واشنطن تفرض عقوبات على 7 كيانات صينية

وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو (إ.ب.أ)
وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تفرض عقوبات على 7 كيانات صينية

وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو (إ.ب.أ)
وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو (إ.ب.أ)

أضافت وزارة التجارة الأميركية سبعة كيانات صينية متخصصة في أجهزة الكومبيوتر العملاقة إلى قائمة الشركات الخاضعة للعقوبات، لأن واشنطن تعتبرها تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
وقالت وزيرة التجارة جينا ريموندو، في بيان، اليوم (الخميس)، إن هذه العقوبات تهدف إلى «منع الصين من الاستفادة من التقنيات الأميركية لدعم الجهود المزعزعة للاستقرار من خلال التحديث العسكري».
وبموجب العقوبات، لن تتمكن هذه الشركات بعد الآن من إقامة علاقات تبادل تجارية مع الشركات الأميركية.



عوائد السندات تعيد مستثمري اليابان إلى «سوق الدَّين»

شعار شركة «نومورا» للأوراق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
شعار شركة «نومورا» للأوراق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

عوائد السندات تعيد مستثمري اليابان إلى «سوق الدَّين»

شعار شركة «نومورا» للأوراق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
شعار شركة «نومورا» للأوراق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

بعد سنوات طويلة كانت فيها السندات الحكومية اليابانية مرادفاً للعوائد الهزيلة، بدأ المشهد يتغير سريعاً. فمع صعود العوائد إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ عقود، تحولت أدوات الدين الحكومية مجدداً إلى خيار استثماري جذاب، وبدأ مديرو الأصول المحليون في طرح منتجات تستهدف المستثمرين الأفراد الذين يبحثون عن بدائل أكثر أماناً من الأسهم، وأكثر جاذبية من الودائع التقليدية.

وتعكس هذه الموجة تحولاً أعمق في سوق السندات اليابانية التي ظلت لأكثر من عقد تحت هيمنة بنك اليابان، في ظل سياسات نقدية شديدة التيسير، دفعت العوائد إلى مستويات متدنية للغاية.

أما الآن، ومع بدء البنك المركزي تقليص حيازاته ورفع أسعار الفائدة تدريجياً، بدأت العوائد الطويلة الأجل ترتفع إلى مستويات تنافس نظيراتها في الأسواق العالمية. وتُتداول السندات الحكومية اليابانية لأجل 30 عاماً بعائد يقترب من 4 في المائة، وهو مستوى أعلى من عائد السندات الألمانية لأجل 30 عاماً البالغ نحو 3.6 في المائة، ولا يبتعد كثيراً عن عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً الذي يدور حول 5.2 في المائة.

هذا التحول دفع شركات إدارة الأصول اليابانية إلى التسابق لاقتناص مدخرات الأفراد. وانضمت «ميتسوبيشي يو إف جيه لإدارة الأصول» إلى «دايوا لإدارة الأصول» و«أموفا لإدارة الأصول» في طرح صناديق استثمارية تركز على السندات الحكومية طويلة الأجل جداً. ورغم أن أحجام هذه الصناديق لا تزال محدودة نسبياً؛ إذ لا تتجاوز في العادة 3 مليارات ين، فإن انتشارها يحمل دلالة مهمة على عودة الحيوية إلى سوق الدين المحلية.

وقال تاكايوكي ياغي، أحد المسؤولين التنفيذيين في «ميتسوبيشي يو إف جيه»، إن الاستثمار في السندات الحكومية اليابانية كان يعني حتى وقت قريب قبول عوائد ضعيفة للغاية، وربما خسائر فعلية بعد التضخم، أما اليوم فأصبح من الممكن بناء محفظة أكثر توازناً تجمع بين الأسهم والسندات، وتحقق تنويعاً أقرب إلى النماذج التقليدية للاستثمار.

ومن المقرر أن تطلق الشركة صندوقاً جديداً في سبتمبر (أيلول)، يركز على سندات منخفضة الكوبون بآجال طويلة تصل إلى 20 عاماً، وهي سندات صدرت في السنوات التي كان فيها بنك اليابان يتبنى سياسة نقدية فائقة التيسير.

حصة صغيرة

وقد تراجعت أسعار هذه السندات بقوة مع ارتفاع العوائد خلال الفترة الأخيرة، إلا أن هذا الانخفاض يمنح المستثمر الذي يشتريها بخصم ويحتفظ بها حتى الاستحقاق، فرصة للاستفادة من استرداد القيمة الاسمية كاملة، فضلاً عن العائد الدوري. ولسنوات، اقتصرت القناة الرئيسية أمام الأسر اليابانية للاستثمار في الدين الحكومي على السندات المخصصة للأفراد بآجال 3 و5 و10 سنوات، وهي أدوات غير متداولة في السوق الثانوية. ورغم نمو الإقبال عليها، فإنها لا تزال تمثل حصة صغيرة من سوق السندات الحكومية الإجمالي.

وتسعى الحكومة إلى توسيع قاعدة المستثمرين في هذه الأدوات، وهو أمر يكتسب أهمية متزايدة في وقت يواصل فيه بنك اليابان الانسحاب التدريجي من السوق.

وقال شينيتشي ساوامورا، المدير العام لقسم الدخل الثابت في «إس بي آي للأوراق المالية»، إن منحنى العائد الياباني أصبح من الأكثر انحداراً بين الاقتصادات الكبرى، إلا أن المستثمرين الأفراد لم يحصلوا حتى الآن على فرص كافية للاستفادة من هذه التحركات.

وتبيع الشركة سندات حكومية يابانية بآجال تتراوح بين 10 و40 عاماً منذ عام 2021، في محاولة لتوسيع الخيارات المتاحة للأفراد. وتزداد أهمية جذب المستثمرين المحليين مع توقعات بتراجع دور بنك اليابان كمشترٍ رئيسي للسندات.

ووفق تقديرات تاكافومي ياماواكي، رئيس بحوث أسعار الفائدة في اليابان، لدى «جيه بي مورغان للأوراق المالية»، يُتوقع أن يخفض البنك المركزي حيازاته من السندات الحكومية بنحو 48 تريليون ين خلال السنة المالية الحالية، مع استمرار وتيرة الخفض مستقبلاً.

وفي المقابل، يُتوقع أن تزيد الحكومة إصدار السندات الحكومية بنحو 15 تريليون ين هذا العام، مع استمرار الاعتماد على أسواق الدَّين لتمويل خطط التحفيز وخفض الضرائب.

تباين مقلق

وهذا التباين بين تراجع مشتريات البنك المركزي وزيادة الإصدار الحكومي يجعل العثور على مشترين جدد مسألة محورية لاستقرار السوق؛ خصوصاً إذا استمرت العوائد في الارتفاع.

غير أن إقبال المستثمرين الأفراد لا يزال حذراً. فقد أطلقت «أموفا» صندوقاً لسندات الحكومة اليابانية لأجل 30 عاماً في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بهدف تحقيق عائد سنوي يقارب 4 في المائة، ولكن أصول الصندوق بلغت 554 مليون ين فقط بنهاية يونيو (حزيران)، في نمو أبطأ من المتوقع. ويعزو مسؤولو الشركة ذلك إلى مخاوف الأفراد من أن العوائد قد ترتفع أكثر، ما يعني أن شراء السندات الآن قد يعرضهم لخسائر سعرية إذا واصلت الأسعار الهبوط. ولهذا بدأ بعض مديري الأصول التحول نحو آجال أقصر. فقد بلغ عائد السندات لأجل عامين 1.64 في المائة يوم الأربعاء، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً، وسط توقعات بأن يرفع بنك اليابان أسعار الفائدة مجدداً في سبتمبر.

وفي يونيو، أطلقت «دايوا لإدارة الأصول» صندوقاً يركز على سندات الحكومة اليابانية لأجل عامين، في محاولة لمنافسة الودائع الثابتة مباشرة. وقال ياسواكي ماتسوبا، المدير الإداري الأول في الشركة، إن هذه المنتجات قد تكون أكثر ملاءمة للمستثمرين الذين لا يرغبون في الانتظار لعقود حتى استحقاق السندات طويلة الأجل، وترغب في الوقت نفسه في الاستفادة من ارتفاع العوائد.

وبذلك، تدخل سوق السندات اليابانية مرحلة جديدة يشارك فيها المستثمر الفرد بدور أكبر، بعد أن ظلت سنوات ساحة شبه مغلقة أمام المؤسسات والبنك المركزي. ومع استمرار تطبيع السياسة النقدية، وارتفاع احتياجات الحكومة التمويلية، قد تصبح مدخرات الأسر عاملاً أكثر أهمية في إعادة تشكيل سوق الدين اليابانية خلال السنوات المقبلة.


هل يفرض تراجع «الفيدرالي» عن توجيهاته المسبقة تكلفة باهظة على الأسواق؟

متعاملون في بورصة نيويورك يراقبون شاشة تعرض المؤتمر الصحافي لرئيس «الفيدرالي» كيفين وارش عقب إعلان قرار الفائدة 29 يوليو الماضي (رويترز)
متعاملون في بورصة نيويورك يراقبون شاشة تعرض المؤتمر الصحافي لرئيس «الفيدرالي» كيفين وارش عقب إعلان قرار الفائدة 29 يوليو الماضي (رويترز)
TT

هل يفرض تراجع «الفيدرالي» عن توجيهاته المسبقة تكلفة باهظة على الأسواق؟

متعاملون في بورصة نيويورك يراقبون شاشة تعرض المؤتمر الصحافي لرئيس «الفيدرالي» كيفين وارش عقب إعلان قرار الفائدة 29 يوليو الماضي (رويترز)
متعاملون في بورصة نيويورك يراقبون شاشة تعرض المؤتمر الصحافي لرئيس «الفيدرالي» كيفين وارش عقب إعلان قرار الفائدة 29 يوليو الماضي (رويترز)

يتساءل المستثمرون عما إذا كان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش سيتمكن من التراجع بنجاح عن عقود من التواصل بشأن توجهات السياسة النقدية، من دون أن يفرض ذلك تكلفة على الأسواق المالية.

وفي حين رحّب بعض المشاركين في السوق بالجهود الأخيرة التي يبذلها «الاحتياطي الفيدرالي» للحد مما يرونه تركيزاً مفرطاً على رسائل البنك المركزي، رأى كثيرون أن المستثمرين أمضوا سنوات في إدماج توجيهات «الاحتياطي الفيدرالي» في كل شيء، بدءاً من تقييمات السندات ووصولاً إلى نماذج إدارة المخاطر.

ويركز المستثمرون حالياً على الندوة السنوية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» في جاكسون هول بولاية وايومنغ، والمقرر عقدها في أواخر أغسطس (آب)، والتي تمثل منصة رئيسية لوارش لإظهار ما إذا كان سيمضي قدماً في استراتيجية أكثر تحفظاً في التواصل.

وقال أليكس موريس، الرئيس التنفيذي لشركة «إف/إم إنفستمنتس»: «ليس الهدف من البنك المركزي أن يجعل أسواق رأس المال أكثر إثارة من خلال إزالة مصدر للشفافية والمعلومات».

وأضاف: «بمجرد أن تبدأ في توفير الشفافية، يصعب على السوق تقبل أنك ستسحبها ببساطة».

ومنذ تولي وارش رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» في عام 2026، اعتمد البنك المركزي الأميركي استراتيجية تواصل أكثر بساطة، فتخلى عن التوجيهات المستقبلية، وقلّص بيانات لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، وركز على الظروف الاقتصادية الحالية بدلاً من إرسال إشارات بشأن المسار المستقبلي لأسعار الفائدة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد كيفين وارش خلال مراسم أدائه اليمين في البيت الأبيض مايو الماضي (رويترز)

وفي الآونة الأخيرة، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن وارش طرح فكرة تقليص عدد الاجتماعات المقررة بانتظام التي يعقدها «الاحتياطي الفيدرالي» لاتخاذ قرارات السياسة النقدية. وإذا اعتُمدت هذه الخطوة، فإنها ستشكل خروجاً عن ممارسة مستمرة منذ نحو نصف قرن.

ورفض متحدث باسم «الاحتياطي الفيدرالي» التعليق على إمكانية عقد عدد أقل من الاجتماعات أو على استراتيجيته بشأن تقليص التواصل.

ويرى رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» أن الأسواق أصبحت تعتمد بشكل مفرط على توجيهات البنك المركزي، وينبغي أن تولي اهتماماً أكبر للأساسيات الاقتصادية. لكن المستثمرين أشاروا إلى أن «الاحتياطي الفيدرالي» نفسه شجع هذا الاعتماد من خلال مساعٍ استمرت نصف قرن لتعزيز الشفافية، شملت عقد مؤتمرات صحافية منتظمة، وإصدار توقعات اقتصادية، ونشر بيانات مفصلة بشأن السياسة النقدية.

ولا يقتصر قلق كثير من المستثمرين على احتمال زيادة تقلبات الأسواق، بل يتمثل أيضاً في أن انخفاض المعلومات الصادرة عن صناع السياسة قد يجعل تسعير المخاطر أكثر صعوبة، مما يؤدي بمرور الوقت إلى ارتفاع العوائد وتكاليف الاقتراض.

وقال أنجيلو كوركافاس، كبير استراتيجيي الاستثمار العالمي في شركة «إدوارد جونز»: «هناك قدر كبير من الارتباك، وهو ما ينعكس في ارتفاع العوائد طويلة الأجل، وكذلك ارتفاع توقعات التضخم طويلة الأجل بعد اجتماع (الاحتياطي الفيدرالي) الأخير».

وأضاف: «في هذه الحالة، لا يعني انخفاض المعلومات بالضرورة أنه أفضل للأسواق... لأن الأسواق لا تزال تحاول معرفة كيفية استجابة (الاحتياطي الفيدرالي) الجديد للبيانات الواردة».

وفي الجلسات الأخيرة، بلغت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً أعلى مستوياتها في 19 عاماً، بينما ارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له في 20 شهراً.

وقال ستيفن زينغ، استراتيجي أسعار الفائدة الأميركية في «دويتشه بنك»، إن تقليص توجيهات «الاحتياطي الفيدرالي» ينطوي على مفاضلة واضحة. وأوضح أن تقليص عدد الاجتماعات والتواصل قد يقلل ما وصفه بـ«الضوضاء غير المفيدة»، ويجعل كل قرار بشأن السياسة النقدية أكثر أهمية.

تعويض أكبر مقابل رؤية أقل

من المرجح أن يطالب المستثمرون بتعويض مقابل انخفاض قدرتهم على الاطلاع على تفكير «الاحتياطي الفيدرالي».

وقال زينغ: «خلال أي انتقال إلى إطار جديد، من المرجح أن تكون عوائد السندات أعلى بما يتناسب مع زيادة حالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية».

وتكتسب هذه الاحتمالات أهمية خاصة بالنسبة إلى أسواق سندات الخزانة الأميركية، حيث تعكس العوائد طويلة الأجل توقعات التضخم والنمو والسياسة النقدية المستقبلية. وقال عدد من المستثمرين إن اتصالات ا«الاحتياطي الفيدرالي» أصبحت متغلغلة إلى حد كبير في تسعير الأسواق، وبالتالي فإن تقليصها قد يغير الطريقة التي يقيّم بها المستثمرون الدين الحكومي.

وحتى المستثمرون المنفتحون على تقليص توجيهات «الاحتياطي الفيدرالي» يقولون إن الأسواق ستصبح حتماً أكثر اعتماداً على البيانات الاقتصادية، بحثاً عن مؤشرات تكشف نيات صناع السياسة.

وقال فيشال خاندوجا، رئيس فريق الدخل الثابت للأسواق الواسعة في شركة «مورغان ستانلي» لإدارة الاستثمارات: «ليس من السيئ أن يكون لدى السوق عدد أقل من الاجتماعات وتوجيهات أقل».

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

لكنه أشار إلى أن المستثمرين يواجهون صعوبة عندما تتباين تصريحات صناع السياسة مع أفعالهم. وأضاف خاندوجا أنه في عالم تقل فيه الإشارات الرسمية، لن يكون أمام الأسواق خيار سوى استنتاج مسار السياسة النقدية مباشرة من بيانات التضخم والتوظيف والنمو.

وقال خاندوجا: «ستصبح سوق الخزانة أكثر تقلباً حول صدور هذه البيانات المهمة، لأن البيانات ستصبح عندها القوة الوحيدة التي توجه التوقعات بشأن الشكل الذي ينبغي أن تبدو عليه السياسة النقدية مستقبلاً».

وقال أنتوني ساغليمبيني، كبير استراتيجيي السوق في شركة «أميري برايز»، إن التحديثات المنتظمة بشأن السياسة النقدية تظل ضرورية للحفاظ على توافق توقعات الأسواق مع نيات صناع السياسة.

ومع ذلك، قال إن «الاحتياطي الفيدرالي» قد يتمكن على الأرجح من تقليص عدد المؤتمرات الصحافية، مع الإبقاء على جدول اجتماعات السياسة النقدية وبياناتها الحالي.

لكن التحدي الأوسع نطاقاً أمام البنك المركزي يتمثل فيما إذا كان سيتمكن من إقناع الأسواق بالتخلي عن مستوى من الشفافية أمضى عقوداً في توفيره.

وقال إريك كوبي، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «نورث ستار» لإدارة الاستثمارات: «يبدو أن كل رئيس لـ(الاحتياطي الفيدرالي) يبدأ ولايته بداية سيئة للغاية، ثم يتعين عليه أن يجد طريقة للتعامل مع الأمر».


رحيل مهندس التحول الاقتصادي الصيني الجريء

رئيس الوزراء الصيني الأسبق تشو رونغ جي مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في مؤتمر صحافي عام 1999 بالعاصمة الأميركية واشنطن (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الصيني الأسبق تشو رونغ جي مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في مؤتمر صحافي عام 1999 بالعاصمة الأميركية واشنطن (أ.ف.ب)
TT

رحيل مهندس التحول الاقتصادي الصيني الجريء

رئيس الوزراء الصيني الأسبق تشو رونغ جي مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في مؤتمر صحافي عام 1999 بالعاصمة الأميركية واشنطن (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الصيني الأسبق تشو رونغ جي مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في مؤتمر صحافي عام 1999 بالعاصمة الأميركية واشنطن (أ.ف.ب)

توفي رئيس الوزراء الصيني الأسبق تشو رونغ جي، الأربعاء، عن 97 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً اقتصادياً ارتبط بواحدة من أكثر مراحل التحول حسماً في تاريخ الصين الحديث، بعدما قاد إصلاحات مؤلمة أعادت هيكلة الشركات الحكومية، ورسخت ملكية المساكن، ومهدت لانضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية.

وأفادت وكالة أنباء الصين الجديدة «شينخوا» بأن تشو توفي في بكين بعد معاناة مع المرض، فيما وصفه النعي الرسمي بأنه عضو بارز في الحزب الشيوعي الصيني، أمضى حياته في خدمة البلاد، لكن اسم تشو، الذي تولى رئاسة الوزراء بين عامي 1998 و2003، سيظل في الذاكرة الاقتصادية باعتباره أحد أبرز مهندسي الانتقال الصيني من اقتصاد مثقل بالمؤسسات الحكومية الخاسرة إلى قوة صناعية وتجارية أكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي.

وبنى تشو سمعته الاقتصادية قبل توليه رئاسة الوزراء، عندما قاد في التسعينات حملة قوية لكبح التضخم، مستخدماً القيود على الائتمان والضغط على الشركات الحكومية الخاسرة. وعُرف بأسلوب إداري صارم ومباشر، وباستعداده لمواجهة المسؤولين المحليين ومديري المؤسسات الحكومية الرافضين للإصلاح.

وعندما أصبح رئيساً للوزراء عام 1998، انتقلت عملية الإصلاح إلى مرحلة أكثر جرأة. فقد دفع نحو إعادة هيكلة واسعة للمؤسسات الحكومية غير المربحة، في عملية أدت إلى فقدان ملايين العمال وظائفهم، لكنها أرست قواعد قطاع صناعي أكثر كفاءة وربحية. ولم يكن هدفه خصخصة الاقتصاد بالكامل، بقدر ما كان تحويل البنوك وشركات النفط والطيران وغيرها من المؤسسات الكبرى إلى كيانات تعمل وفق معايير تجارية مع استمرار سيطرة الدولة عليها.

وفي العام نفسه، أطلق إصلاحاً آخر غيّر الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدن الصينية، عبر بيع المساكن التي كانت مملوكة للشركات الحكومية إلى شاغليها. وساهمت هذه الخطوة في توسيع الملكية الخاصة للمساكن، وإطلاق طفرة عقارية أصبحت لاحقاً أحد أهم محركات الاقتصاد الصيني.

* الإنجاز الأكبر

غير أن الإنجاز الأكثر ارتباطاً باسمه كان قيادة المفاوضات الشاقة لانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. ورغم المعارضة الداخلية والخلافات مع واشنطن خلال مفاوضات 1999، واصل تشو الدفع باتجاه فتح الأسواق، إلى أن أصبحت الصين عضواً في المنظمة في ديسمبر (كانون الأول) 2001.

وكان الانضمام نقطة تحول تاريخية؛ إذ منح الشركات الصينية وصولاً أوسع إلى الأسواق العالمية، وجذب الاستثمارات الأجنبية وسرّع تحول البلاد إلى قاعدة التصنيع الكبرى في العالم. وفي العقد التالي، حافظ الاقتصاد الصيني على معدلات نمو تجاوزت 8 في المائة سنوياً، قبل أن تتجاوز الصين اليابان عام 2010 لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كما ترك تشو بصمة مهمة في المالية العامة. ففي التسعينات ساهم في بناء نظام ضريبي أعاد جزءاً أكبر من الإيرادات من الحكومات المحلية إلى بكين، معززاً قدرة الحكومة المركزية على إدارة الاقتصاد وتمويل سياساتها.

* مسيرة حافلة

وكانت مسيرته الشخصية انعكاساً لتحولات الصين نفسها. فقد وُلد عام 1928 في هونان، وتعرض للإقصاء السياسي عام 1957، ثم أُرسل للعمل في الريف خلال «الثورة الثقافية»، قبل إعادة الاعتبار إليه عام 1979.

وبعد ذلك صعد سريعاً، فتولى رئاسة بلدية شنغهاي، ثم منصب نائب رئيس الوزراء، قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة.

ورغم الجدل حول الكلفة الاجتماعية لإصلاحاته، فإن إرث تشو الاقتصادي يقوم على معادلة واضحة: قبول كلفة قصيرة الأجل لإعادة بناء قدرة الاقتصاد على المنافسة على المدى الطويل. وبذلك لم يكن مجرد رئيس حكومة أدار مرحلة نمو سريع، بل أحد أبرز مهندسي البنية الاقتصادية التي مكنت الصين من التحول إلى قوة تجارية وصناعية عالمية.