«مكتبة منتصف الليل»... كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم

تمثلُ ملاذاً لمن يجدون أنفسهم عالقين بين الحياة والموت

مات هيغ
مات هيغ
TT

«مكتبة منتصف الليل»... كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم

مات هيغ
مات هيغ

هل هناك من علاقة بين العوالم المتوازية الممثلة بـ«قطة شرودنغر» والفن الروائي؟ لو تذكرنا أن ألوان النثر المعروفة تندرج في واحد من تصنيفين رئيسيين: الكتابة التخييلية (أي الكتابة الروائية بكل ألوانهاFiction) ()، والكتابة غير التخييلية (Non – Fiction)، فيبدو واضحاً شكل العلاقة بين الفن الروائي والعوالم المتعددة (المتوازية)؛ إذ إن الخيال في التحليل النهائي ليس سوى تخليق عالم موازٍ لعالمنا الحقيقي. يترتب على هذه الحقيقة نتيجة مؤثرة تكشف لنا خطل النظرة التي ترى وجود فارق جوهري بين طبيعة العلم والأدب، وقد بات كثيرون يرون فيهما رافدين ينبعان من مصدر واحد وينتهيان في مصب واحد، والرافد والمصب هنا كناية عن الخبرة البشرية الشغوفة والمتنامية إلى حدود لانهائية.
يقدم لنا الروائي والصحافي البريطاني مات هيغ (Matt Haig) في روايته الأخيرة «مكتبة منتصف الليل»The Midnight Library) المنشورة عام 2020 والمترجمة إلى العربية أوائل عام 2021) ما يرتقي لأن يكون ترحلاً بشرياً في عوالم موازية للوجود البشري الحقيقي، وبطريقة يمكن أن تكون ملاذاً خلاصياً لبعض البشر المأزومين في حياتهم. لا يبدو هذا الأمر غريباً على هيغ ذاته؛ فقد عانى منذ أوائل مراهقته وشبابه من اعتلالات نفسية شتى (قلق، ظواهر اكتئابية، نوبات ذعر) سبق له أن تناولها في أعماله السابقة، ومنها: «ملاحظات عن كوكب متوتر» (Notes On A Nervous Planet)، 2018 (مترجم إلى العربية)، و«كيف توقف الزمن» (How To Stop Time)، 2017 (مترجم إلى العربية)، و«أسباب للبقاء حياً» (Reasons To Stay Alive) 2015 (مترجم إلى العربية)، فضلاً عن أعمال روائية وغير روائية عديدة أخرى بعضها يخصصه هيغ للأطفال.
تبدأ رواية «مكتبة منتصف الليل» مع نورا التي ترغب في وضع حد لحياتها بعد أن فقدت كل دافع للحياة وترسخ شعورها بعدم رغبة أي أحد في إدامة علاقة إنسانية معها. الحياة بالنسبة لنورا صارت عبئاً مملاً يبعث على الجنون، ولم تعد ترغب في المزيد من مضادات الاكتئاب.
تجد نورا نفسها في أحد الصباحات وسط مكتبة متخيلة لانهائية بدلاً من أن تكون في الجنة أو الجحيم، والمكتبة هنا تقوم في الحد الرقيق الفاصل بين الحياة والموت، وتمثلُ ملاذاً لهؤلاء الذين يجدون أنفسهم عالقين بين الحياة والموت، ولا يعرفون تماماً في أي اتجاه يمضون. ليس صعباً على القارئ أن يحدس نوعاً من التماثل بين المكتبة هذه ومطهر دانتي.
المكتبة ضخمة إلى حدود لانهائية، وليس فيها سوى رفوف ممتدة من الكتب والسيدة إيلم التي كانت تعمل مسؤولة عن إدارة مكتبة المدرسة التي واظبت نورا على الدوام فيها. تخبر السيدة إيلم، نورا، أن كل حياة بشرية إنما هي بضعة ملايين من القرارات التي يتخذها صاحبها، وأن بعض تلك القرارات قد تكون كبيرة في مفاعيلها المؤثرة في حياة صاحبها، وبعضها تكون قليلة التأثير؛ لكن جميعها تنتجُ تأثيرات لا يمكن عكس تأثيراتها لاحقاً، ويقود كل تأثير إلى سلسلة لا نهائية من التأثيرات اللاحقة التي لا سبيل لنا لمعرفتها جميعاً (سواء ما يخصنا منها أو ما يختص بأناسٍ سوانا)، وليست الكتب سوى مداخل تتيحُ لنا فرصة رؤية حيواتٍ بشرية أخرى كان يمكنُ لنا أن نعيشها لو اتخذنا قرارات مختلفة عما فعلنا. الكتب بهذا المفهوم هي عوالم موازية لحيواتنا البشرية الحقيقية.
مثلما أن هذه المكتبة هي موئلٌ لرصد الاحتمالات الممكنة التي يمكن لحياة المرء أن تتخذها؛ فهي في الوقت ذاته مكان يستطيع فيه المرء إبداء الأسف والندم على أنماط حياة لم يختبرها؛ لكن ما يقدمُ بعض السلوى والعزاء له هو اختبار تلك الاحتمالات ورؤيتها متحققة في كتاب يمثل تجربة عيش لكائن حي آخر في هذا الكوكب. المكتبة إذن بهذا الوصف (أو الكتب في العموم) هي وسيلة الإنسان في الترحل عبر عوالم عديدة بكيفية تقديم عزاء للشخص المكتئب أو المسكون بالخيبة والخسران. المقاربة العلاجية هنا واضحة: إذا لم تعش أنت تجربة في هذا العالم؛ فثمة واحد على الأقل عاشها، وهو يُبدي قدراً غير قليل من الكرم عندما يقدم لك خبرته. الكتابة فعلٌ ينم عن كرم وأريحية ورغبة في فتح آفاق جديدة أمام الكائن البشري.
تمتاز رواية «مكتبة منتصف الليل» بخصيصتين مميزتين: الأولى أنها تنتمي لفئة الرواية المعرفية/ النفسية التي صارت صنفاً رائداً في رواية القرن العشرين. أما الخصيصة الثانية فهي اعتماد الروائي حبكة خطية من غير التواءات جانبية أو مسالك التفافية تسعى لملاعبة الزمان والمكان والعوالم الحقيقية أو المتخيلة. كتب بعض النقاد الروائيين والمعلقين الأدبيين أن هذه الرواية تشابه حكايات الجنيات؛ لكنهم اتفقوا أن هذه الحبكة الخطية المباشرة والثراء الحكائي إنما يضيفُ قيمة للرواية ويعلي شأن الخبرات التي أراد الكاتب نقلها إلى القارئ.
تقدم الرواية خبرة كبرى للقارئ، وإذا ما كان القارئ على دراية معقولة بالعلم والفلسفة ومبحث الاضطرابات النفسية فستتعاظم مستويات شغفه بالرواية. لندقق - مثلاً - في هذا المقطع الذي تتأمل فيه نورا في وضعها المعرفي وحالتها الذهنية:
كانت نورا قد قرأت بشأن العوالم المتعددة، وعلمت بعض الشيء القليل عن علم نفس الجشتالت (Gestalt)، وعن الكيفية التي تستطيع بها الأدمغة البشرية التعامل مع المعلومات المعقدة بشأن العالم وتحويلها إلى منتج نهائي بسيط؛ لذا عندما ينظر كائن بشري نحو شجرة فإنه يترجم هذه الرؤية إلى كتلة معقدة من الأوراق والأغصان ويحولها إلى شيء يدعوه «شجرة». أن تكون إنساناً يعني أن تعمل بطريقة حثيثة لا انقطاع فيها على تحويل العالم إلى حكاية مفهومة قادرة على إبقاء كل شيء بسيطاً.
يقودنا هيغ في هذه الرواية عبر مسارات كئيبة أو حزينة؛ لكنها تبقى مكتنفة بالتفاؤل الفلسفي والإمكانات المنطقية التي تتيحها العوالم المتعددة. هذه الرواية هي مجموع حكايات مأساوية؛ لكنها تظل مآسي يمكن تمثلها والعبور عليها نحو إمكانيات لا نهائية غير مختبرة بعدُ. ثمة في الرواية حزن وشعور باللاجدوى، وهذه بعض صور الشعور الذي يختبره الإنسان في حياته؛ لكن في مقابل هذا الحزن يوجد الكثير من جلسات التأمل الرقيق، والمفاعيل المؤذية الناجمة عن الشهرة، ووجوب احترام كرامة الحياة البشرية لكل فرد مهما صغر موقعه في سلم التراتبيات المجتمعية، وثمة أيضاً الكثير من المقتبسات الفلسفية (درست نورا الفلسفة في المدرسة)، ويوجد الكثير من التفكر الهادئ حول الأهمية الفلسفية لإضفاء معنى على حياتنا، وهنا نلمح هذه الخبرة المكثفة التي يقدمها لنا الروائي (وهي الخلاصة العميقة للرواية): ليس مهماً أن يتخذ شعورنا بالمعنى نمطاً متجسداً أمامنا؛ بل يكفي فقط أن نفهم ونقتنع في دواخلنا أن كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم لنا أو لسوانا.



تقرير: خوليو إغليسياس يواجه اتهامات بالتحرش من امرأتين

المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)
المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)
TT

تقرير: خوليو إغليسياس يواجه اتهامات بالتحرش من امرأتين

المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)
المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)

كشفت تقارير إعلامية أن امرأتين وجّهتا اتهامات إلى النجم الإسباني خوليو إغليسياس بالاعتداء الجنسي عليهما خلال فترة عملهما موظفتين منزليتين في قصوره بمنطقة البحر الكاريبي، بحسب ما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وتزعم إحدى الموظفتين أنها أُجبرت على الدخول في علاقة مع المغني الإسباني، مشيرةً إلى تعرضها للصفع والاعتداء الجسدي واللفظي.

أما اختصاصية العلاج الطبيعي، التي عملت أيضاً لدى المغني، فقد ادعت أنها تعرضت للمس غير اللائق والإهانات خلال فترة عملها، في أجواء من السيطرة والمضايقات المستمرة.

ويواجه إغليسياس، أحد أحدث المشاهير المرتبطين بفضيحة «مي تو» (حراك اجتماعي عالمي يهدف إلى تسليط الضوء على انتشار الاعتداء والتحرش الجنسي، خاصة في بيئات العمل)، اتهامات بالاعتداء على الامرأتين عام 2021، عندما كانت إحداهما تبلغ من العمر 22 عاماً.

ويُزعم أن الاعتداءات وقعت في منزليه الكائنين في بونتا كانا بجمهورية الدومينيكان، وليفورد كاي في جزر البهاما.

ونُشرت هذه الادعاءات اليوم الثلاثاء عقب تحقيق مشترك أجرته صحيفة elDiario.es الإسبانية وقناة Univision التلفزيونية.

وتقول إحدى الضحايا المزعومات، التي تُدعى ريبيكا (اسم مستعار)، إن الفنان الإسباني، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 77 عاماً، كان يستدعيها إلى غرفته في نهاية كل ليلة.

وأضافت قائلة: «كان يستغلني كل ليلة تقريباً. شعرتُ وكأنني عبدة».

وأشارت إلى أن اللقاءات الجنسية المزعومة كانت تحدث في أغلب الأحيان بحضور أحد أفراد طاقم الخدم، الذي كان أعلى رتبةً منها.

وتزعم امرأة أخرى، تُدعى لورا (وهو اسم مستعار أيضاً)، أن إغليسياس قبّلها ولمسها رغماً عنها.

النجم الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)

وأفادت كل من elDiario.es وUnivision بأنهما حاولتا مراراً وتكراراً التواصل مع إغليسياس ومحاميه، لكنهما لم تتلقيا أي رد على استفساراتهما عبر البريد الإلكتروني أو الاتصالات الهاتفية أو الرسائل التي وُجهت إلى منزله.

كما حاولت الوسيلتان الإعلاميتان التواصل مع الشخص المسؤول عن إدارة المنزل الذي يُزعم وقوع الاعتداءات فيه، إلا أن المحاولات باءت بالفشل.

وفي المقابل، نفت المرأة التي عرّفتها ريبيكا بوصفها أول مشرفة لها في القصر الكائن في بونتا كانا هذه الادعاءات، ووصفتها بأنها «محض هراء».

وقالت الموظفة السابقة إنها لا تكنّ سوى الامتنان والإعجاب والاحترام لهذا الفنان، واصفةً إغليسياس بأنه «متواضع وكريم ورجل نبيل يحترم جميع النساء».

ويُذكر أن نجم إغليسياس سطع في المملكة المتحدة عندما حققت أغنيته Begin the Beguine نجاحاً باهراً، متصدرةً قوائم الأغاني البريطانية عام 1981.

وباع إغليسياس أكثر من 300 مليون أسطوانة حول العالم.


«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)

تستضيف محافظة العلا، يوميْ 22 و23 يناير (كانون الثاني) الحالي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، الذي تنظمه هيئة الموسيقى داخل التحفة المعمارية العالمية قاعة «مرايا»، تحت رعاية وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان. يأتي الحفل استمراراً للرحلة الإبداعية للأوركسترا والكورال الوطني السعودي في حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح المحلية والعالمية، وتمثل العُلا وجهة مهمة ومتقدمة على خريطة السياحة الثقافية الدولية. وحققت «الأوركسترا» سلسلة نجاحات في عدة عواصم ومدن عالمية، وسط إشادات واسعة وتفاعل جماهيري لافت، لتلتقي، اليوم، بجمهورها في واحدة من أهم مناطق البلاد ثقافياً.

حققت «الأوركسترا» سلسلة نجاحات في عدة عواصم ومدن عالمية (واس)

وتُعد العلا إحدى أبرز الوجهات الثقافية والسياحية عالمياً، بما تحمله من تاريخ ضارب في عمق الحضارة الإنسانية، وإرث ثقافي ممتد لقرون طويلة جعل منها مقصداً للسائح الدولي، وملتقى حضارياً يعكس ثراء الهوية الثقافية للسعودية. ويُشكِّل اختيار قاعة «مرايا» لاستضافة هذه التجربة الموسيقية حدثاً مميزاً، حيث تُمثِّل نموذجاً فريداً في العمارة المعاصرة، ومسرحاً يعكس التلاقي بين الفن والطبيعة، ويمنح العروض بُعداً بصرياً استثنائياً. وتسعى الهيئة، عبر هذه المحطة، إلى تعزيز حضور الموسيقى السعودية، وإبراز التنوع الثقافي والفني الذي تزخر به المملكة، ومنح الجمهور المحلي والدولي الموجود في العلا فرصة الاستمتاع بتجربة موسيقية تُجسد الهوية الوطنية، وتُسهم في إثراء المشهد الثقافي للبلاد.


فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
TT

فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)

يُسلّمك المخرج السوري أمير فخر الدين مفاتيح مشواره مع الغربة وقسوة المنفى خارج وطنه منذ اللقطة الأولى لفيلم «يونان». فيلمٌ كُتب بقلم مجروح، وأُخرج بعين دامعة، فتحوّل ولادةً جديدةً أشبه بعملية قيصرية شاقّة. أخرج فخر الدين أوجاعه وآلام انسلاخه عن أرضه في نصّ مكثّف وحوارات قصيرة ومختزلة، فطغى الصمت على حبكته السينمائية بوصفه لغة أساسية.

إنما هذا الصمت كسره أداء جورج خباز بقدراته التمثيلية الفذّة، فحمل شخصية «منير» المركّبة الآتية من الشتات وضياع الهوية، عبر تعابير وجهه ولغة جسده، وترجم مآسي المهاجر بهدوء مكثّف، مشحون بمشاعر مكبوتة لا تحتاج إلى كلمات.

من ناحية ثانية، تلاقيه الممثلة الألمانية هانا شيغولا بشخصية «فاليسكا» بأداء ناضج ومتّزن. فيما تنثر نضال الأشقر بحضورها المُتقن نفحات من نسمة الوطن الأم. وهكذا تكتمل دائرة شريط سينمائي إنساني، يرسّخ مكانة الشاشة الذهبية بوصفها مساحة للتأمل والوجع والصدق الفنّي بامتياز.

حصد فيلم «يونان» عدداً من الجوائز العربية والعالمية في فئات «أفضل ممثل» و«أفضل مخرج» و«أفضل ممثلة» ضمن مهرجانات سينمائية مرموقة، كان أحدثها «مهرجان هونغ كونغ السينمائي الدولي» و«مهرجان البحر الأحمر السينمائي». واليوم يحطّ في بيروت ليُعرض في صالاتها؛ بينها سينما «متروبوليس».

يحكي مخرج الفيلم أمير فخر الدين وجعه مع الغربة من خلال «يونان» (سينما متروبوليس)

استغرق تصوير الفيلم نحو 3 سنوات، اعتمد خلاله أمير فخر الدين على كاميرا إنسانية هادئة، بعيدة عن الصخب السردي، تحرّض المُشاهد على الغوص في أعماقه والدخول في حالة شاعرية وتأمّلية طويلة. قدَّم الغربة بإيقاع بطيء، تفترسها الوحدة والعزلة الداخلية، ويترجم ثقلهما بالصمت أكثر مما تفعل الكلمات.

يروي الفيلم قصة كاتب عربي يُدعى «منير»، هاجر إلى ألمانيا، منفصلاً عن أرضه وأمه وأخته. ومع تراكم خساراته وانكساراته، يفكّر في الانتحار، فيقصد جزيرة نائية لتنفيذ قراره. هناك، يتعرَّف إلى امرأة مسنّة تدير بيت ضيافة تُدعى «فاليسكا»، تعيش مع ابنها «كارل» (توم والشيها)، فتشكّل هذه العلاقة الإنسانية الهشّة مدخلاً لإعادة إشعال شغفه بالحياة تدريجياً.

وعلى امتداد نحو ساعتين، يعيش المتفرّج في حضن الطبيعة: طقس عاصف، وفيضانات، ورياح قوية، وأمواج بحر عالية، وسهول خضراء شاسعة، فتعكس حالات داخلية تعيشها الشخصيات. ويدور معظم المَشاهد في أجواء صامتة، يتّكئ عليها المخرج لترجمة ثقل الوحدة والغربة على صاحبهما، فيتحوَّل الصمت لغةً قائمة بذاتها. كما يستخدم شعر المتنبي في بداية الفيلم مُعبّراً عن مشاعره العميقة، فتحضر عبارة من إحدى قصائده:

أغالب فيك الشوق والشوق أغلبُ

وأعجبُ من ذا الوصلِ والهجرِ أعجبُ

أما السؤال الرئيسي الذي يطرحه فخر الدين بشأن معاني الهجرة، فيختصره بعبارة: «ماذا لو في هذا البُعد نسيَتك أمّك؟»، مشيراً إلى انسلاخه المرّ عن أمّه البيولوجية، وتلك التي تتمثّل في الأرض والوطن.

يطوي جورج خباز من خلال هذا الدور صفحة طويلة من الأدوار الدرامية والكوميدية التي برع فيها، لينقل المُشاهد إلى ضفّة تمثيلية مغايرة تماماً؛ ضفّة عنوانها العريض «الانسلاخ الإنساني» بكلّ معانيه. يرتقي خباز بأدائه إلى تخوم الصوفية؛ تنقطع أنفاسه فيتنفّس المُشاهد الصعداء بدلاً منه. تنهمر دموعه بهدوء طفل يبحث عن حضن أمّه. يرتشف كوب العصير مثل مَن يروي عطشاً امتدّ عقوداً، وتضيئه ابتسامة اشتاق إليها منذ دهور. حتى مشهد عراكه مع ابن صاحبة بيت الضيافة، الذي انتهى بخسارة تثير ضحكاته، يترجم علاقته الملتبسة بالفقد، كأنه يتلذّذ بإضافة خسارة جديدة إلى أرشيف أوجاعه المتراكمة.

يُجسّد جورج خباز شخصية كاتب عربي (فيسبوك)

يختصر الفيلم، بمَشاهده وأحداثه، معاناة الغربة، وبين الخيال والواقع، يحمل سرداً لذاكرة صامتة. فالجراح غير الملتئمة، والعزلة المفروضة، وأنين الشوق إلى الوطن، يُعبّر عنها المخرج بالسكوت، ممّا يفرز حالة إنسانية دائمة تحلّق في فضاء الفيلم لتبني المواجهة مع الزمن.

استخدم فخر الدين موهبة خباز على أنها مرآة صادقة لذاته، فمزجها بأوجاعه وأحلامه الكئيبة، ليُعبّر عن حالة البحث عن الهوية التي يخوضها، فجاء الفيلم انعكاساً لواقعه بوصفه شاباً سورياً من الجولان المحتلّ يعيش في برلين، بعيداً عن أرضه ووطنه وأمه، خائفاً من الترحال الدائم والرحيل المتكرر. وتبقى علامة استفهام كبرى يردّدها خباز بصوته في القسم الأخير من الفيلم: «ستُنسى... كأنك لم تكن حلماً جميلاً... كأن وجودك لم يكن إلا وهماً. ستُنسى... كأنك لم تكن».

في مَشاهد تجمع جورج خباز وهانا شيغولا، نلمس بوضوح توق المهاجر إلى دفء العائلة. وفي مواجهة وهمية مع والدته، التي تؤدّيها نضال الأشقر، تتكسّر مشاعر الوحدة ويتحوّل الكاتب «منير» إلى طفل يستعيد الأمل في الحياة. ويأتي أداء الأشقر مثل طوفان من المشاعر، يغمره بحنان الأم ودفئها، ليمنح الفيلم إحدى أعمق لحظاته الإنسانية صفاءً وتأثيراً.

في استعادة رمزية لأسطورة يونان (النبي يونس)، يناجي المخرج الله طلباً للرحمة والخلاص. فنرى الكاتب العربي، بطل الحكاية، واقفاً أمام حوت ضخم لفظته أمواج المحيط، في صورة بصرية كثيفة الدلالة، تدفعه إلى إعادة التأمُّل في شريط حياته بعيداً عن فكرة الموت والانتحار. هنا يتحوّل الحوت من رمز للهلاك إلى علامة خلاص وفرصة ولادة جديدة.

وإلى جانب الحالات الإنسانية العميقة التي يتناولها الفيلم، يُعرّج المخرج على أبعاد اجتماعية وسياسية، فيمرّر رسائل مبطّنة عن المجتمع الأوروبي ونظرته إلى النازح العربي؛ بين الشفقة والريبة، والاحتواء المشروط والعزلة المقنّعة.

وفي أحد أهم مَشاهد الفيلم، حيث تختلط مشاعر الهجرة بالحنين إلى الوطن، نُتابع جورج خبّاز يرقص مذبوحاً من الألم على إيقاع أغنية «حوّل يا غنّام» للراحلة نجاح سلام. مشهد يُذكّرنا برقصة أنطوني كوين في فيلم «زوربا»، فيتفوّق على نفسه، مُعبّراً عن وجع مكبوت يتحوّل تدريجياً إلى فعل تحرُّر. وينقلنا خباز بخطواته التعبيرية إلى مساحة من الفرج والرجاء، راسماً إحدى أجمل اللوحات الفنّية التي يتضمّنها الفيلم.

هي رحلة إنسانية عميقة؛ بسيطة في شكلها، غنية بفلسفة حياة قاسية، يُقدّمها فيلم «يونان»، ليغدو مرجعاً سينمائياً يُوثّق الغربة بحسّ مرهف ومقاربة روحية عالية، بعيداً عن السردية التقليدية، ومُحمَّلاً بأسئلة الوجود والهوية ومعنى الخلاص.