السودان.. سياحة خجولة ومقومات عديدة

بين الخرطوم وسباق الإبل والمصارعة

السودان.. سياحة خجولة ومقومات عديدة
TT

السودان.. سياحة خجولة ومقومات عديدة

السودان.. سياحة خجولة ومقومات عديدة

السياحة في السودان لا تزال مطمورة، تنقصها عدة مقومات مثل البنية التحتية والتخطيط والاستثمار الجاذب الصحيح، وذلك رغم أن الشعب السوداني معروف بكونه مضيافا لا يهاب الغريب، ورغم وفرة الفرص الطبيعية من حيث اختلاف الأنشطة التقليدية والثقافية والشعبية وتنوع المواقع الجغرافية والتاريخية التي لو حظيت ولو بقليل من الاهتمام لأصبحت مصدر رزق وفير ولأسهمت في تغيير الصورة النمطية للسودان.
وعلى الرغم من وجود وزارة سياحة وآثار وحياة برية، ومبان ضخمة، فإن السائح غالبا ما يكون تائها ما لم يحظ برفقة دليل يطلعه على المواقع السياحية وكيفية الوصول إليها بأسهل الطرق وأقل وقت، مما قد يتيح له الاستمتاع ببرامج ترفيهية وتثقيفية ممتعة ومشوقة.
تعتبر هذه الشهور من العام أي فصل الشتاء هي الأفضل لزيارة السودان حيث يسوده طقس جميل، بارد بالنسبة لأهل البلد ممن حباهم الله بشمس وحر معظم العام.
في رحلة سريعة لم يسمح لنا الوقت بزيارة مواقع سياحية بعيدة عن العاصمة كمناطق الآثار الفرعونية بشمال السودان أو الاستمتاع برياضة الغوص بالبحر الأحمر ومياهه الشفافة وشعابه المرجانية، أو الصيد بوديان كردفان والسفاري وتتبع حيوانات وطيور نادرة في بيئتها الطبيعية في جنوب النيل الأزرق. كما لم تتثن لنا رؤية المنتجعات الطبيعية بجبل مرة، لذلك اكتفينا بالبقاء بالعاصمة المثلثة الخرطوم، حيث يقترن النيلان الأبيض والأزرق في زيجة أبدية سعيدة مكونين النيل الخالد.
على ضفاف النيل تجد النساء اللاتي يطلق عليهن اسم «ستات الشاي» وهن يبعن الشاي والقهوة والكركدي، يجلس الزوار من حولهن لتناول المشروبات الساخنة. مهنة بيع الشاي التي تقوم بها تلك النساء ليست سوى ظاهرة اقتصادية واجتماعية، إذ لم يكن معروفا عن المرأة السودانية الخروج للعمل على هذا النحو قبل عمليات النزوح بسبب الجفاف والتصحر وقبل الحروب في أكثر من إقليم طرفي. وقد دفعت الأوضاع الاقتصادية الكثير من النساء للبحث عن مختلف سبل الرزق الشريف للمشاركة في توفير مصاريف الحياة خصوصا الصحة والتعليم.
تلك الجلسات لشرب الشاي والأنس، والتي لا بد أن يجربها سائح الخرطوم، أمست منفذا ترفيهيا انتشر بكثرة في أنحاء أخرى من العاصمة، ولقلة نفقاتها أطلق عليها بعض الشباب اسم «حبيبي مفلس»، ولكونها مفتوحة أمام أعين الملأ من المارة يسميها آخرون «أبوي عارفني»، بمعنى أن الجالسين خاصة إن كانوا شبابا وشابات أهلهم على علم بما يفعلون.

* الأكل
* في توسع ملحوظ للمطاعم الفخمة والمتنزهات، ووجود أكثر من فندق بمقومات حديثة كفندق «روتانا» وبرج الفاتح الذي تم تغيير اسمه بعد الثورة الليبية إلى كورنثيا (وإن ظل اسمه القديم هو الشائع) والفندق الكبير وفندق «الهيلتون» الذي أصبح كورالا وفنادق أخرى أصغر حجما، ظهرت مطاعم ومحال عربية الطابع في زيادة مطردة بعد هجرة واسعة لفلسطينيين وعراقيين وسوريين استجاروا بالخرطوم، ناهيك عن وجود مكثف لمحال تركية.
ومن أكثر محال الأكل انتشارا بالخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري هي المطاعم التقليدية التي تقدم سمك النيل من بلطي وعجل وشلب وبياض وكبروس وأسماك البحر الأحمر كالجمبري والهامور محمرة ومشوية بأشهى الطرق السودانية البسيطة. ومن تلك المطاعم «بيت السمك» و«صاج السمك» و«سمكنا» و«منتجع السمك» و«حوش السمك» و«عوضية للأسماك».
ولـ«عوضية» قصة كفاح تستحق الإشارة، إذ بدأت سيدة واسمها عوضية بتنظيف الأسماك بموقع معروف بحي الموردة بأم درمان يستقبل في ساعة مبكرة من كل صباح ما يعود به الصيادون من أسماك. نشطت عوضية في تنظيف ما تقدر عليه من أسماك، وشيئا فشيئا تحولت لبيع ما تنظفه محمرا في الموقع ذاته، وعندما زاد رزقها فتحت مطعما كاملا باسمها. مما يحبب الناس فيها كونها لم تتغير، ولتبرعاتها ومساهمتها في أعمال الخير، ومعلوم أنها ترسل أسبوعيا بكميات من السمك لسجن النساء. ويحكي عنها سكان الموردة الكثير من الحكايات الإنسانية الجميلة.
معظم محال السمك أصبحت تنافس محلات بيع اللحوم والمشاوي التي كانت الأكثر انتشارا بين السودانيين، وتوفر خصوصية لزبائنها لكونها عبارة عن حوش كبير بداخله عدد من القطاطي، وهي نوع من المباني المعروفة بالقرى، سقفها من القش وجوانبها من الطين وأرضها من الرمل، مع أثاث تقليدي بسيط.
تقدم الأسماك شهية طازجة في صينيات مدورة، وتؤكل على الطريقة السودانية بالأيدي، ومعظمها يتبل بالثوم والشمر، وتتوافر كاملة أو قطعا صغيرة «فيليه» تأتي من «الصاج» مباشرة مع خبز بلدي وسلطة خضراء (كما يسميها السودانيون) رغم أنها ملونة من مكوناتها الأساسية الطماطم والجزر والبصل والعجور والجرجير، وبالطبع هناك كمية وفيرة من الشطة والليمون.

* المتاحف
* من متاحف الخرطوم اكتفينا بزيارة لمتحف الخليفة بأم درمان، وهو نفس المنزل الذي سكنه الخليفة عبد الله المشهور بود تورشين، خليفة البطل السوداني محمد أحمد المهدي، ويضم أهم متعلقات الرجل الذي أدار وحكم السودان المستقل 14 عاما، منذ وفاة المهدي 1885 وحتى وفاته بام دبيكرات 1899.. وبذلك انتهت الدولة المهدية وانتهت طموحات الخليفة في تصديرها، وأصبح السودان مستعمرة حتى استقلاله 1956.
بعيدا عن بقية المتاحف والمواقع السياحية التقليدية حظينا برفقة شابة خبيرة نظمت لنا برامج غير تقليدية سودانية مائة في المائة، منها صباح كامل قضيناه في خلاء وفضاء واسع وعريض في تجربة غير مسبوقة خارج أم درمان لمشاهدة سباق للهجن.. نعم سباق إبل.
ينعم السودان بثروة هائلة من الأبل التي تربيها أكثر من قبيلة، أهمها قبيلة الكبابيش بغرب السودان وقبيلة الرشايدة بشرق السودان بجانب قبائل أخرى، ومن إبلهم الإبل المخصصة للحم وأهم أسواقها سوق دراو المصري. وهناك إبل مخصصة للحمل (إبل تمريح وتوليد وسعاية)، وهناك إبل يربونها ويدربونها للسباق ومن أهم مقوماتها خفة الوزن وصغر الحجم وأنها تمتلك أرجلا طويلة وسريعة. ولهذه النوعية، كإبل العنافي والفياض والبشاري، سمعة لا تضاهى في دول الخليج خصوصا السعودية والإمارات وقطر.
عرفت تلك القبائل وغيرها سباق الإبل منذ قديم الزمان كممارسة تقليدية أسرية تقام في المناسبات الاجتماعية تنافسا بين الفرسان، ومن ثم تحول الأمر لتجارة فظهرت اتحادات وقيادات وعمليات بيع وشراء وسباقات أسبوعية منتظمة تعتمد على وسائل تقنية حديثة استبدلت صغار الرعاة والفرسان من أبناء القبائل ممن كانوا يمتطون الإبل بـ«روبوتات» وأجهزة إلكترونية صغيرة يتم التحكم فيها من سيارات تتابع السباق جريا من خارج المضامير التي تتسابق فيها الهجن، وتلك مهارة تتطلب شغفا وتدريبا.
خلافا لبقية السباقات سواء سباقات السيارات والرالي أو الخيول حيث يقتصر الجري على المتسابقين فقط، فإن سباقات الهجن تشهد جري قطاعات أخرى تركض محاذية للإبل المتسابقة. ومن الملاحظ كيف يتابع كثيرون السباقات وهم حفاة ويلحقون بالإبل بينما تندفع سيارات رباعية الدفع جريا في محاذاة الإبل حتى يتم تحريك الجهاز الإلكتروني الذي «يعتقد» الجمل أنه فارس يحثه على الركض.
قبل الدخول في السباقات يتم تدريب الهجن يوميا ولأكثر من ساعة في أوقات مختلفة، كما يتم الاهتمام بها وتسميتها وإلباسها غطاءات مزركشة تحميها من الهجير وتزيدها جمالا.
هذا ولا تزال سباقات الهجن أكثر شهرة خارج السودان منها داخله، وذلك هو حال محفل سياحي آخر زارته «الشرق الأوسط» عصر يوم جمعة وتسبقه بدوره شهرة دولية بين السياح الأجانب ممن يجذبهم «صراع أولاد النوبة»، وهم شباب قبائل من إقليم كردفان يشتهرون بقوة الأجسام وتناسقها طولا وحجما، انتقلوا للخرطوم لأسباب مختلفة منها توسعة في الرزق أو بحثا عن الأمن والأمان بعد انتشار حروب دمرت ولا تزال تدمر السودان بسبب صراعات لإثنية وسياسية ضد الحكومات المركزية التي لا تعترف باستحالة حكم السودان الواسع مترامي الأطراف من الخرطوم كمركز بدلا عن حكم إقليمي يوفر لكل إقليم فرص تنمية متوازنة.
أشهر حلبات هذا الصراع حاليا موجودة بمنطقة الحاج يوسف شرق الخرطوم، وهذه الأماكن تفتقر لوجود العنصر النسائي فيها.
ومع اشتداد الحماس يزيد المتصارعان من مناوراتهما ولسعاتهما لاستفزاز الخصم ودفعه لارتكاب خطأ جسيم ينتهي برميه أرضا فيلتهب الجمهور حماسا معبرا عن إعجابه بمزيد من الهتاف والتوجيهات والإرشادات، بل ويرمي بعضهم نقودا، فيما يسارع آخرون لحمل الفائز ما إن تنهي صفارة الحكم الجولة.
يطلق المتصارعون على أنفسهم أسماء هي انعكاس للسياسة العالمية والداخلية، وهناك من يسمي نفسه «دمار شامل» و«دولار» و«المديرية»، فيما قال مصارع شاب لا يزال تحت التمرين، لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أفكر في اسم أوباما، لكني أعتقد أن بوتين أقوى، خاصة أن العالم حلبة مصارعة وبوتين مصارع متمرس».



جارك في الطائرة... «ورقة يانصيب» لايمكنك التنبؤ بها

يجب تحاشي المواجهات الحادة أثناء رحلات السفر (غيتي)
يجب تحاشي المواجهات الحادة أثناء رحلات السفر (غيتي)
TT

جارك في الطائرة... «ورقة يانصيب» لايمكنك التنبؤ بها

يجب تحاشي المواجهات الحادة أثناء رحلات السفر (غيتي)
يجب تحاشي المواجهات الحادة أثناء رحلات السفر (غيتي)

غالباً ما يُقلق المسافر موضوع الراكب الجالس إلى جانبه على متن الطائرة؛ إذ يرافقه طوال الرحلة دون إمكانية الاختيار المسبق. فالأمر أشبه بنصيبٍ مفاجئ لا يمكن التنبؤ به؛ ما يترك مساحة كبيرة للصدفة. لذلك؛ من المهم أن يحرص المسافر أولاً على أن يكون هو الجار المثالي، من خلال التزامه ببعض السلوكيات الأساسية التي تمنع تحوّله مصدر إزعاج لمن يجلس إلى جانبه، ويضمن رحلة أكثر راحة وهدوءاً للجميع.

من أبرز هذه المبادئ، احترام المساحة الشخصية للآخر، سواء عبر تجنّب التمدد الزائد أو وضع الأغراض بطريقة تعيق الحركة. فالمقعد في الطائرة ضيق بطبيعته، وأي تجاوز بسيط قد يتحول مصدر إزعاج متكرر خلال الرحلة.

كما يُستحسن تخفيف الحركة قدر الإمكان، مثل كثرة التقلب أو فتح الحقيبة العلوية وإغلاقها؛ لما لذلك من تأثير مباشر على الراكب المجاور، خصوصاً في الرحلات الليلية أو الطويلة.

ولا يقلّ عامل النظافة أهمية؛ إذ يُفضَّل الحفاظ على ترتيب المقعد وعدم ترك بقايا طعام أو أغراض متناثرة، إضافة إلى الانتباه للروائح الشخصية التي قد تؤثر سلباً على راحة الآخرين.

ومن قواعد الذوق احترام حق الجار في الهدوء، عبر خفض الصوت أثناء الحديث واستخدام السماعات عند مشاهدة المحتوى أو الاستماع إلى الموسيقى؛ لتجنّب فرض الضوضاء على من حولك.

فرحلة السفر هي تجربة مشتركة بين غرباء تجمعهم مساحة محدودة لساعات معدودة؛ ما يجعل من اللطف والوعي بالآخرين مفتاحاً أساسياً لتحويلها تجربةً مريحة ومقبولة للجميع.

بكاء الأطفال وحركتهم الزائدة من المشاكل التي يواجهها المسافرون (غيتي)

الأطفال المشاغبون والتحكم بحركتهم

يشكّل الأطفال المشاغبون عنصر إزعاج حقيقي لباقي ركاب الطائرة. فالضجيج الذي يولّدونه من شأنه أن يحرمهم من رحلة سفر مريحة. لذلك؛ على الشخص الذي يرافقه أولاده في الرحلة أن يضع في الحسبان ضرورة تدريبهم على المكوث بهدوء.

عندما يسافر أحد الوالدين برفقة أطفاله، خصوصاً إذا كانوا صغاراً أو كثيري الحركة، فإن التحدي يصبح مضاعفاً؛ لأن الطفل بطبيعته قد لا يستطيع الالتزام بالهدوء لفترات طويلة داخل مساحة ضيقة ومغلقة مثل الطائرة.

في هذه الحالة، لا يُتوقع من الأهل «السيطرة الكاملة» بقدر ما يُتوقع منهم محاولة الإدارة الواعية للموقف وتقليل الإزعاج قدر الإمكان. فمثلاً، من المفيد تزويد الأطفال مسبقاً بأدوات الأنشطة التي تشغلهم، مثل الكتب المصوّرة، الألعاب الصغيرة الهادئة، وكذلك الأجهزة اللوحية مع سماعات، لتخفيف الملل الذي غالباً ما يكون السبب الأساسي للفوضى.

كما يُستحسن أن يحرص الأهل على التحرك الاستباقي، مثل اختيار مقاعد مناسبة (قرب الممر مثلاً لتسهيل الحركة)، وكذلك توزيع الأدوار بين الأهل إذا كانوا أكثر من شخص، بحيث يتناوبون على تهدئة الطفل ومنعه من إزعاج الآخرين.

وفي حال حدوث نوبات بكاء، فإن الاستجابة الهادئة والسريعة من الأهل تلعب دوراً مهماً في تقليل مدة الإزعاج، حتى لو لم يكن بالإمكان منعه بالكامل. فمحاولة تهدئة الطفل بدل تجاهله أو الانفعال، غالباً ما تكون أكثر فاعلية وأقل إزعاجاً للمحيطين.

يجب على الأهل تهدئة أولادهم في الطائرة (غيتي)

لو واجهت جاراً مزعجاً فكيف تتصرّف؟

السؤال الأهم يبقى في كيفية التعامل مع جار مزعج؟ تشير بيرلا، وهي مضيفة سابقة على متن شركة «طيران الشرق الأوسط» إلى أنه من الضروري اعتماد اللطافة في المرحلة الأولى. وتتابع في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «يجب تجنّب التصعيد المباشر؛ لأن مساحة الطائرة ضيقة وأي توتر قد يزيد الموقف سوءاً. لذلك؛ يجب اللجوء بداية إلى استخدام التواصل الهادئ دون مواجهة، مثل طلب بسيط بعبارات لطيفة. (لو سمحت ممكن تخفف الصوت؟) أو (هل يمكنك إرجاع المقعد قليلاً؟)»؟.

وتستطرد: «كثير من الحالات تُحلّ بهذه الطريقة دون أي تصعيد. إذا لم يستجب الشخص أو استمرّ في الإزعاج، هنا يأتي دور طاقم الطائرة، وهم الجهة الأساسية المسؤولة عن راحة الركاب. ويمكن استدعاء أحد أفراد الطاقم بالضغط على زر النداء أو الإشارة إليه بهدوء، وشرح المشكلة باختصار ودون انفعال».

ومن المعروف أن طاقم المضيفين عادةً مدرّب على التعامل مع هذه المواقف. وأحيانا يقومون بتغيير مكان الراكب، أو توجيه الملاحظة له بشكل رسمي. ومرات أخرى يلجأون إلى إيجاد حل يخفف الإزعاج. ويتمثّل ذلك في تعديل المقعد أو توزيع الركاب بشكل أفضل.

أما في الحالات الأكثر إزعاجاً (مثل الضجيج المستمر أو السلوك غير اللائق)، فالمسألة تُرفع مباشرة إلى قائد الطائرة عبر الطاقم؛ لأنه المسؤول النهائي عن سلامة الركاب وراحتهم أثناء الرحلة.


أين تسافر هذا الربيع في القارة العجوز؟

البندقية من جميلات إيطاليا (الشرق الأوسط)
البندقية من جميلات إيطاليا (الشرق الأوسط)
TT

أين تسافر هذا الربيع في القارة العجوز؟

البندقية من جميلات إيطاليا (الشرق الأوسط)
البندقية من جميلات إيطاليا (الشرق الأوسط)

مع اعتدال الطقس وتفتّح الأزهار وتحوّل المدن إلى لوحات نابضة بالألوان، يُعد فصل الربيع الوقت المثالي لاكتشاف سحر أوروبا بعيداً عن ازدحام الصيف وبرودة الشتاء. ففي هذا الموسم، تكشف القارة الأوروبية عن جانبها الأكثر هدوءاً وجمالاً، من شوارع باريس المزيّنة بأشجار الكرز، إلى إيطاليا الغنية بالفن والثقافة. وبين الطبيعة الخضراء والمهرجانات الموسمية والمقاهي المفتوحة في الهواء الطلق، يقدّم الربيع تجربة سفر تجمع بين الراحة والجمال والثقافة في آنٍ واحد.

حديقة ريتيرو في مدريد (الشرق الأوسط)

مدريد

مع حلول فصل الربيع في مدريد، تكتسب المدينة طابعاً أكثر هدوءاً وحيوية، ابدأ صباحك الربيعي بنزهة في منتزه ريتيرو، حيث تلتقي الممرات المظلّلة بالأشجار بالحدائق المزهرة والبحيرة، لتوفّر ملاذاً هادئاً في قلب المدينة. بعد ذلك، يمكنك استكشاف وجهات ثقافية مثل مؤسسة ماريا كريستينا ماسافيو بيترسون، حيث تُعرض أعمال لفنانين كبار مثل بيكاسو وميرو ودالي وبارسيلو. أما بالنسبة للإقامة يمكنك اختيارفندق براك مدريد على شارع غران فيا في قلب العاصمة، لأنه قريب جداً من المعالم الثقافية وشوارع التسوّق والمطاعم والمقاهي.

يحمل الفندق توقيع المصمّم العالمي فيليب ستارك، ويضمّ 57 غرفة، ومسبحاً في الداخل.

وفي وقتٍ لاحق من اليوم، يمكنك زيارة حدائق الورود القريبة من القصر الملكي وحديقة ديل أويستي، بينما يوفّر حيّ سالامانكا المجاور تجربة تسوّق فاخرة تضمّ أرقى المتاجر العالمية. وفي منتصف شهر مايو (أيار)، تحتفل المدينة بعيد سان إيسيدرو، شفيع مدريد، حيث تُقام الاحتفالات في براديرا دي سان إيسيدرو ولاس فيستياس وساحة بلازا مايور.ومع حلول المساء، يمكنك حجز طاولة في مطعم براك بإدارة الشيف آدم بنتلحة، أو في لا باتيسري براك قبل أن تختتم يومك على التراس في الطابق السابع المطلّ على شارع غران فيا.

باريس مدينة كل الفصول لا سيما الربيع (الشرق الأوسط)

باريس

في باريس، يُعيد الربيع الحياة إلى منطقة لو ماريه التاريخية التي تعد وجهة مثالية للاستكشاف سيراً على الأقدام، حيث يمكنك زيارة متاحف مثل متحف بيكاسو ومتحف كارنافاليه، أو اكتشاف متاجر عالمية مميزة. كما يوفّر ركوب الدراجة الهوائية وسيلة مختلفة لاكتشاف المدينة، إذ يمتدّ المسار من حيّ لو ماريه نحو ضفاف نهر السين، مروراً بحدائق القصر الملكي وحدائق التويلري، وصولاً إلى متحف جو دو بوم، حيث يقدّم معرض «مارتين بار، الاحتباس الحراري» قراءة للمجتمع المعاصر وظاهرة السياحة.

بعد ذلك، يمكنك الاسترخاء في الحمّام الروماني في فندق كور دي فوغ على ساحة فوغ الشهيرة أو تناول الشاي مع الحلوى الفرنسية قبل متابعة الأمسية حول منطقة سان بول أو حيّ آرت إي ميتييه.

حديقة ريتيرو في مدريد (الشرق الأوسط)

البندقية

مع حلول الربيع، تصبح أجواء البندقية أكثر إشراقاً وهدوءاً، ويتزامن حلول فصل الربيع مع انعقاد النسخة الحادية والستين من بينالي البندقية، حيث تتحوّل المدينة إلى رحلة ثقافية مفتوحة تمتدّ من موقع الأرسينالي إلى حدائق الجيارديني. وتشمل الوجهات الثقافية الأخرى بونتا ديلا دوغانا، وبالازو غراسي، وكا بيسارو ومؤسسة كويريني ستامباليا. كما يقدّم فندق نولينسكي فينيسيا أعمالاً فنية معاصرة بالتعاون مع غاليري بيروتان خلال هذا الحدث.

وبعيداً عن صخب المدينة، يمكنك استكشاف بحيرة البندقية، حيث تشتهر جزيرة مورانو بصناعة الزجاج، بينما تتميّز جزيرة بورانو بمنازلها الملوّنة وحرفها التقليدية، في حين توفّر جزيرة تورتشيلو أجواء أكثر هدوءاً بطابع تاريخي.

كما يُعدّ فصل الربيع موسماً غنياً بالنكهات، حيث تتصدّر أطباق مثل ريزوتو بريمافيرا، ولحم الضأن المشوي مع الأرضي شوكي، وكعكة كولومبا التقليدية قوائم مطاعم المدينة.

ويمكنك الإقامة في فندق نولينسكي بالقرب من ساحة سان ماركو وعلى مسافة قصيرة سيراً على الأقدام من سوق ريالتو، ليشكّل نقطة انطلاق راقية لاكتشاف المدينة. افتُتح الفندق ذو الخمس نجوم عام 2023، وهو من تصميم مكتب لوكواديك وسكوتو، ويضمّ 43 غرفة وجناحاً، إلى جانب جناح سبا ماي بليند، ومسبح داخلي يطلّ على أسطح البندقية.

ولمحبي المسرح يمكنهم حضورعرض أوبرا في مسرح لا فينيس الشهير أو غيره.


رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
TT

رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)

شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة تغيراً في مفهوم الرحلات؛ إذ لم تعد مجرد انتقال جغرافي، بل باتت تجربة ثقافية متكاملة تعكس علاقة الإنسان بالمكان وتعيد تعريف الاكتشاف، ويتنامى الاهتمام بالرحلات البرية والتخييم بوصفه جزءاً من أسلوب حياة يقوم على الوعي بالطبيعة واحترامها، وجاء ذلك مدفوعاً بتنوع الطبيعة في السعودية من الصحاري الممتدة إلى الأودية الخضراء والسواحل المتباينة؛ ما أوجد بيئة خصبة لهذا النوع من الترحال.

وتتقدم الرحلات المنفردة بوصفها مساحة لاختبار الذات، حيث أصبح التخييم ممارسة تقوم على التخطيط الدقيق، والانفتاح على المجهول، والتوازن بين الأمان وروح المغامرة.

وضمن هذا المشهد تظهر الرحالة السعودية سلوى إبراهيم، التي اختارت من الجغرافيا المحلية بوصلتها، بصفتها صانعة محتوى متخصصة في التعريف بالأماكن السياحية في السعودية، وتحاول من خلال رحلاتها أن يرى الناس المكان كما عاشته، وأن يشعروا به كما شعرت.

وصف الصورة: لقطة تبرز تشكيلات الصخرية في صحراء «بجدة» بمدينة تبوك (إرشيف الرحالة)

وأوضحت سلوى إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أنه على الرغم من انفتاح الوجهات العالمية وسهولة الوصول إليها، لا ترى أن هويتها تمتد خارج هذه الجغرافيا التي تنتمي إليها، «نصبت تركيزي الأساسي على السعودية ودول الخليج؛ لما تحتويه من طبيعة عملت على توثيقها من خلال سلسلة أسميتها الجانب الآخر، والتي تستعرض فيها مواقع غير تقليدية وتجارب بعيدة عن المسارات المعتادة، ففي مدن السعودية أماكن مدهشة لا يعرفها كثيرون».

وأشارت إلى أن رحلاتها تمتد لفترات طويلة «لا أعتمد على جدول يومي صارم، بل أمنح نفسي الوقت الكافي للتشبع بالمكان، وقد أقضي ليلتين أو ثلاثاً في موقع واحد، أو حتى أياماً عدة إذا وجدت فيه ما يستحق البقاء»، مستشهدة بتجربتها في وادي الديسة، حيث عادت إليه أكثر من مرة خلال رحلاتها.

وصف الصورة: ملايين النخيل الممتدة في مشهد حي بمدينة الأحساء (إرشيف الرحالة)

وتحدثت عن أبرز الوجهات التي تركت أثراً في تجربتها، مشيرة إلى ثلاثة أودية رئيسية في السعودية، لكل منها طابعه الخاص؛ إذ وصفت وادي الديسة بأنه مساحة طبيعية تحيط بها الجبال الشاهقة وتتخللها ممرات خضراء ومياه موسمية، تمنح إحساساً مختلفاً عن البيئة الصحراوية، في حين يتميز وادي «طيب اسم» بتداخل فريد بين الجبال الحادة ومياه خليج العقبة، في مشهد يجمع بين عنصرين متناقضين داخل تناغم، إلى جانب وادي «لجب» فسلطت الضوء على أنه «تجربة حسية بحد ذاته، حيث يمر الزائر داخل ممر صخري ضيق بارتفاعات شاهقة، تتدفق فيه المياه بين الجدران».

ووصفت صحراء «بجدة» في منطقة تبوك بأنها «من أكثر المواقع غرابة بصرياً؛ نظراً لتداخل الجبال الحمراء مع الرمال والطعوس في تشكيلات جيولوجية معقدة، بالإضافة إلى انتشار الكهوف الطبيعية؛ ما يجعلها بيئة استكشافية متقدمة لا يمكن الوصول إليها بسهولة». وكشفت عن أن سيارتها كانت عنصراً أساسياً في بدء هذه الرحلات «حضرت سيارتي جيب رانجلر ذات الدفع الرباعي كجزء أساسي من التجربة، حيث منحتني القدرة على الوصول إلى أماكن لا تستطيع السيارة الصغيرة خوضها».

لقطة للرحالة سلوى إبراهيم خلال رحلتها في كهوف بجدة بمدينة تبوك(إرشيف الرحالة)

وتنطلق رحلات سلوى بعد مرحلة تحضير دقيقة وطويلة، تتجاوز الجانب اللوجستي إلى الجاهزية الذهنية الكاملة، فهي تعتمد على تخطيط شامل يشمل دراسة الخرائط ومسارات الوصول، وتحديد مواقع التخييم بدقة، إلى جانب حفظ أرقام الطوارئ والتنسيق مع مرشدين محليين موثوقين، بما يضمن تقليل أي مخاطر محتملة أثناء الرحلة، بالإضافة إلى تجهيز ما يكفي من المؤن الغذائية وأواني طبخ سهلة التنظيف.

على الرغم من هذا المستوى العالي من التنظيم، تترك مساحة محسوبة للعفوية، «بعض التجارب الأكثر تميزاً قد تنشأ من تغير غير متوقع في المسار، ويقودني ذلك إلى مواقع لم تكن ضمن الخطة الأصلية»، هذا التوازن بين الانضباط والمرونة يشكّل الإطار العام لأسلوبها في السفر والاستكشاف.

وتعتمد سلوى في اختيار وجهاتها على مزيج من البحث المسبق والاقتراحات الواردة من متابعيها عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب الحدس الشخصي الذي يلعب دوراً حاسماً في اتخاذ القرار النهائي، مستخدمةً تطبيقات الخرائط وتوصيات المرشدين، مع متابعة كثيفة لما يردها من جمهورها، حيث ترى أن تكرار الإشارات إلى موقع معين مؤشر يستحق التوقف عنده.

كشفت سلوى في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مدينة الأحساء تمثل حالة خاصة تتجاوز كونها محطة ضمن رحلاتها، لتتحول مشروعاً شخصياً تسعى من خلاله إلى إعادة تعريف المنطقة بصرياً، إذ تُعدّ مسقط رأسها، «لا أكتفي بتقديم النخيل كصورة تقليدية، إنما أنقل تجربة كاملة تعكس تنوع الأحساء الفريد، حيث تضم ملايين النخيل وتلتقي بيئات متعددة في مساحة واحدة، إلى جانب صحراء ممتدة نحو الربع الخالي والدهناء وامتداد بحري، هذا التداخل يجعل الأحساء واحدة من أغنى البيئات الطبيعية في السعودية».

وصف الصورة: جانب من رحلات سلوى إبراهيم في وادي الديسة تظهر الجبال المحيطة بالوادي (إرشيف الرحالة)

وترتكز فلسفة سلوى في السفر من رؤية تتجاوز الإحساس بالمكان، إذ ترى أن الجمال لا يرتبط بمدى انتشار الوجهة، بل بقدرة الزائر على التفاعل معها شعورياً؛ فالمواقع البسيطة أو غير المعروفة تحمل في نظرها قيمة استثنائية لمن ينسجم معها، مستشهدة بتجربتها في العلا، حيث تفرض التكوينات الصخرية والجبال حضوراً بصرياً وروحياً خاصاً.

وأما تجربة السفر المنفرد، فلم تكن بداية سهلة بالنسبة لسلوى، حيث رافقتها مخاوف طبيعية دفعتها في أولى رحلات التخييم إلى البقاء بالقرب من الطرق طلباً للأمان، غير أن تلك المرحلة تحولت لاحقاً نقطة مفصلية في مسارها، ومع مرور الوقت أصبح السفر الفردي عنصراً أساسياً في تشكيل شخصيتها، انعكس أثره على حياتها المهنية في عملها ممرضةً، وأسهم من قدرتها على اتخاذ القرار والتعامل مع المواقف تحت الضغط.

تمثل تجربة سلوى نموذجاً يعكس ما تتسم به بيئة السعودية والخليج من درجات عالية من الأمان، غير أن ذلك لا يلغي أهمية الوعي والمسؤولية، خاصةً لدى الفتيات الراغبات في خوض تجربة السفر الفردي أو التخييم، على أن يتم التخطيط المسبق، واختيار مواقع معروفة، وتجنب المناطق المعزولة دون خبرة كافية، تُعدّ هذه عناصر أساسية لضمان تجربة آمنة.

ويشهد قطاع السياحة تطورات كبيرة بما في ذلك مواقع مهيأة للتخييم وبنية تنظيمية كبيرة، أسهمت في ترسيخ ثقافة الرحلات البرية، لتتحول السعودية وجهة استكشاف متنامية تستقطب رحَّالة من داخلها وخارجها، خاصة خلال موسم الشتاء.