت، خلال الفترة من القرن الثالث الهجري حتى القرن الثامن الهجري.

وشهد الموقع نشاطاً حضرياً وتجارياً منذ القرن الثالث الهجري، وأسهم في ربط شبكات التجارة البحرية بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وموانئ العالم الإسلامي، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند مصب وادٍ موسمي وفَّر بيئةً طبيعيةً ملائمةً للاستيطان البشري.

أظهرت أعمال التنقيب عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب (هيئة التراث)

وفي أكتوبر 2024، وقَّعت هيئة التراث السعودية، في مقرِّ وزارة الثقافة والسياحة الصينية، برنامجاً تنفيذياً مع الهيئة الوطنية للتراث الثقافي الصيني؛ لتجديد الترخيص لأعمال التنقيب في الموقع الأثري، بوصفه واحداً من المواقع التاريخية المهمة في السعودية، والذي يُعتقد أنه يحتوي على آثار تعود لحضارات قديمة استوطنت المنطقة.

وتُعدُّ مدينة السرين إحدى المحطات التاريخية على طريق الحرير البحري، وتحوَّلت من بلدة صغيرة، في نهاية القرن الثالث الهجري، إلى مدينة كبيرة ونشيطة تجارياً، تَعاقب على إمارتها عدد من الأمراء، وارتبط ميناؤها تاريخياً بالرحلات والبضائع المقبلة من الصين ودول آسيا إلى الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين.

وتضم مدينة السرين ميناءً للسفن، يحتوي آثاراً ونقوشاً تاريخية تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، إضافة إلى بقايا آثار استودعتها الحِقب الماضية تبرهن على حجم وقيمة تراثها الغنيّ، ومنها المباني القديمة، وكسر الأحجار الحمراء، والأحجار البحرية، التي كانت تُستخدَم في تشييد المباني، وكسر فخارية وخزفية وزجاجية، وأكوام من الآجُر والحجر، كما تحتفظ شواهد مقبرة المدينة بنقوش مميزة تستحق التعمُّق في دراستها.