أحزاب من دون قواعد شعبية.. ورئيس شعبي بلا حزب

في تحقيق تنشره في الشقيقة {المجلة}.. محاولات حثيثة لملء الفراغ السياسي في مصر قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة

الرئيس السيسي يتحدث الى رؤساء بعض الاحزاب المصرية وإلى جواره رئيس حزب الوفد السيد البدوي
الرئيس السيسي يتحدث الى رؤساء بعض الاحزاب المصرية وإلى جواره رئيس حزب الوفد السيد البدوي
TT

أحزاب من دون قواعد شعبية.. ورئيس شعبي بلا حزب

الرئيس السيسي يتحدث الى رؤساء بعض الاحزاب المصرية وإلى جواره رئيس حزب الوفد السيد البدوي
الرئيس السيسي يتحدث الى رؤساء بعض الاحزاب المصرية وإلى جواره رئيس حزب الوفد السيد البدوي

المحاولات الحثيثة التي يقوم بها كثير من القوى السياسية المصرية لملء الفراغ وتشكيل تكتلات لخوض انتخابات مجلس النواب خلال الأسابيع المقبلة، كشفت عن وضع شائك في هذه الدولة التي عرفت العمل السياسي والبرلماني منذ أكثر من قرن من الزمان.. يتلخص هذا الحال اليوم في أنه أصبحت توجد أحزاب، لكنها من دون قواعد شعبية تذكر. وفي المقابل، هناك رئيس شعبي، هو الرئيس عبد الفتاح السيسي، لكنه بلا حزب سياسي.
ويوضح تحقيق نشرته الشقيقة {المجلة} الدستور المصري الجديد، الذي وافق عليه الشعب العام الماضي، يحظر انخراط رئيس الدولة في الأحزاب أو رئاسة أي حزب منها طالما كان في موقعه في القصر الجمهوري. وأكد السيسي نفسه هذا الأمر حين التقى رؤساء الأحزاب الشهر الماضي، وطلب منهم التوقف عن الخلافات التي ظهرت على خلفية الإعداد للتكتلات الحزبية التي ستتنافس على مقاعد البرلمان، ودعاها إلى تشكيل تكتل واحد لخوض الانتخابات، إلا أن التضارب في المصالح بين السياسيين عرقل مرة أخرى إيجاد قوة واضحة المعالم يمكن التعويل عليها في مجلس النواب المقبل.

منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، أصبح يوجد في مصر نحو 90 حزبا، شارك معظمها، مع غالبية الشعب، في الثورة ضد حكم جماعة الإخوان في 30 يونيو (حزيران) 2013. لكن لم يتمكن إلا عدد قليل منها أن يثبت هذه الأيام على تكتل بعينه من أجل خوض الانتخابات المقبلة التي تعد أول انتخابات نيابية في عهد الرئيس السيسي، وهي الخطوة الثالثة والأخيرة في خطوات خارطة الطريق التي وافق عليها الشعب عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي.
ومن أبرز الأسماء التي حاولت جمع السياسيين في تكتل واحد وكان من أكثرها تداولا، اسم رئيس وزراء مصر الأسبق، الدكتور كمال الجنزوري، ثم حل محله اسم الضابط السابق في المخابرات المصرية، سامح سيف اليزل، على رأس تحالف «في حب مصر». وهناك أيضا تكتلات أخرى يظهر منها «ائتلاف الجبهة المصرية» الذي يدعمه من الخارج المرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق. وكذا التحالف الذي يقوده السياسي المعروف عبد الجليل مصطفى تحت اسم «تحالف صحوة مصر» الذي يضم 6 أحزاب، هي: «الكرامة»، و«مصر الحرية»، و«التحالف الاشتراكي»، و«الدستور»، و«العدل»، و«التيار الشعبي (تحت التأسيس)».
ووصل إلى القاهرة قادما من عدة محافظات عشرات من المرشحين المحتملين لإعداد أوراقهم، بينما كانت الاجتماعات منعقدة في مقار عدة أحزاب، منها حزب الوفد الذي حسم أمره وقرر الترشح على الفردي وعلى القوائم أيضا، لكن من خلال تحالف «في حب مصر». وعقب اجتماع آخر، قال مجدي شرابية، الأمين العام لحزب التجمع: «سنشارك في الانتخابات، رغم أن رؤية القوائم لم تتضح بعد».
وحيث إن الوقت أزف، فإن القوائم كلها ستكون قد أعلنت خلال ساعات. ويضيف شرابية أن غالبية قائمة الجنزوري (السابقة) موجودة في قائمة «في حب مصر» التي يتحدث باسمها حاليا سيف اليزل. وأمضى سيف اليزل ساعات طويلة على مدى أسابيع لإقناع الأحزاب بالانضمام لقائمته.
ويقول محمد سامي، رئيس حزب الكرامة، عن نظرته للتكتلات الكثيرة التي ظلت على مدى أسابيع تراوح مكانها دون أن تحسم أمرها: «أعتقد أن مصر في مرحلة سيولة بعد فترة طويلة من التجريف للقوى السياسية والأحزاب في العقود الماضية». ويتابع قائلا: «وبالتالي أنت أمام اجتهادات (قد تصيب)، وذلك في شكل أحزاب جديدة تعبر عن رؤية جديدة، (أو تخيب) في شكل أحزاب وهمية أو كرتونية يمكن أن تخرج من معادلة الحضور الحزبي في الانتخابات المقبلة».
ويضيف أن هذه المعادلة موجودة وتحمل الاحتمالين: إما النجاح، أو الفشل، «لأن الحالة الحزبية بمصر لم تتماسك بعد، ولم تتشكل بعد.. الساحة السياسية فيها ما يقرب من 90 حزبا مرخصا له بالعمل رسميا (إضافة لأحزاب ما زالت تحت التأسيس)، والفترة المقبلة ستكون مرحلة تصفية من جانب، واندماج بين أحزاب من جانب آخر».
ومطلوب من كل تكتل أو تحالف حزبي، أن يعد قائمة تضم 120 مرشحا، من بينهم مرشحون من الشخصيات العامة وممثلون للأقباط والمصريين بالخارج والمعاقين والمرأة، بالإضافة إلى 420 مرشحا بنظام الانتخاب الفردي. ويقول سامي: «لا مجال للدخول إلا على القوائم بأكملها، وليس بنصف قائمة أو ربع قائمة.. نحن نخوض الانتخابات على النظامين؛ أي بالقوائم وبالفردي أيضا».
ويبدو أن الأحزاب لا تتفق إلا على شيء واحد هو الالتفاف حول رئيس الدولة بسبب شعبيته الكبيرة، مقارنة بعشرات الأحزاب التي لا يعرفها أحد، بمن في ذلك عائلات مَنْ لقوا حتفهم خلال أحداث ثورتي يناير ويونيو، مثل السيدة فاطمة التي تدير محلا صغيرا لبيع الخضراوات والدجاج في شارع العروبة، خلف برج القانونيين قرب كورنيش المعادي بجنوب القاهرة.
تعلق هذه المرأة صورة كبيرة لابنها الشاب الذي قتل في اضطرابات سياسية شهدها ميدان التحرير قبل 3 سنوات. وتقول السيدة فاطمة، وهي تقف في واجهة المحل، حيث تبدو صورة الرئيس السيسي معلقة على الباب، إنها لا تستطيع أن تتذكر أسماء أكثر من 3 أو 4 أحزاب مثل حزب الوفد، ربما بسبب كونه حزبا عريقا يعود اسمه إلى النصف الأول من القرن الماضي.
ولا تشغل فاطمة بالها بموضوع الانتخابات النيابية المقبلة وهي تثق في رئيس الدولة فقط. وترى أن الرئيس لن يسمح بوجود برلمان يمكن أن يعمل ضد رغبة الشعب أو العودة للسياسات التي ثار عليها في يناير ويونيه. وتعكس حالة فاطمة المقولة التي أصبحت شائعة في البلاد هذه الأيام وهي أن الرئيس السيسي له شعبية، لكن ليس له حزب، بينما الأحزاب موجودة، لكن ليس لها شعبية.

* التجربة الحزبية حديثة العهد
* ويعود رئيس حزب الكرامة ليعلق على هذه الواقعة قائلا: «هذا صحيح، لأن التجربة الحزبية في مصر حديثة العهد، ولا يمكن أن يكون هناك حزب شعبي أو غير شعبي إلا برصيد يتوالى على مدى الأداء في السنين المقبلة.. غالبية هذا النوع من الأحزاب، كلها تقريبا حصلت على تراخيص من لجنة شؤون الأحزاب خلال السنوات الـ3 الأخيرة، أي بعد ثورة 25 يناير.. وبالتالي لم يتح لها الفرصة لأن تكون أحزابا شعبية بالمعنى الكامل، مع وجود بعض الاستثناءات بطبيعة الحال (تخص عددا من الأحزاب القديمة)».
ويضف محمد سامي: «نحن نزعم أن حزب الكرامة لديه قوام حزبي منتشر على مستوى الجمهورية، وإلا ما كنا قد أكملنا الشرط الخاص بترشيحنا لحمدين صباحي لرئاسة الجمهورية، حيث كان الترشح يتطلب جمع 30 ألف توقيع من الناخبين».
وخاض صباحي، وهو من مؤسسي حزب الكرامة ذي التوجه القومي، تجربة الانتخابات الرئاسية مرتين.. المرة الأولى في 2012 وكان ضمن 12 مرشحا من بينهم محمد مرسي وأحمد شفيق، وحصل صباحي فيها على 4.8 مليون صوت بنسبة نحو 20.7 في المائة. والمرة الثانية كانت في 2014 وكان المنافس الوحيد أمام السيسي، وحصل صباحي فيها على أقل من مليون صوت بنسبة 3.9 في المائة.
وعما إذا كان تكتل «تحالف صحوة مصر» سيعتمد على ما تركه صباحي من رصيد شعبي في الانتخابات الرئاسية، يقول رئيس حزب الكرامة: «نحن، مع تقديرنا الكامل لحمدين صباحي، نسعى لأن تكون هناك مؤسسة حزبية لها تقاليدها ولها برنامجها ولها وجودها على مستوى المحافظات بدرجة متوازنة.. المرحلة التي بدأت بمؤسسها الأول، حمدين صباحي، ينبغي أن تتجاوز هذا الأمر، وتكون تعبيرا عن مؤسسة وليست تعبيرا عن فرد».
ويقول السيد البدوي، رئيس حزب الوفد، إن الأحزاب أصيبت بالتجريف طول الـ30 سنة الماضية.. وكانت ممنوعة من العمل، وكانت تحارب، لكن شعبية الرئيس السيسي جاءت في ظروف استثنائية.
وعن معالجة ضعف الأحزاب، يوضح أن هذا يأتي من خلال البرامج السياسية وزيادة التوعية في الشارع والدعاية.. وأن يكون هناك تماس مع الجماهير أكثر من السابق. ومن جانبه، يقول ياسر حسان، عضو الهيئة العليا لحزب الوفد: «مفروض أن شعبية الرئيس لا تتدخل في البرلمان، لأننا نحن أمام انتخابات برلمانية لا رئاسية.. ولو استغل الرئيس هذه الشعبية لصالح تيار معين، فهذا سيكون سابقة غير جيدة.. وستترك أثرا غير طيب».
ويشير حسان إلى أن شعبية الرئيس جاءت في ظروف معينة.. «السيسي في 30 يونيو 2013 ارتبط برغبة الشعب في إيجاد نظام جديد بعد أن مل المصريون من حكم جماعة الإخوان».
ويجري التحضير للانتخابات النيابية المقبلة على قدم وساق. وقدم المجلس القومي للمرأة مائتي اسم لقيادات نسائية من محافظات مختلفة لكي تختار الأحزاب مرشحات من بينهن. ومن هذه الأسماء ورد اسم الدكتورة درية شرف الدين، وزيرة الإعلام السابقة، التي قالت إن «ورود اسمي في قوائم المجلس القومي للمرأة لا يعني أنه جرى إدراجنا في قوائم الأحزاب الانتخابية بعد».
وأجابت موضحة عن ضعف شعبية الأحزاب، بقولها إن هذا «قد يكون لأنها غير موجودة في الشارع بشكل جدي.. أفرادها لا يقدمون أنفسهم للناس بشكل فيه الجدية المطلوبة.. كما أن الأمر يرتبط بتفاعل، ولا أقول بتقديم خدمات، بين المواطن والأحزاب».
وأعربت الدكتور شرف الدين عن اعتقادها في أن «كثرة عدد الأحزاب جعلت المواطن غير قادر على تحديد هذا من ذاك. لا يمكن خلال أقل من 4 سنوات أن يكون لديك نحو 85 حزبا سياسيا. هذا كثير، وكنا نأمل أن يتقلص العدد إلى 4 أو 5 أحزاب. وإذا كانت مصر تتطلع بالفعل لحياة حزبية جيدة، فأعتقد أنها لن تحتمل أكثر من 5 أو 6 أحزاب».
وعما إذا كان ضعف الأحزاب وعدم وجود تفاعل بينها وبين الشارع، يمكن أن يؤثر بالسلب على البرلمان المقبل، قالت الدكتورة درية شرف الدين، إن هذا مؤكد، خصوصا أن البرلمان له سلطة كبيرة في التشريعات.
ومن خلال المناقشات مع المواطنين العاديين، يقول سائق سيارة الأجرة، ويدعى جمال (في العقد الخامس)، ويعمل موظفا بإحدى المصالح الحكومية في أول النهار، إن الأحزاب أصبح عددها أكبر من قدرته على تذكرها أو إحصائها. وهو يرى أن الأحزاب وحدها لا تستطيع أن تتحالف للتأسيس لبرلمان يستطيع أن يعضد الرئيس ولا يعانده في القرارات التي يريد أن يتخذها. ويتخوف هذا السائق من أن يتسبب الإنفاق المالي للمرشحين في عودة النواب الذين كرههم الشعب في السنوات الماضية، و«كانوا السبب في المشكلات التي حدثت سواء أيام الرئيس مبارك أو بعده».

* تيار الإسلام السياسي
* ومن محافظة الإسكندرية في شمال غربي البلاد يقول ياسر فراويلة، وهو شخصية قريبة مما يعرف بـ«تيار الإسلام السياسي،» وكان يعتزم الترشح في انتخابات الرئاسة عام 2012، إن المطلوب من البرلمان المقبل القيام بعدة خطوات عاجلة. أولا إنهاء حالة الفوضى الحكومية.. «بمعنى ترتيب البيت من الداخل والانتهاء من ملف العمليات الأمنية وأجور العاملين في الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإنهاء التهديد الخارجي، سواء ما يتعلق بالأمن المائي أو الاقتصادي أو السياسي».
ويضيف فراويلة أنه يتمنى من البرلمان المقبل أن يتمكن من تحديد هدف للوطن «لأننا أمة تسعى بلا هدف يجمعنا.. نريد أن نتمكن من تحديد مصالحنا وتحديد من هم أعداؤنا، وكذلك من ينبغي أن نعتمد عليهم. لدينا أولويات في الملف الأمني والعسكري والحدود والاقتصاد والزراعة والصناعة».
لكن يبدو أن مثل هذه الطموحات سابقة لأوانها، لأن فراويلة نفسه يتخوف من التربيطات الحالية بين المرشحين في دائرته بالإسكندرية، ثاني أكبر المحافظات المصرية من حيث عدد السكان، ولا يرى في التحالفات الحزبية القائمة قدرة على حسم الموقف في الانتخابات النيابية المقبلة بالطريقة التي يأملها المواطن المصري البسيط بعد أن انتظر انفراج الأوضاع عقب سنوات الاضطرابات منذ الإطاحة بمبارك.
وعن هذه المفارقة يقول المحامي محمود عبد الله، عضو لجنة الحريات في حزب التجمع اليساري، إن «الناس بالفعل تتطلع إلى حياة أفضل، لكنها لا ترى كيانا سياسيا تستشعر معه أن هذا الحزب أو ذلك يعرف الطريق إلى المستقبل، إلا فيما ندر. لا تجد في الوقت الحالي، غالبا، قوى سياسية منظمة أو واضحة أو موجودة في جسم المجتمع وقادرة على التعبير عن طموحاته وآماله.. الشعب كان محاصرا لفترة طويلة من تاريخه.. والأحزاب والقوى السياسية هي الأخرى كانت مهمشة طوال العقود الماضية».
والمحامي عبد الله، صاحب شهرة في الأوساط السياسية والقانونية المصرية، لأنه صاحب الدعوى القضائية التي صدر بناء عليها حكم بحظر جماعة الإخوان والتعامل معها كجماعة إرهابية، العام الماضي. ويضيف وهو يشرح السبب في تفوق شعبية السيسي على شعبية الأحزاب، أنه «في آخر عهد مبارك كانت تشغلنا قضية الإجابة عن سؤال محدد وهو الفجوة بين الجماهير والقوى السياسية.. كانت بالطبع توجد فجوة واسعة، لكن للأسف الشديد، رغم قدرة هذه الأحزاب على استشراف المستقبل، فإنها كانت قد تعرضت للحصار منذ وقت مبكر».
ويتابع قائلا إنه «للأسف أيضا، ورغم ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013، فإن هذه القوى السياسية والحزبية لم تكن منظمة بالقدر الذي يعبئ الجماهير الغاضبة في اتجاه طريقها وفي اتجاه أن تبني مستقبلها. وبعد سقوط نظام مبارك قفز على حركة الجماهير وأحلامها جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الكيانات الدينية التي ارتدت ثوب السياسة».
في ذلك الوقت؛ أي بعد مبارك، استشعرت قطاعات من الجماهير أن الفصيل الذي يرفع الشعارات الدينية هو الذي يستطيع أن يحقق أحلامها. ويضيف: «رأينا كلنا في انتخابات برلمان 2012 كيف تكتل الناس أمام صناديق الاقتراع. وكان الناخبون يقولون عن مرشحي التيار الإسلامي: إنهم الأقرب إلى الله، وإنهم سيحققون العدل ويعملون على الاهتمام بالفقراء ويمنحون الشعب الحرية ويحققون مطلب العيش بكرامة. لكن للأسف، وبعد مرور سنة، تبين للجماهير أن هذا الفصيل رغم قدرته وتنظيمه فإنه غير قادر على إدارة الدولة ولا تشغيل الاقتصاد».
وفي ذلك الوقت أيضا، ظهرت قوة صلبة أخرى ممثلة في القوات المسلحة المصرية، التي كان على رأسها الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. ويزيد عبد الله موضحا: «عندها كانت غالبية المصريين قد أدركت أن القوات المسلحة هي القوة التي تستطيع أن تحميها وأن تحقق أمانيها. وقتها كان الشعب قد فقد الثقة في كل الكيانات السياسية الأخرى، فتدافع في الشوارع والميادين وأيد عزل مرسي والإطاحة بحكم الإخوان، واختار هذا الشعب السيسي رئيسا للجمهورية ووافق على الدستور الجديد».
أما الآن، كما يقول المحامي عبد الله، فإن غالبية القوى السياسية تتخبط، فيما عدا بعض الأحزاب التي تبدو متماسكة، إلا أن لديها مشكلات مالية وغير قادرة على تمويل مرشحيها في الانتخابات النيابية المقبلة، مشيرا إلى أن الجماهير تراقب الآن القوى السياسية، لكنها لم تر بعد أي فصيل سياسي أو حزب، يوحي لها بقدرته على التعبير عنها أو تحقيق طموحاتها. ولهذا ترى كل يوم تكتلات انتخابية تنشأ وتكتلات تحل.. ومرشحون يذهبون لأحزاب ثم يتركونها ويتجهون لأحزاب أخرى، وهكذا.

* شعبية الرئيس
* وعن الطريقة التي يمكن للرئيس السيسي أن يستفيد بها من شعبيته قبيل انتخابات البرلمان، يقول محمود عبد الله: «الرئيس ينبغي أن يتعلم من حركة التاريخ.. لديه شعبية؟ نعم، لكن إذا لم يتزامن مع هذه الشعبية تنفيذ برنامج اجتماعي يلبي متطلبات الشعب، فرأيي هو أن المصير سيكون تراجع هذه الشعبية والفشل الذي لا يريده أحد».
ويضيف أن الرئيس يدرك هذا الأمر جيدا، وهو سبق وقال: «إن الجماهير لها مطالب لا بد من تحقيقها.. وللأسف الحكومة الحالية تتصرف تصرفات مناقضة لرغبة الرئيس.. إذا لم تكن هناك حكومة قادرة على تلبية مطالب الشعب، فإن هذا سيؤثر بالسلب على السيسي».
ويضيف أن الشعبية الكبيرة التي يحظى بها رئيس الدولة ليست «صكا على بياض»، لأن الشعب اختاره من أجل تحقيق الأمن والأمان والاستقرار وانتعاش الاقتصاد، بعد المعاناة التي مر بها خلال السنوات الأخيرة. الجماهير اختارت السيسي لأنه وقف معها بجرأة وهو يواجه الإخوان حين كان وزيرا للدفاع. وفي الوقت نفسه، هو ينتمي لمؤسسة عريقة، هي الجيش، وهي مؤسسة ذات ماض ضارب في قلب التاريخ المصري وتستطيع أن تحمي هذا الشعب.
لكن كيف يمكن للسيسي أن يستفيد من شعبيته؟.. هل يمكن أن يؤسس لكيان سياسي بشكل غير مباشر، حتى لا يكون قد عارض الدستور برئاسته لأحد الأحزاب؟ يجيب المحامي عبد الله محذرا من تكرار تجارب الرؤساء السابقين في تبني الكيانات السياسية أو الأحزاب.
وكان رؤساء مصر القادمون من خلفية عسكرية، منذ مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، يترأسون الأذرع المدنية للكيانات التي يعتمدون عليها في الحكم، وفي المجلس التشريعي. ومعروف أن تجربة مصر تقول إن الرئيس عبد الناصر ترأس تنظيما سياسيا وكان له الأغلبية، وعندما توفي انتقل غالبية أعضاء تنظيمه السياسي لتدشين تنظيم جديد مع الرئيس السادات رغم أن هؤلاء كانوا يقفون مع القوانين الاشتراكية لعبد الناصر ثم وقفوا مع قوانين الانفتاح الاقتصادي أيام السادات.

* الوطني الديمقراطي
* وكان آخر هذه الكيانات المدنية «الحزب الوطني الديمقراطي» الذي ترأسه مبارك، وشغل نجله جمال موقع الأمين العام المساعد للحزب لشؤون السياسات. لكن الدستور الجديد، حظر على رئيس الدولة في مادته رقم «140» الانخراط في أي من العمل الحزبي، وقال إنه «لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة».
ويضيف عضو لجنة الحريات في حزب التجمع، أن مبارك ترأس الحزب الوطني وتصور أنه حزب الأغلبية الفعلي، إلا أن هذا الحزب اختفى في طرفة عين حين غضبت الجماهير وخرجت وقالت له ارحل.. وكذلك تخيل الإخوان أنهم قادرون على إقصاء جميع القوى الأخرى، وأن الدنيا دانت لهم، وفي لحظة خرج هذا الشعب وطردهم شر طردة بجماعتهم وحزبهم، و«لذلك ينبغي أن يكون السيسي رئيسا لكل المصريين أي أن يكون فوق الأحزاب».
وعن الأولويات التشريعية في البرلمان المقبل، يتوقع محمود نفادي، المتحدث باسم «تحالف نواب الشعب»، أن يجري تعديل الدستور، وقال إنه «أمر وارد، لكن ليس في العام الأول للبرلمان. سيكون بعد فترة.. وسيكون في فترة الولاية الأولى للسيسي».
ويضيف عن شكل هذه التعديلات المتوقعة، أنه «سيتم التعديل في مواد كثيرة، خصوصا تلك التي توصف بأنها مواد ملغمة، مثل صلاحيات البرلمان.. وسيتم وضع ضوابط أكثر لمنع ظهور الأحزاب الدينية لأن الدستور الحالي لم يمنعها بشكل حاسم. سيتم التعديل في كثير من المواد وفقا لمتطلبات المرحلة المقبلة».
ومن بين التعديلات الدستورية المرجحة التي سيتكفل بها البرلمان، كما يتوقع عدد من السياسيين، إلغاء النص الدستوري الذي يمنع انتقال النائب من صفة حزبية أو مستقلة إلى أخرى، وذلك حتى يمكن تحقيق الأمل الذي يراود البعض في جمع مئات من النواب الذين سيفوزون في الانتخابات، في حزب واحد كبير يدعم مؤسسة الرئاسة.
ويقول نفادي: «ربما سيكون من ضمن التعديلات التي ستتم في الدستور النص الخاص بانتقال النائب بين صفته المستقلة وصفته الحزبية، وهذا النص قد يكون من النصوص السريعة في التعديل، لأن النواب المستقلين لن يستطيعوا تشكيل حزب من داخل البرلمان في وجود هذا النص. وحين يتم إسقاط هذا النص سيظهر الحزب الجديد الذي ربما سيكون هو حزب السلطة لسنوات مقبلة».
ويرى نفادي أن العائلات المصرية التي تمثل العمود الفقري للانتخابات النيابية ما زالت تدعم السيسي وتوجهاته، منذ أن نزلت هذه العائلات للشارع في 30 يونيو ضد الإخوان، ومنذ أن نزلت لانتخابه للرئاسة وفي الاستفتاء على الدستور. ويتوقع أيضا أن تتلاشى عشرات الأحزاب بعد الانتخابات النيابية المقبلة. ويقول: «كل الأحزاب التي تراها الآن على الساحة ستذوب وتنتهي وتتبخر. وكل حزب لن يكون له موضع قدم في البرلمان المقبل سيكون كأنه كتب شهادة وفاته.. ومن لن يدخل في الحزب المزمع سينضم للحزب المعارض لكي تدخل مصر في مرحلة الحزبين الكبيرين».
ومن جانبه، يقول كامل عبد الله، الباحث في مركز «الأهرام» للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن غالبية الأحزاب الموجودة في مصر ليست أحزابا في الأساس.. أي حزب يفترض أن يعمل مع القواعد الشعبية من أجل السعي للوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، لكن في الحالة المصرية يبدو أن أكثر الأحزاب تقتصر على محاولات لإرضاء أصحاب المصالح وتحقيق المكاسب الوقتية دون الأخذ في الاعتبار الجانب المؤسسي والسياسي الذي يعتمد على الجماهير.
ويضيف أن هذا الأمر للأسف «غير موجود»، مشيرا إلى أن الوحيد الذي كان يقدم نفسه للجماهير كحزب هم الجماعات الدينية المتشددة التي انخدع فيها الشعب بعد تجربة سنة في البرلمان وحكم الدولة أيام مرسي.
ويصف الباحث في مركز «الأهرام» الوضع على الساحة السياسية، قبل أسابيع من فتح باب الترشح لانتخابات البرلمان، بأنه يوجد فيه ارتباك كبير.. «ارتباك في التحالفات الانتخابية. لم نلاحظ أي استقرار على أي تحالف حتى الآن، رغم أنه جرى الإعلان عن تحالفات بالفعل، إلا أن معظمها عاد وتفكك من جديد ليأخذ أشكالا أخرى من التحالفات المغايرة المرشحة للانقسام مجددا».
حتى الآن الأحزاب غير قادرة على الاصطفاف في خندق واحد، وذلك رغم دعوة الرئيس السيسي لزعماء الأحزاب أخيرا بأن يتحدوا بعضهم مع بعضا، لكن الخلافات الكبيرة بينهم يبدو أنها تمنع وتحول دون تحقيق رغبة الرئيس، كما يوضح الباحث عبد الله، قائلا إنه «طالما ظلت التكتلات الانتخابية غير قادرة على توحيد نفسها، فإن أداءها بعد أن تفوز وتدخل البرلمان لن يكون موحدا. كل منها له نظرة بشأن النموذج الاقتصادي الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة مستقبلا.. لدينا اشتراكيون وليبراليون، وهم منقسمون على أنفسهم ويبدو أنهم لن يكونوا قادرين على خلق نموذج مصري لهذه المرحلة الهامة في تاريخ البلاد». ويلاحظ الباحث عبد الله، أن «الشيء الوحيد الذي تتفق عليه كل هذه الأحزاب هو تأييد الرئيس السيسي، لكن ما يقومون به الآن هو مجرد صراع على من يكون الأقرب من الرئيس وليس الداعم للرئيس، بينما لو كان الهدف هو دعم الرئيس لرأينا وجود تحالفات حقيقية. لكن ما هو موجود على الساحة اليوم تحالفات هشة.. كل يوم نسمع عن أن هذا الحزب خرج من تحالف الجنزوري وذهب لتحالف الوفد المصري أو تحالف الاستقلال أو في حب مصر، وهكذا».
وفي الدلتا والصعيد أيضا هناك أحزاب تتصارع كذلك على الشخصيات العامة.. وقامت أحزاب أخرى بعقد مؤتمرات أعلنت فيها عن تحالفات سياسية للانتخابات، وأعلن البعض أنه قرر الانضمام إليها، إلا أن هؤلاء انضموا إلى قوائم مزمعة مختلفة حين جاءتهم تكتلات مغايرة بتحالفات جديدة، فأعلنوا أنهم سيقفون معها. ولم يستقر معظم المرشحين على قوائم بعينها بعد. ويقول عبد الله: «حتى الجنزوري يواجه هذه المشكلة. هو يريد أن يستقطب شخصيات معينة وهي الشخصيات نفسها التي تتصارع عليها تكتلات أخرى».
والمشكلة كما يراها عبد الله هي أن معادلة، أن «الرئيس الذي لديه شعبية والأحزاب التي ليست لها تلك الشعبية، يمكن أن ينتج عنها برلمان ضعيف، ولهذا أعتقد أن البرلمان إذا لم يعضد الرئيس فإنه سيكون برلمانا غير شعبي»، مشيرا إلى أن الناس تدرك أن مجموعة الأحزاب هذه ليست على ذلك المستوى، وبالتالي أعين الناس معلقة على رئيس الدولة لكي يواصل إدارة الدفة وحماية السفينة من أي فوضى.. «إما أن يكون مجلس النواب شريكا للرئيس ومعاونا له، وإما أن الجماهير ستلفظ هذا المجلس بنوابه».



«فخ الأسد»... ليلة هزت حلفاء طهران في بغداد

TT

«فخ الأسد»... ليلة هزت حلفاء طهران في بغداد

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)
صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)

يطلب مسؤول أمني رفيع في الحكومة العراقية من سائق السيارة أن يسرع قليلاً. عليه اللحاق بطائرة تعيده من دمشق إلى بغداد. واحدة من الرسائل تتدفق إلى هاتفه تقول: «الفصائل السورية في طريقها إلى العاصمة». في مساء يوم السبت السابع من ديسمبر (كانون الأول) 2024 كان المسؤول قد أنهى مهمة روتينية شمال شرقي سوريا، لتنسيق أمن الحدود، لكن البلاد الآن على وشك أن تكون بيد نظام جديد، يشع من أنقاض.

على أسوار دمشق، كانت سيارة المسؤول العراقي تنتظر «ترتيبات استثنائية» مع السلطات الجديدة في سوريا. ونشأت بين الجانبين «اتصالات من عدم».

يقول مسؤول سوري سابق في «إدارة العمليات العسكرية» إنها «المرة الأولى التي تواصلت فيها (هيئة تحرير الشام) مع مسؤول في الحكومة العراقية». ويقول عنصر أمن عراقي كان حاضراً في الترتيبات إن «الأمر تم بسلاسة غير متوقعة حينها، ودخلنا دمشق» رفقة عناصر من «الهيئة» صباح الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024. ثم وصلت رسالة مثل الصاعقة: «هرب (بشار) الأسد».

مطار دمشق بعد سقوط نظام الأسد (أرشيفية-أ.ف.ب)

كان مطار العاصمة السورية مسرح أشباح. حتى ضباط «لواء النقل الجوي» الذين يعرفهم المسؤول العراقي اختفوا. لا أحد يسأل عن تذكرة أو جواز سفر. الممر الخاص بالدبلوماسيين مشرع للرياح. غادر الرجل على متن رحلة استثنائية إلى بغداد.

خلال النهار، تحلق الطائرة وعلى متنها المسؤول الأمني مع حقيبة أسئلة عن سوريا الجديدة. في مسار الرحلة ذاتها، لكن على الأرض، تغادر ميليشيات عراقية كانت تتمركز في سوريا منذ عام 2011. العجلات التي تحركت من ريف دمشق نحو بلدة البوكمال، قرب الحدود العراقية، قطعت رحلة أخيرة باتجاه واحد لمئات المسلحين، تاركين خلفهم خمسة عشر عاماً من «محور المقاومة» ينهار الآن مثل جبل من رمال.

تكشف شهادات خاصة جمعتها «الشرق الأوسط» من شخصيات عراقية ضالعة في الملف السوري قبل هروب الأسد كيف انسحبت ميليشيات من سوريا دون تنسيق، أو ترتيبات مسبقة، وما دار في الكواليس حول رؤيتها لما حدث، وأظهرت لاحقاً أن طهران وموسكو والأسد كانوا قد اتخذوا قرارات عدم القتال في سوريا في أوقات متباعدة، ولم يشاركوا المعلومات المطلوبة مع حلفاء عراقيين إلا في وقت متأخر.

كما تسلط الشهادات الضوء على ردود فعل مجموعات شيعية في أعقاب انهيار نظام الأسد، وصلت إلى المطالبة بتقوية نفوذ الفصائل المسلحة في العملية السياسية العراقية، وتعزيز ما بات يعرف بـ«الحاكمية الشيعية» في بغداد، حتى «تستوعب صدمة أولئك الذين تركوا سوريا».

الرئيس السوري بشار الأسد يصافح رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في دمشق (أرشيفية)

«ليست مناورة... تم خداعنا»

في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بعد ثلاثة أيام من بدء «ردع العدوان»، أجرى رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني مكالمة مع بشار الأسد. يومها كانت فصائل المعارضة السورية قد سيطرت على ريف حلب. وقال السوداني للأسد إن «أمن سوريا يرتبط بالأمن القومي للعراق». في اليوم التالي حاصرت المعارضة حماة. ولم يتصل السوداني بالأسد مرة أخرى.

في نينوى، المحافظة الشمالية القريبة من الحدود مع سوريا كان قادة فصائل شيعية يحاولون إرسال الدعم إلى سوريا، لأنه «مع تحرك الفصائل السورية كان عدد المسلحين الموالين لإيران أقل بكثير عما كانوا قبل سنوات». يقول مسؤول فصائلي في نينوى أيضاً إنهم «أخبروا المقاتلين أن عليكم حماية الشيعة والمراقد في سوريا، وكثيرون تحمسوا».

ويقول كاظم الفرطوسي، المتحدث باسم «كتائب سيد الشهداء» التي انخرطت في الميدان السوري منذ عام 2013، إن فصيله انسحب من هناك أواخر 2023. ويضيف: «كانت مهمتنا قد انتهت».

أرشيفية لعناصر حركة «النجباء» التي كانت تنشط في شرق سوريا خلال عرض عسكري في بغداد

حتى عام 2018، ازدحمت سوريا بأكثر من 150 ألف مقاتل من «الحرس الثوري» الإيراني، وعناصر «حزب الله» اللبناني، وميليشيات عراقية، وفق تقديرات أمنية عراقية وسورية. بدا أن الجيش التابع للنظام السوري السابق أقل حجماً من كل الحشود الأجنبية. وبحلول ديسمبر 2023 حدث شيء ما، وسمح «الحرس الثوري» الإيراني بمغادرة مجموعات شيعية بعد مشاورات مع الأسد. قيل على نطاق واسع إن «صفقة إقليمية قادت إلى هذا التحول الميداني».

مع انسحاب جزء من الميليشيات الإيرانية وحلفائها من سوريا عام 2023، كان نظام بشار الأسد يحاول استعادة مقعده في الجامعة العربية. وتطلب ذلك منه الكثير من الوقت حتى يمهد لاندماج شبه مستحيل مع العالم العربي، لم ينجح في النهاية.

ومع بدء عمليات «ردع العدوان» في نوفمبر 2024، تقلص عدد الجماعات الإيرانية في سوريا إلى بضعة آلاف، لكن عودة الأسد لم تكتمل.

مع تحرك فصائل المعارضة نحو دمشق، كان الشعور السائد بأن الجماعات الشيعية تتحرك لسد نقص لم تنتبه إليه. في الثاني من ديسمبر 2024، تسلل العشرات من المسلحين ليلاً عبر طريق عسكري غير رسمي إلى الأراضي السورية، وأوقف طيران أميركي طريقهم بقصف أرتال قرب البوكمال. بعد ذلك، كان واضحاً أن الذين تحمسوا لدخول سوريا تراجعوا عن الفكرة.

في صباح اليوم التالي سيطرت قوات المعارضة السورية على 14 بلدة في حماة، وباتت تتفرغ لمعركة حمص. يومها أعلنت كتائب «حزب الله» العراقية أن «الوقت مبكر لاتخاذ قرار إرسال الدعم العسكري إلى سوريا».

ويقول مسؤول في فصيل شيعي مسلح إنه سأل مرؤوسيه في بغداد عن «عمليات ردع العدوان» في أيامها الأولى. قالوا له: «اطمئن... قد تسقط سوريا (بيد المعارضة)، لكن دمشق باقية (يقصد بيد الأسد)». ويضيف: «بعد أسبوع، لم نستوعب ما حدث».

قبل وصول المعارضة السورية إلى حمص، كانت المجموعات الشيعية ترجح أن الأمر سيتوقف هناك. يقول قيادي في فصيل شيعي إن «تقارير استخبارية اطلع عليها مسؤولون في جهاز الأمن الوطني العراقي، وقيادة الحشد الشعبي، وقادة فصائل، أفادت بأن الروس والإيرانيين سيوقفون زحف المعارضة، وأن مدينة حمص ستكون النقطة الفاصلة».

لم يستخدم الروس تفوقهم الجوي إلا بشكل محدود. ومع تحرك فصائل المعارضة من حماة باتجاه حمص في 6 ديسمبر 2024، كانت طائرات يُعتقد أنها روسية ضربت جسر «الرستن» الرابط بين المدينتين بقوة تدميرية لا تمنع عبور الأرتال.

لاحقاً، أظهرت لقطات مصورة من الجو أن الروس احتفظوا بطائرات سوخوي المزودة بالصواريخ في قاعدة حميميم دون استخدامها، وعبرت فصائل المعارضة الجسر إلى حمص التي أضحت محررة بالكامل بحلول فجر 7 ديسمبر 2024.

لقطة من فيديو لقناة «سوريا» تظهر طائرات حربية روسية رابضة في قاعدة حميميم باللاذقية خلال عمليات «ردع العدوان«

الآن، بات كثيرون من «محور المقاومة» أكثر قناعة بأن الزحف السريع للفصائل ليس مجرد مناورة. يقول القيادي الشيعي إنهم في تلك اللحظة فهموا أن «الإيرانيين شاركوا معنا مواقف متضاربة (...) ربما تم خداعهم».

لقد بقي السؤال عن أدوار طهران وموسكو غامضاً. لم تمتلك فصائل شيعية أجوبة حاسمة في الأشهر القليلة التي تلت هروب الأسد. اليوم، يعتقد الفرطوسي، المتحدث باسم «كتائب سيد الشهداء»، أن «الموقف الروسي والإيراني لم يتغير إلا بعد أن تراجع نظام الأسد، وانهارت القوى الماسكة للأرض، وتحولت المعركة إلى مواجهة مع شعب»، وفق تعبيره.

لكن مصادر من فصائل كانت نشطة في سوريا منذ عام 2013 تحدّثت عن «قرار اتخذته إيران مبكراً بعدم خوض معركة في سوريا بسبب حسابات إقليمية أشد تعقيداً». تقول المصادر إن «إيران لم تكن متأكدة من نتائج لصالحها في حال واجهت زحف المعارضة، لأنها اكتشفت متأخرة أن موسكو باتت تتصرف لوحدها في سوريا».

في النهاية، بدا أن أقطاب التحالف بين موسكو وطهران والأسد ينفصلون عن بعضهم، ويتخذون قرارات ميدانية متباعدة، سمحت بتقدم سريع للمعارضة، وهروب أسرع للأسد. لكن الأكيد من وجهة نظر القيادي الشيعي أن «الجماعات العراقية لم تكن في صلب نقاشات أفضت إلى ما حدث في النهاية».

في تلك اللحظة، كان أكثر من عشرة فصائل عراقية قد أمضت أكثر من عشر سنوات في الجبهة السورية، تورط خلالها آلاف المسلحين في بحر من الدماء.

و«تدور الدوائر»

في السادسة فجراً، يوم 8 ديسمبر 2024، كتب رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي رسالة عبر «إكس» قال فيها: على الباغي تدور الدوائر. ثم طغت أجواء الصدمة على القوى السياسية الشيعية في بغداد.

يومان بعد التحرير، تكون جميع الفصائل قد غادرت الأراضي السورية، والأسد في موسكو. في 12 ديسمبر 2024، ظهر نوري المالكي وهو زعيم «ائتلاف دولة القانون» وكان حليفاً قوياً للأسد لسنوات، ليصرح بأن «الهدف مما حدث في دمشق هو تحريك الشارع في بغداد». وانفجر الرأي العام بالأسئلة عما حدث.

حاول المجتمع السياسي الشيعي في بغداد استيعاب الصدمة، ونشطت في الكواليس نقاشات عن «مستقبل الشيعة في العراق»، طغى عليها ارتباك شديد، وفق شهادات أشخاص شاركوا في اجتماعات خاصة عقدت في الأسابيع التي تلت هروب الأسد.

وتحدث هؤلاء أن صناع قرار شيعة لم يجدوا أجوبة عما حدث في سوريا، ودور إيران فيه، وواجه كثيرون صعوبات في الإجابة عن سؤال كيف سيتغير العراق والمنطقة بعد الأسد؟.

يقول أحد المشاركين في جلسة خاصة عقدت في يناير (كانون الثاني) 2025 إن الأزمة في سوريا لا تتعلق بهروب الأسد، وانكسار «محور المقاومة»، بل إنها بالنسبة لـ«العراقيين الشيعة تتعلق بإعادة تعريف دورهم بعد سقوط تحالفات وتوازنات قديمة».

جانب من أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

وظهرت أعراض جانبية لهذه النقاشات الصعبة على الجماعات الشيعية. وروّج كثيرون من بيئة «المقاومة» لمشروع «الفيدرالية الشيعية» التي تمتد من سامراء إلى البصرة، على بحر من نفط. سرعان ما اضمحلت الفكرة مثل رماد بارد.

وتصاعد حديث جاد عن «الحاكمية الشيعية». يقول قيادي في فصيل مسلح إن «القوى الشيعية كانت تركز خلال الأشهر الماضية على تقوية الوضع الداخلي، وتعزيز حضورها في الحياة السياسية، وهذا ما يفسر المشاركة الفاعلة في الانتخابات التي أجريت في 11 نوفمبر 2025، وفوز فصائل مسلحة بمقاعد في مجلس النواب الجديد».

يبدو أن جميع الذين قاتلوا في سوريا فازوا بمقاعد في البرلمان الجديد. لقد حصلت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي على 28 مقعداً داخل البرلمان، وفازت منظمة «بدر» بزعامة هادي العامري بـ18 مقعداً، وحصلت كتلة «حقوق»، التابعة لـ«كتائب حزب الله»، على ستة مقاعد، بينما حصلت قائمة تابعة لـ«كتائب الإمام علي» على ثلاثة مقاعد، وحصل تحالف «خدمات» بزعامة شبل الزيدي على تسعة مقاعد.

ويطرح هؤلاء اليوم مشروعاً انتقالياً يقوم على أدوار شيعية جديدة، يتقدمه طموح متنامٍ لدى قادة مثل قيس الخزعلي لصياغة مظلة تحمي الجماعات الشيعية من التفكك عبر حضورٍ أثقل في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية معاً.

وفي مارس (آذار) 2025، سئل الخزعلي عن سوريا الجديدة. وقال إن «الدولة العراقية من واجباتها ومن مصلحتها أن تتعامل معها ما دامت تلك الدول والحكومات تمثل دولها».

ويقول قيادي شيعي إن لحظة هروب بشار الأسد لم تكن حدثاً في سوريا بقدر ما كانت زلزالاً في الوعي الشيعي داخل العراق؛ إذ دفعت الجميع إلى إعادة التفكير في شكل التحالفات التي حكمت الإقليم لأعوام طويلة. لكن خلف هذا التحول تبرز أسئلة معلّقة، وشكوك حول «مستقبل النظرية الإيرانية ذاتها» بعدما بدأت تتعرّض لاختلال كبير بعد أربعة عقود من النفوذ المتواصل في المنطقة. يقول القيادي إن «الجواب لم ينضج بعد».


سوريا بعيون أميركية... «رحلة جنونية من العزلة إلى الانفتاح»

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

سوريا بعيون أميركية... «رحلة جنونية من العزلة إلى الانفتاح»

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

مع مرور عام على إطاحة نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، تتابع أوساط سياسية وبحثية أميركية تطورات السلطة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ويشير هؤلاء إلى مساعي دمشق لتوطيد العلاقات بالمجتمع الدولي، في وقت تواجه فيه تحديات داخلية تشمل الاستقرار السياسي، وإعادة بناء الاقتصاد، فضلاً عن تحديات خارجية تتعلق برفع العقوبات ومكافحة الإرهاب.

وثمة إجماع بين أوساط أميركية معنية بالملف السوري على أن سقوط الأسد فتح نافذة تاريخية لإعادة بناء البلاد، لكن النجاح يعتمد على ترسيخ نموذج مستقر.

ويرى الخبراء أن الشرع «حقق تقدماً مذهلاً في عام واحد؛ من إنهاء الحرب، إلى الانخراط الدولي، لكنه يحتاج إلى مزيد من الإصلاحات لتجنب احتمالات الفوضى».

ويقول ستيفن كوك، الزميل الأول في «مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا» بـ«مجلس العلاقات الخارجية»، إن «لقاء الشرع مع الرئيس (الأميركي) دونالد ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 يمكن أن يكون منطلقاً لبدء عمل جاد وواعد في سوريا»، مشيراً إلى أن «رفع واشنطن العقوبات يتزامن مع إظهار دمشق مساعيَ جادة للقيام بإصلاحات سياسية؛ أهمها في (التعامل مع الأقليات ومكافحة التطرف)»، لكنه يحذر بأن «الحكم في بلد مفلس وممزق سياسياً يظل سؤالاً مفتوحاً».

ويشير كوك، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الانتخابات البرلمانية المحدودة التي جرت في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 (التي غطت 119 مقعداً من 210)، كانت «خطوة رمزية مهمة»، لكنها لم تشمل مناطق الدروز والكرد؛ مما قد يعكس «هشاشة الانتقال»، داعياً إلى توسيع الممارسة لتجفيف منابع الانقسام.

الرئيس السوري أحمد الشرع يحضر بدمشق حفل توقيع مذكرة تفاهم للاستثمار في سوريا يوم 6 أغسطس 2025 (رويترز)

تغيير الشرق الأوسط

يشيد آرون زيلين، الخبير في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، بجهود الشرع في مكافحة «داعش»، ويقول إن لديه فرصة لإحداث تأثير إيجابي في منطقة الشرق الأوسط، لكنه نصح الحكومة السورية الجديدة بالتركيز على تفكيك فصائل مسلحة في البلاد.

وعدّ زيلين تصريحات الشرع الإصلاحية بشأن بناء مؤسسات الدولة علامة إيجابية على توجهات حكومته، رغم قلقه من أن الاقتصاد المدمَّر يهدد الاستقرار في سوريا، لا سيما مع التقديرات التي تفيد بأن تكلفة إعادة إعمار البلاد قد تصل إلى 216 مليار دولار.

بدوره، يقول إدوارد جيريجان، مدير «مركز بلفير للعلوم والشؤون الدولية» بجامعة هارفارد، إن الشرع يواجه «اختباراً لإعادة التوحيد» في بلاد متعددة الطوائف والإثنيات، ويوصي بـ«تعزيز الثقة الداخلية» عبر إصلاحات أمنية موحدة.

ويبدي المحلل الأميركي سيث فرانتزمان تفاؤلاً كبيراً بمستقبل سوريا، عادّاً الشرع «رجلاً مثيراً للإعجاب ومغيراً للعبة»، ويصف التحول في سوريا في أقل من عام بـ«الجنون المطلق»؛ بالتحول من دولة منبوذة إلى دولة بفرص واعدة ومدعومة من الغرب ولاعبين وازنين في الخليج العربي والمنطقة.

ورأى الشرع، في تصريح أمام «منتدى الدوحة» يوم 6 ديسمبر 2025، أن سوريا تسير في الاتجاه الصحيح، بعدما تحولت من منطقة مصدرة للأزمات إلى نموذج للاستقرار، مشيراً إلى أن البلاد «تحتاج الآن إلى بناء مؤسسات مستقرة؛ وهو ما يضمن استمرارية عادلة لبناء الدولة».

الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي خلال توقيع اتفاق دمج «قسد» في الجيش السوري بدمشق يوم 10 مارس 2025 (إ.ب.أ)

صراعات داخلية

ويقول فرانتزمان إن زيارة الشرع التاريخية إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2025 تعدّ «محوراً مهماً لإعادة بناء سوريا المحطمة»، بالتزامن مع رفع الشرع من قائمة العقوبات الأميركية، وتجديد تعليق «قانون قيصر».

ويشيد معظم التحليلات بالشرع لتحقيقه تقدماً ملموساً في الاستقرار الداخلي، لكن التحذيرات تتعلق بالصراعات الداخلية التي قد تذكي أعمال عنف أو فوضى. أما خارجياً؛ فتشيد تقارير أميركية بحرص الشرع على توجيه بلاده نحو الغرب، وانضمامها إلى «التحالف الدولي ضد (داعش)»، حيث يشيد مركز «بروكينغز» بعلاقات الرئيس السوري بتركيا والولايات المتحدة، بوصفها مفتاحاً للاستقرار، محذراً من السماح بعودة نفوذ روسيا وإيران.

وكان الشرع قد أقر، خلال حضوره مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»، بالرياض، في 29 أكتوبر 2025، بأن هناك مخاطر استراتيجية ارتبطت بالفترة السابقة تسببت في خلق حالة من الاضطراب والقلق لبعض دول العالم.


الصعود التركي في سوريا... من المواجهة إلى التحالف

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع خلال أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع خلال أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير 2025 (الرئاسة التركية)
TT

الصعود التركي في سوريا... من المواجهة إلى التحالف

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع خلال أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع خلال أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير 2025 (الرئاسة التركية)

تشكلت في الأسابيع الأولى لسقوط نظام بشار الأسد في سوريا قناعة بأن تركيا لعبت الدور الأكبر في الوصول «السلس» لفصائل المعارضة إلى دمشق في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، وتعزز ذلك مع دعم أنقرة السريع للإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وتقديم نفسها بوصفها أحد «الرعاة الأساسيين» في مرحلة ما بعد الأسد.

كانت تركيا أول دولة ترسل مسؤولاً رفيع المستوى إلى سوريا للقاء الشرع في «قصر الشعب»، إذ زار رئيس مخابراتها، إبراهيم كالين، دمشق يوم 12 ديسمبر 2024، وتوجه للصلاة في الجامع الأموي، ليبدو أنه حقق وعد الرئيس رجب طيب إردوغان، في الأيام الأولى للثورة السورية في 2011، عندما قال سينهار نظام الأسد بأسرع وقت و«سندخل دمشق ونصلي في الجامع الأموي».

وأوحت تصريحات لوزير الخارجية هاكان فيدان بأن تركيا هي من لعبت الدور الرئيسي في سقوط الأسد وفتح الطريق أمام الشرع إلى دمشق، عندما قال، بعد أيام قليلة، إن أنقرة أقنعت روسيا وإيران، خلال الاجتماع بصيغة «آستانة»، على هامش «منتدى الدوحة» في 7 و8 ديسمبر 2024 بعدم التدخل.

من وجهة نظر فيدان، كان «نظام بشار الأسد ضعيفاً للغاية خلال العامَين أو الأعوام الـ3 الماضية، مع مقاومة نسبية في بعض الأماكن، لكن المعارضة دخلت حلب دون إطلاق نار تقريباً. مع ذلك، لو كرر الروس والإيرانيون رد فعلهم في عام 2016، لكان الشعب السوري قد واجه خطر المزيد من إراقة الدماء والنزوح».

وعندما سُئل فيدان: «كيف أقنعتم روسيا بعدم الوقوف إلى جانب الأسد؟». أجاب بكلمة واحدة: «تحدثنا».

إسرائيل قصفت مطار حماة العسكري في مارس الماضي على خلفية تقارير عن استخدامه من جانب تركيا في نقل مواد لوجيستية ومعدات لإقامة قاعدة جوية في حمص (أ.ف.ب)

تقييم الحصاد

في 16 أغسطس (آب) 2025 عقدت مجموعة التنسيق بين المؤسسات التركية اجتماعاً برئاسة نائب وزير الخارجية نوح يلماظ، الذي أصبح الآن سفيراً لتركيا في دمشق، أُجريت خلاله مراجعة شاملة للعلاقات مع سوريا والخطوات التي ستُتخذ خلال الفترة المقبلة لتعزيزها وتنفيذ الاتفاقات التي توصل إليها الجانبان في مختلف المجالات.

خلال الأشهر الـ8 الأولى بعد سقوط الأسد، وعبر تحركات مكثفة، كانت تركيا أول دولة تعيد فتح سفارتها في دمشق، إضافة إلى قنصليتها في حلب، كما وقعت في 12 أغسطس مذكرة تفاهم للتعاون العسكري والتدريب والاستشارات.

وتحركت تركيا على المستوى الثنائي والإقليمي لدعم حكومة الشرع في مكافحة تنظيم «داعش»، وإقناع الولايات المتحدة بمنظور جديد يجعلها تتخلى عن دعمها لـ«قسد» التي تشكل «وحدات حماية الشعب» (الكردية) عمودها الفقري، في السيطرة على شمال شرقي سوريا، بعد التحالف معها في الحرب على «داعش».

في هذا الإطار سعت تركيا إلى تشكيل تحالف يقوم على مبدأ «الملكية الإقليمية»، الذي يعني أن تقوم دول المنطقة بنفسها على حل مشاكلها دون تدخلات خارجية، وبدأت بالفعل جهوداً لتشكيل منصة خماسية تضمها مع كل من الأردن والعراق ولبنان إلى جانب سوريا، وعقد وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء المخابرات في الدول الخمس اجتماعاً في عمان في 9 مارس (آذار) الماضي، لكنه لم يسفر عن تأسيس آلية سعت إليها أنقرة.

نتيجة لذلك شكّلت تركيا آلية تنسيق مع سوريا عبر مركز عمليات مشترك في دمشق، لتأكيد دعمها للحكومة السورية في الحرب على «داعش».

وعقدت خلال الأشهر الـ10 المنقضية 3 اجتماعات لوزراء الخارجية والدفاع ورئيسي المخابرات في البلدين فضلاً عن الزيارات الثنائية المتبادلة على مستوى وزيري الخارجية، وزيارات رئيس المخابرات التركية لدمشق، كما زار الشرع تركيا 3 مرات في الفترة بين فبراير (شباط) وأغسطس.

على الصعيد الاقتصادي، أعادت تركيا تشغيل جميع البوابات الحدودية مع سوريا، وتم توقيع بروتوكول في أنقرة يوم 5 أغسطس الماضي، لإنشاء لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة، وبدء دراسة إنشاء مناطق صناعية، بهدف إنعاش الاقتصاد السوري المتضرر من جراء الحرب وتعزيز التجارة بينهما. كما أعاد البلدان الجاران تأسيس مجلس الأعمال المشترك، الذي توقف عن العمل في 2011.

وتقول تركيا إنها تهدف إلى تجاوز عتبة ملياري دولار في صادراتها إلى سوريا بنهاية العام الحالي، مستغلة الزخم في العلاقات التجارية بينهما. واتخذت خطوات جديدة لتسهيل وتسريع التجارة مع سوريا، وتم الاتفاق على أن تصبح حلب مركزاً لوجيستياً قوياً في الفترة المقبلة.

جانب من لقاء ترمب ونتنياهو بالبيت الأبيض في يوليو 2025 (أ.ف.ب)

تنافس مع إسرائيل

في المقابل، تغيرت أهداف تركيا في سوريا عما كانت عليه خلال حكم بشار الأسد، فبعدما كانت تركز على تأمين حدودها مما تصفه بـ«تهديد (قسد)»، وإنشاء منطقة آمنة على حدودها الجنوبية بعمق يتراوح ما بين 30 و40 كيلومتراً، تسعى اليوم إلى إزالة هذه المجموعة الكردية من المعادلة السورية، عبر ترك أسلحتها والاندماج في مؤسسات الدولة، وإقناع الولايات المتحدة بوقف دعمها لها عبر عرض قيام إدارة سورية جديدة بحراسة سجون «داعش»، ودعمها في هذا الأمر. وزادت على ذلك بالسعي لدى الولايات المتحدة لملء الفراغ، حال انسحاب القوات الأميركية.

لقد أظهرت تحركات تركيا في الواقع السوري الجديد سعيها لملء الفراغ العسكري من خلال العمل على إنشاء قواعد برية وبحرية وجوية في وسط سوريا وعلى سواحلها عبر نموذج يشبه تدخلها في ليبيا بعد القذافي، كما تردد من خلال وسائل إعلام، والانفراد بأكبر دور في الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار والتدخل في جميع المجالات من الصحة إلى التعليم وغيرها، استكمالاً لما بدأته بالفعل منذ سنوات في شمال سوريا.

أثارت هذه التحركات قلق إسرائيل التي تخشى استبدال الوجود التركي بالوجود الإيراني في سوريا، وفرض أمر واقع جديد تكون فيه تركيا هي الضامن سياسياً وأمنياً، اعتماداً على علاقاتها القوية مع الإدارة الجديدة ومع فصائل معادية لها.

جانب من اجتماع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وترمب والشرع لبحث رفع العقوبات المفروضة على سوريا في الرياض مايو الماضي (واس)

«نعم أخذتها»

وبدا أن تركيا نجحت في سباقها لإظهار دورها بوصفها «راعياً» تتشاور معه الإدارة السورية حول مستقبل البلاد، وبرزت بوصفها واحدة من أبرز القوى المهيمنة، وهو ما أكده الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالبيت الأبيض في يوليو (تموز) 2025.

قال ترمب إنه هنّأ إردوغان، في اتصال هاتفي بينهما، على «أخذه سوريا (...) وإنه كان يحاول النفي، ويقول إنه لم يأخذها، وإنه قال له إنك فعلت شيئاً عجز الآخرون عن فعله طوال ألفي عام، مهما تعددت أسماؤها تاريخياً، وإنه (إردوغان) قال في النهاية نعم أخذتها».

وجاء موقف ترمب بعد متابعة حالة التنافس بين تركيا وإسرائيل في سوريا، والمخاوف المتبادلة بينهما التي دفعت إسرائيل إلى تدمير قواعد جوية ومطارات رئيسية، بينها مطار حماة العسكري، والقضاء على مقدرات الجيش السوري، مع تردد أنباء، بعد 3 أشهر من سقوط حكم الأسد، عن سعي تركيا إلى إقامة قواعد جوية في حمص، ما دفع تركيا وإسرائيل إلى إرساء قواعد اشتباك تمنع الصدام بينهما في سوريا خلال اجتماعات فنية في باكو توسطت فيها أذربيجان.

عرض ترمب على نتنياهو حل مشاكله مع تركيا إذا كان منطقياً في طلباته، لافتاً إلى علاقته الجيدة مع إردوغان، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي قال، قبل مغادرة واشنطن، إن تركيا تريد إنشاء قواعد عسكرية في سوريا، وإنه يرفض إقامتها لأنها تُشكل خطراً على إسرائيل.

بدورها، تؤكد تركيا أن المسألة الرئيسية بالنسبة إليها وللولايات المتحدة هي ضمان ألا تشكل إسرائيل تهديداً لسوريا، وألا تكون سوريا مصدراً لتهديد أي طرف في المنطقة، وأن يحترم الجميع سلامة أراضي وسيادة بعضهم، بحسب ما قال وزير خارجيتها، هاكان فيدان، الذي شارك في جانب من اجتماع ترمب والرئيس السوري أحمد الشرع بالبيت الأبيض في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وعبرت تركيا، أكثر من مرة، عن عدم انزعاجها للمفاوضات بين دمشق وتل أبيب، مشددة على أن هدفها الأول هو وحدة أراضي سوريا وسيادتها.

ورد إردوغان، الذي التقى ترمب في البيت الأبيض في سبتمبر (أيلول) الماضي، على تصريح أخير لنتنياهو، منذ أسابيع قليلة، قال فيه إن إسرائيل «أوقفت تركيا في سوريا»، مطالباً بالتركيز على ما تفعله تركيا بدلاً من التركيز على ما تكتبه الصحافة الإسرائيلية، مضيفاً: «نحن نفعل ما يلزم في إطار أولوياتنا الاستراتيجية، وسنواصل ذلك».

جانب من الاجتماع بصيغة «آستانة» لوزراء خارجية تركيا هاكان فيدان وروسيا سيرغي لافروف وإيران عباس عراقجي على هامش منتدى الدوحة في ديسمبر 2024 (الخارجية التركية)

شبح العقوبات

تحرص تركيا أيضاً على عدم البقاء بعيداً عن أي ملف يتعلق بسوريا، بما في ذلك رفع العقوبات، الذي بدأ بإعلان مفاجئ من ترمب، قال إنه بناء على طلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وإردوغان، الذي شارك، عبر الهاتف في اجتماع بالرياض، في مايو (أيار) تمت فيه مناقشة رفع العقوبات.

وأكد إردوغان مواصلة تركيا دعمها لدمشق في حربها ضد التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها «داعش»، واستعدادها لتقديم الدعم فيما يتعلق بإدارة وتأمين مراكز الاحتجاز التي يُحتجز فيها عناصر «داعش»، لافتاً إلى أن قرار ترمب رفع العقوبات عن سوريا يحظى بأهمية تاريخية، وأن هذا القرار سيكون مثالاً للدول الأخرى التي فرضت عقوبات على دمشق، وأن فرص الاستثمار ستشمل مختلف المجالات في سوريا، بعد رفع العقوبات.

وسبق إعلان ترمب رفع العقوبات اجتماع ثلاثي لوزراء الخارجية التركي، هاكان فيدان، والولايات المتحدة، ماركو روبيو، وسوريا، أسعد الشيباني، على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في جنوب تركيا، في أبريل (نيسان) الماضي، لمناقشة تفاصيل تعهد ترمب بإسقاط العقوبات عن سوريا.

وتلقى فيدان دعوة لزيارة أميركا بالتزامن مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، وشارك في جانب من لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 10 نوفمبر الماضي.

وعقد فيدان لقاءات مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والممثل الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، والسفير الأميركي في أنقرة المبعوث الخاص إلى سوريا، توم براك، والعديد من المسؤولين الآخرين في البيت الأبيض، فضلاً عن لقاء مع الشرع ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ولقاء ثلاثي جمعه بالشيباني وروبيو.

وقال فيدان إنه تم خلال الاجتماعات تبادل وجهات النظر حول كيفية إدارة المناطق الإشكالية في شمال وجنوب سوريا، وفي أماكن أخرى، بشكل أفضل وكيف يمكن تنفيذ العمل على إلغاء «قانون قيصر»، وإن التركيز منصبّ حالياً على ما يمكن فعله لرفع العقوبات في إطار «قانون قيصر» بشكل كامل، لمساعدة الاقتصاد السوري على التعافي.

وأشار إلى أن الشرع التقى أعضاءً في الكونغرس، وشدد على أهمية التصويت على إلغاء «قانون قيصر»، مضيفاً أن الرئيس الأميركي يتبنى نهجاً إيجابياً تجاه التعامل مع القضايا السورية.

الشرع وعبدي خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية في دمشق 10 مارس 2025 (إ.ب.أ)

هاجس «قسد»

تعمل تركيا على استغلال حالة التشاور المستمر بشأن سوريا، في ضمان موقف أميركي داعم لتنفيذ الاتفاق الموقع بين الشرع، وقائد «قسد»، مظلوم عبدي، في دمشق 10 مارس الماضي، بشأن اندماجها في الجيش والمؤسسات الأمنية السورية، الذي يفترض أن ينتهي تنفيذه قبل حلول نهاية العام الحالي.

وبعد 47 عاماً من الصراع المسلح، أطلقت تركيا مبادرة العام الماضي، لحل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه، أسفرت عن دعوة زعيمه، السجين لديها، عبد الله أوجلان في 27 فبراير الماضي، إلى حله والتخلي عن الكفاح المسلح، والتحول إلى العمل الديمقراطي في إطار قانوني.

وتتمسك أنقرة بأن دعوة أوجلان تشمل جميع امتدادات حزب «العمال الكردستاني»، وأن «البنية الحالية لـ(قسد) تقوّض وحدة سوريا وتهدّد الأمن القومي لتركيا وتعرّضه للخطر»، وأنه لا يمكن حصر مسألة نزع سلاح حزب العمال الكردستاني في تركيا وحدها.

وتطالب «قسد» تركيا بعدم عدّ مؤسساتها العسكرية والإدارية والأمنية، والإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، تهديداً لها، لأنها «مؤسسات للسلام والأمن».

وعدّ قائد «قسد»، مظلوم عبدي، أن اتفاق 10 مارس مع الشرع شكل منعطفاً مهماً بإغلاق الطريق أمام محاولات تقسيم سوريا ومنع انزلاقها إلى حرب أهلية، وضمن الاعتراف الدستوري بحقوق الكرد، لكنه أكد أنه «يجب أن تكون هناك سوريا لا مركزية، بحيث يتمكّن كل إقليم من إدارة نفسه».

وذهب الكاتب في صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية، فاتح تشيكرجه، إلى أن أميركا تسعى لتأسيس «نموذج بارزاني» الذي أرسته في شمال العراق ضد إيران، في شمال سوريا، وأن الممر الذي يجري إعداده من العراق إلى سوريا يهدف إلى ذلك، وهو مطلب إسرائيلي أيضاً لمنع نقل الأسلحة من إيران إلى لبنان والمنطقة المحيطة.

ولفت إلى أن تركيا لم تقبل في البداية بنموذج مشابه لـ«بيشمركة بارزاني»، وهي الآن تعد «قسد» الحليفة لأميركا، تنظيماً إرهابياً، لكنها يمكن أن تقبل الأمر بعد ذلك في شمال سوريا كما حدث في إقليم كردستان العراق.

الحال، أن تركيا ستواصل خلال المرحلة المقبلة السعي لترسيخ موقعها بوصفها أبرز قوة مؤثرة في إعادة تشكيل سوريا، مستفيدة من علاقتها الوثيقة بالإدارة الجديدة ودعم واشنطن المتزايد لدورها. ومن المتوقع أن تضغط أنقرة باتجاه استكمال دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية وتقليص أي حضور عسكري غير مرغوب فيه قرب حدودها. لكن التنافس مع إسرائيل والحضور الأميركي قد يحدان من قدرة تركيا على فرض رؤيتها بالكامل.