عبد المنعم رمضان: القصيدة عندي في حاجة دائماً إلى أنفاس بشر

صاحب «غريب على العائلة» يتحدث عن تجربته الشعرية بمناسبة بلوغه السبعين

عبد المنعم رمضان
عبد المنعم رمضان
TT

عبد المنعم رمضان: القصيدة عندي في حاجة دائماً إلى أنفاس بشر

عبد المنعم رمضان
عبد المنعم رمضان

يعد الشاعر عبد المنعم رمضان أحد أبرز شعراء جيل السبعينيات في مصر. شارك في تأسيس جماعة «أصوات» الشعرية، وأصدر عدة دواوين منها، «الحلم ظل الوقت... الحلم ظل المسافة» 1980، و«الغبار» 1994، و«لماذا أيها الماضي تنام في حديقتي» 1995، و«غريب على العائلة» 2000، وله كتابان نثريان ينتميان لأدب السيرة الذاتية. نال جائزتي «المنتدى الثقافي اللبناني في باريس» 1998، و«كفافيس» 2000 من اليونان.
بمناسبة بلوغه السبعين، وحول تجربته الشعرية والمرتكزات الجمالية والفكرية التي تأثر بها، ودلالات رموزه وعالمه... هنا حوار معه.
> يتضمن ديوانك «لماذا أيها الماضي»... خمسة كتب: قصائد للحاكم بأمر الله، وثلاثة لأنور كامل، وأربعة لمحمد عفيفي مطر، وغيرها إلى ليليان... ما هي الرؤية التي استند إليها هذا النوع من التجاور؟
- الاسم الأول للديوان كانت قامته أطول، كان هكذا: «لماذا أيها الماضي تنام في حديقتي»، وذلك عندما نشرته مفرداً، ولما نشرته في الأعمال الكاملة رأيت ضرورة أن أخفي عبارة «تنام في حديقتي»، التي أحب للقارئ أن يخمنها. الديوان تتضام قصائده المتفرقة لتسبح في فضاء تطمح للديوان أن ينشئه، فضاء مسكون بدم سري، لا يمكن أن نراه إلا إذا جرحنا القصائد، وجعلناها تنزف، مثلما تحاول أن تفعل أنت، ليس «الحاكم بأمر الله» مجرد اسم لحاكم مصري أو غير مصري، إنه تاريخ سري لم ينقطع، ومكان سري لم يندثر، الحاكم بأمر الله وجه من وجوه القاهرة، والمقطم (الجبل) وجه من وجوه الحاكم، وكلهم القاهرة والحاكم والمقطم وجه من وجوه الأزل والأبد. أيام دخلتُ متاهة الحاكم كنتُ في غمرة متاهتي. أيامها قرأتُ وبشغف ما كتبه الرواة والمؤرخون والروائيون والشعراء عن حضوره وغيابه، أيامها دخلت وبحذر حديقة أسراره، ورأيته يبحث عن السر الأعظم، ولا يصل إليه، ويموت دونه، قصة وجود الحاكم لامست وجودي، كذلك قصة غيبته، التي خرج منها فيما بعد محمد عفيفي مطر، بعضنا يدرك أن لغة عفيفي مطر تشبه أسرار الحاكم، أذكر أنني لما رأيت عفيفي لأول مرة أحسسته طريداً خارج شعراء زمنه، أحسسته يجلس وحده تحت اللغة، ويحفر على أمل أن يصل إلى جذورها، في وقت كانت تسود فيه مباشرة ما ويقين ما، يشبهان مباشرة أمل دنقل ويقينه، في وقت كانت تتخلله ولا تسوده هشاشة أبي سنة، الغريب أنني على مسافة ليست بعيدة عن عفيفي مطر. رأيت أنور كامل لأول مرة، وعرفت أن غموض عفيفي سيقودني إلى سريالية الجماعة التي انتسب إليها أنور كامل، كان وجود أنور يدلني بوضوح على غياب جورج حنين وجويس منصور ورمسيس يونان وفؤاد كامل وكامل التلمساني، ويدلني بوضوح آخر على حضور إدوار الخراط، هكذا أصبحت ضمن جماعة سرية لا تنقصها النساء، مها وناريمان وليليان، الأخيرتان ذكرتاني بسِتِ المُلك أخت الحاكم بأمر الله، وابنة المعز لدين الله من زوجة، كما قيل، مسيحية، الأخيرتان ناريمان وليليان كانتا أيضاً مرشومتين بالصليب، سيرة ست الملك تقود إلى سيرة الحاكم، وتتواطأ الأساطير أحياناً لإدانتها، وأحياناً لترفع عنها الإدانة، كل هذه الوجوه، الحاكم وعفيفي مطر وأنور كامل وليليان، ليست ذات بعد واحد، ليست مشوهة، في زمن كانت وجوه أبطاله ذات بعد واحد، يكفي أن تتذكر وجه عبد الناصر، الذي حرصت على إبعاده عن شعري، احتفلت بكل السابقين لأخفي عدم اهتمامي بمن هم على النقيض منه.
> سميت قصائد الحاكم بأمر الله، «كتباً» فيما سبقت نظيراتها إلى أنور كامل ومطر وليليان بكلمة قصائد... ما المبررات التي استندت إليها؟
- لم تتنازل اللغة العربية عن حرصها على تقديس الكتاب، كما لم تتنازل عن حقها في تقديس القراءة، حتى أنها لم تمنح صفة القداسة هذه إلا لكتب معدودة، وظلت الكتب الأخرى تطمح لبلوغ هذه المرتبة، والحاكم بأمر الله جدير بأن يكون صاحب كتاب، هكذا ظن رواته، فجعلته صاحب خمسة كتب، فيما عفيفي مطر، الذي يزهو بقصائده ويتمنى لها أن تكون كتباً، يسمي أحد دواوينه «كتاب الأرض والدم»، ولعله فيما أذكر منح الحاكم بأمر الله مساحة من قصائد هذا الكتاب، أما ليليان فمحبوبة رغبت أن أطوق عنقها بقصائدي، وسميتها قصائد ليليان، يبقى أنور كامل، فهو صاحب تجليات متتالية، رتبتها هكذا، أنور كامل، أنور كامل 1، أنور كامل 2.
> في معظم قصائد دواوينك تنتشر أسماء لأعلام وكتاب ومثقفين وروائيين ومفكرين ينتمون إلى عصور قديمة وحديثة ويتجاورون مع أسماء غربية، ماذا كنت تريد أن تقول؟
- أنا رجل يشعر بالوحشة إذا جلس في غرفة وحيداً، يشعر بالوحشة إذا مشى في شارع خالٍ من البشر والحيوانات والطيور، يشعر بالوحشة إذا ظهرت قصائده وكأنها بيوت خالية لا يسكنها أحد، وجود الآخرين بأسمائهم هو هكذا اعتداء على الوحشة التي تخيفني، أعترف أنني أحب كثيراً ترديد أسماء من أحبهم، أحب كثيراً أن أتجاهل بصوت مسموع أسماء من لا أحبهم، البشر في قصائدي ليسوا بشر الأقفاص، إنهم بشر الشعر، دماؤهم من حروف، آلامهم من حروف، أفراحهم من حروف، معهم تضيق العبارة وتتسع الرؤية، القصيدة عندي، وهي كذلك دائماً، في حاجة إلى أنفاس بشر، لأنها تخاف أن تتجرد من ثيابها، أعلم أنها ستتجرد، تخاف أن تصبح شواهد معان، أو شواهد قبور، أعلم أنها لن تصبح، القصيدة هكذا أتمنى لها أن تحيا بالآخرين، كل الآخرين.
> في كتاب السيرة الذاتية «متاهة الإسكافي» سعيت إلى خلط الواقع بالمتخيل والرمزي بالأسطوري... كيف ترى ذلك؟ وهل يمكن للكاتب وهو يكتب سيرته الذاتية أن يلجأ لخلط الأساليب التعبيرية؟
- «متاهة الإسكافي» هي كتابي النثري، الذي حلمت له أن يحقق طموحاتي الضائعة من شعري، بسبب قسوة الشعر، في المتاهة خلعت كل ملابسي دون حياء، ودون حياء أيضاً خلقت عالماً بعضه موجود بالفعل، وبعضه موجود بالرغبة، وبعضه موجود بالاستحالة، وارتفعت بفعلي ورغباتي واستحالاتي تلك إلى حد أنها أصبحت جميعاً أكثر حقيقية من الوجود ذاته. المتاهة كتاب لا يكتبه صاحبه مرتين، قد يصبح مشنقتي، وقد يصبح قاعدة تمثالي، كل ما هو خيالي في المتاهة يبدو لي أكثر واقعية مما هو واقعي فعلاً، لم أحاول أن ألوث سيرة أحد من عائلتي أو من غير عائلتي، ولكنني حاولت أن أضع نفسي قرب ما أريده من نفسي، لأنني حقيقة وادعاءً، أريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمن.
> تنفتح القصيدة الشعرية لديك على مسارات الروح والوجدان والعقل كيف يمكن مقاربة ذلك بالنظر إلى علاقتك بشعراء الرومانسية المصريين والعرب أمثال محمود حسن إسماعيل وعلى محمود طه وأبو القاسم الشابي من ناحية، وأدونيس في جانبه الفلسفي من ناحية أخرى؟
- أظنك تعني بالروح والوجدان شعراء الرومانسية، وتعني بالعقل شعر أدونيس، ربما أوافقك، ربما أسير معك مسافة من الطريق، ولكنها مسافة قصيرة، بعدها سنفترق، لأن أدونيس بالقطع ليس شاعر العقل، وبالقطع أيضاً ليس شاعر الوجدان، إن شعريته قد تكون خارج هذا التقسيم التقليدي، عموماً أنا لم أنكر اطلاعي المبكر لحد التتلمذ على شعراء الرومانسية المصرية محمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وعبد المعطي الهمشري... إلخ إلخ، وترتيبهم مقصود، وإن كنت بمضي الزمن قد ميزت من بينهم محمود حسن إسماعيل، ليس بسبب الروح والوجدان، ولكن بسبب التشكيل، أعترف أنني تعرفت أيضاً على شعراء الرومانسية العرب، التيجاني يوسف بشير، وعبد السلام عيون السود، وعبد الباسط الصوفي، والترتيب غير مقصود، وكان أقلهم مقاماً عندي هو أبو القاسم الشابي، أعرف أنه أكثرهم شهرة، أعترف أنهم جميعاً وضعوا في إنائي بعضاً ليس هيناً من عصيرهم، ولما انتفضت ضد رخاوتهم الشعرية اكتشفت أن علاقتي بهم لم تبلغ حد أن تكون علاقة عصب، أما أدونيس فحصره في تعبير شاعر العقل أكبر من خيانة شعرية.
> يمثل حضور المرأة في قصيدتك جانباً أساسياً، وهناك قصائد تحمل أسماء الكثير من النساء... ما الذي كنت تريد أن تؤسسه من وجود شعري للمرأة في قصيدتك؟
- الأسماء في قصائدي علامة كبرى من علامات أنسنة القصيدة، سواء كانت الأسماء لرجال أو لنساء، سواء كانت تاريخية أو شعرية، والمرأة في عالمي ليست أداة زينة، ليست محض عاطفة أو محض شهوة، ليست مثيراً شعرياً، إنها شاهد من شواهد الوجود، الأصح أنها شاهد الوجود، يصعب اكتمال قصيدتي دونها، ولأنها هكذا فلا بد أن توجد بجسدها أولاً الذي هو جسد الوجود، وباسمها ثانياً الذي هو اسمي أيضاً.



مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
TT

مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)

في الوقت الذي كانت مصر تتوقع فيه تحقيق انتعاشة سياحية لافتة في عام 2026 على غرار ما حققته في العام الماضي؛ فإن «حرب إيران» فجَّرت مخاوف من حدوث تأثيرات سلبية في هذا القطاع الحيوي، خصوصاً بعد تحذير أميركا لرعاياها من عدم السفر إلى 14 دولة بمنطقة الشرق الأوسط.

وأعرب خبراء سياحة ومرشدون سياحيون عن مخاوفهم من تأثيرات إلغاء بعض الحجوزات السياحية، خصوصاً من دول غرب ووسط آسيا التي تمر رحلاتها عادة بمنطقة الخليج العربي.

ووفق ثروت عجمي، رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر (جنوب مصر) فإن «الصراع الحالي لا بد أن يكون له تأثير في مصر، وإن كان لم يظهر حتى الآن بشكل واضح، لكن هناك مؤشرات تؤدي لمخاوف من هذه التأثيرات من بينها وضع الولايات المتحدة مصر ضمن 14 دولة حذرت من زيارتها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا الآن مجموعات من السائحين الأميركيين من المتوقع أن يكملوا برنامجهم السياحي، ويسافروا لكن بعد التحذير الأميركي أعتقد أن فرص مجيء أفواج أخرى في المدة القليلة المقبلة ستكون ضعيفة».

ونشرت السفارة الأميركية بالقاهرة بياناً على صفحتها بـ«فيسبوك» ذكرت فيه أنه «يجب على الأفراد الذين يخططون للسفر أن يكونوا على استعداد للتغييرات في خططهم؛ حيث قد تحدث إغلاقات في الأماكن الجوية في البلدان المجاورة»، وأكد البيان أنه «نظراً للتوترات العالية في المنطقة، تظل بيئة الأمن معقدة، ويمكن أن تتغير بسرعة».

حركة الطيران بالشرق الأوسط تأثرت بأحداث حرب إيران (وزارة الطيران المدني)

وأشار الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، إلى «تزايد المخاوف في القطاع السياحي المصرى من أن تلقي تداعيات الحرب في إيران بظلالها على مؤشرات الانتعاشة السياحية التي بدأت تتشكل مؤخراً».

وقال الطرانيسي لـ«الشرق الأوسط» إن «إلغاء عدد من السائحين القادمين من شرق آسيا حجوزاتهم بسبب اضطراب حركة الطيران يعكس حساسية القطاع لأي توترات إقليمية حتى إن كانت خارج الحدود المباشرة. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه شركات السياحة تعول على تنوع الأسواق لتعويض سنوات التراجع».

ووجَّه وزير السياحة المصري، شريف فتحي، رسالة طمأنة حول أوضاع السياحة المصرية مع بدء اندلاع الصراع، وقال في كلمة أمام لجنة السياحة والطيران بمجلس النواب (البرلمان المصري)، قبل يومين، إن «مصر دولة آمنة ومستقرة، وإن التطورات الإقليمية والأحداث الجيوسياسية الحالية التي تشهدها المنطقة لم تؤثر في الحركة السياحية الوافدة إليها».

ولفت رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر إلى أن السوق السياحية الأوروبية تعد مصر بعيدة عن مناطق الاضطرابات، ورغم ذلك فإن التحذير الذي أطلقته أميركا لرعاياها سيؤثر في بقية الأسواق خصوصاً الصينية منها».

وخلال اللجنة البرلمانية التي ناقشت استراتيجية وزارة السياحة للترويج للأنماط المختلفة، وتعظيم فرص الاستثمار السياحي، أكدت النائبة سحر طلعت مصطفى، رئيس لجنة السياحة والطيران المدني بمجلس النواب، أنه في ضوء المستجدات الإقليمية الراهنة بالمنطقة، تبرز أهمية تعزيز جاهزية قطاع السياحة للتعامل بكفاءة مع أي تطورات محتملة، بما يضمن الحفاظ على استقرار الحركة السياحية الوافدة لمصر.

وتعوّل مصر على قطاع السياحة كواحد من أهم مصادر الدخل القومي، حيث حققت في العام الماضي دخلاً يصل إلى 24 مليار دولار، وفق مركز معلومات مجلس الوزراء، وحصلت على جائزة أفضل وجهة تراثية من منتدى السياحة العالمي، وتطمح مصر في جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
TT

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء، وينتمي الفيلم، الذي حصد تنويهاً من لجنة تحكيم مسابقة «أجيال» بمهرجان «برلين السينمائي» في نسخته الماضية، للأعمال ذات الإنتاج المشترك مع تقديمه بشراكة هندية سنغافورية.

تدور أحداث الفيلم خلال صيف مفصلي في حياة طفل في الحادية عشرة يُدعى «ميفان»، يجد نفسه مُقتلعاً من إيقاع المدينة السريع إلى قرية أجداده البعيدة، حيث الزمن أبطأ، والعلاقات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى، لنشاهد في افتتاحية الفيلم، صدمة الانتقال لطفل اعتاد على الراحة والسرعة والاتصال الدائم، يُلقى به في فضاء لا يعترف بالعجلة ولا بالمكافآت الفورية.

حصد الفيلم تنويهاً من لجنة التحكيم في «برلين السينمائي» (إدارة المهرجان)

القرية ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي عالم مغاير بقوانينه الخاصة، حيث كل شيء يتطلب انتظاراً، وكل علاقة تحتاج إلى وقت كي تتشكل، من هنا، يبدأ الصراع الصامت بين «ميفان» والمحيط الجديد، ويتجسد في علاقته المتحفظة بعمته الشابة «باهي»، وهي علاقة مثقلة بمشاعر غير منطوقة وماضٍ لم يُحسم بعد.

تنسج المعالجة الدرامية خيوطها عبر تفاصيل الحياة اليومية، والذهاب إلى المدرسة، والاحتكاك بأطفال القرية، ومراقبة الحيوانات والطبيعة، والانخراط تدريجياً في روتين يبدو بسيطاً لكنه يحمل دروساً عميقة، فلا يعتمد الفيلم على أحداث كبرى أو تحولات درامية صاخبة، بل يراهن على التراكم البطيء للحظات الصغيرة التي تُعيد تشكيل وعي الطفل بذاته وبالآخرين.

العلاقة بين ميفان وعمته تشكل العمود الفقري العاطفي للفيلم، فالتوتر بينهما لا يُحل عبر مواجهات مباشرة، ولكن من خلال صمت طويل يسمح للمشاعر الدفينة أن تطفو تدريجياً إلى السطح، حضور «ميفان» الهادئ داخل المنزل يُعيد فتح جراح قديمة، ويكشف هشاشة الكبار بقدر ما يكشف ارتباك الصغار.

صناع الفيلم خلال حضورهم في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

تطرح المعالجة أيضاً ثنائية لافتة بين العالم الرقمي وإيقاع القرية البطيء، فالطفل «ميفان»، ابن المدينة، يحمل داخله ضجيج التكنولوجيا وتوقعات الإنجاز السريع، بينما تفرض عليه القرية زمناً مختلفاً، بلا شاشات تُكافئه فوراً ولا مقارنات تُحفزه على السباق، هذا الاحتكاك بين السرعة والسكون لا يُدان فيه أي طرف، بل يُقدَّم بوصفه سؤالاً مفتوحاً حول ما نكسبه وما نخسره حين يتغير إيقاع حياتنا.

تقول مخرجة الفيلم ريما داس لـ«الشرق الأوسط» إن «ليس بطلاً» يمثل بالنسبة لها امتداداً لمسار فني تنشغل فيه دائماً بالطفولة بوصفها مساحة صدق خالص، مشيرة إلى أن فكرة الفيلم انطلقت من تساؤل بسيط لكنه عميق، وهو ماذا لو لم تكن البطولة مرتبطة بالإنجازات الكبرى أو التحولات الصاخبة؟ وماذا لو كانت البطولة في القدرة على البقاء، والتحمل؟

وأوضحت أن شخصية «ميفان» لم تُكتب على أنها بطل تقليدي، بل هي شخصية طفل يعيش ارتباكه بالكامل، من دون أن يملك أدوات تحليل مشاعره، بل يختبرها كما هي، بعفوية وتناقض، لافتة إلى أن اسم الفيلم «ليس بطلاً» يحمل موقفاً فكرياً واضحاً مرتبطاً بـ«مقاومة لفكرة الانتصار الدائم».

مخرجة الفيلم خلال حديثها في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأشارت إلى أنها لم تكن مهتمة بتقديم قصة نضج تقوم على التغلب أو الفوز، بل على التعلم البطيء، وعلى تقبل الفشل والانتظار والارتباك باعتباره جزءاً طبيعياً من النمو، لافتة إلى أن أكثر أشكال الشجاعة التي تلمسها في الحياة اليومية هي تلك الهادئة، التي لا تُعلن نفسها، بل تظهر في تفاصيل صغيرة متمثلة في الإصغاء، والصبر.

وعن اختيارها السرد من منظور طفل في الحادية عشرة، أوضحت أن الأطفال يرون العالم بلا فلاتر جاهزة، كما أنهم قادرون على احتضان التناقضات من دون الحاجة إلى تبريرها، مشيرة إلى أن «ميفان» لا يحلل مشاعره، بل يعيشها، وهو ما منح الفيلم مساحة لمراقبة علاقات معقدة من دون إصدار أحكام، عبر هذا المنظور الطفولي الذي سمح بأن يظهر الانتماء بوصفه تجربة تُكتسب تدريجياً، وليس مفهوماً يُشرح أو يتم فرضه.

قدم الفيلم جانباً إنسانياً (مهرجان برلين)

وتطرقت إلى حضور التكنولوجيا في الفيلم، مؤكدة أنها لم تكن تسعى إلى إدانتها، بل إلى مراقبة ما يحدث حين يلتقي إيقاع السرعة الرقمية بسكون القرية، مشيرة إلى أن الأطفال اليوم يتعرضون لضغط الضوضاء، والآراء المتدفقة، والمقارنات المستمرة، والمكافآت الفورية، حتى لو لم يدركوا أثر ذلك بشكل واعٍ.

وأوضحت أن الفيلم يحاول عكس هذه الحالة، وطرح سؤال حول ما نفقده وما نكسبه حين يتغير إيقاع الزمن من حولنا، لافتة إلى أن تجربتها في العمل مع الأطفال تغيّرت عبر السنوات، فبعدما كان الأطفال ينصتون إليها باعتبارها المخرجة التي تقود المشهد في تجاربها السابقة، أصبحت اليوم تشعر بأنها مطالبة بالإنصات إليهم أكثر، لأن عالمهم تغيّر، وأصواتهم باتت تحمل وعياً مختلفاً.


ميرفت أمين: لن أكتب مذكراتي وحياتي تخصني وحدي

الفنانة المصرية ميرفت أمين (الشرق الأوسط)

ميرفت أمين تحب الكوميديا (الشرق الأوسط)
الفنانة المصرية ميرفت أمين (الشرق الأوسط) ميرفت أمين تحب الكوميديا (الشرق الأوسط)
TT

ميرفت أمين: لن أكتب مذكراتي وحياتي تخصني وحدي

الفنانة المصرية ميرفت أمين (الشرق الأوسط)

ميرفت أمين تحب الكوميديا (الشرق الأوسط)
الفنانة المصرية ميرفت أمين (الشرق الأوسط) ميرفت أمين تحب الكوميديا (الشرق الأوسط)

قالت الفنانة المصرية ميرفت أمين إنها تحمست للعمل في مسلسل «كلهم بيحبوا مودي» لكونه يعتمد على الكوميديا بعد أن حدثها عنه بطل المسلسل الفنان ياسر جلال وأصر على مشاركتها له في المسلسل، مؤكدة في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «شخصية (همت) التي تؤديها تعكس مواقف كوميدية مع نجل شقيقها متعدد العلاقات».

وتؤكد ميرفت أنها «تحب الكوميديا وترى أنها الأنسب لشهر رمضان»، وتلفت إلى أنها «قدمت أفلاماً مع نجوم الكوميديا الكبار مثل عادل إمام وسمير غانم وكانت لا تملك نفسها من الضحك أثناء التصوير، ودافعت أمين عن ياسر جلال بعد تعرضه لهجوم «سوشيالي» قائلة إنه ممثل ومن حقه أن يجرب نفسه في أدوار جديدة، كما نفت كتابة مذكراتها، مؤكدة أنها لن تكتبها.

ميرفت أمين مع ياسر جلال في كواليس تصوير المسلسل (حساب ياسر جلال على فيسبوك)

وتقول عن مشاركتها في مسلسل «كلهم بيحبوا مودي»: «ياسر جلال هو من تواصل معي وقال لي إن الدور دمه خفيف، فتحمست للمشاركة في عمل كوميدي يكون وقعه خفيفاً على الناس في رمضان».

وترى أن الجمهور يحب الكوميديا والأعمال الخفيفة في رمضان: «القضايا والمشكلات الاجتماعية تكون ملائمة لعرضها خارج رمضان كما أن عرض نحو 25 مسلسلاً خلال الشهر يُعدّ كثيراً، وهناك مسلسلات عدة تتعرض لظلم في العرض الرمضاني؛ لأنه لا تتم مشاهدتها بشكل جيد».

ورغم مشوارها الفني الطويل، فإن النجمة المصرية تؤكد أن مساحة الدور لا تعنيها: «لا أقيس الدور بالمتر، المهم يكون له وقع جيد لدى الناس ويسعدون به ويشعرون أنني قدمت عملاً جديداً ومختلفاً، لا سيما وأنني قدمت مختلف الشخصيات في أفلام ومسلسلات؛ لذلك أُدرك تماماً صعوبة شيئين، الأول أن أجد دوراً جديداً بسهولة، والآخر أن أُعيد تقديم دور سبق وقدمته؛ لذا أتمسك بأي عمل يكون به شيء مختلف وهو ما وجدته في (كلهم بيحبوا مودي)».

ياسر جلال هو من أقنعها بالعمل (حساب ياسر جلال علي فيسبوك)

وتشير إلى أن فكرة العمل هي أول شيء يجذبها؛ «لأنها الأساس الذي تدور حوله الأحداث، وما دام الموضوع جيداً وهناك مخرج ماهر فلا بد أن يكون الممثلون في أفضل حالاتهم».

وحول تعرض ياسر جلال لهجوم «سوشيالي» لكونه نائباً بمجلس الشيوخ وأن هذا المسلسل لا يليق به، تقول: «لا أتابع (السوشيال ميديا)، لكن ياسر تم اختياره عضواً بمجلس الشيوخ بصفته فناناً، ومن حقه بصفته ممثلاً أن يجرب نفسه في مختلف الأدوار».

نجوم الكوميديا

وترى الفنانة الكبيرة في التمثيل متنفساً لها؛ إذ يسعدها وقوفها أمام الكاميرا في عمل جديد وناجح، كما تشعر بالراحة النفسية حين يعجب الناس بأدوارها.

وقدمت ميرفت أمين أفلاماً كوميدية مع سمير غانم وعادل إمام، على غرار «البعض يذهب للمأذون مرتين»، «العيال الطيبين»، «البحث عن فضيحة»، «واحدة بواحدة»، «مرجان أحمد مرجان» وتقول عن ذلك: «شاركت في مجموعة كبيرة من الأفلام الكوميدية، وأرى أن أداء هذا اللون وحتى كتابته ليس سهلاً، فهناك شعرة بين الإضحاك و(الاستظراف) في الأداء، ويعتمد نجاحه على الكتابة والمخرج معاً».

وتؤكد أن عادل إمام وسمير غانم أكثر فنانين يضحكانها، وتروي أنه أثناء تصوير فيلم «حماتي بتحبني» كان يجمعها مشهد مع سمير غانم فكانت كلما نظرت لوجه سمير غانم لا تتمالك نفسها من الضحك، وفي كل مرة كانت تعيد فيها المشهد يتكرر الأمر حتى تمكن المخرج من تصويره بعد إعادات كثيرة، مشيرة إلى أن سمير غانم كان يتمتع بـ«كاريزما» و«دمه خفيف» في كل حالاته.

ويُضحكها من الأجيال الأحدث هشام ماجد، ومصطفى غريب، ومصطفى أبو سريع وانتصار وتصفها بأنها «كوميديانة فظيعة» و«شديدة الإقناع» في الأدوار الجادة. كما تُبدي سعادتها بعودة عبلة كامل وظهورها في إعلان رمضاني، متمنية أن تعود للتمثيل مجدداً لأنها تتمتع بتلقائية كبيرة في الأداء.

في رمضان الماضي كان لميرفت أمين حضور بالإعلانات، حين ظهرت مع الفنان حسين فهمي، وتكشف عن أنها ترددت طويلاً تجاه المشاركة بإعلانات، قائلة: «وافقت بعد إلحاح كبير وشجعني حسين فهمي، علاوة على أن فكرة الإعلان كانت رائعة من حيث الشكل الفني والقصة التي بدت مثل فيلم قصير».

وترى أمين أن مسلسلات الـ15 حلقة أحدثت تغييراً وجعلت الدراما أكثر تكثيفاً وأنها خفيفة على الممثلين والمشاهدين معاً، كما أكدت أنها تحب مشاهدة أعمال منة شلبي وتراها ممثلة بارعة في اختياراتها، وإلهام شاهين حين تقدم عملاً يكون مختلفاً، ويسرا بأعمالها المهمة.

ميرفت أمين تحب الكوميديا (الشرق الأوسط)

لا تشاهد ميرفت أمين أفلامها إلا إذا عُرضت أمامها بالصدفة، لكنها تعتز بها كثيراً وتحب بشكل خاص أفلام «زوجة رجل مهم»، «الأراجوز»، «الحفيد»، «حافية على جسر الذهب»، حيث كان الإنتاج السينمائي أكثر غزارة، وكما تقول «كنت أنتهي من فيلم لأبدأ في آخر، ولم يكن التلفزيون بهذه السطوة؛ فقد سحب كثيراً من السينما».

اعتذار عن التكريمات

واعتذرت أمين مؤخراً عن تكريم سينمائي مهم، مؤكدة أن تكريمها يأتي من الناس الذين يبدون سعادتهم بمشاهدة أعمالها، لكن التكريم الوحيد الذي رحبت به حين كان مع عدد من نجوم الرومانسية بمهرجان القاهرة السينمائي خلال رئاسة الفنان حسين فهمي الأولى للمهرجان، وشهد حضورها مع كل من أحمد مظهر، ومريم فخر الدين، ولبنى عبد العزيز، ونجلاء فتحي ومحمود ياسين.

وأغلقت ميرفت أمين بابها بعد رحيل أعز صديقاتها الفنانات شويكار، ورجاء الجداوي ودلال عبد العزيز؛ فقد كُنّ بالنسبة لها «عشرة العمر»، وتعرضت لصدمة لرحيلهن المتتابع، لكنها تجد سلوى كبيرة في تواصلها الدائم مع بناتهن، مؤكدة أنهن مثل ابنتها الوحيدة منة الله.

ورغم تلقيها عروضاً كثيرة لكتابة مذكراتها، فإن ميرفت أمين ترفض هذا المبدأ تماماً، وتؤكد قائلة: لن أكتب مذكراتي، بالنسبة لأعمالي الفنية فقد تحدثت عنها طويلاً في الصحافة والبرامج التلفزيونية وقت تصويرها، أما حياتي فهي مسألة تخصني أنا فقط».