«داعش الليبي» يتمركز في درنة وسرت.. ويستخدم إمكانات المتطرفين لإثارة الفزع

(«الشرق الأوسط») ترصد «سوق المصرية» في ليبيا ومحاولة الإخوان «ركوب الموجة»

مطعم في طبرق يديره مصريون («الشرق الأوسط»)
مطعم في طبرق يديره مصريون («الشرق الأوسط»)
TT

«داعش الليبي» يتمركز في درنة وسرت.. ويستخدم إمكانات المتطرفين لإثارة الفزع

مطعم في طبرق يديره مصريون («الشرق الأوسط»)
مطعم في طبرق يديره مصريون («الشرق الأوسط»)

من اللافت للانتباه وجود لافتة في تقاطع طرق بوسط مدينة طبرق في شرق ليبيا، يطلق عليه الليبيون «سوق المصرية». ورغم الظروف الأمنية الصعبة في هذا البلد المضطرب، ورغم إغلاق مصر الحدود ومنع العبور بين البلدين، فإنه يصل إلى هذه المدينة كل يوم العشرات من أبناء المحافظات المصرية بحثا عن فرص عمل، وأشياء أخرى.
وفي زيارة أخيرة قامت بها «الشرق الأوسط» لعدد من المدن الليبية، بدا من اللافتات الموجودة في «سوق المصرية» أن عمليات نقل هذه العمالة وغيرهم من الشبان الغامضين المتسللين من الحدود، تسير على قدم وساق إلى داخل ليبيا بما فيها المدن التي يسيطر عليها المتطرفون مثل درنة وسرت.
وكان يعمل في ليبيا حتى الأيام الأخيرة لحكم معمر القذافي نحو مليوني مصري، لكن العدد تراجع إلى حد كبير أثناء الانتفاضة المسلحة التي دعمها حلف الناتو، وانتهت بمقتل حاكم ليبيا في خريف 2011. وتقول مصادر أمنية ليبية إن «ألوف المصريين ما زالوا يعملون هنا، وأكثرهم ممن رفضوا مغادرة البلاد أثناء أحداث الانتفاضة». وزاد عليهم آلاف آخرون من العمال ممن كانوا يطمحون إلى المشاركة في أعمال إعادة الإعمار، بعد أن تستقر الأوضاع، لكنها لم تستقر.
وتعد طبرق أول بلدة كبيرة تقع على بعد نحو 150 كيلومترا من الحدود المصرية. ويضع مكتب يطلق على نفسه اسم «مكتب طريق السلامة للسفريات»، لافتة كبيرة في وسط طبرق، تشير إلى مكان نقل العمالة الوافدة والمتسللة عبر حدود مصر إلى الغرب حيث مدن بنغازي وسرت وطرابلس. وتشير أيضا إلى إمكانية النقل إلى داخل المدن المصرية، أي إلى مرسى مطروح والإسكندرية والقاهرة.
ويقع مكان تجمع المسافرين في منطقة يطلق عليها «جزيرة شهداء 17 فبراير»، وهي موجودة في شارع فلسطين. ويقول ناصر الجابري، أحد المسؤولين في طبرق عن نقل المسافرين بين مصر وليبيا والذي يعمل في هذا المجال منذ نحو 4 سنوات، إن «عدد القادمين من مصر تراجع إلى حد كبير» منذ حادثة اختطاف المتطرفين في غرب ليبيا 4 دبلوماسيين العام الماضي. ويشير إلى أن المتسللين عبر الحدود المصرية «ليسوا مصريين فقط، ولكن بينهم سوريون وسودانيون ويمنيون وأفارقة من دول مختلفة».
ولا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد المصريين في ليبيا، لكن يرجح أنه يقترب من مائة ألف مصري أو يزيد قليلا. وبدأت كبرى قوافل المصريين العائدين إلى بلادهم في شهر أغسطس (آب) الماضي حين اشتعلت المعارك بين المتطرفين والجيش الوطني الليبي، وما تبع ذلك من احتلال المتطرفين الذين تقودهم جماعة الإخوان الليبية لمطار العاصمة طرابلس الغرب، والكثير من الطرق والمعابر، خاصة معبر «راس جدير» على الحدود مع تونس. كما عاد من معبر السلوم ألوف المصريين الفارين من نيران المعارك.
ومنذ تدهور الأوضاع في ليبيا، أصدرت السلطات المصرية تعليمات بعدم السفر، ودعت المصريين الذين يعملون فيها للعودة «إذا رغبوا». وبعد إعلان تنظيم داعش نحر 21 مصريا قبل يومين، جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي نداءه للمصريين بالعودة حفاظا على حياتهم، قبل أن يوجه ضربات عسكرية، بالتعاون مع الجيش الليبي لمواقع المتطرفين قرب درنة وسرت.
ويقول مسؤول أمني في معبر السلوم البري، إن المنفذ مغلق بشكل رسمي، وتقتصر الحركة فيه على شرائح محددة من بينهم المصريون العائدون من ليبيا، أما بالنسبة لليبيين الذين تستثنيهم السلطات ويحق لهم دخول مصر من المنفذ، فيشترط أن يكونوا من الجرحى أو المرضى الموصى بعلاجهم بمصر، أو يكون الليبي متزوجا من مصرية، أو ابنا لأم مصرية، ويلزم في هذه الحالة، كما يقول المصدر الأمني، أن تكون زوجته أو والدته بصحبته.
ورغم كل ذلك، فإن قوات حرس الحدود الليبية ما زالت تتعثر بين حين وآخر في مجموعات من الشبان المغامرين ممن اجتازوا الأسلاك الشائكة على الحدود المصرية - الليبية. ويقول ضابط في حرس الحدود الليبية يدعى سليمان، وهو من منتسبي «كتيبة عمر المختار» التابعة للجيش الوطني: «رغم ضعف إمكانات حرس الحدود الليبي، فإنه تمكن من توقيف مئات المصريين وجنسيات أخرى، بعد تسللهم إلى داخل ليبيا، في الأسابيع الماضية، حيث يجري إعادة المصريين إلى وطنهم بالتنسيق مع قوات حرس الحدود المصرية، وتوقيف الجنسيات الأخرى تمهيدا لإعادتهم إلى بلدانهم».
لم يكن جميع من جرى إلقاء القبض عليهم من المتسللين من الحدود المصرية، يطمحون إلى إيجاد فرص عمل في المدن الليبية، ولكن كان من بينهم متشددون يسعون للانضمام إلى الميليشيات المتطرفة، وفقا للمصدر نفسه، الذي يضيف أنه جرى توقيف ما لا يقل عن 7 سوريين و15 مصريا الشهر الماضي كانوا في طريقهم إلى معقل تنظيم داعش في درنة، وهي أول مدينة تجاور طبرق من ناحية الغرب، وتبعد عنها بنحو 160 كيلومترا.
يبحث غالبية المصريين الذين يتجاهلون تحذيرات وزارة الخارجية في بلدهم من السفر لليبيا، عن فرص عمل تبدو مغرية في هذا البلد الغني بالنفط. فقد تضاعفت أجور العاملين في البناء وأعمال الكهرباء والصرف وتوصيل المياه، وغيرها من الأعمال المتعلقة بترميم المساكن والمنشآت التي تعرضت للتخريب أثناء الانتفاضة المسلحة ضد القذافي التي استمرت 8 أشهر.
أحد سماسرة تجميع العمال المصريين يقول لـ«الشرق الأوسط» في لقاء أخير في طبرق إن ندرة العمالة من جانب، وكثرة المباني المدمرة التي تحتاج لإصلاح من جانب آخر، هو السبب في ارتفاع أجر العامل. وأقرب أنواع العمالة التي يمكنها اجتياز الحدود والدخول إلى ليبيا هي العمالة المصرية التي تبحث عن فرص بعيدا عن الدولة التي تعاني من ديون مالية ضخمة منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وكان أجر عامل البناء في اليوم يتراوح بين 20 و30 دينارا (الدولار كان يساوي نحو دينارين)، إلا أنه ارتفع خلال العام الأخير فقط إلى ما لا يقل عن 70 دينارا. ويضيف أن هذا مبلغ كبير (الدينار يساوي نحو 5 جنيهات مصرية)، و«أعتقد أنه، من وجهة نظر العامل، يستحق المغامرة». ويوجد على الجانب الآخر من الحدود المصرية وكلاء لتجميع العمالة المصرية وتيسير دخولها إلى ليبيا حتى لو كان العامل المتسلل لا يملك سداد أجرة مهربي البشر. وبحسب رواية أحد العمال المصريين ممن التقت بهم «الشرق الأوسط» في طبرق، وهو أصلا من إحدى القرى الفقيرة بمحافظة كفر الشيخ في دلتا مصر، فإن الأمر بسيط..
لا تسدد أي نفقات منذ خروجك من القرية. فقط تسلم نفسك للدليل الذي يحشرك في حافلة أجرة صغيرة إلى قرب الحدود المصرية - الليبية، ومن هناك تبدأ رحلة بالمشي على الأقدام طوال الليل، إلى أن تجتاز السلك الشائك والألغام الأرضية ونقاط الحرس، لتجد نفسك داخل الأراضي الليبية. ومن هناك يتسلمك دليل آخر وينقلك، تحت حراسة من مهربين مسلحين يستخدمون سيارات الدفع الرباعي، إلى مقر لتجميع العمالة في «سوق المصرية» في طبرق. هنا يقوم سمسار العمالة بسداد نفقات الرحلة بأكملها للوكيل الليبي الذي يقوم بالتبعية بإرسال الحصة الخاصة بالوكيل المصري في الجانب الآخر من الحدود. وعلى هذا يبدأ السمسار في تحصيل ما أنفقه عليك من الأجر الذي ستتقاضاه من عملك شهرا بشهر.
«هذه عملية معقدة، لكنها تجري بسلاسة ونظام.. لا يمكننا الاستغناء عن العمالة المصرية»، كما يقول حسين الإدريس، وهو تاجر من مدينة سرت كان يقيم حتى الشهر الماضي في مدينة طبرق، انتظارا لتجميع عمال مصريين متخصصين في أعمال الصرف الصحي في بيوت ثلاثة تملكها عائلته في المدينة التي تعرضت للدمار أثناء محاصرة القذافي فيها في آخر أيامه.
ويضيف أحد المصادر القبلية في سرت أنه رغم اختفاء مظاهر الدولة من المدينة ونزع الميليشيات سلاح القبائل التي فيها عقب مقتل القذافي، «فإنه ما زال يوجد فيها عمال مصريون.. عدة مئات. هؤلاء لم يغادروا حتى بعد أن وقع حادث اختطاف المصريين الواحد والعشرين وذبحهم».
وبالإضافة إلى أعمال البناء، توجد العشرات من القصص عن مصريين رفضوا التخلي عن المواقع التي يعملون فيها في كثير من المدن الليبية بما فيها المدن الملتهبة، مثل الطبيب الذي تحمل ظروف العسف والفوضى التي خلقتها الميليشيات في سرت، وأصر على البقاء من أجل علاج المواطنين الليبيين في مستشفى المدينة، إلى أن قام المتطرفون بقتله هو وأسرته في نهاية المطاف قبل شهر.
وهناك مدير لفندق من الفنادق المتوسطة في طرابلس المضطربة، يرفض العودة إلى مصر، لأنه يعمل في هذا الفندق منذ أكثر من 20 سنة، ويتعامل مع الأمر على أساس أنه هو المسؤول الأول عن الفندق وأنه لا يجوز أن يتخلى عنه على أمل أن تتحسن الظروف.
وتتشابه خيوط تهريب العمالة مع خطوط نقل المقاتلين والمتطرفين الهاربين من بلادهم. ووفقا لقائد في حرس الحدود الليبي، فقد جرى خلال الأشهر الأخيرة توقيف مصريين وجنسيات أخرى كانوا يقصدون مدينة بنغازي للانضمام إلى المتطرفين، ومن بينهم عناصر كانت قادمة مباشرة من مصر والبعض الآخر كان قادما من السودان عبر الأراضي المصرية، و«يجري التعامل معهم عن طريق جهات التحقيق الليبية لمعرفة من يقف وراءهم ومن يقوم بتمويلهم».
ويعتقد مسؤولون أمنيون ليبيون أن ملاحقة المصريين والقبض عليهم من جانب المتطرفين في ليبيا يجري بالتعاون مع متشددين مصريين يعملون مع تلك الميليشيات، من بينهم عناصر من «الإخوان» ومن حركة مصرية تسمى «حازمون» بعض عناصرها يحارب مع تنظيم داعش في سوريا أيضا، مشيرين إلى أن أجر المقاتلين الأجانب في صفوف المتطرفين الليبيين يتراوح بين 100 و500 دينار في اليوم، «وفقا لنوع السلاح الذي يعمل عليه.. هناك فرق بين من يقاتل بالكلاشنكوف ومن يحارب بمدافع 23 مللم». واستجاب آلاف العاملين المصريين في ليبيا لنداءات الدولة التي أطلقتها طوال الأشهر الأخيرة، وبدأت طوابير العودة إلى بلادهم بالفعل منذ أواخر العام الماضي وما زالت جارية حتى الآن. لكن يتوقع أن يزيد العدد بعد مشاهد الرعب التي بثها ما يطلق عليه «داعش ليبيا» بحق الواحد والعشرين مصريا.
بيد أن أحد أسباب البقاء بالنسبة لقطاع من المصريين يتعلق أيضا بمسألة الحصول على مستحقاتهم من أرباب العمل الليبيين، لأن الحرب والاقتتال بين الفرقاء تسبب في توقف معظم صادرات النفط وشلل عملية نقل الأموال بين المصارف في المدن المختلفة، إلى جانب تعرض التجارة والنقل للموت المؤقت تقريبا، انتظارا لانتهاء الحرب، ففي أواخر 2014، على سبيل المثال، تمكن المتطرفون من الاستيلاء على نحو 300 مليون دولار أثناء نقلها من مصرف طرابلس إلى بنوك بنغازي.
والمشكلة في رجوع المصريين تكمن أيضا في الطرق التي أصبحت صعبة.. إذا كنت في طرابلس، فلن يكون أمامك إلا أحد خيارين، بعد أن توقف مطار طرابلس ومطار معيتيقة عن العمل.. إما أن تتوجه إلى تونس، حيث توجد مشكلات واقتتال بين المتطرفين والجيش على هذا الطريق، أو أن تسلك الطريق إلى الشرق الذي يمر بك، شئت أم أبيت، عبر سرت التي يسيطر عليها المتشددون من «داعش» و«أنصار الشريعة» وما يسمى «الدروع».
وبالنسبة لمن هم في بنغازي، فإن الأمر أيسر قليلا؛ حيث يمكن العبور من الطريق الصحراوي الجنوبي، وصولا إلى طبرق الآمنة، ومنها إلى حدود مصر. وهذا يجنبك المرور من «طريق الاختطاف والذبح» والمقصود به الطريق الساحلي الشمالي الذي تقع عليه مدينة درنة حيث تنظيم داعش الذي أعلنها إمارة خاصة به. لم يبدأ تنظيم «داعش» في ليبيا من فراغ.. القصة بدأت بعد مقتل القذافي. كانت هناك كتيبة يديرها قادة من جماعة الإخوان الليبيين يتركز وجودها في بنغازي اسمها «كتيبة 17 فبراير»، وشعر بعض كوادر الكتيبة أن عددا من «الإخوان» يستخدمونها لمصالحهم، فقرروا الانفصال عنها وتكوين كتيبة أخرى أطلقوا عليها اسم «راف الله السحاتي». ومن رحم هذه الكتيبة الجديدة ظهرت كوادر أخرى أرادت مزيدا من الابتعاد عن سيطرة بعض وجوه «الإخوان»، فانفصلوا، مرة ثانية، عن «راف الله السحاتي» وشكلوا تنظيم «أنصار الشريعة» برئاسة محمد الزهاوي، وهو رجل متطرف كان في شبابه عضوا في فرقة درنة الموسيقية، وقتل في حرب المتشددين مع الجيش في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وبسب علاقة الزهاوي بدرنة، رفع رجل آخر متطرف من المدينة، وكان معتقلا في غوانتانامو، يدعى سفيان بن جومة، راية «أنصار الشريعة» وأصبح ينسق مع الزهاوي في الهجوم على مواقع الشرطة والجيش ومقار الدولة.
ويقول مسؤول أمني ليبي، إنه بعد ثورة المصريين على حكم محمد مرسي وجماعة الإخوان المصرية، بدأ مثل هؤلاء القادة في بنغازي ودرنة يحنون إلى أصولهم الإخوانية، بمساعدة نواب «الإخوان» والمتطرفين في البرلمان الليبي السابق الذين كانوا ينفقون عليهم بسخاء ويسهلون لهم الطرق. ومنذ ذلك الوقت شرعوا في استهداف المصريين للانتقام لـ«الإخوان» في القاهرة.
لكن، وبعد أن خسرت جماعة الإخوان الليبية الانتخابات وخرجت من حكم ليبيا هي الأخرى، الصيف الماضي، بدأت تستعين بالمتطرفين ممن خرجوا من عباءتها، لاستهداف المصريين على أساس أنهم مؤيدون للرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يؤيد بدوره السلطة الجديدة في ليبيا ممثلة في البرلمان والجيش الوطني بقيادة اللواء خليفة حفتر وحكومة عبد الله الثني.
ووفقا للمصادر الأمنية والعسكرية الليبية، وفرت جماعة الإخوان الليبية مسارات لتهريب الأسلحة والمتطرفين لتلك التنظيمات والعمل على تقويتها من أجل محاربة السلطة الجديدة في البلاد. وتضيف أن أحد طرق التواصل بين «أنصار الشريعة» التي تحولت إلى موالاة «داعش»، و«إخوان ليبيا»، تمر عبر قيادي مسؤول عما يسمى «قوات الدروع»، ويدعى وسام بن حميد. وتضيف أن بن حميد شارك مع الزهاوي في الحرب ضد الجيش في بنغازي وسرت، ويعد من المحرضين ضد المصريين في ليبيا.
ويشرف على عمليات المتطرفين في ليبيا قيادات إخوانية أخرى من بينهم زعماء لـ«كتيبة 17 فبراير» وقادة ما يسمى «قوات فجر ليبيا» وعناصر من «كتائب الدروع» إضافة لقادة «أنصار الشريعة» الذين يرفع قطاع منهم راية «داعش» علانية، إلى جانب جماعة «أنصار الحق» التي تضم موالين لتنظيم القاعدة ويديرها قادة من جماعة الإخوان في الجنوب الليبي تحت اسم «القوة الثالثة».
وتضيف المصادر الأمنية والعسكرية الليبية أن «(داعش ليبيا) ليست أكثر من مجاميع تنتمي أساسا للتنظيمات المشار إليها والتي يقودها من أعلى قادة من الإخوان، تحت هدف واحد هو محاربة الجيش الليبي»، مشيرة إلى أن أماكن هؤلاء المتطرفين موجودة في درنة وفي المناطق الجبلية المحيطة بها والوديان الواقعة في جنوب المدينة. أما المواقع الأخرى لهذه المجاميع المسلحة، فتوجد في ضاحيتين على الأقل في مدينة بنغازي، وهما القوارشة وسيدي فرج، وهما محاصرتان في الوقت الراهن من قبل الجيش الليبي. وهناك مجاميع أخرى في بلدة صبراتة قرب الحدود الليبية – التونسية، أي على مسافة ليست بعيدة عن قاعدة الوطية العسكرية التي يديرها الجيش الليبي. كما توجد مجموعات من المتطرفين في مناطق سوق الجمعة وأبو سليم في العاصمة طرابلس، إضافة إلى ما يسمى «القوة الثالثة» في سبها جنوبا. وفي القاهرة، أفادت مصادر مسؤولة أن جماعة «إخوان ليبيا» تحاول منذ خسرت الحكم في ذلك البلد، طرق أبواب السلطات المصرية، لكي يكون لها دور في حكم ليبيا مستقبلا، «إلا أن مصر لا تتعامل مع المتطرفين والإرهابيين». واستغلت مواقع إلكترونية تابعة للتنظيم الدولي للإخوان (يضم إخوانا من مصر وليبيا وعربا وأجانب) حادث ذبح المصريين الذين اختطفوا في سرت، ورد القوات المسلحة المصرية على المتطرفين، في محاولات لتشويه السلطات المصرية.
ويقود عمل المتطرفين في ليبيا مجموعة نواب سابقين من المتشددين المنتمين لكل من جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» وتنظيم القاعدة. وأعاد هؤلاء تحت قوة السلاح عقد جلسات البرلمان السابق الذي أصبح يقتصر على الموالين لهم وعلى نحو 10 من النواب الجدد المنتمين للمتطرفين أيضا. ويقول مسؤول عسكري ليبي في مقابلة معه أثناء زيارته للقاهرة أمس: «هؤلاء يحاولون إقناع الغرب بأنهم يريدون محاربة (داعش ليبيا).. من المثير للسخرية أنهم هم من يسهلون للمتطرفين الذين يسمون أنفسهم (داعش) العمل في المدن الليبية. الذي يتعاون مع (داعش) الذي كان اسمها (أنصار الشريعة) ومن يجتمع معها في ما يعرف بـ(مجلس ثوار بنغازي) ومجالس الميليشيات الأخرى، هم قادة من الإخوان».



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.