«مكتبة منتصف الليل»... كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم

تمثلُ ملاذاً لمن يجدون أنفسهم عالقين بين الحياة والموت

مات هيغ
مات هيغ
TT

«مكتبة منتصف الليل»... كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم

مات هيغ
مات هيغ

هل هناك من علاقة بين العوالم المتوازية الممثلة بـ«قطة شرودنغر» والفن الروائي؟ لو تذكرنا أن ألوان النثر المعروفة تندرج في واحد من تصنيفين رئيسيين: الكتابة التخييلية (أي الكتابة الروائية بكل ألوانهاFiction) ()، والكتابة غير التخييلية (Non – Fiction)، فيبدو واضحاً شكل العلاقة بين الفن الروائي والعوالم المتعددة (المتوازية)؛ إذ إن الخيال في التحليل النهائي ليس سوى تخليق عالم موازٍ لعالمنا الحقيقي. يترتب على هذه الحقيقة نتيجة مؤثرة تكشف لنا خطل النظرة التي ترى وجود فارق جوهري بين طبيعة العلم والأدب، وقد بات كثيرون يرون فيهما رافدين ينبعان من مصدر واحد وينتهيان في مصب واحد، والرافد والمصب هنا كناية عن الخبرة البشرية الشغوفة والمتنامية إلى حدود لانهائية.
يقدم لنا الروائي والصحافي البريطاني مات هيغ (Matt Haig) في روايته الأخيرة «مكتبة منتصف الليل»The Midnight Library) المنشورة عام 2020 والمترجمة إلى العربية أوائل عام 2021) ما يرتقي لأن يكون ترحلاً بشرياً في عوالم موازية للوجود البشري الحقيقي، وبطريقة يمكن أن تكون ملاذاً خلاصياً لبعض البشر المأزومين في حياتهم. لا يبدو هذا الأمر غريباً على هيغ ذاته؛ فقد عانى منذ أوائل مراهقته وشبابه من اعتلالات نفسية شتى (قلق، ظواهر اكتئابية، نوبات ذعر) سبق له أن تناولها في أعماله السابقة، ومنها: «ملاحظات عن كوكب متوتر» (Notes On A Nervous Planet)، 2018 (مترجم إلى العربية)، و«كيف توقف الزمن» (How To Stop Time)، 2017 (مترجم إلى العربية)، و«أسباب للبقاء حياً» (Reasons To Stay Alive) 2015 (مترجم إلى العربية)، فضلاً عن أعمال روائية وغير روائية عديدة أخرى بعضها يخصصه هيغ للأطفال.
تبدأ رواية «مكتبة منتصف الليل» مع نورا التي ترغب في وضع حد لحياتها بعد أن فقدت كل دافع للحياة وترسخ شعورها بعدم رغبة أي أحد في إدامة علاقة إنسانية معها. الحياة بالنسبة لنورا صارت عبئاً مملاً يبعث على الجنون، ولم تعد ترغب في المزيد من مضادات الاكتئاب.
تجد نورا نفسها في أحد الصباحات وسط مكتبة متخيلة لانهائية بدلاً من أن تكون في الجنة أو الجحيم، والمكتبة هنا تقوم في الحد الرقيق الفاصل بين الحياة والموت، وتمثلُ ملاذاً لهؤلاء الذين يجدون أنفسهم عالقين بين الحياة والموت، ولا يعرفون تماماً في أي اتجاه يمضون. ليس صعباً على القارئ أن يحدس نوعاً من التماثل بين المكتبة هذه ومطهر دانتي.
المكتبة ضخمة إلى حدود لانهائية، وليس فيها سوى رفوف ممتدة من الكتب والسيدة إيلم التي كانت تعمل مسؤولة عن إدارة مكتبة المدرسة التي واظبت نورا على الدوام فيها. تخبر السيدة إيلم، نورا، أن كل حياة بشرية إنما هي بضعة ملايين من القرارات التي يتخذها صاحبها، وأن بعض تلك القرارات قد تكون كبيرة في مفاعيلها المؤثرة في حياة صاحبها، وبعضها تكون قليلة التأثير؛ لكن جميعها تنتجُ تأثيرات لا يمكن عكس تأثيراتها لاحقاً، ويقود كل تأثير إلى سلسلة لا نهائية من التأثيرات اللاحقة التي لا سبيل لنا لمعرفتها جميعاً (سواء ما يخصنا منها أو ما يختص بأناسٍ سوانا)، وليست الكتب سوى مداخل تتيحُ لنا فرصة رؤية حيواتٍ بشرية أخرى كان يمكنُ لنا أن نعيشها لو اتخذنا قرارات مختلفة عما فعلنا. الكتب بهذا المفهوم هي عوالم موازية لحيواتنا البشرية الحقيقية.
مثلما أن هذه المكتبة هي موئلٌ لرصد الاحتمالات الممكنة التي يمكن لحياة المرء أن تتخذها؛ فهي في الوقت ذاته مكان يستطيع فيه المرء إبداء الأسف والندم على أنماط حياة لم يختبرها؛ لكن ما يقدمُ بعض السلوى والعزاء له هو اختبار تلك الاحتمالات ورؤيتها متحققة في كتاب يمثل تجربة عيش لكائن حي آخر في هذا الكوكب. المكتبة إذن بهذا الوصف (أو الكتب في العموم) هي وسيلة الإنسان في الترحل عبر عوالم عديدة بكيفية تقديم عزاء للشخص المكتئب أو المسكون بالخيبة والخسران. المقاربة العلاجية هنا واضحة: إذا لم تعش أنت تجربة في هذا العالم؛ فثمة واحد على الأقل عاشها، وهو يُبدي قدراً غير قليل من الكرم عندما يقدم لك خبرته. الكتابة فعلٌ ينم عن كرم وأريحية ورغبة في فتح آفاق جديدة أمام الكائن البشري.
تمتاز رواية «مكتبة منتصف الليل» بخصيصتين مميزتين: الأولى أنها تنتمي لفئة الرواية المعرفية/ النفسية التي صارت صنفاً رائداً في رواية القرن العشرين. أما الخصيصة الثانية فهي اعتماد الروائي حبكة خطية من غير التواءات جانبية أو مسالك التفافية تسعى لملاعبة الزمان والمكان والعوالم الحقيقية أو المتخيلة. كتب بعض النقاد الروائيين والمعلقين الأدبيين أن هذه الرواية تشابه حكايات الجنيات؛ لكنهم اتفقوا أن هذه الحبكة الخطية المباشرة والثراء الحكائي إنما يضيفُ قيمة للرواية ويعلي شأن الخبرات التي أراد الكاتب نقلها إلى القارئ.
تقدم الرواية خبرة كبرى للقارئ، وإذا ما كان القارئ على دراية معقولة بالعلم والفلسفة ومبحث الاضطرابات النفسية فستتعاظم مستويات شغفه بالرواية. لندقق - مثلاً - في هذا المقطع الذي تتأمل فيه نورا في وضعها المعرفي وحالتها الذهنية:
كانت نورا قد قرأت بشأن العوالم المتعددة، وعلمت بعض الشيء القليل عن علم نفس الجشتالت (Gestalt)، وعن الكيفية التي تستطيع بها الأدمغة البشرية التعامل مع المعلومات المعقدة بشأن العالم وتحويلها إلى منتج نهائي بسيط؛ لذا عندما ينظر كائن بشري نحو شجرة فإنه يترجم هذه الرؤية إلى كتلة معقدة من الأوراق والأغصان ويحولها إلى شيء يدعوه «شجرة». أن تكون إنساناً يعني أن تعمل بطريقة حثيثة لا انقطاع فيها على تحويل العالم إلى حكاية مفهومة قادرة على إبقاء كل شيء بسيطاً.
يقودنا هيغ في هذه الرواية عبر مسارات كئيبة أو حزينة؛ لكنها تبقى مكتنفة بالتفاؤل الفلسفي والإمكانات المنطقية التي تتيحها العوالم المتعددة. هذه الرواية هي مجموع حكايات مأساوية؛ لكنها تظل مآسي يمكن تمثلها والعبور عليها نحو إمكانيات لا نهائية غير مختبرة بعدُ. ثمة في الرواية حزن وشعور باللاجدوى، وهذه بعض صور الشعور الذي يختبره الإنسان في حياته؛ لكن في مقابل هذا الحزن يوجد الكثير من جلسات التأمل الرقيق، والمفاعيل المؤذية الناجمة عن الشهرة، ووجوب احترام كرامة الحياة البشرية لكل فرد مهما صغر موقعه في سلم التراتبيات المجتمعية، وثمة أيضاً الكثير من المقتبسات الفلسفية (درست نورا الفلسفة في المدرسة)، ويوجد الكثير من التفكر الهادئ حول الأهمية الفلسفية لإضفاء معنى على حياتنا، وهنا نلمح هذه الخبرة المكثفة التي يقدمها لنا الروائي (وهي الخلاصة العميقة للرواية): ليس مهماً أن يتخذ شعورنا بالمعنى نمطاً متجسداً أمامنا؛ بل يكفي فقط أن نفهم ونقتنع في دواخلنا أن كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم لنا أو لسوانا.



ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)

أمام زحام أحد محال بيع التسالي (المَقلة)، بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، وفي حين تتراص أجولة الترمس الحلو والمُر بكثرة، وتتطاير روائح تحميص الفول السوداني من آلاته، وقفت المصرية زينب عبد الله تنتقي حبوبها وبعض القطع من الشوكولاته وأصناف الحلوى، المعروضة بكميات كبيرة أمام المحل.

وقالت الستينية، في حين يزن البائع لها 3 أكياس بلاستيكية، قامت بتعبئتها بالحبوب والحلوى: «العيد يعني البسكويت والكعك، وبجواره طبق العيد المكوّن من الترمس والسوداني والحلوى، فلا يوجد بيت مصري يخلو من هذه التسالي، فهي التي تُكمل فرحة العيد ولمّة العائلات».

وبينما يخبرها البائع أن سعر الكيس الواحد بقيمة 500 جنيه (الدولار يساوي 52.29 جنيه مصري)، أضافت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا العام الأسعار مرتفعة مقارنة بالأعوام الماضية، ولكن لا بد من شراء التسالي والحلوى، فهي عادة موسمية، أقوم بتوصيلها لبناتي المتزوجات وأطفالهن قبل العيد لإدخال الفرحة عليهن، لكن الأسعار المرتفعة حوَّلت فرحة استقبال العيد إلى عبء اقتصادي إضافي».

الفول السوداني شهد ارتفاعاً في أسعاره قبل حلول عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ويحتفل المصريون بعيد الفطر مثل غيرهم من الشعوب بعدد من التقاليد والعادات المتوارثة منذ عقود طويلة، ولعل من أهم مفرداتها بعد البسكويت والكعك تقديم ضيافة العيد عبر أطباق المسليات، التي تضم الترمس والحمص والفول السوداني، وأصناف الحلوى التقليدية، من قطع الشوكولاته والملبس والبنبون والنوغا والملبن والطوفي المحشو بالكريمة والشوكولاته وجوز الهند، والتي لا تكتمل مائدة العيد إلا بها.

وينتشر بيع تلك الأصناف قبل حلول العيد في العديد من المحال والأسواق، سواء المتخصصة في بيع الحلوى الشرقية والغربية، أو المتخصصة في بيع التسالي والمحمصات، وكذلك متاجر البقالة والمراكز التجارية، والتي تجد جميعها زحاماً للشراء.

وبعد أن رحلت الأم زينب بأكياسها، أخبرنا البائع محمد ربيع، أن سعر كيلو الفول السوداني هذا العام بين 100 و150 جنيهاً، وكيلو الحمص بين 60 و120 جنيهاً حسب الحجم، والترمس المُر 50 جنيهاً، والترمس الحلو 70 جنيهاً، أما أصناف الشوكولاته فتبدأ من 160 جنيهاً للكيلو.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «رغم ارتفاع الأسعار فإن معدلات الإقبال كبيرة مثل كل عام في هذا التوقيت، لكن الاختلاف أن كثيراً من الزبائن اتجهوا إلى تقليل الكميات، والشراء بالغرام وليس بالكيلو كما هو معتاد، حتى لا يحملوا أنفسهم عبئاً مادياً إضافياً».

ارتفاع أسعار تسالي العيد في مصر (الشرق الأوسط)

وحول أسباب ارتفاع الأسعار بأسواق «تسالي العيد»، يوضح محمد عرفة العطار، عضو شعبة العطارة بالغرفة التجارية بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حزمة من العوامل الاقتصادية تضافرت لتؤدي لهذه الزيادة، يأتي على رأسها تذبذب سعر الصرف الذي ألقى بظلاله على تكلفة السلع المستوردة، كما لا يمكننا إغفال تأثير التوتر الإقليمي والحرب على إيران على اضطراب حركة النقل الدولية ورفع أسعار النفط عالمياً».

ويستطرد: «أما محلياً، فقد تأثرت حركة النقل مع ارتفاع أسعار الغاز والسولار، ما رفع تكلفة الشحن الداخلي إلى الأسواق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سعر البيع النهائي للمستهلك».

ورفعت الحكومة المصرية، الثلاثاء، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرةً إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي».

ورغم ذلك، يشير عضو شعبة العطارة إلى أنه على عكس التوقعات التي قد تُشير إلى تراجع القوة الشرائية، لاحظنا أن معدلات الاستهلاك هذا العام مرتفعة مقارنة بالسنة الماضية، فالمواطن المصري متمسك بطقوسه الاحتفالية مهما كانت الظروف، مبيناً أن تسالي العيد التقليدية تجد إقبالاً وبقوة، وتحتفظ بمكانتها على مائدة العيد، والسر هنا يكمن في تفاوت الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع المصري، وذلك رغم المنافسة من المنتجات الجاهزة، مثل المكسرات والمُقرمشات التي فرضت نفسها، وأصبحت لها شريحة واسعة من المستهلكين.

الحلوى الملونة تزين واجهات المتاجر المصرية وأرففها في عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ومع بدء العد التنازلي لاستقبال عيد الفطر، تُضيء أوراق الحلوى الملونة واجهات المتاجر وأرففها، ما يبعث على البهجة، إلا أن الأسعار المرتفعة هذا العام انتقصت من هذه الصورة.

داخل أحد متاجر بيع الحلوى والبونبون بالقاهرة، وقف الأربعيني ياسر محمد، الذي يعمل موظفاً إدارياً في إحدى شركات الأدوية، حائراً ومتجولاً بعينيه بين أصناف الشوكولاته المعروضة، في حين يشير طفلاه إلى الأنواع المحببة لهما، والتي يرغبان في شرائها.

ويفسر محمد سبب حيرته، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أقل سعر 200 جنيه للكيلو، وهو سعر مرتفع للغاية. حضرت للبحث عن أنواع اقتصادية، ولكنها لم تعجب أطفالي؛ لذا سأقتصر على شراء كمية قليلة ترضية لهما، والاكتفاء بها مع كعك العيد الذي أعدته زوجتي في المنزل؛ حيث أحاول توفيق الميزانية بشراء كميات أقل».

أصناف الحلوى وتسالي العيد تنتشر في العديد من المحال والأسواق (الشرق الأوسط)

في حين يشير صاحب المتجر، محمود مصطفى، إلى أن الإقبال كبير رغم ارتفاع أسعار المنتجات، لأن الناس تعدّ التسالي ركناً أساسياً على مائدة العيد، فهي «تفتح النفس وتكمل الفرحة»، كما أنها مناسبة للزيارات والهدايا.

ويُضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الغالبية تميل إلى أنواع الحلوى الشعبية، أو الكاندي الملون بنكهاته المختلفة، الذي يجذب الأطفال وسعره مناسب، وأمام ارتفاع الأسعار حاولنا عرض أكبر تشكيلة من الأنواع المختلفة المستوردة والمحلية، بما يناسب كل الميزانيات، ويلبي كل الرغبات».

Your Premium trial has ended


رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)
TT

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

في لحظة غير متوقعة، تحوّل مطعم «الهوّت بوت» إلى مسرح مليء بالضحك والدهشة، عندما بدأ روبوت الخدمة في الرقص والتحرك من تلقاء نفسه.

تفاجأ الموظفون، وتجمّع الزبائن وهم يضحكون ويصورون المشهد، بينما يحاول البعض تهدئة الوضع دون جدوى.

وأوضح أحد مستخدمي الإنترنت أن الروبوت خرج عن السيطرة، ورفض التوقف عن الرقص، ما خلق جواً كوميدياً حياً داخل المطعم.

ويبدو أن هذا الموقف، رغم فوضويته، يسلّط الضوء على الجانب الطريف وغير المتوقع للتكنولوجيا في حياتنا اليومية، ليذكّرنا بأن الروبوتات، رغم ذكائها، قد تضفي لمسات من الفكاهة والدهشة على روتيننا المعتاد، وتحوّل لحظات عادية إلى ذكرى لا تُنسى.


جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة

جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة
TT

جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة

جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة

أثار جهاز مبتكر لتدريب الغربان في السويد على جمع النفايات الحضرية اهتماماً واسعاً بعد انتشار مقاطع فيديو توثق أداء الطيور الذكية لمهام غير مألوفة في الشوارع والحدائق، ليُعيد النقاش حول حلول مبتكرة لمشكلات النفايات الحضرية. وفقاً لموقع «إنترناشونال بيزنس تايمز».

ابتكرت شركة ناشئة سويدية هذا النظام، الذي يكافئ الغربان بالطعام مقابل جمع النفايات، وخصوصاً أعقاب السجائر التي تشكل غالبية القمامة في الشوارع. إلا أن التحقيقات الأخيرة كشفت أن المشروع التجريبي لم يترقَ إلى مرحلة التشغيل الكامل، رغم الضجة الإعلامية التي صاحبت ظهوره على منصات التواصل الاجتماعي.

شراكة ذكية بين الطبيعة والتكنولوجيا

يعتمد الجهاز على مبدأ بسيط وفعال: تتعلم الغربان جمع قطع صغيرة من القمامة ووضعها في فتحة مخصصة، وعند التحقق من صحة العنصر بواسطة أجهزة استشعار وكاميرات متطورة، يحصل الطائر على مكافأة غذائية صغيرة. هذه العملية تخلق حلقة تعزيز إيجابية تشجع الطيور على تكرار المهمة، ما يفتح المجال أمام تعاون طبيعي بين الإنسان والطبيعة بشكل مبتكر.

ويُبرز النظام قدرة الغربان على التعلم الاجتماعي، إذ تتقن بعض الطيور العملية أولاً، بينما تتعلم الأخرى بالملاحظة، ما يسمح بانتشار المهارة بسرعة داخل القطيع. ويؤكد المصممون أن الطيور برية وتشارك طواعية، دون أي إجبار، مع سرعة تعلم ملحوظة وقدرتها على تمييز النفايات المستهدفة بدقة.

ذكاء الطيور كحل بيئي

أشار المؤيدون إلى أن الغربان تمتلك مهارات حل المشكلات التي تعادل ذكاء طفل صغير، مما يجعلها مؤهلة لأداء أدوار بيئية مفيدة. وهدف هذه المبادرة تخفيف العبء على عمال النظافة في البلديات وتقديم حل مبتكر لمشكلة القمامة المستمرة، بأسلوب يعكس احترام الطبيعة وذكاء الكائنات الحية.

تم الكشف عن المشروع في مدينة سودرتاليا قرب ستوكهولم خلال أسبوع العلوم لعام 2022، حيث قدم مؤسس شركة «Corvid Cleaning»، كريستيان غونتر هانسن، النموذج الأولي كبديل اقتصادي لمعالجة النفايات. وتقدر ميزانية تنظيف الشوارع في السويد بنحو 20 مليون كرونة سنوياً، ما يعادل 1.8 مليون دولار، مع كون أعقاب السجائر تشكل نحو 62 في المائة من إجمالي النفايات.

ورغم الطموح، أعلنت الشركة إفلاسها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد تسجيل إيرادات متواضعة وفقدان جميع موظفيها، لتتضح الحقيقة بأن استخدام الجهاز على نطاق واسع كان مبالغاً فيه، وأن الانتشار الإعلامي جاء نتيجة سوء فهم لتغطية المشروع التجريبي.

تجربة تلهم المستقبل

مع استمرار تداول مقاطع الفيديو الفيروسية في عام 2026، يبرز مشروع الغربان السويدية كرمز للإبداع وابتكار حلول مستدامة، رغم توقف الشركة. ويطرح السؤال الكبير حول إمكان تحويل هذه التجارب الصغيرة إلى مبادرات عملية قابلة للتطبيق على نطاق واسع، مع مراعاة صحة الطيور وحماية البيئة.

يبقى الجهاز الذكي الذي يدرّب الغربان على جمع النفايات الحضرية فكرة ملهمة، تجمع بين الذكاء الطبيعي والابتكار التكنولوجي، لتذكرنا بأن الطبيعة قد تكون أحياناً الشريك الأمثل للبشر في مواجهة التحديات الحضرية.