(1 -3): القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب مجاهد البوسيفي عن العقيد الليبي وخلفيات علاقته الشائكة بالغربيين

القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
TT

(1 -3): القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء

القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط» بدءاً من اليوم، فصولاً من كتاب «دول الخيمة» الذي يصدر قريباً للكاتب الليبي مجاهد البوسيفي عن ليبيا في ظل حكم العقيد الراحل معمر القذافي. تتناول هذه الحلقة الفصل المتعلق بالعلاقة الشائكة بين القذافي والغرب، وكيف كان العقيد الليبي يعتبر أن «دين» الغرب الحقيقي هو المال فتعامل معه على هذا الأساس، مضيفاً أنه من مرور الأيام «صار وجود الغرب كعدو أمراً مهماً أيضاً لاستمرار شرعيته وبقائه في الحكم بأقل التكاليف».
ويتناول هذا الفصل أيضاً كيف أوكل العقيد «السبق» في ملف التعامل مع الغرب إلى ابنه سيف الإسلام، وكيف اكتشفت المخابرات الليبية عام 2009 شبكة تنصُّت على المسؤولين الليبيين، بمن فيهم من كانوا على اتصال مباشر مع العقيد الراحل، تُدار من تونس منذ عشر سنوات.
الكتاب من منشورات «ضفاف» في بيروت وسيصدر خلال معرض القاهرة للكتاب. عدم محبة الغرب ليست أمراً جديداً على العقيد، فهي نظرة تتسم بالصدق والانسجام مع الذات، لم تتغير بمرور الزمن. ويروي هو نفسه عن أيامه التي قضاها عندما كان في دورة عسكرية قرب لندن، عام 1966، أنه كان يناقش مواطناً إنجليزياً، جلس معه في القطار، حول الشعوب والقِيَم. وعندما حضر المشروب، اكتفى الإنجليزي بدفع حسابه فقط، ليقطع العقيد (وقتها كان ملازماً) الحديث معه فوراً، احتجاجاً على هذا التصرف الذي يخلو من الشهامة والكرم. فقد اعتبر ذلك إشارة صريحة إلى مستوى ثقافة ذلك الشعب، الذي لا يستضيفك ولا يتركك تستضيفه على كوب شاي، وهو أمر لا يمكن القبول به وفق القِيَم البدوية التي تربى عليها.
وفي حوار لاحق أجرته معه «بي بي سي»، عندما أصبح في الحكم، نعرف أن هناك ما هو أكثر من كوب الشاي. يقول العقيد إنه وزملاءه تعرضوا للإزعاج والإهانة من قبل الضباط الإنجليز المكلَّفين بالدورة، وأضاف للصحافي الإنجليزي أنه متأكد من «أنهم يكرهوننا».

لم ينسَ العقيد، ولم يتمكن من فهم الغرب على حقيقته أبداً، لا كعدو ولا كصديق. ظلت فكرته عن ذلك التجمع البشري الجبار، الذي يتحرك على الضفة المقابلة من البحر، بسيطة وخاضعة لقِيَمه هو، وليس لقِيَم وتجربة وتاريخ الغرب. وعيه تشكّل في زمن عبد الناصر، ومسيرات المدارس، وثورة الجزائر، واستمر يتطور باتجاه واحد طوال الوقت، لم تؤثر فيه التجارب ولا القراءات، ولا مسؤولية الحكم.
كان العقيد حريصاً على نقل كرهه للغرب إلى الجميع، وصنع حالة عداء معه، صنعت بدورها نجوميته. ومع الأيام، صار وجود الغرب كعدو أمراً مهماً أيضاً لاستمرار شرعيته وبقائه في الحكم بأقل التكاليف. توتر العلاقات مع الغرب، والاعتداءات المتبادلة بين الطرفين، وفّرت فرصة لتأمين حاجة الثورة الدائمة لعدو، يمنحها شرعية البقاء.
وأقام العقيد جزءاً أساسياً من دعايته على جدار الدين والتاريخ، على أساس أن ما يحدث الآن هو عدوان للحملة الصليبية العاشرة، التي تستهدف ليبيا من ضمن حملتها على الشرق المسلم، استئنافاً للحروب القديمة. وكان متحمساً في تلك العداوة، حتى إنه طلب في إحدى المرات، وفي خطاب مباشر على التلفزيون، أن يخرج إليه «كارتر» للمبارزة علناً أمام الناس، المبارزة بالسلاح، كحل لإنهاء هذه الحرب. وفي حالات أخرى من الضيق، أخذ يردد في خُطبه ومحاضراته نظرية جديدة، إضافة إلى نظرية داروين الخاصة بأصل الأنواع، مفادها أن الغربيين هم الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان. ولم يتردد لحظة في أن يطلب من الباحثين والمثقفين العمل على تأصيل ما قال علمياً للجماهير.
عدم إتقانه للغة أجنبية، واعتزازه الشديد بنفسه، وميله الدائم للأخذ بالمُسَلَّمات، كانت حائلاً بينه وبين معرفة موضوع معقدٍ سياسياً واجتماعياً وصناعياً، مثل الحياة في الغرب، وبالتالي تقدير خطورته. لذا، بقيَ نحو عقدين يصول في تلك الأصقاع المُدِرّة للشهرة، مخلفاً وراءه الخوف أينما حل. اشتُهِر اسمه وصار معروفاً هناك، وقام بتنفيذ أو دعم عمليات إرهابية في أغلب المدن الأوروبية، ثم أرسل فرقه، محترفة القتل، التي وصلت إلى الولايات المتحدة نفسها، لاغتيال المعارضين في قلب العدو الأكبر. واستمر في نشر حالة من العداء ضد الدول الغربية في المنطقة، شوّشت كثيراً من الأجواء.
وفي أبريل (نيسان) 1986، قرر الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وضع قاعدة جديدة في التعامل معه، فأرسل سرب طائرات قصفت بيته الخاص وبضعة أهداف أخرى، أخطأت في اثنين منها على الأقل، وتسببت في مجزرة استفاد منها العقيد بذكاء. لكن الرسالة الأساسية كانت قد وصلت وأدت غرضها لعدة سنوات. لقد فهم العقيد، هذه المرة، أن عليه أن يلتزم الهدوء. وعندما تم الانتهاء من ترتيب وضع صدام حسين بعد حرب الكويت، أُعلِن دون مقدمات كبيرة، وبالتزامن، في بريطانيا والولايات المتحدة، عن توجيه اتهام رسمي للنظام الليبي بتفجير طائرة أميركية مدنية، وسمّى الاتهام رجلين ليبيين بالاسم كمطلوبين للمحاكمة.
ودخلت ليبيا، مع العراق في الوقت نفسه، تحت حصار استمر سبع سنوات، قبل أن تنجح وساطة سعودية - جنوب أفريقية في إقناع القذافي بتسليم المُتَّهمين لمحكمة محايدة، حيث دخل في ماراثون قانوني لسنوات أخرى، قبل أن يُقرّ أخيراً ويتحمل الذنب.
كلّفت قضية لوكربي القذافي وليبيا جهوداً وخسائر كبيرة على كل الجبهات. لكنه خرج من تلك المعمعة بنظرية جديدة، اكتشفها أثناء معالجته لتلك المشكلة التي شكلت خطراً حقيقياً عليه، وهي نظرية جديدة للتعامل مع الغرب، صاغها في خمس كلمات: الدِّين الوحيد للغرب هو المال.
وأخذ العقيد يتصرف في حقبته الجديدة، بعد النجاة من «لوكربي»، على هذا الأساس، حيث بإمكانه أن يمنح العقود للشركات الغربية، وتتولى هي التعامل مع حكوماتها بالشكل الذي تفهمه. وإذا لم يكْفِ ذلك، فهناك دائماً نقاط ضعف في مكان ما في شبكة ديمقراطية الغرب.
على سبيل المثال، تمكّن العقيد من دعم أحزاب وجماعات ضغط، وحتى حملات انتخاب للحكم في قلب حواضر الغرب. ولم تُخيّب نظريته الجديدة أمله أبداً، وحقق عبرها «إنجازات» مهمة، فتحت له ما رغب من طرق. لقد كانت تلك الشركات العابرة للقارات قادرة، في مرحلة لاحقة، على جلب عدوه السابق رئيس وزراء بريطانيا العظمى توني بلير، شخصياً، إلى باب خيمته، فأجلسه أمامه داخلها، رافعاً، غير بعيد من وجهه، حذاء ملوثاً بالروث، قبل أن يمنحه بركته لتوقيع العقد الذي جاء من أجله.
لقد جمّدته معضلة «لوكربي» سنوات، أصابه فيها الترهل، ودفعت شعبه إلى بدايات تعبير علني عن الضجر. لذا، كانت انطلاقته بعدها سريعة، لتعويض ما مضى، بقوة دفع «النظرية» الجديدة المعتمِدة على المال. لكن قبضته ستتراخى تدريجياً في الداخل، الذي سيتركه للأولاد والمقربين كلما تقدم الوقت، ويمضي في الطريق الجديدة التي انفتحت أمامه بعد انفراج شدة «لوكربي»، وحصارها الذي جعل وضعه في مقام المنبوذ.
وبالمال، الذي يملك منه الكثير، وفيما عدا لندن التي احتفظ لها بكره دائم، قام بزيارة أغلب عواصم الغرب، حاملاً معه خيمته وناقته في بعض الأحيان، فجاء إلى باريس، حيث جلس على كرسي لويس الرابع عشر، الذي سبق أن حكم أكثر من سبعين سنة، وذلك أثناء جولته في المتحف الذي خُصّصت زيارته في ذلك اليوم للقذافي فقط، وذلك بعد أن استقبله الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي رسمياً في قصر الإليزيه، دون أن يخطر على بال أحد أنه كان قد موّل حملة ساركوزي الانتخابية. وسيصل العقيد بعد ذلك إلى قِبلة السياسة، نيويورك نفسها، ويقوم باستعراض أممي مشهود.
لقد مر وقت ازدهرت فيه حقاً نظرية القذافي حول دِين الغرب، في أوساط الغرب العليا، حتى إنه صدق بالنجاة.
لكن كل هذه الأسفار والفُرَص لم تكن لتغيّر تفكيره إلى فهم أعمق.
انشغل العقيد كثيراً بالغرب، إلى درجة أنه لم يجد وقتاً ليتعرف عليه حقاً، ويدرك كيف يعيش الغرب، وكيف يفكر ويعمل ويصنع قراراته، ولماذا هو مختلف على هذا النحو؟
لم تكن في الجماهيرية مراكز أبحاث ودراسات، ولا مجموعات عمل منظمة، ولا خلايا تفكير، ولا بنية تحتية لتعليم جيد قادر على التعبير عن نفسه بالكوادر والأفكار. كانت هناك مصلحة للثورة في أن يبقى الأمر بسيطاً. فالغرب مفيد للثورة أكثر كعدو غامض وشرس، وهو مشروع استثمرت في عداوته الكثير، وجنت أرباحاً «شعبية» كبيرة منه، والأفضل أن يبقى الأمر على ما هو عليه. هذه هي الخدمة التي يقدمها الغرب للعقيد، وهي الخدمة المُرحَّب بها في جماهيريته. وفي كل الأحوال، فقد أصبح عنده ما يكفي من عيّنات غربية يريها لشعبه عندما يريد، وهو جالس في الخيمة يتابع سير توقيع تلك الاتفاقيات.
لكن المشاكل الحقيقية مع الغرب كانت لم تبدأ بعد. فهي ستبدأ عندما سيظهر أسامة بن لادن على المسرح، ويضرب في قلب أميركا دون رحمة، في عملية هوليوودية الهوى، بالكاد أفلت منها البيت الأبيض نفسه في ربع الساعة الأخير.
بعد ذلك بأقل من عامين، سيسقط صدام حسين في عملية أخرى، كأنها لعبة حرب إلكترونية، مع فارق الدماء. في ذلك اليوم الذي سقط فيه تمثال صدام، حضرت وحدات أمنية خاصة إلى قلب طرابلس ليلاً، وأزالت صور القائد الكبيرة المعلقة على الجدران، مخافة أن تكون مستفزة أكثر من اللازم بهيمنتها على المكان في تلك الأوقات. وقضى العقيد طوال الأيام التالية بين الحذر والترقب، متوقعاً كل شيء، بما في ذلك أن تظهر طائرات أميركا في الجو من جديد. استمرت تلك المرحلة أشهراً، وبعد أن تم القبض على صدام بأسبوع، أدرك القذافي أخيراً أن اللعبة انتهت، وأعلن بنفسه تخليه عن أي برامج لإنتاج الأسلحة «الكيماوية والبيولوجية والنووية»، ثم فكّك معامله في هذا المجال، وشحنها مع ما يلزم من الأجهزة المطلوبة، إلى الولايات المتحدة، ليتفقدها الرئيس بوش الابن مزهواً، ثم تُعرَض على الإعلام، الذي أعطاها مساحات كبيرة، ما أحرج كرامة العقيد، فاتصل الليبيون مجدداً بالدكتور محمد البرادعي، رئيس «الهيئة الدولية للطاقة»، الذي كان على وشك اللقاء ببوش، وطلبوا منه المساعدة في الموضوع. وفعلاً، طرح البرادعي الأمر أمام الرئيس، وشرح له أنه ما من فائدة في إحراج القذافي بصورة من «خان أمته»، بالتركيز الإعلامي على تسليمه لبرنامجه. واقتنع بوش الابن بكلام البرادعي، وجرى بقية الأمر في جو أكثر هدوءاً.
كان العقيد في ذلك الوقت قد أعطى بعض إشارات بترك مساحة لابنه سيف الإسلام، يتحرك فيها في الداخل، ثم منحه سبق البدء بالاتصال سراً بالغرب، بهدف حل معضلة «لوكربي» ودياً، مانحاً إياه ورقة قوية توفر له دخولاً كبيراً إلى المسرح، وهو ما حدث.
في تلك المرحلة من صراعه مع أميركا، سيعود العقيد إلى التاريخ مجدداً، ويتقمص شخصية «يوسف باشا القره مانللي»، في حالتي القوة والضعف، ولكن بترتيب ونتيجة مختلفَين.
بدأ معركته قوياً متحمساً، وأحياناً بذيئاً، لسنوات طويلة بدأت منذ الثلث الأول من السبعينات، وامتدت حتى منتصف الثمانينات، وهي مرحلة رواج كبير للعداء لأميركا، ما جعل المنافسة حادة بين القوميين لإبراز أفضل الطرق لمقاومة ذلك العدو المكين. ومن بين كثير من القادة الذين يتقدمون لهذا الشرف، كان للعقيد مكان متقدم في هذا الشأن. لقد كان واثقاً من الانتصار، حتى إنه في إحدى خطبه أمام الجماهير، طلب منها، متهكماً، البحث عما إذا كان هناك «أميركا أخرى» لم نعرفها بعد، مبشراً الحضور بأننا «بلعنا» أميركا الحالية وانتهى أمرها تماماً، وإن المطلوب الآن «تمشيط» العالم، والتأكد من أنه ما من أميركا أخرى فيه.
استمرت هذه الفترة إلى نهاية الثمانينات تقريباً، ثم بدأ الانتقال تدريجياً إلى المرحلة التي بدأ منها يوسف باشا من قبل، في النسخة الحقيقية من التاريخ، وأخذ يدبج الرسائل ويعطي التصريحات التي تبدو في مضمونها ونغمتها مستعارة مما قاله الباشا من قبل، عندما كان يرسل إلى الرئيس الأميركي، في البداية، طالباً معاملته مثل جيرانه من حكام تونس والجزائر والمغرب، وأن يحفظ كرامته، وكذا، بدأ العقيد في نغمة جديدة مشحونة بالشكوى من الظلم الذي لحق به، مستغرباً، كيف أن أميركا غفرت لمن تسمّيهم إرهابيين مثل مانديلا وعرفات، وفرشت لهم البساط الأحمر، بينما تعامله هو معاملة الإرهابيين الخارجين عن القانون. وواقعياً، كان ذلك يعني أنه انتهى في المكان الذي بدأ منه سلفه الباشا في الأصل. فقد كان يوسف باشا يتحدث عن الضرائب المستحقة لمرور السفن من بحره في زمن حاضر، بينما يطلب القذافي الأمان والصفح عن زمن مضى. وهكذا حصل، بعد جهد مُنهِك، على جوائز أقل من الباشا في نهاية الأمر. فالباشا استرد حقه في مال الضرائب مع نهاية حرب السنوات الأربع، ما أكسبه صيتاً كبيراً في المنطقة، وهو مكسب لم ينله العقيد، الذي أصاب ذلك الصراع الطويل هيبته بخسائر كبيرة، أجبرته على طلب الغفران.
وعندما تم قبوله أخيراً في العائلة الدولية، بعد ذاك الرجاء الطويل، توسع العقيد أكثر في نشر نظريته الجديدة حول دِين الغرب في التجمعات الغربية، كلما أمكنه ذلك، وكسب أنصاراً جُدداً في مواقع مختلفة، خصوصاً من السياسيين السابقين الذين اتجهوا للعمل كواجهة للشركات والبنوك الكبرى، بينما بقيَ الإعلام ومراكز البحث على حذر.
وكانت أميركا الرسمية تلوِّح بالعصا كلما رأت أن الأمر يتطلب ذلك. ففي مارس (آذار) 2004، زار الجماهيرية وفد يرأسه جوزيف بايدن، كبير الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، نائب أوباما، ثم رئيس الولايات المتحدة فيما بعد. وبعد لقائه القذافي قرب سرت، ألقى بايدن في اليوم التالي كلمة أمام مؤتمر الشعب العام المنعقد في مقره بالمدينة، والذي صار مقراً رسمياً منذ بعض الوقت، قال فيها إن الشعب الليبي لديه الإمكانات والفُرَص، لكنه يعاني من مشكلة كبيرة هي «آيديولوجيا مُضلِّلة» تتحكم به. وبالطبع، تم قطع البث التلفزيوني المباشر للكلمة فوراً عند هذا الحد، وسعى العشرات من الدبلوماسيين والساسة في الأروقة كثيراً لتخفيف حدة تلك الكلمات التي قيلت في قلب العرين، بعد عشر سنوات من تسليم القذافي أسلحته وما ظنه غفراناً. لكن بايدن لم يَبْدُ عليه الاهتمام، وظل مُصراً على رأيه في العقيد، الذي وصفه بعد عودته إلى واشنطن بأنه «ليست فيه عظْمة واحدة تؤمن بالديمقراطية».
وتعددت الوفود الغربية الباحثة عن فرص للاستثمار، وذهب أغلبها بهدف المال والسياسة، ولكن كان هناك آخرون يجمعون نوعاً مختلفاً من المعلومات.
فبعد زيارة جوزيف بايدن بسنتين، جاء وفد من المعهد القومي للديمقراطية في واشنطن، الذي كان تلك الفترة تحت رئاسة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة، يضم أربعة متخصصين في المنطقة، ومراقبين لسير التغيير في ليبيا. وقضى الوفد تسعة أيام يتجول في البلاد، وخرج منها بتقرير، يصف أوضاعاً كئيبة بعد سبعة وثلاثين عاماً من وصول القائد إلى السلطة.
ويلفت التقرير في ديباجته النظر إلى أنه أثناء تكوينه صورة عن الوضع، تحدث مع أشخاص مختلفين، وكانوا يقدمون معلومات متناقضة، والأسئلة المحددة المباشرة التي كانت تُطرح عليهم، كانت تقابَل بإجابات غامضة وردود تحمل «عدم اليقين». وفي إشارة سريعة، تضيف ديباجة التقرير أن ذلك «يجري حتى على أعلى مستويات الحكومة».
ثم يصف التقرير أن نظام سلطة الشعب والمؤتمرات الشعبية «بالغ التعقيد دون داعٍ»، وأنه عملية تؤدي إلى «إعطاء سلطة لمجموعة صغيرة من النخب، التي تتلاعب بقرارات المؤتمرات الشعبية، بحجة تطويعها واستخلاص القرار المتفق عليه». وتصف النظام الليبي بأنه «صيغ بصلابة لا تسمح بالتأثير فيه، أو التلاعب به على كل مستويات الحكومة».
وبعد أن يصف التقرير اللجان الثورية بأنها «الطرف الثالث غير الواضح في هيكلية السلطة، ولكنها هي من تحسم القرارات»، يشير بنباهة إلى وسيلة التحكم المهمة التي في يد النظام، إذ إن التصويت العلني على القرارات غير مأمون، و«يكون المصوتون عُرضة للتخويف والإرهاب بسهولة، من وجود قوات الأمن واللجان الثورية وغيرهم، ما يدعم وجهات نظر النظام»، وإن المؤتمر الشعبي الأساسي هو «عبارة عن ختم مطاط يستخدم للتصديق والاعتماد لكل سياسات القذافي ودائرته الداخلية من المستشارين».
ثم يذهب التقرير مباشرة إلى المكان الذي تصب فيه كل الأودية بالقول: «من الواضح جداً أن السلطة التنفيذية هي واقعياً في يد العقيد القذافي... الذي خلق نظاماً يحمل آلية لاتخاذ القرار في غاية العتمة وعدم الوضوح».
ويمضي التقرير في شرح بقية الصورة لواقع الحال، فيما بعد منتصف العقد الثالث من حكم العقيد، حيث «لا توجد في ليبيا منظمات مجتمع مستقلة»، وهناك عقوبات قانونية على حرية التعبير والتجمع، حتى إن تحركات واتصالات الوفد نفسه «كانت تحت الرقابة اللصيقة طوال المهمة». ويعطي فكرة عن تفكك الإدارة وحيرة المسؤولين و«الشللية والتشقق الحادث الآن في النظام».
بطبيعة الحال، كانت هناك أيضاً «وفود» من نوع آخر تفضّل العمل في السر، تجمع نوعاً أخطرَ من المعلومات لحساب وكالاتها. وكان عندها من المعرفة أكثر مما عند الباحثين والاقتصاديين. وفي إحدى المرات، اكتشفت المخابرات الليبية، عام 2009، شبكة تنصُّت على المسؤولين الليبيين، تُدار من تونس منذ عشر سنوات، وشمل التقرير الذي أرسله عنصر مخابرات ليبي في تونس، مكان محطات التنصُّت وتاريخ إنشائها، والأهم أسماء المُتنصَّت عليهم طوال تلك السنوات. وقد شملت القائمة الجميع، من رئيس المخابرات لعقد ونصف العقد، موسى كوسى، إلى عديل القذافي والرجل الثاني عملياً في البلاد عبد الله السنوسي، ومدير مكتب معلومات القذافي بشير صالح، وأيضاً مسؤول المكتب الخاص للعقيد أحمد رمضان. ولم توفر المراقبة أيضاً بعضاً من أولاده.
وهكذا، كان كل من يمكن أن يتحدث معهم العقيد تحت المراقبة، التي شملت الهاتف والفاكس والبريد الإلكتروني والاتصالات اللاسلكية التي تدور بين «وحدات الشعب المسلح»، كما أكد التقرير. وبهذا، كان تقريباً كل ما يُقال أو يُكتب داخل دائرة العقيد يصل إلى دوائر الغرب من فم مصدره مباشرة، وفي التو، ما يفسر لنا كيف كانت تسير الأمور، وكيف وصل العقيد إلى مستوى بث الشكوى في العلن. فقد كان كل شيء عنه معلوماً.
وفود كثيرة جاءت وذهبت، وظل العقيد في مركز الدائرة الذي يرسم النهج الجديد بحذر، دون بنية تحتية صالحة، ولا كوادر مؤهلة، إلا فيما ندر، للاستخدام في العالم الخارجي. وظل العقيد في سعي محموم في البحث عن «شرعية دولية»، يتوّج بها حياته كمرجع عالمي. وفي فترة ما، أصبح قريباً فعلاً من ذلك الاستحقاق، فقد كان على وشك أن يظفر بفرصة العمر.
فبعد حل مشكلة «لوكربي» بسنتين، استطاع العقيد الخروج بتوقيع الإعلان المبدئي للاتحاد الأفريقي، الذي اختار له العقيد تاريخاً مُنسَّقاً كما يحب هو 9 - 9 - 1999. وكان العقيد قد اتجه إلى العمل في أفريقيا مجدداً في التسعينات، بعد انغلاق الأفق بخضوعه للحصار، إضافة إلى الحذر الكبير الذي ساد في السوق القومية بعد هزيمة صدام في الكويت. واتسم ذلك العقد باشتعال الحروب الأهلية في تلك القارة المترامية، إذ أسهم العقيد بجهده في أوغندا وسيراليون وليبيريا وأفريقيا الوسطى، وأينما استطاع، بالمال والجنود والدعم السياسي، في تعميق ذلك الجرح، حتى استطاع أخيراً أن يفرض نفسه، ويُخضِع كثيرين لتقبله.
وبالكاد استطاع قادة أفريقيا إبعاده عن رئاسة ذلك الاتحاد عشر سنوات، قبل أن يفوز بها أخيراً في الوقت الذي يريده تماماً. إذ ما إن تسلّم الرئاسة الأفريقية عام 2010، حتى تسلم أيضاً الرئاسة العربية في قمة سرت بعدها بأسابيع. وكان بين هاتين الرئاستين، قد وصل أخيراً إلى نيويورك للمرة الأولى والأخيرة في حياته، حيث سيأخذه الاحتفال باللحظة، ويثير بتحركاته كثيراً من الجلبة الطفولية في ذلك الوسط الرصين. وتوج ذلك الأداء بخطبته من على منبر العالم، التي كانت عرضاً لمونولوغ ركيك الصياغة والأداء. وكانت لحظة تراجيدية تُبَث مباشرة من أشهر مسارح العصر، خرق فيها «القائد» كل البروتوكولات والقوانين، واستمر أكثر من ساعتين يخلط موضوعاً بموضوع، مقدماً أسوأ عروضه عبر تاريخه الطويل على الإطلاق، مرتكباً ذلك في المكان الذي قدّم كل ما يلزم للصعود على منبره لقول كلمته.
كان هناك بالطبع كثير ممن سيدبّجون الإشادات بتلك الكلمة، خصوصاً في الداخل، لتبيان تاريخيتها وما منحته للعالم من حكمة وحلول. لكن هذه الكلمة، في الواقع الدولي، كانت وبالاً تاماً عليه، أظهرت خفته وميله للاستعراض، وطرح أفكاره الساذجة عن السياسة ومسؤولية الحكم، وزرع انطباعاً عاماً بين الحاضرين بأن أَخْذَ كلامه بشكل جِدّي أمر غير حكيم، وزال الحرج عن آخرين كان يمكن أن يساعدوه، بعد أن تأكدت الصورة الرائجة عن خطورة الثقة به.
رحلة نيويورك كانت إقفالاً للدائرة. وعندما وصل ذلك الفتى البدوي أخيراً إلى تفاحة العالم وقلبه المالي، ليخاطب العالم ويلقي بشارته، أفسد الفرصة الثمينة.
أما الغرب، فقد جلس ينتظر، بعد أن نفض يديه من إعادة التأهيل، حتى جاءت الفرصة وحان الوقت. عندئذ، أنكر علناً أي علاقة به، نازعاً عنه الغطاء أولاً، ثم ليتدخل مباشرة لحسم أمر إزالته.

(2 -3) : سنوات البراءة: «القوميون» تسابقوا لاستقطاب العقيد... ففاز عبد الناصر
(3 -3): القذافي هدد برشاشه رفاقه في مجلس قيادة الثورة



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.