«مكتبة منتصف الليل»... كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم

تمثلُ ملاذاً لمن يجدون أنفسهم عالقين بين الحياة والموت

مات هيغ
مات هيغ
TT

«مكتبة منتصف الليل»... كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم

مات هيغ
مات هيغ

هل هناك من علاقة بين العوالم المتوازية الممثلة بـ«قطة شرودنغر» والفن الروائي؟ لو تذكرنا أن ألوان النثر المعروفة تندرج في واحد من تصنيفين رئيسيين: الكتابة التخييلية (أي الكتابة الروائية بكل ألوانهاFiction) ()، والكتابة غير التخييلية (Non – Fiction)، فيبدو واضحاً شكل العلاقة بين الفن الروائي والعوالم المتعددة (المتوازية)؛ إذ إن الخيال في التحليل النهائي ليس سوى تخليق عالم موازٍ لعالمنا الحقيقي. يترتب على هذه الحقيقة نتيجة مؤثرة تكشف لنا خطل النظرة التي ترى وجود فارق جوهري بين طبيعة العلم والأدب، وقد بات كثيرون يرون فيهما رافدين ينبعان من مصدر واحد وينتهيان في مصب واحد، والرافد والمصب هنا كناية عن الخبرة البشرية الشغوفة والمتنامية إلى حدود لانهائية.
يقدم لنا الروائي والصحافي البريطاني مات هيغ (Matt Haig) في روايته الأخيرة «مكتبة منتصف الليل»The Midnight Library) المنشورة عام 2020 والمترجمة إلى العربية أوائل عام 2021) ما يرتقي لأن يكون ترحلاً بشرياً في عوالم موازية للوجود البشري الحقيقي، وبطريقة يمكن أن تكون ملاذاً خلاصياً لبعض البشر المأزومين في حياتهم. لا يبدو هذا الأمر غريباً على هيغ ذاته؛ فقد عانى منذ أوائل مراهقته وشبابه من اعتلالات نفسية شتى (قلق، ظواهر اكتئابية، نوبات ذعر) سبق له أن تناولها في أعماله السابقة، ومنها: «ملاحظات عن كوكب متوتر» (Notes On A Nervous Planet)، 2018 (مترجم إلى العربية)، و«كيف توقف الزمن» (How To Stop Time)، 2017 (مترجم إلى العربية)، و«أسباب للبقاء حياً» (Reasons To Stay Alive) 2015 (مترجم إلى العربية)، فضلاً عن أعمال روائية وغير روائية عديدة أخرى بعضها يخصصه هيغ للأطفال.
تبدأ رواية «مكتبة منتصف الليل» مع نورا التي ترغب في وضع حد لحياتها بعد أن فقدت كل دافع للحياة وترسخ شعورها بعدم رغبة أي أحد في إدامة علاقة إنسانية معها. الحياة بالنسبة لنورا صارت عبئاً مملاً يبعث على الجنون، ولم تعد ترغب في المزيد من مضادات الاكتئاب.
تجد نورا نفسها في أحد الصباحات وسط مكتبة متخيلة لانهائية بدلاً من أن تكون في الجنة أو الجحيم، والمكتبة هنا تقوم في الحد الرقيق الفاصل بين الحياة والموت، وتمثلُ ملاذاً لهؤلاء الذين يجدون أنفسهم عالقين بين الحياة والموت، ولا يعرفون تماماً في أي اتجاه يمضون. ليس صعباً على القارئ أن يحدس نوعاً من التماثل بين المكتبة هذه ومطهر دانتي.
المكتبة ضخمة إلى حدود لانهائية، وليس فيها سوى رفوف ممتدة من الكتب والسيدة إيلم التي كانت تعمل مسؤولة عن إدارة مكتبة المدرسة التي واظبت نورا على الدوام فيها. تخبر السيدة إيلم، نورا، أن كل حياة بشرية إنما هي بضعة ملايين من القرارات التي يتخذها صاحبها، وأن بعض تلك القرارات قد تكون كبيرة في مفاعيلها المؤثرة في حياة صاحبها، وبعضها تكون قليلة التأثير؛ لكن جميعها تنتجُ تأثيرات لا يمكن عكس تأثيراتها لاحقاً، ويقود كل تأثير إلى سلسلة لا نهائية من التأثيرات اللاحقة التي لا سبيل لنا لمعرفتها جميعاً (سواء ما يخصنا منها أو ما يختص بأناسٍ سوانا)، وليست الكتب سوى مداخل تتيحُ لنا فرصة رؤية حيواتٍ بشرية أخرى كان يمكنُ لنا أن نعيشها لو اتخذنا قرارات مختلفة عما فعلنا. الكتب بهذا المفهوم هي عوالم موازية لحيواتنا البشرية الحقيقية.
مثلما أن هذه المكتبة هي موئلٌ لرصد الاحتمالات الممكنة التي يمكن لحياة المرء أن تتخذها؛ فهي في الوقت ذاته مكان يستطيع فيه المرء إبداء الأسف والندم على أنماط حياة لم يختبرها؛ لكن ما يقدمُ بعض السلوى والعزاء له هو اختبار تلك الاحتمالات ورؤيتها متحققة في كتاب يمثل تجربة عيش لكائن حي آخر في هذا الكوكب. المكتبة إذن بهذا الوصف (أو الكتب في العموم) هي وسيلة الإنسان في الترحل عبر عوالم عديدة بكيفية تقديم عزاء للشخص المكتئب أو المسكون بالخيبة والخسران. المقاربة العلاجية هنا واضحة: إذا لم تعش أنت تجربة في هذا العالم؛ فثمة واحد على الأقل عاشها، وهو يُبدي قدراً غير قليل من الكرم عندما يقدم لك خبرته. الكتابة فعلٌ ينم عن كرم وأريحية ورغبة في فتح آفاق جديدة أمام الكائن البشري.
تمتاز رواية «مكتبة منتصف الليل» بخصيصتين مميزتين: الأولى أنها تنتمي لفئة الرواية المعرفية/ النفسية التي صارت صنفاً رائداً في رواية القرن العشرين. أما الخصيصة الثانية فهي اعتماد الروائي حبكة خطية من غير التواءات جانبية أو مسالك التفافية تسعى لملاعبة الزمان والمكان والعوالم الحقيقية أو المتخيلة. كتب بعض النقاد الروائيين والمعلقين الأدبيين أن هذه الرواية تشابه حكايات الجنيات؛ لكنهم اتفقوا أن هذه الحبكة الخطية المباشرة والثراء الحكائي إنما يضيفُ قيمة للرواية ويعلي شأن الخبرات التي أراد الكاتب نقلها إلى القارئ.
تقدم الرواية خبرة كبرى للقارئ، وإذا ما كان القارئ على دراية معقولة بالعلم والفلسفة ومبحث الاضطرابات النفسية فستتعاظم مستويات شغفه بالرواية. لندقق - مثلاً - في هذا المقطع الذي تتأمل فيه نورا في وضعها المعرفي وحالتها الذهنية:
كانت نورا قد قرأت بشأن العوالم المتعددة، وعلمت بعض الشيء القليل عن علم نفس الجشتالت (Gestalt)، وعن الكيفية التي تستطيع بها الأدمغة البشرية التعامل مع المعلومات المعقدة بشأن العالم وتحويلها إلى منتج نهائي بسيط؛ لذا عندما ينظر كائن بشري نحو شجرة فإنه يترجم هذه الرؤية إلى كتلة معقدة من الأوراق والأغصان ويحولها إلى شيء يدعوه «شجرة». أن تكون إنساناً يعني أن تعمل بطريقة حثيثة لا انقطاع فيها على تحويل العالم إلى حكاية مفهومة قادرة على إبقاء كل شيء بسيطاً.
يقودنا هيغ في هذه الرواية عبر مسارات كئيبة أو حزينة؛ لكنها تبقى مكتنفة بالتفاؤل الفلسفي والإمكانات المنطقية التي تتيحها العوالم المتعددة. هذه الرواية هي مجموع حكايات مأساوية؛ لكنها تظل مآسي يمكن تمثلها والعبور عليها نحو إمكانيات لا نهائية غير مختبرة بعدُ. ثمة في الرواية حزن وشعور باللاجدوى، وهذه بعض صور الشعور الذي يختبره الإنسان في حياته؛ لكن في مقابل هذا الحزن يوجد الكثير من جلسات التأمل الرقيق، والمفاعيل المؤذية الناجمة عن الشهرة، ووجوب احترام كرامة الحياة البشرية لكل فرد مهما صغر موقعه في سلم التراتبيات المجتمعية، وثمة أيضاً الكثير من المقتبسات الفلسفية (درست نورا الفلسفة في المدرسة)، ويوجد الكثير من التفكر الهادئ حول الأهمية الفلسفية لإضفاء معنى على حياتنا، وهنا نلمح هذه الخبرة المكثفة التي يقدمها لنا الروائي (وهي الخلاصة العميقة للرواية): ليس مهماً أن يتخذ شعورنا بالمعنى نمطاً متجسداً أمامنا؛ بل يكفي فقط أن نفهم ونقتنع في دواخلنا أن كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم لنا أو لسوانا.



دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
TT

دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)

أقام أغسطس، أول إمبراطور لروما القديمة، النصب ‌التذكاري الذهبي، الذي يُعرف باسم «المَعْلم الذهبي»، في المنتدى الروماني عام 20 قبل الميلاد ليكون بمثابة نقطة انطلاق رمزية لكل الطرق في الإمبراطورية مترامية الأطراف. وشكلت هذه الطرق بالفعل العمود الفقري لأول شبكة نقل على مستوى قارة في ​العالم، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأجرى الباحثون الآن تحليلاً هيكلياً مفصلاً لشبكة الطرق في الإمبراطورية، والتي تمتد على مسافة 300 ألف كيلومتر تقريباً وتعبر أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأظهرت الدراسة أن المقولة القديمة «كل الطرق تؤدي إلى روما» لم تكن دقيقة تماماً، وأن أنسب ما تنطبق عليه هذه المقولة هي القسطنطينية العاصمة اللاحقة للإمبراطورية (إسطنبول حالياً).

وخلص الباحثون في الدراسة إلى أن الرومان كانوا يفضلون بناء طرق مستقيمة، لكن التضاريس الوعرة كانت تعرقل أحياناً تحقيق هذا الهدف.

ووثقوا وجود علاقة في العديد من المناطق بين الطرق الرومانية القديمة والطرق السريعة الحديثة.

وشيد الرومان، الذين كانوا بارعين في الهندسة والبناء، طرقا تمتد من ‌صحاري المغرب والجزيرة ‌العربية جنوباً وشرقاً وصولاً إلى اسكوتلندا والمحيط الأطلسي شمالاً ​وغرباً. ‌وربطوا ⁠هذه الطرق ​بالأنهار الصالحة ⁠للملاحة والممرات البحرية لتشكيل شبكة نقل متكاملة.

وقال عالم الآثار القديمة توم بروجمانز من جامعة آرهوس في الدنمارك: «هذه البنية التحتية تعني أن منطقة شاسعة أصبحت أكثر تكاملاً، فقد وفرت منطلقاً بحجم قارة لانتشار الناس والحيوانات والبضائع والأفكار ومسببات الأمراض».

وأضاف بروجمانز، الذي ساعد في إعداد الدراسة التي نشرت اليوم الثلاثاء في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، أن «الفيالق الرومانية كانت تسير على الطرق للاستجابة للتهديدات وإغاثة زملائها واستعمار أراض جديدة... لكن الطرق نفسها كانت تستخدم في ⁠الغالب للانتقال بشكل متكرر بين المزارع والحقول أو إلى الأسواق المحلية لبيع المنتجات ‌الزراعية».

وتم قياس المسافات البرية من روما انطلاقا من ‌المعلم الذهبي، لكن هل كانت هذه المدينة القديمة الضخمة مركز ​الشبكة حقاً؟

وقال بروجمانز: «هل كل الطرق تؤدي إلى ‌روما؟ ليس بالضرورة».

وأضاف: «تقع روما في موقع مركزي بالنسبة للملاحة البحرية في البحر المتوسط، لكنها ‌ليست مركزية في شبكة الطرق الرومانية بالتحديد. وجدنا أن عواصم الأقاليم كانت تتمتع بمواقع ممتازة على الطرق في أقاليمها، مما يسهل إدارة الأقاليم وجمع الضرائب بفاعلية».

وكانت أنقرة في تركيا ولندن في بريطانيا وكورنث في اليونان بعضاً من هذه العواصم.

وأضاف بروجمانز: «كانت روما نفسها في موقع مركزي على الطرق المقامة على ساحل إيطاليا المطل على ‌بحر طرانة. لكن عندما نظرنا إلى جميع التحركات داخل شبه الجزيرة الإيطالية بأكملها، صدمنا عندما اكتشفنا أن الطريق الأكثر مركزية يتبع في ⁠الواقع ساحل البحر الأدرياتيكي المقابل، ⁠متجاوزاً روما تماماً».

عاصمة جديدة

نقل الإمبراطور قسطنطين العاصمة إلى القسطنطينية في أوائل القرن الرابع الميلادي.

وقال بروجمانز: «كانت هذه العاصمة الجديدة تتمتع بموقع استراتيجي عند ملتقى أوروبا وآسيا، وكشفت أبحاثنا أنها كانت مركزية بشكل غير عادي للسفر البري عبر الإمبراطورية بأكملها، أكثر بكثير من روما».

وأضاف أنها «تقع على مضيق البوسفور، ونعلم أن عبارات كانت تعبر هذا المضيق في العصور القديمة، مما ربط حركة المرور البرية الأوروبية والآسيوية بشكل فعال».

وساهمت هذه الطرق القديمة في تنظيم التفاعلات بين مئات الملايين من الناس لأكثر من ألفي عام بسبب استمرار استخدام عدد منها لفترة طويلة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في سنة 476 ميلادية وسقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية، والتي تسمى أيضاً الإمبراطورية البيزنطية، عام 1453.

ويقتفي العديد من الطرق السريعة الحديثة أثر تلك القديمة.

وأفاد بروجمانز: «من الأمثلة الرائعة على ذلك طريق ​فيا أوجوستا، الذي يمتد من قادس في جنوب ​إسبانيا إلى جبال البرانس. ويمر الطريق تحت قوس نصر اسمه قوس بيرا بين تاراجونا وبرشلونة، حيث يمكنك أن ترى بوضوح أنه يسير في نفس مسار الطريق السريع الحديث (إن-340)».

اقرأ أيضاً


مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
TT

مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)

جددت واقعة توقيف أحد الأشخاص بمحافظة المنيا (جنوب مصر) وبحوزته 151 قطعة أثرية تعود للعصور المصرية القديمة والعصرين اليوناني والروماني من نتاج التنقيب غير المشروع، قضايا «التجارة المحرمة» في الآثار والمجرمة قانونا.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية عن استمرار جهود أجهزة مكافحة جرائم حيازة القطع الأثرية والاتجار بها حفاظاً على ثروات البلاد وتراثها القومي، وفي هذا الإطار أكدت معلومات وتحريات قطاع شرطة السياحة والآثار قيام أحد العناصر الإجرامية بمحافظة المنيا بحيازة قطع أثرية بقصد الاتجار بها.

ووفق بيان للوزارة «عقب تقنين الإجراءات أمكن ضبطه بدائرة مركز شرطة المنيا، وضُبط بحوزته (151) قطعة أثرية متنوعة (2 تابوت أثرى – 37 تمثالاً من الحجر الجيري والبرونزي والفيانس – قاعدة تمثال – تميمة – 3 أوانٍ – قنينة من الفخار –97 عملة معدنية - عدد من القطع الأثرية المتنوعة)، وبمواجهته اعترف بأن القطع الأثرية المضبوطة نتاج أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع عن الآثار بإحدى المناطق الجبلية بدائرة مركز شرطة أبو قرقاص، وحيازته لها بقصد الإتجار، وبعرض المضبوطات على الجهات المعنية أفادت بأن القطع المضبوطة جميعها أثرية تعود للعصور الفرعونية واليونانية والرومانية».

ضبط شخص بحوزته قطع أثرية في المنيا (وزارة الداخلية)

وكانت أجهزة المن قد ضبطت من قبل العديد من الحالات المشابهة من بينها ضبط شخص بحوزته 277 قطعة أثرية بالمنيا في أبريل (نيسان) الماضي، وضبط 9 أشخاص بحوزتهم 118 قطعة أثرية تماثيل وقطع متنوعة في محافظة القاهرة، خلال أغسطس (آب) الماضي.

ويجرم القانون المصري تجارة الآثار والتنقيب غير المشروع عنها، ويحدد القانون 117 لسنة 1983 اختصاصات ومسؤوليات التنقيب باعتبار المسؤول عنها المجلس الأعلى للآثار، وبخلاف ذلك تصل عقوبات التنقيب غير المشروع عن الآثار والاتجار بها إلى السجن المؤبد وغرامة 5 ملايين جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً).

من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن «هناك حالة من الهوس لدى البعض من الشعب المصري للحلم بالثراء السريع عبر التنقيب غير المشروع عن الآثار؛ ما يتطلب تحرك الدولة سريعاً في اتخاذ بعض الإجراءات لوقف عمليات التنقيب والحفر خلسة عن الآثار، بتشديد العقوبات، والعمل سريعاً على تسجيل الأماكن الأثرية بالكامل، وزيادة الحراسة المشددة على المواقع والمناطق الأثرية، وعمل دوريات أمنية للحد من انتشار هذه الظاهرة، حيث إنه يعد إهداراً لتاريخ وحضارة المصريين والآثار المصرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر «يتطلب تعديلات جديدة بقانون حماية الآثار، تتضمن تأمين من يقوم بالإبلاغ عن أعمال الحفر خلسة، ومكافآت مالية كبرى».

وأشار إلى أن «هناك خطورة كبيرة على الآثار التي تنتج عن الحفر خلسة، وتعد كارثة بكل المقاييس، فهذه الآثار تهرب وتباع في المزادات العلنية بالخارج، وليس لنا أي حقوق في عودتها؛ لأنها غير مسجلة، ولا نملك دليلاً على خروجها بطريقة غير شرعية، ومن العجيب أنه حين يتم اكتشاف آثار مصرية بالخارج مهربة، يطلب الجانب الأجنبي إثبات أن هذه الآثار مصرية، وحين ترد مصر بأنها آثار مصرية، ولكنها غير مسجلة يعدها الجانب الأجنبي مسوغاً له لبيع هذه الآثار في المزادات».


مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
TT

مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)

«ضع الغناء والموسيقى أمامك، وألقِ كل شرّ خلفك، وتذكّر الأفراح، حتى يأتي يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت»، بهذه الجملة المنحوتة على جدار مقبرة مصرية قديمة في الأقصر، بدأ الموسيقار المصري راجح داوود كلمته احتفالاً باليوم المصري للموسيقى، الذي يواكب ذكرى رحيل «فنان الشعب» سيد درويش (رحل في 15 سبتمبر «أيلول» 1923) أحد أهم رموز التجديد في الموسيقى.

واستشهد داوود بكلمات لكبار فلاسفة العالم، من بينهم شوبنهاور: «كل الفنون تطمح إلى أن تكون موسيقى». ونيتشه: «من دون الموسيقى، ستكون الحياة خطأ»، وهانس كريستيان أندرسن: «حين تعجز الكلمات، تتكلم الموسيقى».

وقال الموسيقار المصري إن الموسيقى لم تكن ترفاً لدى المصري القديم، بل جزءاً من حياته وحضارته. فكانت الموسيقى حاضرة في العمل والاحتفال والطقوس وسائر المناسبات، بل كانت الموسيقى دائماً على اتصال بإيقاع الحياة نفسها.

وأضاف أنه «بينما عرف المصريون القدماء الآلات الموسيقية، وصوروا العازفين والمغنين والراقصين على جدران المعابد والمقابر، يأتي اليوم دورنا، بكل ما أوتينا من أدوات تكنولوجية واتصالات عابرة للبحار والقارات، لإحياء تلك الصور والمدونات إلى موسيقى تصدح بها أرجاء الكون».

وأكد داوود أن «سيد درويش كان نقطة تحول من عالم الصالونات والنخب إلى العامل والفلاح والجندي والشارع، ليكمل الطريق بعده القصبجي وزكريا أحمد وعبد الوهاب والسنباطي وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدي ومحمد فوزي ومحمد الموجي في جسر متنوع ومختلف في قوالبه وهيئته وأطيافه الموسيقية».

وشاركت قطاعات وهيئات وزارة الثقافة بعدد من الفعاليات للاحتفاء بهذه المناسبة بالقاهرة وكافة المحافظات المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة المصرية.

تمثال سيد درويش في أوبرا الإسكندرية (فيسبوك)

وقال المخرج عادل حسان، رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، إن برنامج وزارة الثقافة للاحتفال باليوم يتضمن برنامج الهيئة العامة لقصور الثقافة، وبه عدد من الحفلات الموسيقية من خلال الفرق الفنية التابعة للهيئة بمحافظات مصر، أبرزها: فرقة القاهرة للموسيقى العربية، كورال مركز الجيزة الثقافي، بجانب فرق الموسيقى العربية المتنوعة.

ويعقد المجلس الأعلى للثقافة جلسة تثقيفية بعنوان «قبل الستارة... سيد درويش وصناعة الأوبريت» بإدارة الدكتورة حنان أبو المجد، أستاذ التاريخ والتحليل الموسيقى، وعميد المعهد العالي للموسيقى «الكونسيرفتوار».

وشارك قطاع الفنون التشكيلية بإقامة ورشة رسم لنخبة من كبار الفنانين التشكيليين بحارة سيد درويش بكوم الدكة بالإسكندرية خلال الفترة من 7 سبتمبر حتى 13 سبتمبر، وكذلك بقاعة «ممر 35» يوم 21 سبتمبر. ويشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بتقديم عرض خاص للفرقة القومية للموسيقى الشعبية بقاعة صلاح جاهين، بينما تشارك أكاديمية الفنون برئاسة الدكتورة نبيلة حسن؛ بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية بقيادة المايسترو محمد عبد الستار.

كما ستشارك الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية في الاحتفالية بندوة بعنوان «اليوم المصري للموسيقى»، ويصاحب الندوة معرض توثيقي عن فنان الشعب سيد درويش، يضم مجموعة من الصور والمواد التوثيقية التي تستعرض مسيرته الفنية وإسهاماته البارزة في تاريخ الموسيقى والغناء المصري.

ومن المقرر إقامة احتفال كبير على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، سوف يشهد تكريم 5 من رموز الموسيقى والغناء المصري، تقديراً لإسهاماتهم الفنية في تاريخ الموسيقى المصرية، وهم «الموسيقار صلاح الشرنوبي، والفنانة عايدة الأيوبي، والدكتور ناير ناجي، والدكتور خيري الملط، والفنان والملحن عهدي شاكر»، وتُقدم خلاله الفرقة الموسيقية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية مختارات غنائية تمثل تاريخ وتراث الموسيقى المصرية.

أمسية تستدعي تراث سيد درويش (وزارة الثقافة)

ويستعيد قصر الأمير بشتاك «بيت الغناء العربي» بشارع المعز لدين الله الفاطمي، التابع لصندوق التنمية الثقافية، تجربة الموسيقار سيد درويش، من خلال أمسية فنية بعنوان «فنان الشعب... سيد درويش»، بمناسبة الذكرى الثالثة بعد المائة لوفاته.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن «تخصيص يوم للموسيقى في ذكرى سيد درويش يأتي في إطار إحياء مصر لرموزها، فسيد درويش معروف أنه واحد من أهم المجددين في الموسيقى المصرية والعربية بشكل عام، فقد غيّر شكل الأغنية في مصر، أخذ من الشارع والحقول حتى مجتمع الصيادين والموظفين وغيرهم من فئات الشعب»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «إحياء ذكراه وتخصيص يوم للموسيقى بالتزامن مع هذه الذكرى أمر مهم جداً، ومن المهم الحفاظ على هذا الطقس وإحياء ذكراه بهذا الشكل كل عام، ويتم تعريف الأجيال الجديدة به، ويكفي أنه الفنان الوحيد الذي تغنت فيروز بإحدى أغانيه، وأتمنى أن يكون الاحتفال أكبر كل عام، ويساهم دائماً في استعادة تراث سيد درويش».

ولد سيد درويش في 17 مارس (آذار) عام 1892 بحي كوم الدكة بالإسكندرية، وسافر إلى القاهرة عام 1917 وشارك في ثورة 1919 وقدّم أغنية «قوم يا مصري» التي تعدّ رمزاً للنهضة المصرية، كما لحّن ما يقرب من 20 مسرحية، من بينها «فشر» و«قولوا له»، و«العشرة الطيبة» و«الهلال» و«كليوباترا»، كما لحّن العديد من الأدوار و التواشيح، ومن أهم أعماله وأبرزها نشيد «بلادي بلادي» الذي أخذ عنه السلام الوطني لمصر.