(1 -3): القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب مجاهد البوسيفي عن العقيد الليبي وخلفيات علاقته الشائكة بالغربيين

القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
TT

(1 -3): القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء

القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط» بدءاً من اليوم، فصولاً من كتاب «دول الخيمة» الذي يصدر قريباً للكاتب الليبي مجاهد البوسيفي عن ليبيا في ظل حكم العقيد الراحل معمر القذافي. تتناول هذه الحلقة الفصل المتعلق بالعلاقة الشائكة بين القذافي والغرب، وكيف كان العقيد الليبي يعتبر أن «دين» الغرب الحقيقي هو المال فتعامل معه على هذا الأساس، مضيفاً أنه من مرور الأيام «صار وجود الغرب كعدو أمراً مهماً أيضاً لاستمرار شرعيته وبقائه في الحكم بأقل التكاليف».
ويتناول هذا الفصل أيضاً كيف أوكل العقيد «السبق» في ملف التعامل مع الغرب إلى ابنه سيف الإسلام، وكيف اكتشفت المخابرات الليبية عام 2009 شبكة تنصُّت على المسؤولين الليبيين، بمن فيهم من كانوا على اتصال مباشر مع العقيد الراحل، تُدار من تونس منذ عشر سنوات.
الكتاب من منشورات «ضفاف» في بيروت وسيصدر خلال معرض القاهرة للكتاب. عدم محبة الغرب ليست أمراً جديداً على العقيد، فهي نظرة تتسم بالصدق والانسجام مع الذات، لم تتغير بمرور الزمن. ويروي هو نفسه عن أيامه التي قضاها عندما كان في دورة عسكرية قرب لندن، عام 1966، أنه كان يناقش مواطناً إنجليزياً، جلس معه في القطار، حول الشعوب والقِيَم. وعندما حضر المشروب، اكتفى الإنجليزي بدفع حسابه فقط، ليقطع العقيد (وقتها كان ملازماً) الحديث معه فوراً، احتجاجاً على هذا التصرف الذي يخلو من الشهامة والكرم. فقد اعتبر ذلك إشارة صريحة إلى مستوى ثقافة ذلك الشعب، الذي لا يستضيفك ولا يتركك تستضيفه على كوب شاي، وهو أمر لا يمكن القبول به وفق القِيَم البدوية التي تربى عليها.
وفي حوار لاحق أجرته معه «بي بي سي»، عندما أصبح في الحكم، نعرف أن هناك ما هو أكثر من كوب الشاي. يقول العقيد إنه وزملاءه تعرضوا للإزعاج والإهانة من قبل الضباط الإنجليز المكلَّفين بالدورة، وأضاف للصحافي الإنجليزي أنه متأكد من «أنهم يكرهوننا».

لم ينسَ العقيد، ولم يتمكن من فهم الغرب على حقيقته أبداً، لا كعدو ولا كصديق. ظلت فكرته عن ذلك التجمع البشري الجبار، الذي يتحرك على الضفة المقابلة من البحر، بسيطة وخاضعة لقِيَمه هو، وليس لقِيَم وتجربة وتاريخ الغرب. وعيه تشكّل في زمن عبد الناصر، ومسيرات المدارس، وثورة الجزائر، واستمر يتطور باتجاه واحد طوال الوقت، لم تؤثر فيه التجارب ولا القراءات، ولا مسؤولية الحكم.
كان العقيد حريصاً على نقل كرهه للغرب إلى الجميع، وصنع حالة عداء معه، صنعت بدورها نجوميته. ومع الأيام، صار وجود الغرب كعدو أمراً مهماً أيضاً لاستمرار شرعيته وبقائه في الحكم بأقل التكاليف. توتر العلاقات مع الغرب، والاعتداءات المتبادلة بين الطرفين، وفّرت فرصة لتأمين حاجة الثورة الدائمة لعدو، يمنحها شرعية البقاء.
وأقام العقيد جزءاً أساسياً من دعايته على جدار الدين والتاريخ، على أساس أن ما يحدث الآن هو عدوان للحملة الصليبية العاشرة، التي تستهدف ليبيا من ضمن حملتها على الشرق المسلم، استئنافاً للحروب القديمة. وكان متحمساً في تلك العداوة، حتى إنه طلب في إحدى المرات، وفي خطاب مباشر على التلفزيون، أن يخرج إليه «كارتر» للمبارزة علناً أمام الناس، المبارزة بالسلاح، كحل لإنهاء هذه الحرب. وفي حالات أخرى من الضيق، أخذ يردد في خُطبه ومحاضراته نظرية جديدة، إضافة إلى نظرية داروين الخاصة بأصل الأنواع، مفادها أن الغربيين هم الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان. ولم يتردد لحظة في أن يطلب من الباحثين والمثقفين العمل على تأصيل ما قال علمياً للجماهير.
عدم إتقانه للغة أجنبية، واعتزازه الشديد بنفسه، وميله الدائم للأخذ بالمُسَلَّمات، كانت حائلاً بينه وبين معرفة موضوع معقدٍ سياسياً واجتماعياً وصناعياً، مثل الحياة في الغرب، وبالتالي تقدير خطورته. لذا، بقيَ نحو عقدين يصول في تلك الأصقاع المُدِرّة للشهرة، مخلفاً وراءه الخوف أينما حل. اشتُهِر اسمه وصار معروفاً هناك، وقام بتنفيذ أو دعم عمليات إرهابية في أغلب المدن الأوروبية، ثم أرسل فرقه، محترفة القتل، التي وصلت إلى الولايات المتحدة نفسها، لاغتيال المعارضين في قلب العدو الأكبر. واستمر في نشر حالة من العداء ضد الدول الغربية في المنطقة، شوّشت كثيراً من الأجواء.
وفي أبريل (نيسان) 1986، قرر الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وضع قاعدة جديدة في التعامل معه، فأرسل سرب طائرات قصفت بيته الخاص وبضعة أهداف أخرى، أخطأت في اثنين منها على الأقل، وتسببت في مجزرة استفاد منها العقيد بذكاء. لكن الرسالة الأساسية كانت قد وصلت وأدت غرضها لعدة سنوات. لقد فهم العقيد، هذه المرة، أن عليه أن يلتزم الهدوء. وعندما تم الانتهاء من ترتيب وضع صدام حسين بعد حرب الكويت، أُعلِن دون مقدمات كبيرة، وبالتزامن، في بريطانيا والولايات المتحدة، عن توجيه اتهام رسمي للنظام الليبي بتفجير طائرة أميركية مدنية، وسمّى الاتهام رجلين ليبيين بالاسم كمطلوبين للمحاكمة.
ودخلت ليبيا، مع العراق في الوقت نفسه، تحت حصار استمر سبع سنوات، قبل أن تنجح وساطة سعودية - جنوب أفريقية في إقناع القذافي بتسليم المُتَّهمين لمحكمة محايدة، حيث دخل في ماراثون قانوني لسنوات أخرى، قبل أن يُقرّ أخيراً ويتحمل الذنب.
كلّفت قضية لوكربي القذافي وليبيا جهوداً وخسائر كبيرة على كل الجبهات. لكنه خرج من تلك المعمعة بنظرية جديدة، اكتشفها أثناء معالجته لتلك المشكلة التي شكلت خطراً حقيقياً عليه، وهي نظرية جديدة للتعامل مع الغرب، صاغها في خمس كلمات: الدِّين الوحيد للغرب هو المال.
وأخذ العقيد يتصرف في حقبته الجديدة، بعد النجاة من «لوكربي»، على هذا الأساس، حيث بإمكانه أن يمنح العقود للشركات الغربية، وتتولى هي التعامل مع حكوماتها بالشكل الذي تفهمه. وإذا لم يكْفِ ذلك، فهناك دائماً نقاط ضعف في مكان ما في شبكة ديمقراطية الغرب.
على سبيل المثال، تمكّن العقيد من دعم أحزاب وجماعات ضغط، وحتى حملات انتخاب للحكم في قلب حواضر الغرب. ولم تُخيّب نظريته الجديدة أمله أبداً، وحقق عبرها «إنجازات» مهمة، فتحت له ما رغب من طرق. لقد كانت تلك الشركات العابرة للقارات قادرة، في مرحلة لاحقة، على جلب عدوه السابق رئيس وزراء بريطانيا العظمى توني بلير، شخصياً، إلى باب خيمته، فأجلسه أمامه داخلها، رافعاً، غير بعيد من وجهه، حذاء ملوثاً بالروث، قبل أن يمنحه بركته لتوقيع العقد الذي جاء من أجله.
لقد جمّدته معضلة «لوكربي» سنوات، أصابه فيها الترهل، ودفعت شعبه إلى بدايات تعبير علني عن الضجر. لذا، كانت انطلاقته بعدها سريعة، لتعويض ما مضى، بقوة دفع «النظرية» الجديدة المعتمِدة على المال. لكن قبضته ستتراخى تدريجياً في الداخل، الذي سيتركه للأولاد والمقربين كلما تقدم الوقت، ويمضي في الطريق الجديدة التي انفتحت أمامه بعد انفراج شدة «لوكربي»، وحصارها الذي جعل وضعه في مقام المنبوذ.
وبالمال، الذي يملك منه الكثير، وفيما عدا لندن التي احتفظ لها بكره دائم، قام بزيارة أغلب عواصم الغرب، حاملاً معه خيمته وناقته في بعض الأحيان، فجاء إلى باريس، حيث جلس على كرسي لويس الرابع عشر، الذي سبق أن حكم أكثر من سبعين سنة، وذلك أثناء جولته في المتحف الذي خُصّصت زيارته في ذلك اليوم للقذافي فقط، وذلك بعد أن استقبله الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي رسمياً في قصر الإليزيه، دون أن يخطر على بال أحد أنه كان قد موّل حملة ساركوزي الانتخابية. وسيصل العقيد بعد ذلك إلى قِبلة السياسة، نيويورك نفسها، ويقوم باستعراض أممي مشهود.
لقد مر وقت ازدهرت فيه حقاً نظرية القذافي حول دِين الغرب، في أوساط الغرب العليا، حتى إنه صدق بالنجاة.
لكن كل هذه الأسفار والفُرَص لم تكن لتغيّر تفكيره إلى فهم أعمق.
انشغل العقيد كثيراً بالغرب، إلى درجة أنه لم يجد وقتاً ليتعرف عليه حقاً، ويدرك كيف يعيش الغرب، وكيف يفكر ويعمل ويصنع قراراته، ولماذا هو مختلف على هذا النحو؟
لم تكن في الجماهيرية مراكز أبحاث ودراسات، ولا مجموعات عمل منظمة، ولا خلايا تفكير، ولا بنية تحتية لتعليم جيد قادر على التعبير عن نفسه بالكوادر والأفكار. كانت هناك مصلحة للثورة في أن يبقى الأمر بسيطاً. فالغرب مفيد للثورة أكثر كعدو غامض وشرس، وهو مشروع استثمرت في عداوته الكثير، وجنت أرباحاً «شعبية» كبيرة منه، والأفضل أن يبقى الأمر على ما هو عليه. هذه هي الخدمة التي يقدمها الغرب للعقيد، وهي الخدمة المُرحَّب بها في جماهيريته. وفي كل الأحوال، فقد أصبح عنده ما يكفي من عيّنات غربية يريها لشعبه عندما يريد، وهو جالس في الخيمة يتابع سير توقيع تلك الاتفاقيات.
لكن المشاكل الحقيقية مع الغرب كانت لم تبدأ بعد. فهي ستبدأ عندما سيظهر أسامة بن لادن على المسرح، ويضرب في قلب أميركا دون رحمة، في عملية هوليوودية الهوى، بالكاد أفلت منها البيت الأبيض نفسه في ربع الساعة الأخير.
بعد ذلك بأقل من عامين، سيسقط صدام حسين في عملية أخرى، كأنها لعبة حرب إلكترونية، مع فارق الدماء. في ذلك اليوم الذي سقط فيه تمثال صدام، حضرت وحدات أمنية خاصة إلى قلب طرابلس ليلاً، وأزالت صور القائد الكبيرة المعلقة على الجدران، مخافة أن تكون مستفزة أكثر من اللازم بهيمنتها على المكان في تلك الأوقات. وقضى العقيد طوال الأيام التالية بين الحذر والترقب، متوقعاً كل شيء، بما في ذلك أن تظهر طائرات أميركا في الجو من جديد. استمرت تلك المرحلة أشهراً، وبعد أن تم القبض على صدام بأسبوع، أدرك القذافي أخيراً أن اللعبة انتهت، وأعلن بنفسه تخليه عن أي برامج لإنتاج الأسلحة «الكيماوية والبيولوجية والنووية»، ثم فكّك معامله في هذا المجال، وشحنها مع ما يلزم من الأجهزة المطلوبة، إلى الولايات المتحدة، ليتفقدها الرئيس بوش الابن مزهواً، ثم تُعرَض على الإعلام، الذي أعطاها مساحات كبيرة، ما أحرج كرامة العقيد، فاتصل الليبيون مجدداً بالدكتور محمد البرادعي، رئيس «الهيئة الدولية للطاقة»، الذي كان على وشك اللقاء ببوش، وطلبوا منه المساعدة في الموضوع. وفعلاً، طرح البرادعي الأمر أمام الرئيس، وشرح له أنه ما من فائدة في إحراج القذافي بصورة من «خان أمته»، بالتركيز الإعلامي على تسليمه لبرنامجه. واقتنع بوش الابن بكلام البرادعي، وجرى بقية الأمر في جو أكثر هدوءاً.
كان العقيد في ذلك الوقت قد أعطى بعض إشارات بترك مساحة لابنه سيف الإسلام، يتحرك فيها في الداخل، ثم منحه سبق البدء بالاتصال سراً بالغرب، بهدف حل معضلة «لوكربي» ودياً، مانحاً إياه ورقة قوية توفر له دخولاً كبيراً إلى المسرح، وهو ما حدث.
في تلك المرحلة من صراعه مع أميركا، سيعود العقيد إلى التاريخ مجدداً، ويتقمص شخصية «يوسف باشا القره مانللي»، في حالتي القوة والضعف، ولكن بترتيب ونتيجة مختلفَين.
بدأ معركته قوياً متحمساً، وأحياناً بذيئاً، لسنوات طويلة بدأت منذ الثلث الأول من السبعينات، وامتدت حتى منتصف الثمانينات، وهي مرحلة رواج كبير للعداء لأميركا، ما جعل المنافسة حادة بين القوميين لإبراز أفضل الطرق لمقاومة ذلك العدو المكين. ومن بين كثير من القادة الذين يتقدمون لهذا الشرف، كان للعقيد مكان متقدم في هذا الشأن. لقد كان واثقاً من الانتصار، حتى إنه في إحدى خطبه أمام الجماهير، طلب منها، متهكماً، البحث عما إذا كان هناك «أميركا أخرى» لم نعرفها بعد، مبشراً الحضور بأننا «بلعنا» أميركا الحالية وانتهى أمرها تماماً، وإن المطلوب الآن «تمشيط» العالم، والتأكد من أنه ما من أميركا أخرى فيه.
استمرت هذه الفترة إلى نهاية الثمانينات تقريباً، ثم بدأ الانتقال تدريجياً إلى المرحلة التي بدأ منها يوسف باشا من قبل، في النسخة الحقيقية من التاريخ، وأخذ يدبج الرسائل ويعطي التصريحات التي تبدو في مضمونها ونغمتها مستعارة مما قاله الباشا من قبل، عندما كان يرسل إلى الرئيس الأميركي، في البداية، طالباً معاملته مثل جيرانه من حكام تونس والجزائر والمغرب، وأن يحفظ كرامته، وكذا، بدأ العقيد في نغمة جديدة مشحونة بالشكوى من الظلم الذي لحق به، مستغرباً، كيف أن أميركا غفرت لمن تسمّيهم إرهابيين مثل مانديلا وعرفات، وفرشت لهم البساط الأحمر، بينما تعامله هو معاملة الإرهابيين الخارجين عن القانون. وواقعياً، كان ذلك يعني أنه انتهى في المكان الذي بدأ منه سلفه الباشا في الأصل. فقد كان يوسف باشا يتحدث عن الضرائب المستحقة لمرور السفن من بحره في زمن حاضر، بينما يطلب القذافي الأمان والصفح عن زمن مضى. وهكذا حصل، بعد جهد مُنهِك، على جوائز أقل من الباشا في نهاية الأمر. فالباشا استرد حقه في مال الضرائب مع نهاية حرب السنوات الأربع، ما أكسبه صيتاً كبيراً في المنطقة، وهو مكسب لم ينله العقيد، الذي أصاب ذلك الصراع الطويل هيبته بخسائر كبيرة، أجبرته على طلب الغفران.
وعندما تم قبوله أخيراً في العائلة الدولية، بعد ذاك الرجاء الطويل، توسع العقيد أكثر في نشر نظريته الجديدة حول دِين الغرب في التجمعات الغربية، كلما أمكنه ذلك، وكسب أنصاراً جُدداً في مواقع مختلفة، خصوصاً من السياسيين السابقين الذين اتجهوا للعمل كواجهة للشركات والبنوك الكبرى، بينما بقيَ الإعلام ومراكز البحث على حذر.
وكانت أميركا الرسمية تلوِّح بالعصا كلما رأت أن الأمر يتطلب ذلك. ففي مارس (آذار) 2004، زار الجماهيرية وفد يرأسه جوزيف بايدن، كبير الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، نائب أوباما، ثم رئيس الولايات المتحدة فيما بعد. وبعد لقائه القذافي قرب سرت، ألقى بايدن في اليوم التالي كلمة أمام مؤتمر الشعب العام المنعقد في مقره بالمدينة، والذي صار مقراً رسمياً منذ بعض الوقت، قال فيها إن الشعب الليبي لديه الإمكانات والفُرَص، لكنه يعاني من مشكلة كبيرة هي «آيديولوجيا مُضلِّلة» تتحكم به. وبالطبع، تم قطع البث التلفزيوني المباشر للكلمة فوراً عند هذا الحد، وسعى العشرات من الدبلوماسيين والساسة في الأروقة كثيراً لتخفيف حدة تلك الكلمات التي قيلت في قلب العرين، بعد عشر سنوات من تسليم القذافي أسلحته وما ظنه غفراناً. لكن بايدن لم يَبْدُ عليه الاهتمام، وظل مُصراً على رأيه في العقيد، الذي وصفه بعد عودته إلى واشنطن بأنه «ليست فيه عظْمة واحدة تؤمن بالديمقراطية».
وتعددت الوفود الغربية الباحثة عن فرص للاستثمار، وذهب أغلبها بهدف المال والسياسة، ولكن كان هناك آخرون يجمعون نوعاً مختلفاً من المعلومات.
فبعد زيارة جوزيف بايدن بسنتين، جاء وفد من المعهد القومي للديمقراطية في واشنطن، الذي كان تلك الفترة تحت رئاسة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة، يضم أربعة متخصصين في المنطقة، ومراقبين لسير التغيير في ليبيا. وقضى الوفد تسعة أيام يتجول في البلاد، وخرج منها بتقرير، يصف أوضاعاً كئيبة بعد سبعة وثلاثين عاماً من وصول القائد إلى السلطة.
ويلفت التقرير في ديباجته النظر إلى أنه أثناء تكوينه صورة عن الوضع، تحدث مع أشخاص مختلفين، وكانوا يقدمون معلومات متناقضة، والأسئلة المحددة المباشرة التي كانت تُطرح عليهم، كانت تقابَل بإجابات غامضة وردود تحمل «عدم اليقين». وفي إشارة سريعة، تضيف ديباجة التقرير أن ذلك «يجري حتى على أعلى مستويات الحكومة».
ثم يصف التقرير أن نظام سلطة الشعب والمؤتمرات الشعبية «بالغ التعقيد دون داعٍ»، وأنه عملية تؤدي إلى «إعطاء سلطة لمجموعة صغيرة من النخب، التي تتلاعب بقرارات المؤتمرات الشعبية، بحجة تطويعها واستخلاص القرار المتفق عليه». وتصف النظام الليبي بأنه «صيغ بصلابة لا تسمح بالتأثير فيه، أو التلاعب به على كل مستويات الحكومة».
وبعد أن يصف التقرير اللجان الثورية بأنها «الطرف الثالث غير الواضح في هيكلية السلطة، ولكنها هي من تحسم القرارات»، يشير بنباهة إلى وسيلة التحكم المهمة التي في يد النظام، إذ إن التصويت العلني على القرارات غير مأمون، و«يكون المصوتون عُرضة للتخويف والإرهاب بسهولة، من وجود قوات الأمن واللجان الثورية وغيرهم، ما يدعم وجهات نظر النظام»، وإن المؤتمر الشعبي الأساسي هو «عبارة عن ختم مطاط يستخدم للتصديق والاعتماد لكل سياسات القذافي ودائرته الداخلية من المستشارين».
ثم يذهب التقرير مباشرة إلى المكان الذي تصب فيه كل الأودية بالقول: «من الواضح جداً أن السلطة التنفيذية هي واقعياً في يد العقيد القذافي... الذي خلق نظاماً يحمل آلية لاتخاذ القرار في غاية العتمة وعدم الوضوح».
ويمضي التقرير في شرح بقية الصورة لواقع الحال، فيما بعد منتصف العقد الثالث من حكم العقيد، حيث «لا توجد في ليبيا منظمات مجتمع مستقلة»، وهناك عقوبات قانونية على حرية التعبير والتجمع، حتى إن تحركات واتصالات الوفد نفسه «كانت تحت الرقابة اللصيقة طوال المهمة». ويعطي فكرة عن تفكك الإدارة وحيرة المسؤولين و«الشللية والتشقق الحادث الآن في النظام».
بطبيعة الحال، كانت هناك أيضاً «وفود» من نوع آخر تفضّل العمل في السر، تجمع نوعاً أخطرَ من المعلومات لحساب وكالاتها. وكان عندها من المعرفة أكثر مما عند الباحثين والاقتصاديين. وفي إحدى المرات، اكتشفت المخابرات الليبية، عام 2009، شبكة تنصُّت على المسؤولين الليبيين، تُدار من تونس منذ عشر سنوات، وشمل التقرير الذي أرسله عنصر مخابرات ليبي في تونس، مكان محطات التنصُّت وتاريخ إنشائها، والأهم أسماء المُتنصَّت عليهم طوال تلك السنوات. وقد شملت القائمة الجميع، من رئيس المخابرات لعقد ونصف العقد، موسى كوسى، إلى عديل القذافي والرجل الثاني عملياً في البلاد عبد الله السنوسي، ومدير مكتب معلومات القذافي بشير صالح، وأيضاً مسؤول المكتب الخاص للعقيد أحمد رمضان. ولم توفر المراقبة أيضاً بعضاً من أولاده.
وهكذا، كان كل من يمكن أن يتحدث معهم العقيد تحت المراقبة، التي شملت الهاتف والفاكس والبريد الإلكتروني والاتصالات اللاسلكية التي تدور بين «وحدات الشعب المسلح»، كما أكد التقرير. وبهذا، كان تقريباً كل ما يُقال أو يُكتب داخل دائرة العقيد يصل إلى دوائر الغرب من فم مصدره مباشرة، وفي التو، ما يفسر لنا كيف كانت تسير الأمور، وكيف وصل العقيد إلى مستوى بث الشكوى في العلن. فقد كان كل شيء عنه معلوماً.
وفود كثيرة جاءت وذهبت، وظل العقيد في مركز الدائرة الذي يرسم النهج الجديد بحذر، دون بنية تحتية صالحة، ولا كوادر مؤهلة، إلا فيما ندر، للاستخدام في العالم الخارجي. وظل العقيد في سعي محموم في البحث عن «شرعية دولية»، يتوّج بها حياته كمرجع عالمي. وفي فترة ما، أصبح قريباً فعلاً من ذلك الاستحقاق، فقد كان على وشك أن يظفر بفرصة العمر.
فبعد حل مشكلة «لوكربي» بسنتين، استطاع العقيد الخروج بتوقيع الإعلان المبدئي للاتحاد الأفريقي، الذي اختار له العقيد تاريخاً مُنسَّقاً كما يحب هو 9 - 9 - 1999. وكان العقيد قد اتجه إلى العمل في أفريقيا مجدداً في التسعينات، بعد انغلاق الأفق بخضوعه للحصار، إضافة إلى الحذر الكبير الذي ساد في السوق القومية بعد هزيمة صدام في الكويت. واتسم ذلك العقد باشتعال الحروب الأهلية في تلك القارة المترامية، إذ أسهم العقيد بجهده في أوغندا وسيراليون وليبيريا وأفريقيا الوسطى، وأينما استطاع، بالمال والجنود والدعم السياسي، في تعميق ذلك الجرح، حتى استطاع أخيراً أن يفرض نفسه، ويُخضِع كثيرين لتقبله.
وبالكاد استطاع قادة أفريقيا إبعاده عن رئاسة ذلك الاتحاد عشر سنوات، قبل أن يفوز بها أخيراً في الوقت الذي يريده تماماً. إذ ما إن تسلّم الرئاسة الأفريقية عام 2010، حتى تسلم أيضاً الرئاسة العربية في قمة سرت بعدها بأسابيع. وكان بين هاتين الرئاستين، قد وصل أخيراً إلى نيويورك للمرة الأولى والأخيرة في حياته، حيث سيأخذه الاحتفال باللحظة، ويثير بتحركاته كثيراً من الجلبة الطفولية في ذلك الوسط الرصين. وتوج ذلك الأداء بخطبته من على منبر العالم، التي كانت عرضاً لمونولوغ ركيك الصياغة والأداء. وكانت لحظة تراجيدية تُبَث مباشرة من أشهر مسارح العصر، خرق فيها «القائد» كل البروتوكولات والقوانين، واستمر أكثر من ساعتين يخلط موضوعاً بموضوع، مقدماً أسوأ عروضه عبر تاريخه الطويل على الإطلاق، مرتكباً ذلك في المكان الذي قدّم كل ما يلزم للصعود على منبره لقول كلمته.
كان هناك بالطبع كثير ممن سيدبّجون الإشادات بتلك الكلمة، خصوصاً في الداخل، لتبيان تاريخيتها وما منحته للعالم من حكمة وحلول. لكن هذه الكلمة، في الواقع الدولي، كانت وبالاً تاماً عليه، أظهرت خفته وميله للاستعراض، وطرح أفكاره الساذجة عن السياسة ومسؤولية الحكم، وزرع انطباعاً عاماً بين الحاضرين بأن أَخْذَ كلامه بشكل جِدّي أمر غير حكيم، وزال الحرج عن آخرين كان يمكن أن يساعدوه، بعد أن تأكدت الصورة الرائجة عن خطورة الثقة به.
رحلة نيويورك كانت إقفالاً للدائرة. وعندما وصل ذلك الفتى البدوي أخيراً إلى تفاحة العالم وقلبه المالي، ليخاطب العالم ويلقي بشارته، أفسد الفرصة الثمينة.
أما الغرب، فقد جلس ينتظر، بعد أن نفض يديه من إعادة التأهيل، حتى جاءت الفرصة وحان الوقت. عندئذ، أنكر علناً أي علاقة به، نازعاً عنه الغطاء أولاً، ثم ليتدخل مباشرة لحسم أمر إزالته.

(2 -3) : سنوات البراءة: «القوميون» تسابقوا لاستقطاب العقيد... ففاز عبد الناصر
(3 -3): القذافي هدد برشاشه رفاقه في مجلس قيادة الثورة



أبرز الجنازات في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية

مسؤولون محليون وأجانب يسيرون أمام نعوش المرشد الإيراني علي خامنئي وأفراد عائلته في طهران (أ.ف.ب)
مسؤولون محليون وأجانب يسيرون أمام نعوش المرشد الإيراني علي خامنئي وأفراد عائلته في طهران (أ.ف.ب)
TT

أبرز الجنازات في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية

مسؤولون محليون وأجانب يسيرون أمام نعوش المرشد الإيراني علي خامنئي وأفراد عائلته في طهران (أ.ف.ب)
مسؤولون محليون وأجانب يسيرون أمام نعوش المرشد الإيراني علي خامنئي وأفراد عائلته في طهران (أ.ف.ب)

كثيراً ما شهد الشرق الأوسط جنازات ضخمة لزعماء شاركت فيها حشود جماهيرية، ومن المتوقع ألا تشذّ جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي عن ذلك؛ إذ تتوقع السلطات حضور ملايين المشيّعين.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد شهدت جنازتا الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1970، والخميني في إيران عام 1989، حشوداً هائلة... فما أبرز الجنازات في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية؟

جمال عبد الناصر

في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1970، سار ملايين الأشخاص خلف نعش الرئيس المصري في شوارع القاهرة، على امتداد 16 كيلومتراً، وبذلت قوات الأمن جهوداً مضنية للحيلولة دون انتزاع الحشود للنعش. وحالَ التدافع دون تمكّن ضباط من الجيش المصري ورؤساء دول وشخصيات بارزة من 52 دولة من السير في الموكب. وقد أصيب نائب الرئيس أنور السادات وعاهل الأردن الملك حسين بالإغماء، شأنهما في ذلك شأن العشرات من المشيّعين.

وفي إجراء أخير، فسح عناصر الشرطة، مستخدمين أعقاب بنادقهم، الطريق المؤدي إلى المسجد، حيث أقيمت صلاة الجنازة على جثمان الراحل.

الخميني

في السادس من يونيو (حزيران) 1989، اجتذبت جنازة المرشد الإيراني الأول، الخميني، أكبر حشد في إيران منذ عودته إلى إيران من المنفى عام 1979.

وسط حشود مندفعة، أحاط المشيّعون بالمركبة التي كانت تقل الجثمان في موكب الجنازة في طهران، فتمزق الكفن وسقط الجثمان على الأرض.

في نهاية المطاف، تم نقل الجثمان لإجراء مراسم الدفن، التي تأخرت لعدة ساعات، بواسطة مروحية إلى مقبرة قرب طهران.

ووفقاً لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا»، توافد ما لا يقل عن 10 ملايين شخص إلى المنطقة، وأسفر تدافع الحشود عن مقتل أكثر من عشرة أشخاص، وإصابة ما يزيد على 10 آلاف آخرين.

أم كلثوم

ارتقت المغنية المصرية أم كلثوم إلى مستوى أولئك القادة، حين تدفق الملايين من الناس إلى شوارع القاهرة عام 1975 لتشييع جثمانها، وذلك بحسب ما ذكرته الصحافة العربية في حينه.

ياسر عرفات

في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2004، توافد مد بشري من الفلسطينيين إلى رام الله في الضفة الغربية المحتلة، لوداع أخير لزعيمهم التاريخي ياسر عرفات. واقتحم الآلاف منهم مقر المقاطعة حيث يرقد القائد، بعد أن حاصره الجيش الإسرائيلي فيه لقرابة ثلاث سنوات.

وبدأت مراسم جنازته داخل مجمع عسكري في مسقط رأسه القاهرة، وهو قرار اتخذته مصر ليتسنى لجميع قادة الدول العربية تقديم واجب العزاء.

في الوقت نفسه، نظّم آلاف الفلسطينيين من مخيمات اللاجئين جنازة رمزية في العاصمة اللبنانية.

وعارضت إسرائيل بشكل قاطع دفن ياسر عرفات في القدس الشرقية كما كان يرغب، أو حتى في ضواحي المدينة المقدسة.

إسحق رابين

في نوفمبر 1995، تجمّع نحو مليون إسرائيلي ومئات الشخصيات الأجنبية المرموقة، ومنهم عدد من القادة العرب، في القدس لحضور جنازة رئيس الوزراء إسحق رابين الذي اغتاله متطرف يهودي.

وفي السادس من نوفمبر، توقفت البلاد بأسرها لمدة دقيقتين على وقع أصوات صفارات الإنذار أثناء مراسم الدفن، وذلك عقب أضخم جنازة عسكرية نُظمت في إسرائيل على الإطلاق.


أزمة التمويل تُهدد بعثة حفظ السلام في الصومال... و3 سيناريوهات محتملة

جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة التمويل تُهدد بعثة حفظ السلام في الصومال... و3 سيناريوهات محتملة

جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تعاني بعثة حفظ السلام الجديدة في الصومال أزمات تمويلية منذ تشكيلها قبل نحو عام، غير أن أفق عمل تلك القوات ينتظر تهديداً وجودياً أكبر مع تحركات أميركية لمنع التمويل الدولي للبعثة.

تلك الخطوة التي تجري مشاورات بشأنها لتقليص أو وقف التمويل، يراها خبير صومالي تحدّث لـ«الشرق الأوسط»، قد تنعكس مباشرة على العمليات العسكرية الجارية ضد «حركة الشباب» الإرهابية، متوقعاً 3 سيناريوهات، بينها أن يخالف المجتمع الدولي مساعي واشنطن لإنهاء فوري للتمويل، ويواصل الدعم لتفادي أي مخاطر تُهدد منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية.

«حركة الشباب» الصومالية تضاعف المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024، لفترة أولية مدتها 12 شهراً، بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» الإرهابية التي تتصاعد عملياتها هناك منذ 15 عاماً.

وتقدم بعثة الاتحاد الأفريقي، التي يبلغ قوامها نحو 12 ألف فرد، الدعم للحكومة الهشة في مقديشو، وتساعدها في صد إرهابيي «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، التي أوصلتها هجماتها السابقة إلى مسافة قريبة من العاصمة، وتُسيطر على مساحات شاسعة من الريف في جنوب الصومال ووسطه.

وفي مذكرة دبلوماسية صدرت أول يوليو (تموز) أبلغت واشنطن الاتحاد الأفريقي بأنها لن تدعم مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، الذي تبلغ ميزانيته الإجمالية نحو 500 مليون دولار، بعد نهاية هذا العام، وفق ما نقلته «رويترز»، الخميس.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وقالت الحكومة الأميركية إنها لن تعترض على قيام مجلس الأمن الدولي بتجديد تفويض بعثة الاتحاد الأفريقي عندما يحين موعد التجديد، لكنها ستعارض أي تمديد يتضمن دعماً لوجستياً أو دعماً يتعلق بالعمليات من الأمم المتحدة.

وبلغت ميزانية بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال العام الماضي 190 مليون دولار، لكن تمويل البعثة أصبح غير مستقر على نحو متزايد، ما ترتب عليه عجزاً هائلاً في التمويل، خصوصاً بعدما عرقلت واشنطن العام الماضي خطة للتحول إلى نموذج تمويلي تغطي في إطاره الأمم المتحدة ثلاثة أرباع الميزانية، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

وقال أحمد كوشين، المدير العام السابق بوزارة الدفاع الصومالية، والعضو الحالي في البرلمان الوطني لـ«رويترز»: «سيكون لهذا الأمر تداعيات هائلة على الصومال (...) بعثة حفظ السلام في خطر».

وأوضح دبلوماسيان على دراية مباشرة بشؤون بعثة الاتحاد الأفريقي لـ«رويترز»، أنها لن تتمكن من الاستمرار ما لم تحل هيئة أخرى محل الدعم الذي تقدمه الأمم المتحدة.

مسلح خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، أن أي تقليص أو توقف للتمويل قد ينعكس مباشرة على العمليات العسكرية الجارية ضد «حركة الشباب» الإرهابية، كما قد يفرض ضغوطاً إضافية على الحكومة الصومالية لتسريع برامج بناء الجيش، ورفع كفاءته العملياتية واللوجستية، بما يضمن انتقالاً تدريجياً للمسؤوليات الأمنية من القوات الدولية إلى المؤسسات الوطنية.

ويعتقد كلني، أنه رغم الموقف الأميركي فإن المجتمع الدولي لن يسمح بانهيار مفاجئ للبعثة؛ نظراً لما يمثله الصومال من أهمية في أمن القرن الأفريقي، ومكافحة الإرهاب، وتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، متوقعاً أن تتجه الأطراف الدولية إلى البحث عن صيغ تمويل بديلة، أو إعادة هيكلة البعثة، أو تقليص مهامها بصورة تدريجية بدلاً من إنهائها بشكل كامل.

عناصر من الجيش الصومالي (وكالة الأنباء الصومالية)

وفي حال تعثر التوافق الدولي بشأن التمويل، تبرز 3 سيناريوهات رئيسية لمستقبل البعثة، حسب كلني، أولها استمرارها بعد إعادة هيكلة آليات التمويل وتقليص حجمها، وثانيها انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الجيش الصومالي مع بقاء دعم دولي محدود، أما السيناريو الثالث، وهو الأقل ترجيحاً لكنه الأكثر خطورة، فيتمثل في تراجع كبير للدور الدولي، بما يخلق فراغاً أمنياً قد تستفيد منه الجماعات المسلحة.

تحركات صومالية

ووسط ذلك التهديد، ترأس وزير الدفاع في الحكومة الفيدرالية الصومالية، أحمد معلم فقي، الخميس، اجتماع اللجنة العليا لاستراتيجية الجيش الوطني، والذي ناقش الخطط الاستراتيجية المتعلقة بالإسراع في تطوير وإعادة بناء وتحديث الجيش الوطني، حسب «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية.

وأكد الوزير الصومالي أهمية تنفيذ خطط استراتيجية تهدف إلى تطوير الجيش الوطني، بما يُسهم في بناء جيش وطني محترف وحديث وقادر على أداء واجباته الدستورية في الدفاع عن السيادة الوطنية، وحماية وحدة الأراضي، وضمان الأمن القومي.

ولا تزال القوات المسلحة الصومالية، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، تنفذ «سلسلة غارات جوية متتالية استهدفت مواقع تابعة لميليشيات (الشباب) الإرهابية في مناطق عدة بالبلاد»، حسب «وكالة الأنباء الصومالية».

جنود من الجيش الصومالي في محافظة شبيلى السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)

وبين الضغوط المالية ومساعي تطوير الجيش، يؤكد المحلل السياسي الصومالي علي كلني، أن الحكومة الصومالية أمام اختبار استراتيجي حاسم، فنجاحها في بناء مؤسسة عسكرية قادرة على تحمل المسؤولية سيُحدد إلى حد كبير مستقبل الاستقرار الداخلي، كما سيُشكل معياراً لمدى قدرة الدولة الصومالية على إدارة مرحلة ما بعد الاعتماد على بعثات حفظ السلام الدولية.

ويتوقع أن تستمر الحكومة الصومالية في التحرك بوتيرة متسارعة لإعادة هيكلة قواتها المسلحة وتعزيز جاهزيتها، في وقت تتزايد المؤشرات إلى احتمال تعرض بعثة حفظ السلام الدولية في الصومال لأزمة تمويل قد تعيد رسم المشهد الأمني في البلاد.


تفشي «جدري الأبقار» يهدد المواشي بمناطق سيطرة الحوثيين

اليمنيون بمناطق الحوثيين عاجزون عن توفير العلاجات لحماية مواشيهم (فيسبوك)
اليمنيون بمناطق الحوثيين عاجزون عن توفير العلاجات لحماية مواشيهم (فيسبوك)
TT

تفشي «جدري الأبقار» يهدد المواشي بمناطق سيطرة الحوثيين

اليمنيون بمناطق الحوثيين عاجزون عن توفير العلاجات لحماية مواشيهم (فيسبوك)
اليمنيون بمناطق الحوثيين عاجزون عن توفير العلاجات لحماية مواشيهم (فيسبوك)

يتسع نطاق المخاوف في مناطق يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية مع الانتشار المتسارع لمرض «الجلد العقدي»، المعروف أيضاً بـ«جدري الأبقار»، وسط شكاوى من غياب حملات التحصين والخدمات البيطرية، في وقت ترى فيه أوساط زراعية أن استمرار تفشي المرض يهدد مصدر رزق آلاف الأسر الريفية التي تعتمد على تربية الماشية.

وفي المقابل، عرضت الحكومة اليمنية رؤيتها لتطوير القطاع الزراعي خلال مؤتمر دولي في العاصمة الإيطالية روما، مؤكدة أهمية التحول نحو الزراعة الذكية لتعزيز الأمن الغذائي ورفع كفاءة الإنتاج.

وأفاد سكان ومربو مواشٍ في محافظة المحويت، الواقعة غرب صنعاء، بتسجيل ارتفاع ملحوظ في حالات الإصابة بمرض الجلد العقدي خلال الأسابيع الأخيرة، خصوصاً في مديريات حفاش وبني سعد وملحان، مع تركز أكبر للإصابات في مديرية حفاش.

وأوضح مربون أن المرض أصاب مئات الأبقار، وظهرت عليها أعراض شملت ارتفاع درجات الحرارة، وظهور عقد جلدية وانتفاخات في مختلف أنحاء الجسم، إضافة إلى انخفاض إنتاج الحليب، مؤكدين نفوق عشرات الرؤوس خلال الأيام الماضية، الأمر الذي ألحق خسائر مباشرة بالأسر التي تعتمد على الثروة الحيوانية، بوصفها مصدراً رئيسياً للدخل والمعيشة.

القطاع الحيواني في مناطق سيطرة الحوثيين يعاني من تحديات كبيرة (فيسبوك)

ووفق مصادر محلية، فإن اتساع رقعة انتشار المرض جاء في ظل غياب حملات التحصين الوقائية، وافتقار المناطق الريفية إلى الخدمات البيطرية الأساسية، فضلاً عن محدودية إمكانات المربين وعجز كثير منهم عن شراء الأدوية أو الحصول على الإرشادات اللازمة للتعامل مع المرض.

وأكّد عدد من المزارعين أن سلطات الجماعة الحوثية لم تنفذ حملات ميدانية فعالة لاحتواء انتشار المرض، رغم المناشدات المتكررة التي أطلقها المتضررون للمطالبة بتوفير اللقاحات والعلاجات، وإنقاذ ما تبقى من الثروة الحيوانية.

ويرى مربو المواشي أن استمرار تفشي المرض يهدد بتفاقم الخسائر في قطاع تربية الأبقار، الذي يمثل أحد أهم مصادر الدخل لآلاف الأسر في الأرياف، داعين إلى تدخل عاجل لتنفيذ حملات تحصين شاملة، وتوفير الأدوية والخدمات البيطرية، والحدّ من انتقال العدوى إلى مناطق جديدة.

شكاوى من الإهمال

بحسب إفادات متطابقة لمزارعين، فإن اهتمام الجماعة الحوثية ينصبّ، بصورة رئيسية، على تحصيل الرسوم والجبايات المفروضة على العاملين في القطاع الزراعي ومربي المواشي، في حين تغيب الإجراءات الكفيلة بحماية الثروة الحيوانية أو الحدّ من انتشار الأمراض الوبائية.

ويؤكد مختصون في الشأن الزراعي أن مكافحة مرض الجلد العقدي تتطلب استجابة سريعة تشمل التحصين الوقائي، ومكافحة الحشرات الناقلة للفيروس، وتعزيز الرقابة البيطرية، وتنفيذ برامج توعية للمربين حول طرق الوقاية وآليات الحد من انتقال العدوى.

ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه القطاع الحيواني في مناطق سيطرة الحوثيين تحديات متراكمة نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية، وتراجع القدرة الشرائية للسكان، ما يزيد من صعوبة تحمل المربين أي أعباء إضافية أو مواجهة موجات نفوق واسعة بين مواشيهم.

الحوثيون يرغمون المزارعين على التبرع بالمواشي للجبهات (إعلام حوثي)

ويرى المختصون أن استمرار الإهمال في توفير اللقاحات والعلاجات الضرورية، بالتزامن مع فرض مزيد من الرسوم والإتاوات على العاملين في القطاع، يفاقم الضغوط الاقتصادية على الأسر الريفية، ويضعف قدرة هذا القطاع على الصمود، رغم أهميته في توفير الغذاء والدخل لشرائح واسعة من السكان.

ويحذر عاملون في المجال الزراعي من أن توسع انتشار المرض دون تدخلات عاجلة قد يؤدي إلى تراجع أعداد الماشية وانخفاض إنتاج الألبان واللحوم، ما ينعكس على الأمن الغذائي في المناطق الريفية، ويزيد من الأعباء المعيشية على السكان الذين يواجهون أصلاً أوضاعاً اقتصادية وإنسانية صعبة.

رؤية حكومية

في المقابل، شارك وزير الزراعة والري والثروة السمكية في الحكومة اليمنية، سالم السقطري، في الجلسة المستديرة رفيعة المستوى بعنوان «الحوكمة من أجل الزراعة الذكية الشاملة والمستدامة»، ضمن أعمال المؤتمر العالمي لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) بشأن الزراعة الذكية، المنعقد في العاصمة الإيطالية روما.

وأكّد السقطري، خلال مداخلته، أن الحوكمة تمثل الركيزة الأساسية لتحويل الابتكار الرقمي والتكنولوجي إلى نتائج عملية تخدم المزارعين، ولا سيما صغار المنتجين، وتسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق التنمية الزراعية المستدامة.

وأوضح أن بناء بيئة مواتية للزراعة الذكية يتطلب تطوير الأطر المؤسسية والسياسات الوطنية الداعمة للتحول الرقمي، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية وأنظمة المعلومات الزراعية والإنذار المبكر، إلى جانب بناء قدرات المزارعين، وتعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص ومراكز البحث والابتكار.

وزير الزراعة اليمني يعرض في روما رؤية حكومة بلاده (سبأ)

واستعرض الوزير عدداً من المبادرات التي تنفذها الحكومة اليمنية، بالتعاون مع الشركاء الدوليين والإقليميين، ومن بينها التوسع في استخدام البيوت المحمية، وتطبيقات الزراعة المائية، وتقنيات الري الحديث، مثل الري بالتنقيط والري المحوري، إلى جانب دعم نظم المعلومات الزراعية والإنذار المبكر، وتعزيز الممارسات الزراعية الذكية مناخياً.

وأشار السقطري إلى أن الوزارة تعمل على تعزيز التكامل بين التكنولوجيا الزراعية والسياسات الوطنية، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة، ويرفع كفاءة الإنتاج الزراعي، ويحسن سبل عيش المزارعين والصيادين، مؤكداً أهمية استمرار التعاون الدولي، وتبادل الخبرات، وتوفير التمويل والتكنولوجيا للدول النامية لبناء نظم زراعية أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.