أزمة العملة التركية.. معاناة جديدة تضاف إلى متاعب إردوغان

أثرت على خطط أنقرة الاقتصادية وساهمت في إثارة قلق الشركاء التجاريين

رجب طيب إردوغان
رجب طيب إردوغان
TT

أزمة العملة التركية.. معاناة جديدة تضاف إلى متاعب إردوغان

رجب طيب إردوغان
رجب طيب إردوغان

في البداية انتقد رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان الخطوات الجريئة التي اتخذها البنك المركزي التركي هذا الأسبوع لرفع أسعار الفائدة في محاولة لوقف تدهور سعر صرف الليرة التركية، قائلا للصحافيين إن تكلفة الاقتراض المرتفعة ستؤدي إلى التضخم - تلك الحجة التي تخالف المنطق الاقتصادي المتعارف عليه.
في الوقت ذاته لم يفعل يجيت بولوت، المستشار الاقتصادي لإردوغان، شيئا يذكر لطمأنة المستثمرين الذين اعتراهم القلق، في إشارة إلى أن رئيس الوزراء لن يفعل شيئا من شأنه أن يكون «إيجابيا للغاية بالنسبة للأسواق»، لكنه لم يظهر على وجه الدقة خطط إردوغان المقبلة.
هذه التصريحات ضاعفت من قلق المستثمرين في الأسواق المالية وأثرت بصورة سلبية على سوق الأوراق المالية التركية وهبطت بالعملة التركية، الليرة، خلال الأسابيع الأخير إلى أدنى مستوى لها. وعلى الرغم من الخسائر التي منيت بها تركيا والدول النامية الأخرى نتيجة لتراجع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في شراء السندات والتهديد بارتفاع معدلات الفائدة العالمية، إلا أن مشكلاتها تخطت إلى ما هو أبعد من ذلك إلى تساؤلات جوهرية بشأن استقرار الحكومة وقدرتها على التعامل مع المشكلات الاقتصادية.
ويرى الكثيرون أن إردوغان وتركيا ضحايا لنجاحهم، فقد شكلت تركيا مناخا استثماريا جاذبا جلب إقراض بمليارات الدولارات وبشكل خاص في أعقاب الأزمة المالية التي شهدها العالم عام 2008، وهو ما جعل عددا من زعماء العالم من بينهم أوباما يرون في رئيس الوزراء زعيما تمكن من الجمع بين القيم الديمقراطية والإسلامية والرفاهية الاقتصادية.
لكن الجزء الأكبر من هذه الأموال منح لمجموعة من أصحاب النفوذ الذين تمكنوا من صنع ثروات من خلال بناء مراكز التسوق وغيرها من المشاريع الأخرى التي تفتقر إلى الأسس الاقتصادية السليمة. ومع هروب مستثمري السندات وارتفاع أسعار الفائدة، بات اقتصاد إردوغان مهددا بخطر الوقوع في دوامة القروض السامة، والاتهامات بالمحسوبية والظهور بمظهر من يقود الاقتصاد دون رؤية واضحة.
جاء أول التصدعات في الهالة المحيطة بإردوغان صيف العام الماضي عندما اندلعت الاحتجاجات ضد إقامة مركز تجاري آخر بدلا من حديقة إسطنبول الشهيرة، أدت إلى تشوه صورة إردوغان، بيد أن نفوذه السياسي لم يتأثر كثيرا.
وجاءت الهزة الثانية في ديسمبر (كانون الأول) بتحقيقات فساد مدوية استهدفت الدائرة المقربة منه، وهو ما أدى إلى مزيد من تقوض سلطاته.
في الوقت ذاته فشلت سياسته الخارجية الطموحة الساعية إلى الحصول على دور قيادي لتركيا كزعيم لمنطقة تعيش حالة من الاضطراب وسط استمرار الحرب الأهلية في سوريا، التي تساند فيها تركيا الثوار، وانهيار جماعة الإخوان المسلمين في مصر، الحليف الذي لقي دعما قويا من إردوغان.
تأتي هذه الهجمات السياسية، وعدم الاستقرار الاقتصادي وارتفاع أسعار الفائدة في توقيت غير مناسب يواجه فيه إردوغان، وحزبه حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية سلسلة من الانتخابات التي ستحدد إمكانية بقائه في السلطة.
وسوف تكون الانتخابات المحلية المقبلة المزمع إجراؤها في مارس (آذار)، للمنافسة على منصب عمدة إسطنبول الذي يحظى بأهمية كبيرة، الاختبار الأول له. كما سيتوجه الناخبون خلال الصيف،، للإدلاء بأصواتهم لانتخاب رئيس الجمهورية للمرة الأولى، والذي يطمح إردوغان في الفوز به.
ويقول المحللون إن إردوغان، الذي يشغل منصب رئيس في الوزراء منذ أكثر من عشر سنوات، المدة الأطول التي يشغلها أي رئيس وزراء في تركيا، أكثر قادة تركيا تأثيرا بعد مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، تمكن من توسيع سلطاته مستغلا كاريزمته السياسية وقدرته على الوصول إلى الأتراك المتدينين، تلك الطبقة التي تعرضت للقمع في السابق في ظل حكام تركيا العلمانيين السابقين.
يرى الخبراء أن إردوغان يدين ببقائه في السلطة على رأس نظام السياسي التركي لقيادته الازدهار الاقتصادي الذي رفع تركيا إلى الساحة العالمية.
ويقول مراد أوجير، الاقتصادي في غلوبال سورس بارتنرز، شركة أبحاث اقتصادية، والمستشار السابق لوزير الاقتصاد التركي: «إنه يحظى بشعبية كبيرة، لأنه قاد الاقتصاد بشكل جيد. وأعتقد أن الأتراك يريدون الاستمرار في الحصول على الثروة».
يذكر أنه في أعقاب سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية أوائل عام 2000، قبل وقت قصير من صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، شهد الاقتصاد التركي نموا بلغ أكثر من خمسة في المائة سنويا، وتضاعفت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك الفترة اللاحقة إلى أربعة أضعاف وبلغت 11,000 دولار بدلا من 2,500 دولار، بحسب سينان أولغن، رئيس مركز الدراسات الاقتصادية والسياسة الخارجية، مؤسسة بحثية في إسطنبول. ومع ازدهار القطاع الخاص التركي وسع إردوغان من خدمات الرفاهية الاجتماعية، مثل الرعاية الصحية والبنية التحتية وتوفير الإحساس بالتمكين الاقتصادي للمواطن التركي.
ويقول أوجر: «تعلم الأتراك ما تعنيه معاملتهم كمواطنين أساسيين». في الوقت ذاته لا تزال تحقيقات الفساد التي تستهدف الدائرة المقربة من إردوغان تكشف عن تفاصيل أكبر، حتى إنه ظهرت أدلة كثيرة، قبل الاضطرابات الاقتصادية الأخيرة، على حدوث بعض التصدعات في الواجهة الاقتصادية التركية. فرغم النمو الذي أثار إعجاب الكثيرين، لا تزال البطالة، التي تحسنت، مرتفعة تسبيا حيث تقف عند نحو تسعة في المائة. وكان انفجار الائتمان الاستهلاكي قد أثار المخاوف في السنوات الأخيرة، على الرغم من تمكينه لمجتمع استهلاكي جديد وضمن استمرار تدفق المستهلكين إلى كل المراكز التجارية الجديدة في إسطنبول.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) ألقت الشرطة القبض على رجل بالقرب من مكتب إردوغان في أنقرة، والذي بدا أنه كان يحمل قنبلة.
في البداية اعتقدت الشرطة أن الرجل كان يحاول اغتيال رئيس الوزراء، لكن اتضح أن القنبلة كانت مصطنعة وأن الرجل كان يحاول أن يعلن اعتراضه على ديون كارت ائتمانه المتزايدة، والتي تشير التقارير المحلية إلى أنها وصلت إلى 17,000 دولار.
وفي مساء يوم الخميس تعالت صيحات مجموعة من الأفراد أثناء نقاشهم الوضع الاقتصادي التركي في مقهى في أورتاكوي، أحد أحياء إسطنبول المطل على البسفور. وتحدث أحدهم، ليفانت كوراي، مالك متجر للفاكهة، عما يعتبره تراجع التوقعات الاقتصادية بالنسبة للأفراد مثله.
وقال: «نظرا لأن الفرص الاقتصادية كانت تمنح لنا على مدى السنوات العشر الماضية، من قبل رئيس الوزراء، كان بمقدورنا الحضور إلى هذا المقهى ولعب الورق بحرية بينما كنا نسترخي ونتحدث عن كرة القدم وأطفالنا وأحلامنا، لكن كل ما نفعله الآن هو الحديث عن المشكلات المالية».
وأشار إلى أن الشركات الكبرى شهدت تطورا كبيرا في ظل إردوغان، وهو ما أضعف من أداء اللاعبين الأصغر مثله.
وقال كوراي: «قبل عشر سنوات، كنت ملك الفاكهة في هذا الحي، الآن تحول متجري إلى ظل لثلاث سلاسل عملاقة لتجارة البقالة التي منحتها الحكومة الأرض. الآن لا يلقى متجري أي قدر من الاهتمام». وعلى الرغم من المظاهرات التي اجتاحت الشوارع، لا يزال إردوغان قادرا على فرض إجراءات صارمة لاستعادة النظام.
واجه إردوغان تحقيقات الفساد - التي يعتقد أن القائمين عليها هم من أنصار رجل الدين فتح الله غولن، الذي يعيش في المنفى، والذين تولوا مناصب قيادية في الشرطة والهيئة القضائية - عبر القيام بحملة لتطهير مؤسسات الشرطة والقضاء.
ولكن بالنسبة للاقتصاد واعتماده على رأس المال الأجنبي، يبقى إردوغان مغلوبا على أمره بشكل كبير مع الاضطرار - لفترة وجيزة - إلى حماية العملة باستخدام أسعار الفائدة العالية التي يعترض عليها.
وقال أولغين «باتت مشكلة تعرض تركيا لانخفاض النمو لفترة طويلة أمرا لا مفر منه».
وخلال هذه الأزمات، كان إردوغان قادرا على الاعتماد على دعم رجال الدين المحافظين في تركيا، الذين يشكلون تقريبا نصف جمهور الناخبين. ولكن الآن صارت شعبيته في تناقص وسط حالة الشكوك الاقتصادية.
وكشف استطلاع للرأي صادر هذا الأسبوع عن معهد ميتروبول، الذي يتخذ من أنقرة مقرا له، أن شعبية إردوغان شهدت انخفاضا تاريخيا حيث وصلت إلى 40 في المائة، مقارنة بنسبة 48 في المائة في ديسمبر (كانون الأول). والجدير بالذكر أن شعبية إردوغان كانت 71 في المائة في عام 2011 بعد فوزه بفترة ولاية ثالثة.
والأدهى من ذلك، أن هذا الأمر يضع آمال إردوغان على المحك فيما يتعلق بخوض الانتخابات، فضلا عن الخطر الذي تتعرض له أهدافه الاقتصادية الطموحة التي يرغب في أن تصل إليها تركيا بحلول عام 2023 - الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية. وعلاوة على ذلك، تتعرض بعض مشاريع الإنشاءات العملاقة التي ينفذها، مثل إقامة مطار ثالث في إسطنبول والذي قال عنه المسؤولون إنه سيكون الأكبر على مستوى العالم، للكثير من المخاطر.
وقال أوجير «لم يعد هناك اقتصاد من أجل تمويل مثل هذه المشاريع. ومن المحتمل أن تصير معظم المشاريع حبيسة الأدراج».
* خدمة {نيويورك تايمز}



العراق يتوقع استئناف تصدير النفط خلال 25 يوماً

منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي (رويترز)
منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي (رويترز)
TT

العراق يتوقع استئناف تصدير النفط خلال 25 يوماً

منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي (رويترز)
منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي (رويترز)

صرح المدير العام لشركة تسويق النفط العراقية (سومو) علي نزار الشطري، بأن استئناف شحن النفط العراقي للأسواق العالمية مرهون بانتهاء الأزمة في المنطقة وانسيابية مرور الناقلات النفطية عبر مضيق هرمز.

ورجح الشطري في تصريحات نشرت على الموقع الرسمي لشركة (سومو)، أن «يستأنف العراق تصدير النفط الخام في غضون من 20 إلى 25 يوماً بعد قدوم الناقلات النفطية إلى الموانئ العراقية».

وذكر: «تمت مخاطبة جميع الزبائن لجلب ناقلاتهم النفطية لإعادة الصادرات النفطية نهاية الشهر الحالي، والشركات بحاجة إلى تطمينات على استقرار الوضع في المنطقة». وقال: «نأمل في أن يتحقق الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لأننا تضررنا كثيراً جراء إغلاق مضيق هرمز».

وأضاف الشطري أن «العراق يعمل على تنويع منافذ الصادرات النفطية عبر تركيا وسوريا بعد أن عانينا كثيراً جراء إغلاق مضيق هرمز»، متوقعاً «عودة إنتاج النفط الخام من حقول إقليم كردستان قريباً وبمعدل 230 ألف برميل يومياً، وأن الشركات النفطية الأجنبية العاملة في إقليم كردستان حصلت على تطمينات عالية من الحكومة العراقية بتحقيق الأمن في الإقليم».

واستبعد الشطري أي نية للعراق بالانسحاب من منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، لأنه لا يوجد أي جدوى من هذا الانسحاب وما له من آثار خطيرة على حرب الأسعار، فضلاً عن أن وجود العراق في المنظمة «ضروري للحد من تذبذب الأسعار».

وأكد أن «العراق ملتزم بشكل كبير بقرارات منظمة (أوبك)، واليوم العراق منسجم مع جميع قرارات المنظمة للحفاظ على مستوى الأسعار وتحقيق التوازن في السوق النفطية».


«هرمز» ليس نفطاً وغازاً فقط... سفن الأسمدة العالقة تكشف وجهاً آخر لـ«الانفراجة»

ناقلات النفط وسفن الشحن في خليج عمان (أ.ب)
ناقلات النفط وسفن الشحن في خليج عمان (أ.ب)
TT

«هرمز» ليس نفطاً وغازاً فقط... سفن الأسمدة العالقة تكشف وجهاً آخر لـ«الانفراجة»

ناقلات النفط وسفن الشحن في خليج عمان (أ.ب)
ناقلات النفط وسفن الشحن في خليج عمان (أ.ب)

لا يمثل الاتفاق المؤقت الذي أعلنته أميركا وإيران لإنهاء حربهما المستمرة منذ أشهر، وإعادة فتح مضيق هرمز، نهاية فورية لأزمة تجارية عاتية ظلت تتفاعل بصمت بعيداً عن أضواء النفط والغاز. وفيما تترقب أسواق الطاقة تدفق الشحنات، يكشف واقع الملاحة أن مالكي السفن المحملة بالأسمدة واليوريا يواجهون سياجاً من الغموض، وينتظرون تفاصيل تشغيلية معقدة لتقييم سلامة العبور؛ ما يثبت أن المسافة الفاصلة بين «الاتفاق السياسي» واستئناف الحركة الفعلية لسلاسل الإمداد لا تزال بعيدة المدى، وأن الممر المائي الأهم في العالم يستعد لمرحلة هي الأصعب لوجستياً.

ولا تقتصر أهمية مضيق هرمز على كونه شرياناً للطاقة؛ بل هو خط الحياة اللوجستي للأسمدة، واليوريا، والبوتاسيوم، والبتروكيميائيات، وهي سلع تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي العالمي، لا سيما في ظل اعتماد دول الخليج على هذا الممر لاستيراد أكثر من 80 في المائة من احتياجاتها الغذائية، وتصدير حصة سوقية ضخمة تعيد رسم خريطة الأسعار الزراعية عالمياً.

مليون طن في طابور الانتظار

تترجم البيانات الميدانية حجم الاختناق الحاد؛ إذ كشفت شركة «كبلر» لتتبع الناقلات أن أكثر من 40 سفينة محملة بالأسمدة احتُجزت خلف المضيق منذ الضربات الأولى في نهاية فبراير (شباط) الماضي، تحمل مجتمعة نحو مليون طن من الشحنات المتنوعة. ونتيجة لذلك، انخفضت الصادرات الأسبوعية للأسمدة عبر المضيق بنسبة مرعبة بلغت 90 في المائة، متهاوية من 600 ألف طن أسبوعياً في أواخر فبراير، إلى نحو 60 ألف طن فقط في أوائل يونيو (حزيران) الحالي، في انعكاس مباشر لحجم الشلل الذي أصاب حركة السلع الجافة.

وفي هذا الصدد، أوضح الخبير اللوجستي نشمي الحربي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن الأسمدة الخليجية تمثل 15 في المائة من الإمدادات العالمية، مشيراً إلى أن أي انقطاع في هذا الشريان يملك تأثيراً متدحرجاً يغير معادلات الأمن الغذائي والأسعار الزراعية من آسيا إلى أميركا اللاتينية.

ولأن التأثير الذي يتحدث عنه الحربي ليس افتراضياً، فإن الهند تقدّم أوضح مثال رقمي على الأزمة؛ فقد كشفت باندانا برياشي، المسؤولة في وزارة الكيميائيات والأسمدة الهندية، أن 16 سفينة محملة بالأسمدة متجهة لبلادها تقطعت بها السبل عند المضيق. وأشارت إلى أن الشحنات العالقة تشمل 8 سفن تحمل 330 ألف طن من اليوريا، و4 سفن تحمل 257 ألف طن من ثنائي فوسفات الأمونيوم، إلى جانب شحنات من الأمونيا والكبريت. ورغم هذا التعطل، أكدت المسؤولة الهندية أن بلادها استوردت بالفعل 5 ملايين طن من الأسمدة، تتضمن اليوريا، فيما اندفعت نيودلهي لطرح مناقصة عالمية لاستيراد 1.7 مليون طن إضافية لتلبية موسم المحاصيل الصيفية، في إشارة إلى أن حجم الطلب المحلي لا يحتمل رفاهية الانتظار.

رافعة تفرّغ شحنة من الأسمدة من سفينة شحن في ميناء موندرا بولاية غوجارات الهندية (رويترز)

الطاقة أولاً

رغم الإعلان عن الانفراجة السياسية، يستبعد المحللون أن تكون شحنات السلع الزراعية أول المستفيدين. ويؤكد أليكسيس إليندر، كبير مسؤولي قطاع البضائع السائبة الجافة في «كبلر»، أن ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال ستحظى بالأولوية المطلقة في العبور بمجرد فتح الممر، معتبراً أن «الأسمدة ليست على الدرجة نفسها من الأهمية الاستراتيجية في الوهلة الأولى للتشغيل».

ويتفق الحربي مع هذا الطرح، مفصّلاً لـ«الشرق الأوسط» المعايير الصارمة التي ستحكم ترتيب العبور، والتي تشمل غرامات التأخير، وحالة البضاعة، وطاقة الموانئ المستقبلية، لافتاً إلى أن الاختناق الحقيقي لم يكن في المضيق نفسه؛ بل في موانئ الوصول كالهند وشرق أفريقيا.

من جانبه، شرح الخبير اللوجستي حسن آل هليل لـ«الشرق الأوسط»، الآلية العملية لإعادة التدفق، متوقعاً تطبيق نظام «موجات عبور»، يضم كل منها ما بين 8 و12 سفينة لتوزيع الضغط التشغيلي، مع منح أولوية للشحنات المتأخرة التي تمثل ما بين 30 و40 في المائة من التدفق الأولي، في حين ستبقى الشحنات عالية الخطورة كالأمونيا تحت رقابة مشددة.

تكلفة التأمين وإعادة تشكيل التنافسية

بينما تترقب أسواق الطاقة انخفاضاً ملموساً في تكاليف الشحن، يبدو المشهد في سوق الأسمدة أكثر تعقيداً؛ فقد قفزت أقساط التأمين البحري بنسب تراوحت بين 300 و600 في المائة في بعض المسارات، مما أضاف نحو 40 دولاراً لتكلفة الطن الواحد. ويرى الحربي أن هذا الارتفاع أفقد المنتج الخليجي ميزته التنافسية مؤقتاً أمام نظيريه الروسي والمغربي في أسواق آسيا وأميركا اللاتينية.

ويقدم آل هليل قراءة أكثر عمقاً، مشيراً إلى أن التكلفة الكلية للوصول ارتفعت بين 12 في المائة و25 في المائة للطن الواحد، ما دفع الشركات المصدّرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتوجيه بوصلتها نحو الأسواق الأقرب والأكثر استقراراً كالهند وجنوب شرق آسيا، بينما تراجعت جاذبية أميركا اللاتينية بنسبة تتراوح بين 10 في المائة و20 في المائة.

ومع ذلك، حافظ المنتج الخليجي على تنافسيته الهيكلية بفضل تكلفة إنتاج أقل بنسبة من 25 في المائة إلى 35 في المائة من منافسيه، لكن المنافسة، على عكس قطاع الطاقة، تحولت من «سعر المنتج» إلى «كفاءة الوصول».

أحد مصانع الأسمدة في السعودية (واس)

مفارقة الأسعار

في مفارقة تزيد المشهد تعقيداً، تبخرت «علاوة الحرب» من سوق الأسمدة مبكراً على عكس أسواق النفط؛ إذ هبطت أسعار اليوريا العالمية بأكثر من 30 في المائة منذ منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بعد تخفيف الصين قيود التصدير وانتهاء موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي. ومع ذلك، تبقى الأسعار في الولايات المتحدة أعلى بنسبة 10 في المائة مقارنة بالعام السابق.

وبحسب برانشي غويال، كبيرة المحللين في «سي آر يو»، فإن نحو 40 في المائة فقط من الكمية العالقة في الخليج خُصصت مسبقاً للهند، بينما قد تعود الكمية المتبقية إلى السوق (التي تقدر بـ600 ألف طن) دفعة واحدة عند استئناف العبور، ما يفرض ضغوطاً سعرية هبوطية، وهو ما يفسر إقدام نيودلهي على طرح مناقصتها العالمية بدلاً من انتظار وصول شحناتها العالقة.

ويتفق الحربي مع هذا الطرح، محذراً من أن وصول مليون طن دفعة واحدة سيضغط الأسعار نزولاً، بما يفيد المزارع، لكنه يضغط هامش ربح المنتج الخليجي، مع خطر أن يتأجل الطلب بالكامل لموسم زراعي مقبل إذا تأخر الوصول عن موعده.

«الانفراجة» بداية لمرحلة أصعب

يخلص الخبيران في حديثهما لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الاتفاق السياسي المعلن لا يعني طي صفحة الاضطرابات في سوق الأسمدة؛ بل يمثل بداية لمخاض لوجستي أكثر تعقيداً؛ إذ يصف الحربي هذه المرحلة بـ«الأصعب تشغيلياً»، مؤكداً أن السفن التي اضطرت لتغيير مساراتها لن تعود إلى قواعدها التقليدية فوراً، كما أن العقود البديلة التي أُبرمت تحت ضغط الأزمة تتطلب إعادة توازن معقدة، مقدّراً أن يستغرق النظام الملاحي بأكمله فترة تتراوح بين 6 و9 أشهر، ليستعيد استقراره الكامل.

وفي السياق ذاته، يحذر آل هليل من أن إعادة جدولة الناقلات المتأخرة ستخلق تداخلاً حاداً في مواعيد الإبحار والوصول؛ ما يهدد بتحويل الموانئ الآسيوية - التي تعمل حالياً بنحو من 80 إلى 90 في المائة من طاقتها الاستيعابية - إلى نقاط اختناق مؤقتة قد تمدد زمن انتظار الشحنات بين 5 و10 أيام إضافية. ويختم آل هليل بالقول إن هذه الانفراجة «لا تعني نهاية الاضطراب، بقدر ما هي إعادة تشكيل أعمق لسلاسل الإمداد العالمية وفق منطق المخاطر والكفاءة الجديد».


انفراجة «مضيق هرمز» تضخ المليارات في صناديق الأسهم العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «مضيق هرمز» تضخ المليارات في صناديق الأسهم العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت صناديق الأسهم العالمية طفرة استثمارية غير مسبوقة هي الأكبر منذ 19 شهراً، خلال الأسبوع المنتهي في 17 يونيو (حزيران)، مدفوعة بموجة تفاؤل عارمة اجتاحت أوساط المستثمرين. وجاء هذا الانتعاش القوي في أعقاب الإعلان عن اتفاق مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، والتوقعات الإيجابية بأن تؤدي إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل إلى استقرار إمدادات الطاقة العالمية وتخفيف الضغوط التضخمية.

فقد أظهرت بيانات مجموعة بورصة لندن أن المستثمرين ضخّوا نحو 55.22 مليار دولار في صناديق الأسهم العالمية خلال الأسبوع، في أكبر عملية شراء أسبوعية منذ 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. وجاء ذلك بعد توقيع الولايات المتحدة وإيران اتفاقاً يقضي بتمديد وقف إطلاق النار المعلن في أبريل (نيسان) لمدة 60 يوماً إضافية، لإفساح المجال أمام مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى هدنة أكثر استدامة.

كما نص الاتفاق على استئناف حركة الملاحة البحرية بالكامل في مضيق هرمز من دون رسوم، وهو أحد أهم الممرات المائية العالمية لنقل النفط، بعدما تسبب إغلاقه خلال فترة النزاع في ارتفاع حاد بأسعار الخام.

وانعكس هذا التفاؤل بشكل واضح على الأسواق، حيث استقطبت صناديق الأسهم الأميركية تدفقات بلغت 38.37 مليار دولار، مسجلة أكبر تدفق أسبوعي لها خلال 19 شهراً. وجاء ذلك بالتزامن مع تسجيل صناديق قطاع التكنولوجيا تدفقات قياسية بلغت 21.46 مليار دولار خلال أسبوع واحد.

وعلى صعيد فئات الأسهم، استقطبت صناديق الشركات الصغيرة والمتوسطة ومتعددة الشركات، تدفقات صافية بلغت 6.52 مليار دولار و5.02 مليار دولار و1.42 مليار دولار على التوالي، في حين سجلت صناديق الشركات الكبرى صافي تدفقات خارجة بقيمة 6.55 مليار دولار. كما شهدت الصناديق القطاعية طلباً قوياً، حيث اجتذبت صناديق القطاع الصناعي تدفقات بقيمة 2.35 مليار دولار، تلتها الصناديق المالية بـ639 مليون دولار، ثم صناديق المعادن والتعدين بـ586 مليون دولار.

وفي سوق الدخل الثابت، واصلت صناديق السندات الأميركية جذب الاستثمارات للأسبوع التاسع على التوالي، مسجلة صافي تدفقات بلغ 9.85 مليار دولار. وتصدرت صناديق السندات المحلية الخاضعة للضريبة وصناديق السندات الاستثمارية قصيرة ومتوسطة الأجل، قائمة الأكثر جذباً للأموال، بتدفقات بلغت 3.4 مليار دولار و3.09 مليار دولار على التوالي.

كما عادت السيولة بقوة إلى صناديق أسواق المال الأميركية، التي استقطبت صافي استثمارات بلغ 53.25 مليار دولار، بعد أن كانت قد سجلت صافي مبيعات بقيمة 16.6 مليار دولار في الأسبوع السابق.

كذلك جذبت الصناديق الأوروبية استثمارات بقيمة 10.66 مليار دولار، بينما استقطبت الصناديق الآسيوية 3.92 مليار دولار.

وعلى مستوى القطاعات، تصدرت صناديق التكنولوجيا المشهد بتدفقات قياسية بلغت 21.46 مليار دولار خلال أسبوع واحد. كما شهدت صناديق القطاع الصناعي طلباً قوياً، مع تدفقات وصلت إلى 2.49 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ 4 مارس (آذار).

وفي أسواق الدخل الثابت، واصلت صناديق السندات العالمية جذب الاستثمارات للأسبوع الحادي عشر على التوالي، مسجلة صافي تدفقات بلغ 17.17 مليار دولار. وتصدرت صناديق سندات الشركات المشهد باستقطاب 2.86 مليار دولار، وهو أكبر صافي شراء أسبوعي لها في شهرين، فيما سجلت صناديق السندات قصيرة الأجل والصناديق المقومة باليورو تدفقات بلغت 1.44 مليار دولار و1.25 مليار دولار على التوالي.

كما أضاف المستثمرون 40.03 مليار دولار إلى صناديق أسواق النقد، في تحول لافت مقارنة بصافي مبيعات بلغ 19.02 مليار دولار في الأسبوع السابق.

في المقابل، واصلت صناديق الذهب والمعادن النفيسة الأخرى مواجهة ضغوط بيعية للأسبوع الخامس على التوالي، مع سحب استثمارات بقيمة 1.78 مليار دولار.

أما في الأسواق الناشئة، فقد استمرت موجة العزوف عن المخاطرة، حيث سجلت صناديق الأسهم تدفقات خارجة للأسبوع الثامن على التوالي بقيمة 2.88 مليار دولار، فيما تكبدت صناديق السندات صافي مبيعات أسبوعية بلغ 309 ملايين دولار، وفق بيانات شملت 28,869 صندوقاً استثمارياً حول العالم.