أوراق أكاديمية وعلمية... وتحديات جديدة في عام الجائحة

مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية يصدر تقريره السنوي

أوراق أكاديمية وعلمية... وتحديات جديدة في عام الجائحة
TT

أوراق أكاديمية وعلمية... وتحديات جديدة في عام الجائحة

أوراق أكاديمية وعلمية... وتحديات جديدة في عام الجائحة

تؤدي مراكز الأبحاث والدراسات ومصانع الفكر في المجتمعات الحديثة أدواراً استراتيجيّة كمرجعيّات للسياسات العامّة للدول وترشيد عمليّات صنع القرار فيها. وهي من خلال إنتاجها المتخصص للأفكار والتحليلات والرؤى حول العلاقات الدوليّة ومختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعلميّة، إضافة إلى استشرافات المستقبل تسهم في تعزيز مناعة الدّول وتعظيم مصادر قوّتها الناعمة وتجنيبها المخاطر وتوسيع مساهمتها كجزء من الأسرة الإنسانيّة الكبيرة، وتوفير أوعية محترفة لحفظ تراكمها المعرفيّ.
ومنذ تأسيس المعهد الملكي (البريطانيّ) للسياسات الدفاعية عام 1831 كأوّل مراكز الأبحاث المستقلّة عن البيروقراطيّات الحكوميّة والمتخصصة في خدمة متخذي القرار بصيغتها الحديثة، ازدادت أهمية تلك المراكز للدول الحديثة في ظل بيئة دولية سيمتها الغالبة تضاعف التعقيد، وتسارع التغير المستمر، وتضخّم الأزمات المركبة العابرة للحدود والتخصصات، لا سيّما في ظل حالة الانفجار المعرفيّ وتشظي مصادر المعلومات التي أنتجتها وسائل التكنولوجيا الحديثة وتستدعي وجود مرجعيّة موثوقة ذات قدرات فنيّة دقيقة لتقييم المواقف وتحديد أبعاد المسائل ذات الصلة، ومن ثم رسم مسارات التحرّك المتاحة. على أنّ الاستفادة من تلك المراكز - على تنوّع تخصصاتها وآليات علمها - لا تنحصر عادة بدوائر صنع القرار وعمليّات مراكز صنع السياسات العامة الداخلية والخارجية للدول والمؤسسات الرسميّة، بل ويمتد تأثيرها لخدمة مجتمعاتها ككل، سواء على صعيد تطوير البحث الأكاديميّ والتشبيك بين الخبراء والمتخصصين على مستوى أبعد من حدود الإقليم الجغرافيّ، أو على مستوى توعية الرأي العام والمجتمع بمجمله حول خلفيّات القضايا الملحة وأساليب مواجهة المخاطر المرتبطة بها بمنهجية علمية رصينة.
في الإطار العربي تنامى الاهتمام بمراكز الأبحاث والدراسات في العقود الأخيرة؛ سواء منها الرّسميّة أو تلك التي عُني بتأسيسها القطاع الخاص، واتسعت دائرة نشاطها كمّاً ونوعاً وتخصصاً، وأصبح بعضها جزءاً مهمّاً من مكونات المشهد العلميّ والأكاديمي والمعرفيّ في دولها، ومساهماً فاعلاً في تدعيم سياسات تلك الدول وحضورها إقليميّاً ودوليّاً، ومنح استجاباتها للتّغيرات الرئيسية الجارية في منطقة الشرق الأوسط والعالم بشكل عام صبغة تتجاوز ردود الأفعال.
في المملكة العربيّة السعوديّة التي توفّرت على عدد من أهم مراكز الدراسات والأبحاث في المنطقة، برز مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية منذ تأسيسه في عام 1983 محوراً علميّاً وفكريّاً وثقافيّاً متقدماً لا في خدمة المملكة فحسب، بل وأيضاً كفضاء تلاقٍ وتحاور وتبادل للمعارف بين الباحثين والمفكرين عبر العالم، لا سيّما في الدوائر العربيّة والإسلاميّة محققاً بذلك رؤية الملك فيصل بن عبد العزيز الذي أراد للسعوديّة منذ السبعينات - وفق تصريح معروف له من عام 1975 - أن تصبح مصدر إشعاع حضاريّاً للإنسانيّة كلّها.
وينتج المركز منذ ما يقرب من ثلاثة عقود بحوثاً أصيلة في مختلف مجالات الدراسات الإنسانية والعلوم الاجتماعية تتعلّق بقضايا ذات راهنية، ويوفّر منصة لتفاعل الخبراء والباحثين أفراداً أو في إطار مؤسسات علميّة وأكاديمية في المملكة وخارجها لتبادل المناقشات الفكرية والمجادلات الثقافية، وينقل المعرفة إلى نطاق عريض من قرّاء العربيّة والإنجليزيّة عبر دار الفيصل الثقافية - وهي ذراع النشر بالمركز - التي تصدر كتباً ودورياتٍ تتناول موضوعات عن المملكة والمجتمعات العربية والإسلامية ومسائل ذات بعد عالميّ. وعلاوة على ذلك، يجمع المركز في مكتبته تراكماً منظّماً من المعارف التاريخية والحديثة بأحدث أدوات حفظ المعلومات واسترجاعها، ويحفظ في «دارة آل فيصل» أرشيف وذكريات الملك فيصل بن عبد العزيز وأسرته، كما يُعنى متحفهُ بعرض مجموعة من أهم المخطوطات الثمينة والقطع الفنية الإسلاميّة النادرة.
كان عام 2020 عاماً فريداً من نوعه على الصُّعُد كافة، فقد أثَّرت جائحة كورونا في البشرية جمعاء وشهدت المملكة حصّتها من الإصابات، ونفذت إجراءات وقائيّة وإغلاقات عدّة مرّات، وهو ما انعكس على جميع مناحي الحياة، والاقتصادية منها بخاصة، لكن إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية تداركت الأمور سريعاً، ونجحت خلال وقت قياسيّ في نقل كثير من أنشطته الاجتماعية والثقافية والتعليمية والتجارية والمالية إلى الفضاء السيبريّ، الأمر الذي مكّن المركز من أداء دور رئيس في التحضير لقمة مجموعة العشرين بالتعاون مع مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية، حيث كُلِّف المركزان باستضافة مجموعة الفكر العشرين (T20) التي هي بمثابة منتدى للمراكز الفكرية تابع لمجموعة العشرين مكلّف بتقديم توصيات في السياسات العامة قائمة على الأدلة وأفضل الممارسات لمتخذي القرار المشاركين في القمة الخامسة عشرة لمجموعة العشرين (G20) - انعقدت بالرياض في 21 و22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 - وذلك على الرغم من التحديات اللوجيستية المعقدة التي فرضها الوباء.
وقد تضمنت مجموعة الفكر 20 في نسختها السعوديّة أهدافاً تشمل المناخ والبيئة (إنشاء اقتصادات دائرية منخفضة الانبعاثات الكربونية لتحقيق الأهداف المناخية)، والنساء والشّباب (تمكين المرأة وإعداد الشباب من أجل مجتمع شامل للجميع)، والتعددية والتنمية الاقتصادية والتمويل (توفير الرخاء عبر التعاون الدولي والتنمية الاقتصادية والاستدامة المالية)، والموارد المستدامة (توفير وتعزيز الإمدادات بشكل مستدام وتحقيق الأمن الدولي للطاقة والغذاء والمياه)، والتكنولوجيا والرّقمنة (الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لمعالجة القضايا العالمية).
وفي البداية، أنشأَت مجموعةُ الفكر 20 السعودية 10 فِرَق عمل، واستجابة لتفشي «كوفيد - 19» عالميّاً، أضيف فريق عمل (حادي عشر)، لوضع توصيات سياسية لتسهيل الانتقال إلى مرحلة ما بعد الوباء بشكل فعّال.
ومن بين فِرَق العمل الإحدى عشرة هذه، أشرف مركزُ الملك فيصل مباشرة على أعمال خمسة فرق، وقد أنتجت هذه الفرقُ الخمسةُ 49 موجزاً للسياسات في المجموع، من أصل 146 موجزاً أنجزتها المجموعة، وخضعَت موجزات السياسات هذه لمراجعة خارجية دقيقة من ثلاث مراحل، بعد مراجعة داخلية شاملة قبلَ الانتقال إلى عملية التحرير النهائية.
وبحسب الكلمة الافتتاحية للتقرير السنوي للمركز عن عام 2020 التي كتبها الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز رئيس مجلس الإدارة، فإن الجهود التي بذلت لإنجاح أنشطة قمّة الريّاض والتحضيرات المكثفّة لها من خلال استضافة مجموعة الفكر العشرين بمختلف فعالياتها المتوازية والمتلاحقة، لم تأتِ على حساب النشاط المعرفيّ الأساسي للمركز في إعداد البحوث والدراسات العلمية الأصيلة في مختلف ميادين البحث كما تنظيم الفعاليات الثقافيّة على تفاوت أنواعها ندوات ومحاضرات عامة وحلقات نقاشيّة ومعارض فنون بمشاركة كبار المفكرين من جميع أنحاء العالم، وأقام المركز كثيراً من الأنشطة بالشراكة مع مراكز بحوث عالمية رائدة وجامعات ومؤسسات فكرية حول العالم.
ووفق التقرير السنوي، فقد أنشأ المركز خلال العام الماضي وحدتين بحثيتين جديدتين، هما: وحدة الدراسات الثقافية، ووحدة الدراسات الاجتماعية الاقتصادية. كما بدأت وحدة الدراسات الأفريقية في إصدار تقرير شهري جديد محرر باسم «متابعات أفريقيّة» يتناول الملفات والقضايا السياسية والاقتصادية والأمنية المختلفة في القارة الأفريقية التي تهم سُكّانها وانعكاساتها الإقليمية والدّولية من خلال مقاربات متعددة التخصصات وزوايا النظر. وتعاونت وحدة الدراسات الآسيوية على تحرير عدد خاص عن العلاقات بين المملكة العربية السعودية والصين في «المجلة الآسيوية للدراسات الشرق أوسطية والإسلامية». وهذا بالطبع إلى جانب الأعمال البحثية المستمرّة التي تضمنت ثمانية إصدارات من «دراسات» وهي سلسلة أوراق بحثية وإصدار واحد من «قراءات» سلسلة أوراق عن الدراسات الإنسانية، إضافة إلى عشرات «التقارير» و«التعليقات» و«تقديرات الموقف» وثمانية تقارير أسبوعية خاصة تناولت التأثيرات الإقليمية والدولية لجائحة كورونا، ومدى انعكاسها على الاقتصاد وخطط التنمية في المملكة.
وبموازاة ذلك، نشرت دار الفيصل الثقافية التابعة للمركز سبعة كتب أصيلة ومحققة ومترجمة خلال عام 2020، واستمرت في إصدار «مجلة الدراسات اللغويّة» - فصليّة محكّمة - و«مجلة الفيصل» الثقافيّة العامّة - كل شهرين - واسعة الانتشار، إضافة إلى ذلك إطلاق «المجلة الدولية للدراسات الإنسانية» - نصف سنويّة محكّمة باللغتين العربية والإنجليزية لصالح مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، فنشرت العددين الأول والثاني.
ولم يغفل الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز، ولا الدكتور سعد السرحان - الأمين العام - في كلمتيهما بالتقرير السنوي التعبير عن اعتزازهما وتقديرهما للفريق المتميّز من العلماء والباحثين والموظفين القائمين على مختلف أنشطة المركز الذين يحق للمملكة مباهاة العالم بكفاءتهم وإضافاتهم القيّمة والنوعيّة في الفكر والثقافة وحفظ التراث.



السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».