الصحافة الإسرائيلية في قفص الاتهام أيضاً

الصحافة الإسرائيلية في قفص الاتهام أيضاً

مع الشكوك المحيطة بنتنياهو
الاثنين - 14 شهر رمضان 1442 هـ - 26 أبريل 2021 مـ رقم العدد [ 15490]

في الوقت الذي تتابع فيه الصحافة الإسرائيلية بمثابرة لافتة أنباء محاكمة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، يقف شاهد الإثبات الأول ويروي طيلة ساعات وأيام كيف تمت السيطرة على المواقع الإخبارية لتمرير أنباء مضللة عن عمل الحكومة، ينسى أو يتناسى كثير منهم أن وسائل الإعلام العبرية لا تتهم فحسب، بل تقف مع نتنياهو في قفص الاتهام.

هذه المحاكمة تكشف عن عهد جديد في عالم الصحافة، يجري فيه التراجع بشكل خطير عن قيمها ومبادئها والأسس المهنية التي تقوم عليها. والشاهد هو الصحافي إيلان يشوعا، المدير العام السابق لموقع «واللا» الإخباري، الذي يعرف كضابط في سلاح الطب fالجيش الإسرائيلي ومدير الفرع الإسرائيلي للموسوعة البريطانية. وموقع «واللا» يعد أكثر وسائل الإعلام الإلكترونية انتشاراً. ويشوعا تولى إدارته في فترة صعبة وجعله في حالة ازدهار، ولقد بيع في السنة الماضية بقيمة 20 مليون دولار. وهو يقف اليوم في قلب «الملف 4000»، أحد ملفات الاتهام الثلاثة ضد نتنياهو.

حسب لائحة الاتهام، مارس نتنياهو الضغط على صاحب الموقع، شاؤول ألوفيتش كي يجعل منه منبراً له ولحزبه الليكود. وبالمقابل، قدم نتنياهو خدمات جُلّى إلى ألوفيتش حتى يكسب صفقات مالية دسمة تقدر بعشرات ملايين الدولارات. وتدخل نتنياهو وكذلك زوجته وابنه يائير، وفقاً للائحة الاتهام في كل شاردة وواردة في عمل الموقع. وحسب إفادة يشوعا، تدخل نتنياهو حتى في تعيينات المسؤولين في تحرير الموقع. فأمر بإقالة بعضهم وطلب تعيين مقربين منه. وكما قال الصحافي أفيف دروكر، في منشور على صفحته بـ«تويتر»، فإن طريقة تدخل نتنياهو كانت «فظة وملحاحة بطريقة لم يطقها حتى المقربون منه». وروى دروكر عن زميله الصحافي شارون غال - الذي يعد من أقرب الناس لنتنياهو - قوله: «أنا أحب نتنياهو ولا أرى من هو أنسب منه لرئاسة الحكومة، لكنه متعِب بشكل لا يطاق. يسمح لنفسه بأشياء لا تخطر على بال. طلباته سخيفة ومبالغ فيها».

وحسب شهادة يشوعا في المحكمة، فإن «ألوفيتش قال إن رئيس الحكومة نتنياهو يبذل كل جهده من أجل المساعدة (في توحيد شركتي «بيزك» و«ييس»، لصالح أرباح ألوفيتش)، ونحن لا نكافئه بالشكل الكافي. الصحافيون عندكم هم مجموعة أصفار، يعرقلون مهماتنا وأعمالنا. وقلت له إننا ننجح في تحسين الأمور، ولكنني أدركت أن علي أن أبذل جهداً أكبر لإرضائه وإرضاء عائلة نتنياهو، وإننا ملزمون بمكافأته بواسطة تغطية إعلامية منحازة أكثر. ونحن في وضع يتعين علينا أن نلبي المطالب في نهاية الأمر». وأضاف: «كان هناك طلب بنشر تقارير داعمة لرئيس الحكومة في موضوع إيران وخطة الغاز، وقلنا إننا بحاجة إلى شخص ينقل الرسائل التي نحتاج إليها». وتابع يشوعا، حول الأجواء في «واللا» في عام 2015: «لم تكن هناك حرية. ولم يكن هناك وضع أرى فيه تقريراً عن نتنياهو في الموقع من دون أن أتدخل به. وهذا كان مكثفاً. وأذكر أنه كانت مطالب متواصلة. وكان النموذج أنه ليس نحن الذين نحرّر الموقع ولذلك طولبنا مراراً بتغيير عنوان، عنوان ثانوي، صورة. وقد قال ألوفيتش وزوجته لي عدة مرات إن الابن يائير (نتنياهو) يجلس ويتابع كل شيء، وينهض في الصباح ويحرّضهما. وهو يحرض والدته وبعد ذلك تصل مطالب أخرى». وأضاف يشوعا أن ألوفيتش، وفي سياق حديث عن تقرير حول زوجة نتنياهو، سارة، أمره: «أعطِ السيدة (سارة نتنياهو) أي شيء ممكن، فهو ينتحر من أجلي». وأوضح يشوعا: «هو ينتحر من أجلي».

وهكذا، تحوّل موقع «واللا» إلى نموذج لحالة كثير من وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تعرّضت لغزو سياسي مماثل. وحسب بيان نقابة الصحافيين في تل أبيب، صدر في أعقاب الكشف عن ملابسات هذه القضية، فإن «قضية واللا» كشفت «عن الحضيض الذي بلغته الصحافة الإسرائيلية. وهي ليست قضية موقع (واللا) وحده للأسف. فنحن نعرف أن هناك وسائل إعلام عديدة تعرضت للغزو السياسي أيضاً وتتعرض يومياً للضغوط السياسية. ونرى في هذا تهديداً حاداً للديمقراطية يزعزع الحصانة القومية والاجتماعية للدولة».

وكما هو معروف، هناك قضية أخرى تتعلق بالفساد ويحاكم فيها نتنياهو، ما يعرف بـ«الملف 2000». ففي هذا الملف يتهم نتنياهو بمحاولة تلقي الرشوة من ناشر صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أرنون موزيس، وذلك بواسطة تحسين صورة نتنياهو في صحيفته وفي موقعه الإخباري «واي. نت»، وبالمقابل، يقوم نتنياهو بتقليص عدد صفحات الصحيفة المنافسة «يسرائيل هَيوم». وحسب مصدر في النيابة، فإن الأدلة ضد نتنياهو في هذا الملف أقوى من تلك في «ملف 4000».

وصحيفة «يسرائيل هَيوم»، هي أيضاً قضية. صحيح لم تصل إلى المحكمة، لكن هناك رائحة فساد كريهة متعلقة بها. وهي جريدة يومية توزع مجاناً أسسها الملياردير الأميركي اليهودي شيلدون أديلسون خصيصاً لخدمة نتنياهو ومحاربة الصحف الإسرائيلية المستقلة. وأديلسون متمول أميركي كبير ينتمي إلى اليمين المتطرف. وحسب تقارير مالية من عدة مصادر، يخسر أديلسون في إنفاقه على هذه الصحيفة ما معدله 50 مليون دولار في السنة. ولا تخفي هذه الصحيفة ومحرّرها بوعاز بوسموت حقيقة الانتماء إلى نتنياهو والدفاع عنه ومهاجمة خصومه.

وإبان حكم نتنياهو، ازدهرت ظاهرة «غرس» صحافيين من اليمين في جميع وسائل الإعلام الرسمية والمستقلة على السواء. ويدير كثيرون منهم برامج مشتركة مع صحافيين من اليسار وكثيرة هي الحالات التي ينفجر فيها البرنامج بسبب شجار بينهما. كذلك تحققت السيطرة على إذاعة الجيش الإسرائيلي، التي كانت تتسم بشيء من الموضوعية بين اليسار واليمين وباتت ذات غالبية يمينية. وهناك قناة تلفزيون خاصة باليمين الاستيطاني المتطرف هي «القناة 20»، وعدة إذاعات محلية، ومواقع تحقيقات وأبحاث («ميدا» - و«المركز الأورشليمي لبحوث المجتمع والدولة» و«مركز الأبحاث الصهيونية»)، كلها تعمل بتحيّز واضح لليمين عموماً... ولنتنياهو شخصياً.

كذلك ثمة ظاهرة أخرى، تتمثل في سيطرة رجال أعمال من اليمين على وسائل الإعلام. وموقع «واللا» - مثلاً - بيع لرجل الأعمال إيلي عزور الذي سبق وامتلك إذاعة «103 إف إم» وإذاعة «99 إف إم»، وهما إذاعتان شعبيتان، ومعهمال أربع قنوات تلفزيونية رياضية.

ويقول الصحافي عوزي بنزيمان، الذي أسس موقعاً خاصاً غير ربحي لنقد الصحافة اسمه «العين السابعة»، إن «الجانب الجنائي في قضية (واللا) سوف يحسم في المحكمة. ولكن هناك جانباً أخلاقياً يجب أن نعالجه كأصحاب مهنة، بشكل عاجل وملح. إذ يوجد بين صفوفنا صحافيون يقبلون على أنفسهم خيانة مبادئ المهنة. قد يكون بعضهم فعل ذلك بالخطأ أو عدم الانتباه أو تحت الضغط. لكنهم، بالتالي، كانوا متعاونين مع من يفكر في تحطيم هذه المهنة وإبعادها عن دورها في نقل الحقائق وتجنيدها في ماكينة الدعاية التضليلية ونشر ثقافة الكذب والخوف والأرنبة والنفاق للسلطة والتستر على موبقات السياسيين ورجال الأعمال الملوّثين ومهاجمة رجال السلطة الأنقياء ومحاصرتهم وتشويه سمعتهم. وهذه المظاهر موجودة ليس فقط في موقع (واللا)، بل أيضاً في (يسرائيل هَيوم) و(قناة 20) وإذاعة الجيش. قد يكون نتنياهو هو القائد لهذه المسيرة، لذا يستغل نفوذه الهائل لدوس مهنة الصحافة حتى يخفي موبقاته السياسية وينجو من تهم الفساد. لكن شرف المهنة يحتم علينا نحن الصحافيين التصدّي بكل شجاعة لهذا النهج واستئصاله قبل أن نفقد هويتنا ودولتنا».


إعلام

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة