عبد المنعم رمضان: القصيدة عندي في حاجة دائماً إلى أنفاس بشر

صاحب «غريب على العائلة» يتحدث عن تجربته الشعرية بمناسبة بلوغه السبعين

عبد المنعم رمضان
عبد المنعم رمضان
TT

عبد المنعم رمضان: القصيدة عندي في حاجة دائماً إلى أنفاس بشر

عبد المنعم رمضان
عبد المنعم رمضان

يعد الشاعر عبد المنعم رمضان أحد أبرز شعراء جيل السبعينيات في مصر. شارك في تأسيس جماعة «أصوات» الشعرية، وأصدر عدة دواوين منها، «الحلم ظل الوقت... الحلم ظل المسافة» 1980، و«الغبار» 1994، و«لماذا أيها الماضي تنام في حديقتي» 1995، و«غريب على العائلة» 2000، وله كتابان نثريان ينتميان لأدب السيرة الذاتية. نال جائزتي «المنتدى الثقافي اللبناني في باريس» 1998، و«كفافيس» 2000 من اليونان.
بمناسبة بلوغه السبعين، وحول تجربته الشعرية والمرتكزات الجمالية والفكرية التي تأثر بها، ودلالات رموزه وعالمه... هنا حوار معه.
> يتضمن ديوانك «لماذا أيها الماضي»... خمسة كتب: قصائد للحاكم بأمر الله، وثلاثة لأنور كامل، وأربعة لمحمد عفيفي مطر، وغيرها إلى ليليان... ما هي الرؤية التي استند إليها هذا النوع من التجاور؟
- الاسم الأول للديوان كانت قامته أطول، كان هكذا: «لماذا أيها الماضي تنام في حديقتي»، وذلك عندما نشرته مفرداً، ولما نشرته في الأعمال الكاملة رأيت ضرورة أن أخفي عبارة «تنام في حديقتي»، التي أحب للقارئ أن يخمنها. الديوان تتضام قصائده المتفرقة لتسبح في فضاء تطمح للديوان أن ينشئه، فضاء مسكون بدم سري، لا يمكن أن نراه إلا إذا جرحنا القصائد، وجعلناها تنزف، مثلما تحاول أن تفعل أنت، ليس «الحاكم بأمر الله» مجرد اسم لحاكم مصري أو غير مصري، إنه تاريخ سري لم ينقطع، ومكان سري لم يندثر، الحاكم بأمر الله وجه من وجوه القاهرة، والمقطم (الجبل) وجه من وجوه الحاكم، وكلهم القاهرة والحاكم والمقطم وجه من وجوه الأزل والأبد. أيام دخلتُ متاهة الحاكم كنتُ في غمرة متاهتي. أيامها قرأتُ وبشغف ما كتبه الرواة والمؤرخون والروائيون والشعراء عن حضوره وغيابه، أيامها دخلت وبحذر حديقة أسراره، ورأيته يبحث عن السر الأعظم، ولا يصل إليه، ويموت دونه، قصة وجود الحاكم لامست وجودي، كذلك قصة غيبته، التي خرج منها فيما بعد محمد عفيفي مطر، بعضنا يدرك أن لغة عفيفي مطر تشبه أسرار الحاكم، أذكر أنني لما رأيت عفيفي لأول مرة أحسسته طريداً خارج شعراء زمنه، أحسسته يجلس وحده تحت اللغة، ويحفر على أمل أن يصل إلى جذورها، في وقت كانت تسود فيه مباشرة ما ويقين ما، يشبهان مباشرة أمل دنقل ويقينه، في وقت كانت تتخلله ولا تسوده هشاشة أبي سنة، الغريب أنني على مسافة ليست بعيدة عن عفيفي مطر. رأيت أنور كامل لأول مرة، وعرفت أن غموض عفيفي سيقودني إلى سريالية الجماعة التي انتسب إليها أنور كامل، كان وجود أنور يدلني بوضوح على غياب جورج حنين وجويس منصور ورمسيس يونان وفؤاد كامل وكامل التلمساني، ويدلني بوضوح آخر على حضور إدوار الخراط، هكذا أصبحت ضمن جماعة سرية لا تنقصها النساء، مها وناريمان وليليان، الأخيرتان ذكرتاني بسِتِ المُلك أخت الحاكم بأمر الله، وابنة المعز لدين الله من زوجة، كما قيل، مسيحية، الأخيرتان ناريمان وليليان كانتا أيضاً مرشومتين بالصليب، سيرة ست الملك تقود إلى سيرة الحاكم، وتتواطأ الأساطير أحياناً لإدانتها، وأحياناً لترفع عنها الإدانة، كل هذه الوجوه، الحاكم وعفيفي مطر وأنور كامل وليليان، ليست ذات بعد واحد، ليست مشوهة، في زمن كانت وجوه أبطاله ذات بعد واحد، يكفي أن تتذكر وجه عبد الناصر، الذي حرصت على إبعاده عن شعري، احتفلت بكل السابقين لأخفي عدم اهتمامي بمن هم على النقيض منه.
> سميت قصائد الحاكم بأمر الله، «كتباً» فيما سبقت نظيراتها إلى أنور كامل ومطر وليليان بكلمة قصائد... ما المبررات التي استندت إليها؟
- لم تتنازل اللغة العربية عن حرصها على تقديس الكتاب، كما لم تتنازل عن حقها في تقديس القراءة، حتى أنها لم تمنح صفة القداسة هذه إلا لكتب معدودة، وظلت الكتب الأخرى تطمح لبلوغ هذه المرتبة، والحاكم بأمر الله جدير بأن يكون صاحب كتاب، هكذا ظن رواته، فجعلته صاحب خمسة كتب، فيما عفيفي مطر، الذي يزهو بقصائده ويتمنى لها أن تكون كتباً، يسمي أحد دواوينه «كتاب الأرض والدم»، ولعله فيما أذكر منح الحاكم بأمر الله مساحة من قصائد هذا الكتاب، أما ليليان فمحبوبة رغبت أن أطوق عنقها بقصائدي، وسميتها قصائد ليليان، يبقى أنور كامل، فهو صاحب تجليات متتالية، رتبتها هكذا، أنور كامل، أنور كامل 1، أنور كامل 2.
> في معظم قصائد دواوينك تنتشر أسماء لأعلام وكتاب ومثقفين وروائيين ومفكرين ينتمون إلى عصور قديمة وحديثة ويتجاورون مع أسماء غربية، ماذا كنت تريد أن تقول؟
- أنا رجل يشعر بالوحشة إذا جلس في غرفة وحيداً، يشعر بالوحشة إذا مشى في شارع خالٍ من البشر والحيوانات والطيور، يشعر بالوحشة إذا ظهرت قصائده وكأنها بيوت خالية لا يسكنها أحد، وجود الآخرين بأسمائهم هو هكذا اعتداء على الوحشة التي تخيفني، أعترف أنني أحب كثيراً ترديد أسماء من أحبهم، أحب كثيراً أن أتجاهل بصوت مسموع أسماء من لا أحبهم، البشر في قصائدي ليسوا بشر الأقفاص، إنهم بشر الشعر، دماؤهم من حروف، آلامهم من حروف، أفراحهم من حروف، معهم تضيق العبارة وتتسع الرؤية، القصيدة عندي، وهي كذلك دائماً، في حاجة إلى أنفاس بشر، لأنها تخاف أن تتجرد من ثيابها، أعلم أنها ستتجرد، تخاف أن تصبح شواهد معان، أو شواهد قبور، أعلم أنها لن تصبح، القصيدة هكذا أتمنى لها أن تحيا بالآخرين، كل الآخرين.
> في كتاب السيرة الذاتية «متاهة الإسكافي» سعيت إلى خلط الواقع بالمتخيل والرمزي بالأسطوري... كيف ترى ذلك؟ وهل يمكن للكاتب وهو يكتب سيرته الذاتية أن يلجأ لخلط الأساليب التعبيرية؟
- «متاهة الإسكافي» هي كتابي النثري، الذي حلمت له أن يحقق طموحاتي الضائعة من شعري، بسبب قسوة الشعر، في المتاهة خلعت كل ملابسي دون حياء، ودون حياء أيضاً خلقت عالماً بعضه موجود بالفعل، وبعضه موجود بالرغبة، وبعضه موجود بالاستحالة، وارتفعت بفعلي ورغباتي واستحالاتي تلك إلى حد أنها أصبحت جميعاً أكثر حقيقية من الوجود ذاته. المتاهة كتاب لا يكتبه صاحبه مرتين، قد يصبح مشنقتي، وقد يصبح قاعدة تمثالي، كل ما هو خيالي في المتاهة يبدو لي أكثر واقعية مما هو واقعي فعلاً، لم أحاول أن ألوث سيرة أحد من عائلتي أو من غير عائلتي، ولكنني حاولت أن أضع نفسي قرب ما أريده من نفسي، لأنني حقيقة وادعاءً، أريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمن.
> تنفتح القصيدة الشعرية لديك على مسارات الروح والوجدان والعقل كيف يمكن مقاربة ذلك بالنظر إلى علاقتك بشعراء الرومانسية المصريين والعرب أمثال محمود حسن إسماعيل وعلى محمود طه وأبو القاسم الشابي من ناحية، وأدونيس في جانبه الفلسفي من ناحية أخرى؟
- أظنك تعني بالروح والوجدان شعراء الرومانسية، وتعني بالعقل شعر أدونيس، ربما أوافقك، ربما أسير معك مسافة من الطريق، ولكنها مسافة قصيرة، بعدها سنفترق، لأن أدونيس بالقطع ليس شاعر العقل، وبالقطع أيضاً ليس شاعر الوجدان، إن شعريته قد تكون خارج هذا التقسيم التقليدي، عموماً أنا لم أنكر اطلاعي المبكر لحد التتلمذ على شعراء الرومانسية المصرية محمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وعبد المعطي الهمشري... إلخ إلخ، وترتيبهم مقصود، وإن كنت بمضي الزمن قد ميزت من بينهم محمود حسن إسماعيل، ليس بسبب الروح والوجدان، ولكن بسبب التشكيل، أعترف أنني تعرفت أيضاً على شعراء الرومانسية العرب، التيجاني يوسف بشير، وعبد السلام عيون السود، وعبد الباسط الصوفي، والترتيب غير مقصود، وكان أقلهم مقاماً عندي هو أبو القاسم الشابي، أعرف أنه أكثرهم شهرة، أعترف أنهم جميعاً وضعوا في إنائي بعضاً ليس هيناً من عصيرهم، ولما انتفضت ضد رخاوتهم الشعرية اكتشفت أن علاقتي بهم لم تبلغ حد أن تكون علاقة عصب، أما أدونيس فحصره في تعبير شاعر العقل أكبر من خيانة شعرية.
> يمثل حضور المرأة في قصيدتك جانباً أساسياً، وهناك قصائد تحمل أسماء الكثير من النساء... ما الذي كنت تريد أن تؤسسه من وجود شعري للمرأة في قصيدتك؟
- الأسماء في قصائدي علامة كبرى من علامات أنسنة القصيدة، سواء كانت الأسماء لرجال أو لنساء، سواء كانت تاريخية أو شعرية، والمرأة في عالمي ليست أداة زينة، ليست محض عاطفة أو محض شهوة، ليست مثيراً شعرياً، إنها شاهد من شواهد الوجود، الأصح أنها شاهد الوجود، يصعب اكتمال قصيدتي دونها، ولأنها هكذا فلا بد أن توجد بجسدها أولاً الذي هو جسد الوجود، وباسمها ثانياً الذي هو اسمي أيضاً.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.