«ألف ليلة وليلة»... عبقرية سردية عابرة للعصور

عودة إلى حكاياتها العجيبة وسر خلودها في كتاب جديد

«ألف ليلة وليلة»... عبقرية سردية عابرة للعصور
TT

«ألف ليلة وليلة»... عبقرية سردية عابرة للعصور

«ألف ليلة وليلة»... عبقرية سردية عابرة للعصور

يبدو أن كنوز «ألف ليلة وليلة» لن تنفد، فلا تزال حكاياتها بأسمارها وخوارقها وعجائبها مطروحة على طاولة الأدب والفن. عن هذه الحكايات وكيف أصبحت مادة للدراما الإنسانية يدور كتاب «ألف ليلة وليلة في الدراما الإذاعية» للباحث د. طارق عبده دياب، الذي يرصد أبرز تجليات «الليالي» عند تحويلها إلى مسلسلات وسهرات إذاعية، مسلطاً الضوء عن سر عبقريتها وكونها لا تزال مادة جاذبة للمشاهد.
عن سر تسمية الليالي بهذا الاسم وتعدد آراء الباحثين حولها، يوضح المؤلف أن أقرب هذه التفسيرات للحقيقة هو ميل العرب إلى الموسيقى اللفظية والسلاسة التعبيرية، مما جعلهم يرفضون قصر التسمية على عبارة «ألف ليلة»، بل أضافوا إليها كلمة ليلة لتصبح «ألف ليلة وليلة»، فضلاً عن تشاؤمهم من الأرقام المدورة مثل العشرة والمائة والألف. وحول مؤلفها المجهول يرى أنه أسهم في تأليف الكتاب العديد ممن لم نعرف لهم أسماء وتم تداول حكاياتهم بالليالي ثم تدوينها بلغة تمزج بين الفصحى والعامية وبأسلوب سهل لتناسب القارئ العادي.

بين «الغول» و«الرُّخ»
يخصص المؤلف النصف الأول من كتابه لإضاءة عديد من الشخصيات والمخلوقات التي تزخر بها «الليالي» وتجعلها كتاباً عجائبياً بامتياز، مثل «الغول» الذي يمثل العنف والقسوة فيأكل لحوم الإنسان كأنما يأكل وجودهم الإنساني نفسه، كما أنه ينقسم لنصفين ويتكاثر بطريقة مزعجة تشبه الكوابيس.
ويعد الغول، بحسب تراث الليالي، نوع من الإنسان المتوحش أو حيوان انعزل فتوحش وتغوّل. وتارة يكون خيالاً توهمه الناس المستوحشون في القفار، أو هو رؤى تحدثها الكواكب في حركاتها فيتصور الناس أشكالاً مخيفة. ويظهر الغول في حكايات ألف ليلة باعتباره وحشاً بعين مشقوقة بالطول يتطاير منها الشرر. ويرى المؤلف أن الخيال الشعبي أبدع في حكايات ألف ليلة وليلة كائناً خرافياً آخر هو «الرُّخ» الذي يعتبر من وحوش الطير التي تتميز بالقدرات الخارقة، فهو ذلك الطائر الأسطوري الذي يحجب جناحاه الشمس عن الدنيا فتغيم وتظلم وتصيب بحارة السفن برعب وتنقل الإنسان من مكان إلى مكان في لحظات. ويبدو من وصف الراوي الشعبي له أنه نسخة عملاقة من النسر الكبير مع تضخيم أجزاء معينة من جسده بخاصة منقاره وساقيه وجناحيه. وهكذا برغم أنه طائر خرافي فإنه يحمل سمات طائر معروف شاء الخيال الشعبي أن يجعله عملاقاً ضخماً بحيث يخرج في وصفه عن كل ما هو مألوف من وحوش السماء على نحو يجعل القارئ في حالة لا تنتهي من التشويق.
وهناك كذلك الحصان الطائر والبساط السحري اللذين يطيران بالبطل في حكايات ألف ليلة وليلة إلى أي مكان يريده ويقطعان المسافات الطويلة في لمح البصر، فيحلق بالقارئ في السماء وبحرية بعيداً عن ضغوط الأرض فيشعر الإنسان بالسعادة. وشخصية الحصان السحري المدجج الطائر ورد ذكرها في مواضع عدة من الليالي، كما جاءت في الأسفار الهندية الخمسة في «البنجاتنترا». ويرى البعض من المتحمسين للأصل الهندي لألف ليلة وليلة أن عنصر الخوارق وأبرزها الحصان الطائر مأخوذة من الثقافة الهندية.

محتالون ونبلاء
ونجد في «ألف ليلة وليلة» وصفاً دقيقاً لعادات الناس وتقاليدهم وطباعهم وأزيائهم وما يشربون ويأكلون، وأحوال معيشتهم، لذلك هي ليست مجرد عمل قصصي نلتقي معه بالمتعة وإثارة الخيال فحسب، إنما هذه الدرة من القصص تعد وثيقة اجتماعية للحياة العربية قديماً سواء في الصحراء أو في المدينة. من هنا تتميز «الليالي» بالتنوع والثراء في الشخصيات فنرى التاجر والملك والوزير والصياد والخياط والحلاق واللص والجندي والجزار والمحتال والجارية والصائغ والخباز. إنها شخصيات ونماذج يتكون منها المجتمع العربي الذي يحتوي على مختلف الطبقات في «ألف ليلة وليلة»، حيث تتحاور فيه شخصيات أبطال الملاحم والبطولة النبيلة مع شخصيات أبطال المدينة من الشطار والعياق واللصوص ممن يأخذون من الأغنياء ليعطوا الفقراء والمحتاجين. ويتفنن الرواة في وصف محاسن المرأة الجميلة النادرة التي تعكس مفاهيم الجمال النسائي عند العرب ويظهرونها العاشقة أو المعشوقة التي تحب من أول نظرة ثم يحدث الفراق الذي تتعدد أسبابه لمجرد إطالة القصة. ومن سمات المرأة بالليالي أنها إذا خانت أو كادت فهي لا تخون حبيبها ولا تكيد له وإنما تخون في سبيل الوصول إليه وتكيد لتتجنب أهوال فراقه.
ويوضح الكتاب ما تحفل به «الليالي» من حياة الصعلكة، وحكايات الشحاذين والصعاليك والتي تعد من أطرف النماذج، ويكون كشف ماضيها أحد الأسباب في تغيير مجرى أحداث الحكاية. والصعلوك أو الشحاذ يكون في الأصل ملكاً أو تاجراً خسر ماله، حيث إن أكبر حكايات ألف ليلة وليلة من حيث المساحة والتي تمتد من الليلة التاسعة وحتى الليلة الحادية والثلاثين هي حكاية «حمال بغداد والبنات الثلاث» والتي تتضمن حكايات الصعاليك الثلاثة الذين هم في الأصل أبناء ملوك أو أمراء خسروا مملكتهم.

دراما إذاعية
في النصف الثاني من الكتاب، يتطرق المؤلف إلى أبرز تجارب استلهام حكايات ألف ليلة إذاعياً. وهنا يبرز اسم الشاعر الراحل طاهر أبو فاشا مع المخرج محمد محمود شعبان «بابا شارو»، حيث قدم هذا الثنائي العديد من المسلسلات المستمدة من حكايات الليالي في دراما إذاعية في الفترة من عام 1955 وحتى 1971. ومن عناصر البناء الذي أبرزها أبو فاشا عند تحويله قصص الليالي إلى عمل إذاعي، الحبكة القائمة على التشويق مثل حكاية «بدر باسم». هنا يبدأ التمهيد بلحظة آنية وهي دخول النخاس على الملك طهرمان، الذي كان له ثلاث زوجات ومائة سرية ولم يرزق بولد، ومعه جارية رائعة الجمال يشتريها منه الملك وتظل صامتة لا يعرف سرها إلى أن تتخلى عن صمتها بعد أن يتزوجها ويعتقها ويطلق زوجاته الثلاث وتنجب منه الولد.
ومن عناصر الدراما الإذاعية الأخرى «الصراع» الذي يحقق للمتلقي مزيداً من الإثارة والتشويق من خلال النزاع بين قوتين متكافئتين ومتساويتين لكنهما متضادتان في الاتجاه. وينقسم الصراع إلى خارجي وداخلي. يظهر الصراع الخارجي في مسلسل «ألف ليلة وليلة» من خلال الفرق بين الطبقات الاجتماعية أو ما يطلق عليه الصراع الطبقي فـ«السمندل» والد جوهرة الذي يعيش في البحار يرفض زواج «بدر باسم» من ابنته لأنه يعيش في البر. وعندما يتقدم لطلب ابنته يتعالى عليه ويسخر منه وينادي على الجنود لقطع رقبته لكن «بدر» تنقذه تربيته وخبراته وذكاؤه وعلمه وثقافته فتأتي جيوش جدته لنجدته. أما الصراع الداخلي فيتمثل في الخير والشر اللذين يتنازعان كقوتين داخل السندباد البحري حين يجد نفسه وحيداً في الكهف دون طعام أو شراب فيوسوس له الشيطان أن يقتل كل من يُحكم عليه بالموت في الكهف فيدخله ومعه قليل من الخبز والماء.



«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
TT

7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

كشف مسؤولون في ​الهند، اليوم الثلاثاء، أن جميع الركاب السبعة الذين كانوا على متن طائرة إسعاف ‌من طراز ‌«بيتشكرافت» ​لقوا ‌حتفهم ⁠بعد سقوطها ​في ولاية ⁠جاركاند أمس الاثنين.

وكان على متن الطائرة اثنان من أفراد الطاقم ⁠ومريض وأقاربه.

حطام طائرة الإسعاف الجوي التي سقطت بالقرب من غابة في منطقة تشاترا بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

وقالت ‌المديرية ‌العامة للطيران ​المدني ‌في الهند ‌أمس الاثنين إن طائرة «بيتشكرافت سي 90»، التي تشغلها شركة ‌«ريد بيرد إيرويز»، أقلعت من رانشي في ⁠جاركاند، ⁠لكنها طلبت تغيير مسارها بسبب الأحوال الجوية.

وأضافت المديرية أن الطائرة فقدت الاتصال بعد ذلك واختفت ​من على ​شاشات الرادار.


بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
TT

بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)

بين محاولات عزيزة ترميم صورتها، وتورّط والدها وجارتهما في عاصفة من الإشاعات، تتشكّل ملامح الموسم الثاني من مسلسل «شارع الأعشى». هنا لا تبدو السمعة مجرد قيمة اجتماعية، بل ساحة صراع مفتوحة تُختبر فيها الشخصيات تحت ضغط مجتمع يضيق فيه هامش الخطأ وتتعاظم التأويلات.

مع انقضاء الأسبوع الأول من رمضان، يواصل المسلسل تصدّر قائمة الأعمال الأكثر متابعة في السعودية وعدد من الدول العربية، مستفيداً من العلاقة التي بناها مع جمهوره منذ الموسم الأول. غير أن العودة هذه المرة لا تكتفي باستثمار النجاح السابق، بل تدفع الشخصيات إلى مرحلة أشد قسوة؛ إذ تنتقل الحكاية من التعريف إلى الاختبار، ومن البناء إلى المواجهة، حيث تتحول النيات الحسنة نقاطَ اشتباك، وتصبح الشائعة أداة تدفع الأحداث نحو مسارات جديدة.

عزيزة... من الاندفاع إلى الاتزان

مشهد من ليلة زواج عزيزة الذي شهد مرحلة انتقالية للشخصية (شاهد)

تتمحور حكاية الموسم الأول حول الشابة المتهورة عزيزة (لمى عبد الوهاب)، التي تدفع نفسها باستمرار إلى قلب المتاعب، واضعة سمعتها على المحك. فبين محاولات الهروب المتكررة والبحث عن الحب بوصفه خلاصاً سريعاً من واقع ضاغط، تنجرف الشخصية نحو سلسلة من القرارات التي تقودها إلى نتائج قاسية. ويبلغ هذا المسار ذروته حين تفكر في الهرب مع حبيبها، قبل أن تنتهي الحكاية بمقتله في ختام الموسم الأول.

في الموسم الثاني، تعود عزيزة بقدر أكبر من الاتزان، مدفوعة بإحساس متزايد بالمسؤولية تجاه حياتها وخياراتها. وتبدأ ملامح التحول مع زواجها من خالد (ناصر الدوسري)، وهي تجربة تضعها أمام واقع مختلف تماماً؛ إذ تواجه علاقة يغلب عليها الطابع العملي والقسوة، بعيداً عن الأحلام الرومانسية التي سعت إليها في السابق.

ورغم صعوبة هذا التحول، تختار عزيزة الصبر والتحمّل، محاولة الحفاظ على ما تبقّى من ثقة عائلتها وإثبات قدرتها على التكيّف داخل الإطار الاجتماعي الذي سعت يوماً إلى التمرد عليه وكسره. بذلك، ينتقل مسار الشخصية من الهروب الدائم إلى مواجهة يومية مع الواقع، في رحلة إعادة بناء الصورة أمام الأهل والمجتمع.

وضحى... مواجهة الثمن الأعلى

إلهام علي تؤدي شخصية وضحى التي تتعرض لمتاعب كبيرة في الموسم الثاني (شاهد)

على خط درامي موازٍ، تتقدّم شخصية وضحى (إلهام علي) إلى واجهة الأحداث بمساحة أوسع وتأثير أشد. وتبدأ افتتاحية المسلسل بالتحدّي المصيري الذي تواجهه بعد سجن ابنها متعب (باسل الصلي)؛ ما يدفعها إلى اتخاذ قرار قاسٍ ببيع منزلها من أجل تأمين إطلاق سراحه. ويحمل هذا القرار تضحية مضاعفة؛ إذ لا يمسّ الاستقرار المادي فحسب، بل يطول الذاكرة العائلية في عمقها.

وتتجلَّى المفارقة حين يكون المشتري جارها أبو إبراهيم (خالد صقر). ومنذ تلك اللحظة، تبدأ الأقاويل بالانتشار داخل الحارة، وتتحول الصفقة من موقف شهم إلى مادة للشك والنميمة. ويجد أهل الحي في تصرفاتهما مساحة للتأويل والمراقبة، في حين يسبق الكلامُ الوقائع بخطوات، لتجد وضحى نفسها في قلب عاصفة اجتماعية تتَّسع دائرتها مع كل حلقة، وتتحول فيها النية الحسنة عبئاً يتطلب دفاعاً يومياً.

الخلوة... لحظة تغيّر المسار

خالد صقر يمر بتحولات جديدة في الموسم الثاني (حساب الفنان في إكس)

تبلغ هذه الحبكة ذروتها في الحلقة السادسة، حين يجتمع أبو إبراهيم ووضحى صدفة في منتصف الليل داخل محل ابنها. ويتحوَّل هذا اللقاء العابر أزمةً كبيرة بعد اقتحام الشرطة المكان والقبض عليهما بتهمة الخلوة غير الشرعية، وهي تهمة كانت تُواجَه بحزم شديد في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهي الفترة الزمنية التي يستلهم منها المسلسل عالمه الاجتماعي خلال الموسم الثاني.

ومنذ تلك اللحظة، تتَّسع دائرة الأقاويل، ويتعرض الاثنان إلى هجوم مباشر من أهل الحارة الذين يرتابون من سلوكهما، لتتحول النظرات والهمسات تدريجياً موقفاً علنياً يضعهما تحت ضغط اجتماعي كثيف.

أمام هذا الواقع، يقرِّر أبو إبراهيم الزواج من وضحى، في خطوة تهدف إلى ردع الأقاويل ووضع حد للتأويلات المتزايدة؛ سعياً إلى حماية السمعة قبل أي اعتبار آخر. غير أن هذه الخطوة تفتح جبهة جديدة داخل بيته، وتضع أسرته أمام اختبار صعب تتداخل فيه المشاعر مع ضغط المجتمع ونظرته.

وتدخل زوجته نورة (عائشة كاي) في تحدٍّ مختلف عمَّا عاشته في الموسم الأول؛ فبعدما تمحورت أزماتها سابقاً حول أبنائها وبناتها، تجد نفسها اليوم أمام أزمة تمس علاقتها الزوجية مباشرة. ومع تراكم الضغوط وتصاعد الكلام داخل الحارة، يلحظ الجمهور بداية تصدّع في هذه العلاقة، تحت وطأة المجتمع وثقل سمعته.

سعد... عودة بوجه مزدوج

براء عالم ملثماً في دور الهارب سعد (حساب الفنان في إكس)

في سياقٍ آخر، يعود الشاب سعد (براء عالم) بعد المسار الذي اتخذه في الموسم الأول، حين انحرف وانضم إلى فئات فكرية ضالّة، وانتشر خبر مقتله. غير أن الموسم الثاني يكشف عن أن سعد ما زال حياً، وأنه يتعامل سراً مع الشرطة للقبض على المطلوبين، ليتحرك بين أزقة الحي متلثماً بشماغه، ويظهر في صورة تجمع بين الغموض والخطر.

ويجعل هذا الحضور الملتبس بعضَ سكان الحارة يلمحونه ويشكّون في هويته، كما يضيف خط سعد طبقة جديدة من التوتر إلى عالم «شارع الأعشى». ويعزّز هذا المسار فكرة السمعة والذاكرة والهوية بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات، مانحاً الموسم بُعداً إضافياً يتجاوز الصراع العائلي إلى صراع مع الماضي وصورته في عيون الآخرين.

وجوه جديدة... وشخصيات تتبدّل

وكذلك، يشهد الموسم الجديد تحولاً في شخصية فواز (محمد الحربي)، الذي كان حضوره هامشياً ومحدوداً في الموسم الأول بوصفه صبياً صغيراً، ليظهر اليوم في صورة مراهق يحاول فرض سيطرته على تصرفات أخواته، ويغار عليهن من شباب الحي، في محاولة لمحاكاة التحولات التي يمر بها الصبيان خلال مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب.

ويبدو لافتاً ما يحمله الموسم الثاني من «شارع الأعشى» من مشاركة جديدة لعدد من النجوم الذين انضموا إلى العمل، مثل ناصر الدوسري، ومهند الحمدي، ومها محمد، ومحمد الحجي إلى جانب أسماء أخرى؛ وهو ما أسهم في توسيع عالم الحكاية وفتح مسارات درامية جديدة، ومنح الحارة وجوهاً أخرى تتقاطع مع الشخصيات الأساسية.

في المقابل، شهد الموسم الثاني استبدال شخصية ضاري، التي كان يؤديها الممثل عبد الرحمن بن نافع في الجزء الأول، ليحل محله مصعب المالكي. وأثار هذا التغيير جدلاً واسعاً بين الجمهور خلال الأسبوع الأول من العرض، وفتحِ باب المقارنات بين أداء الممثلين، في نقاش يعكس حجم ارتباط المشاهدين بالشخصيات وتفاصيلها.

ديكور وأزياء أكثر ثراءً

على المستوى البصري، يبرز في هذا الموسم تطور واضح في ديكور الحارة؛ إذ جاء أكثر إتقاناً وغنًى بالتفاصيل، بما يعزّز الإحساس بالمكان والزمن، ويمنح المشاهد شعوراً أعمق بالاندماج في العالم الدرامي. فقد بدت الأزقة والبيوت والمحال وكأنها تحمل طبقات من الذاكرة، وتخدم فكرة الحارة بوصفها كائناً حيّاً يراقب ويحتفظ بالأسرار.

وينسجم هذا التطور مع عناية أكبر بتفاصيل الأزياء، التي جاءت مشغولة بدقة بمشاركة مستشارة الأزياء فوزية بن خميس. كما برز فستان زواج عزيزة من خالد، باللون الوردي المنفوش والمشغولات الذهبية، بوصفه أحد أكثر العناصر البصرية لفتاً للانتباه في الحلقات الأولى.

إلى جانب ذلك، يظهر جانب آخر في شخصية الجازي (أميرة الشريف)، يتمثل في اهتمامها بتصميم الأزياء لسيدات الحارة، وهو تفصيل يضيف بُعداً إنسانياً واجتماعياً جديداً إلى نسيج العمل، ويمنحه مساحة أوسع للتعبير عن الأذواق والطبقات والهوية البصرية للشخصيات.

الحارة... محكمة مفتوحة

إجمالاً، يكشف الموسم الثاني عن تحوّل المكان نفسه إلى سلطة قائمة بذاتها؛ فالحارة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل محكمة مفتوحة لا تتوقف عن المراقبة وإصدار الأحكام. تتحول النظرات اتهاماً، والكلمات قرارات مصيرية، في حين تكتسب الشائعات قوة تفوق الحقيقة أحياناً، لتدفع الشخصيات نحو اختيارات قاسية لا يفرضها القدر بقدر ما يفرضها المجتمع.

ومع مواصلة المسلسل تصدُّر المشاهدة منذ أسبوعه الأول، يتضح أن الجمهور يتابع هذه التحولات بوصفها امتداداً طبيعياً لعالم تعرّف إليه سابقاً، ويراه اليوم في مواجهة أكثر حدة مع اختياراته ونتائجها. وهكذا يقدّم «شارع الأعشى» في موسمه الثاني حكاية شارع يحتفظ بذاكرته، وأشخاص يخوضون سباقاً يومياً على السمعة، ومجتمعاً يجعل من الصورة العامة ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها النيات الحسنة مع قسوة التأويل.