«حوار غير مباشر» بين دمشق وبروكسل حول شروط «التطبيع»

وزير الخارجية السوري بعث برسالة خطّية إلى وزراء أوروبيين لـ«الحيلولة دون إجراءات جديدة»

مفوض الشؤون الخارجية والأمنية الأوروبي جوزيف بوريل في مؤتمر بروكسل 30 الشهر الماضي (رويترز)
مفوض الشؤون الخارجية والأمنية الأوروبي جوزيف بوريل في مؤتمر بروكسل 30 الشهر الماضي (رويترز)
TT

«حوار غير مباشر» بين دمشق وبروكسل حول شروط «التطبيع»

مفوض الشؤون الخارجية والأمنية الأوروبي جوزيف بوريل في مؤتمر بروكسل 30 الشهر الماضي (رويترز)
مفوض الشؤون الخارجية والأمنية الأوروبي جوزيف بوريل في مؤتمر بروكسل 30 الشهر الماضي (رويترز)

لم يردّ وزراء الخارجية في عدد من الدول الأوروبية على رسالة خطّية غير علنية، بعث بها وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، تضمنت المطالبة بـ«فتح حوار» مع دمشق و«الحيلولة دون اتخاذ أي مواقف جديدة ضمن إطار الاتحاد الأوروبي».
لكن الرد غير المباشر جاء من مسؤول الشؤون الأمنية والخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، الذي قال في مدونته، إنه إذا «اتخذت الحكومة السورية الخطوات السليمة في الاتجاه الصحيح، سنستجيب جميعاً»؛ بهدف الوصول إلى «سوريا الجديدة»، مضيفاً: «لن نتوقف عن فرض العقوبات الاقتصادية، ولن يكون هناك تطبيع من أي مستوى، ولن ندعم جهود إعادة الإعمار أبداً حتى نشهد بدء عملية الانتقال السياسي في سوريا». وساهم هذا «الرد القاطع» من بوريل، والوحدة في الموقف الأوروبي في تريث المقداد في الاستمرار بمطالبة الأوروبيين بفتح الحوار، والسعي إلى فتح شقوق في جدار الموقف الأوروبي.

«الإرهاب عدو مشترك»
في منتصف الشهر الماضي، بعث المقداد برسالة خطّية إلى عدد من وزراء الخارجية في عدد من الدول الأوروبية بينها النمسا ورومانيا وإيطاليا واليونان، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها. وتضمنت رسالة المقداد، الذي تسلم منصبه خلفاً لوليد المعلم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عرضاً عاماً للأوضاع في السنوات الماضية، حيث «سادت الفوضى وعدم الاستقرار في عدد من البلدان، ومن أبرز الأسباب التي أسفرت عن ذلك كان ظهور ثم انتشار ظاهرة الإرهاب التي خيّمت بأجواء قاتمة على سوريا مع عدد من البلدان الأوروبية، فضلاً عن عدد من بلدان أخرى حول العالم. تلك الظاهرة التي أسهمت في فقدان كثير من أرواح الأبرياء». كما أشار إلى مخاطر «التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، سواء كان ذلك بالتدخلات العسكرية المباشرة أو عن طريق ما يُعرف إعلامياً بالقوة الناعمة، بُغية فرض أجندات سياسية معينة مع تحقيق مصالح ضيقة وربما آنيّة، تبعد كل البعد عن مصالح وتطلعات الشعوب، وبأسلوب يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية، ولأحكام القانون الدولي، وكذلك لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة».
ثم انتقل المقداد للحديث عن الوضع السوري، قائلاً: إن «سوريا، كانت بين أكثر البلدان تضرراً في المنطقة جراء تلك التفاعلات والتدخلات سالفة الذكر، لا سيما من واقع الأعمال الإرهابية العنيفة ذات الدعم المباشر من جهات خارجية. ولا يمكن لسطور هذه الرسالة الموجزة أن تفسر على نحو كامل مدى الآلام والمعاناة والمآسي التي لحقت بالشعب السوري، ولا الدمار الرهيب الذي ألمّ ببلادنا جراء ذلك»، قبل أن يخاطب كل وزير أوروبي بضرورة العمل على الإفادة من «دروس السنوات القاسية» للعمل على «عدم السماح مستقبلاً باستمرار السياسات الخاطئة التي يتبناها بعض الحكومات المعروفة».
عليه، دعا المقداد إلى «ضرورة تعزيز لغة الحوار والتفاهم فيما بيننا، على أسس الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، ومحاربة الإرهاب، بما قد يسهم في تحقيق التطلعات المشتركة، ثم الوصول إلى مستوى الأمن والاستقرار المنشود لدينا جميعاً» ذلك بعيداً عن سياسات «الحكومات الرامية إلى مواصلة التدخلات السافرة في الشؤون الداخلية مع فرض الإجراءات القسرية أحادية الجانب على الشعب السوري»، لافتاً إلى أن «التصريحات الملفّقة الصادرة في الآونة الأخيرة عن بعض المؤسسات التابعة للاتحاد الأوروبي لن تخدم المصالح المشتركة لبلداننا في شيء (...) وستسهم في إطالة أمد الأزمة في سوريا».
وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض عقوبات على نحو 350 فرداً وكياناً سورياً. ومن المتوقع أن يمدد في مايو (أيار) المقبل العقوبات الدورية على دمشق، حيث لا يزال ملتزماً خلاصة المجلس الوزاري التي تربط المساهمة في إعمار سوريا بـ«تقدم جوهري في العملية السياسية لتطبيق القرار 2254».
ودعا المقداد الدول «الوسطية» مثل اليونان وقبرص ورومانيا والتشيك وهنغاريا وإيطاليا، إلى «الحيلولة دون اتخاذ أي مواقف جديدة ضمن إطار الاتحاد الأوروبي» التي عدّها عائقاً أمام «الحوار المنشود (...) والعودة الطوعية والآمنة للاجئين، في ظل الاحترام الكامل للقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، والقانون الإنساني الدولي». وزاد أن الحكومة السورية «قد بذلت، وتواصل بذل قصارى جهدها من أجل الوصول إلى حل للأزمة السورية، ذلك الذي يحقق تطلعات الشعب السوري الحقيقية ضمن الاحترام الكامل لسيادته الوطنية».
وكان المبعوث الأممي غير بيدرسن قد رفض مقترحاً أوروبياً لتحميل دمشق مسؤولية عدم التقدم في عمل اللجنة الدستورية، في البيان الختامي لمؤتمر المانحين في بروكسل في 30 الشهر الماضي.
وجاءت رسالة وزير الخارجية السوري قبل مؤتمر بروكسل. وقال دبلوماسي أوروبي لـ«الشرق الأوسط» إن المقداد «أراد أن يدق إسفيناً بين الدول الأوروبية لاختبار مدى وحدة الموقف»، لافتاً إلى أنه «على الأغلب لم يكن يتوقع رداً من وزراء الخارجية على رسالته».

«ثلاث لاءات» أوروبية
من جهته، كتب بوريل مقالاً بمثابة الرد على المقداد قال فيه: «ندرك جميعاً حجم الدمار الذي تعاني منه سوريا ومدى المعاناة التي كابدها الشعب السوري، ولا يزال في كل يوم منذ عشر سنوات. لقد صارت سوريا مرادفاً ملازماً للموت، والخراب، والدمار، فضلاً عن أكبر حركة هجرة بشرية يشهدها القرن الحادي والعشرون حتى الآن»، لافتاً إلى بعض الأرقام بينها «400 ألف قتيل، واختفاء نحو 100 ألف شخص آخرين. ونعلم جيداً أن الاقتصاد السوري في حالة من السقوط المدوي السريع. ويعيش أكثر من 90% من المواطنين السوريين تحت خط الفقر المدقع راهناً. كما يواجه أكثر من 13 مليون مواطن سوري –أي ما يقارب نسبة 60% من إجمالي سكان البلاد ونصفهم من الأطفال– انعداماً شديداً في الأمن الغذائي مع احتياجاتهم الملحّة للحصول على المساعدات الإنسانية العاجلة. وهذا، مع فرار أكثر من 12 مليون مواطن سوري من بلادهم، مع الآلاف الآخرين منهم الذين يعيشون في مخيمات العراء في شمال البلاد».
وأضاف أن الاتحاد الأوروبي منح 560 مليون يورو، وهو المبلغ نفسه الذي تعهد به الاتحاد الأوروبي في مؤتمر العام الماضي، يضاف إلى 25 مليار يورو قيمة المنح المالية التي أقرها الاتحاد الأوروبي منذ بداية الأزمة السورية، و«استطعنا من خلال ذلك المؤتمر، الذي ضم أكثر من 85 مندوباً وممثلاً عن أكثر من 55 دولة وأكثر من 25 منظمة دولية، أن نؤمّن ما يوازي 5.3 مليار يورو من إجمالي التعهدات بالمنح المالية الجديدة بصفة مشتركة».
وقال المفوض بوريل: «مصالحنا كأوروبيين بسيطة للغاية، وهي تتسق مع ما يريده المواطنون السوريون أيضاً: نريد لسوريا أن تعاود الوقوف على أقدامها كدولة جوار آمنة ومستقرة (...) اتفقت الأطراف الدولية والأطراف الأخرى المعنية بالأزمة السورية على ضرورة صياغة دستور جديد للبلاد مع إجراء الانتخابات الحرة والنزيهة تحت رعاية وإشراف منظمة الأمم المتحدة بموجب 2254». وزاد: «سوريا تحتاج إلى تغيير المسار الراهن (...) ويقع على عاتق النظام السوري الحاكم مسؤولية كبرى في اتخاذ الخطوات المهمة والمنصوص عليها في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. وإذا ما اتخذت الحكومة السورية الخطوات السليمة في الاتجاه الصحيح، سنستجيب جميعاً لذلك. وحتى بلوغ هذه اللحظة، سوف نواصل ممارسة الضغوط على الصُّعد كافة. لن نتوقف عن فرض العقوبات الاقتصادية، ولن يكون هناك تطبيع من أي مستوى، ولن ندعم جهود إعادة الإعمار أبداً حتى نشهد بدء عملية الانتقال السياسي في سوريا». وقال دبلوماسي إن هذه الشروط هي «لاءات أوروبية ثلاث».
وردّت الخارجية السورية على بيان مؤتمر بروكسل بوصفها ما صدر عنه بأنه «غير شرعي». وقالت الخارجية في رسالة وجهتها إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، إن «الجمهورية العربية السورية تعرب عن استهجانها لانعقاد هذا المؤتمر وللمرة الخامسة دون دعوة الحكومة السورية»، علماً بأن روسيا شاركت في المؤتمر ووجّهت الانتقاد نفسه بسبب عدم تمثيل دمشق.



الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
TT

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)

لم يكن قصف الجماعة الحوثية لمدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب محافظة تعز (جنوب غرب)، مساء الثلاثاء الماضي، مجرد جولة جديدة من القصف الباليستي الذي تصاعد على مختلف جبهات اليمن منذ نحو 3 أشهر؛ فالهجوم تزامن مع التحركات الحوثية غرب تعز، مع تصعيد ميداني واسع تشهده جبهات الوازعية والكدحة وحيفان ومناطق أخرى من المحافظة.

ورصدت مصادر ميدانية تعزيزات حوثية عبر خط المخا باتجاه الكدحة، ثم الرحبة والقوز، بالتزامن مع القصف الذي طال أحياء مدينة التربة بـ4 صواريخ باليستية، وفق مصادر حكومية ومحلية.

وليست المرة الأولى التي تستخدم فيها الجماعة الحوثية الصواريخ الباليستية بالتوازي مع تحركاتها الميدانية؛ فمنذ مطلع أغسطس (آب)، اتسعت دائرة الضربات من معسكرات بعيدة عن خطوط التماس في مأرب وحضرموت، إلى مدينة مأرب ومخيمات النازحين، ثم إلى المخا والخوخة على الساحل الغربي، قبل أن تصل في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى مدينة تعز، وأخيراً إلى التربة؛ ففي 6 سبتمبر، استهدفت 3 صواريخ باليستية مدينة تعز، وسقطت قرب مبنى الرعاية الاجتماعية ومحيط كلية الطب والسجن المركزي غرب المدينة.

لقطة متداولة يقول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إنها للحظة سقوط أحد الصواريخ في التربة (إكس)

ويكشف هذا التسلسل تغيراً في وظيفة الصاروخ ضمن التصعيد الحوثي؛ ففي 6 أغسطس، شنت الجماعة هجمات باليستية ومسيّرات على معسكرات حكومية في منطقة الرويك شرق مأرب، بينها معسكر الثنية الذي يضم قوات الطوارئ وألوية عسكرية، قبل أن تتوسع الضربات في الأيام التالية إلى مدينة مأرب.

وفي الساحل الغربي، تكرر النمط بصورة أكثر كثافة، وتعرضت المخا لهجمات صاروخية متتابعة خلال أغسطس، ثمّ هجوم في 9 سبتمبر، أسفر، وفق الجيش اليمني، عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الجماعة أنها استهدفت تجمعات عسكرية ومستودعات أسلحة.

وبعد أيام، أعلن مدير ميناء المخا تعليق العمليات، إثر تعرضه لأكثر من 25 صاروخاً خلال عدة أيام، فيما تحدثت السلطات عن خسائر بشرية ومادية واسعة.

«التربة»... هدف مختلف

تختلف الأهداف المعلنة والنتائج الميدانية من حادثة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو اتساع المسافة بين أهداف الصواريخ وخط الاشتباك المباشر؛ فالجماعة التي استخدمت الصواريخ أيضاً في المواجهات المباشرة، وربما كانت أول من يفعل ذلك في تاريخ استخدام هذا النوع من الأسلحة، إلا أنها لا تكتفي بضرب المواقع العسكرية المتقدمة، وإنما ترسلها إلى معسكرات وطرق وموانئ ومدن في العمق، حيث يمكن للضربة أن تؤثر في حركة القوات والإمداد، وأن تفرض على الجيش اليمني توزيع موارده الدفاعية على مساحة أوسع.

منظر عام لمدينة التربة من إحدى ضواحيها (فيسبوك)

ويأتي القصف الأخير على مدينة التربة، بوصف ذلك أداة لإدارة المعركة في العمق، لا مجرد رد فعل على خسارة ميدانية أو عجز عن التقدم، فإذا كانت التعزيزات الحوثية تتحرك في الوقت نفسه باتجاه الكدحة والرحبة والقوز، فإن ضرب مدينة تقع على أحد المحاور المهمة جنوب تعز، يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز إيقاع الخسائر المباشرة؛ مثل إرباك الحركة ورفع منسوب القلق في المناطق الخلفية، وتشتيت الانتباه بين حماية خطوط التماس وتأمين المدن والطرق الواقعة خلفها.

وتكتسب التربة خصوصيتها من موقعها؛ فهي لا تمثل ميناءً استراتيجياً مثل المخا، ولا معسكراً عسكرياً مثل الرويك، وإنما مدينة داخلية تقع على محور مهم يربط تعز بالمحافظات الجنوبية، وتشكّل مركزاً لحركة السكان وأنشطتهم، بينما يعدّ محيطها مسرحاً لتحرك القوات الحكومية والإمدادات في جنوب المحافظة.

وتقع المدينة في قلب المنطقة الجغرافية الواسعة المعروفة بـ«الحُجَرِيّة»، وتضم عدة مديريات من جنوب محافظة تعز وشمال محافظة لحج، وتضمّ تجمعاً سكانياً من بين الأكثر كثافة في البلاد، يناهض النفوذ الحوثي، ويشكل رافداً لدعم الجيش بالمقاتلين.

ولا يمكن عزل هذا التطور العملياتي الحوثي عن إعلان حالة التعبئة العامة التي أطلقها، منذ أيام، رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ فالتربة تعدّ مركز هذه المنطقة الواسعة كثيفة السكان، وتضم مقرات للمؤسسات والمنشآت الحكومية ومراكز أمنية.

أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

ولا يعني تهديد التربة بالصواريخ أن الهدف المباشر هو السيطرة عليها بالضرورة، كما حدث في المخا؛ فالقيمة العسكرية للضربة قد تتمثل في تهديد البيئة التي تتحرك من خلالها القوات، وإرهاب السكان الذين يناهضون نفوذ الجماعة، وإيصال رسالة بأن العمق الجغرافي الذي اعتاد السكان والقوات اعتباره أكثر أمناً، لم يعد بمنأى عن النيران بعيدة المدى.

وهذه النقطة تفسّر أيضاً انتقال الجماعة من استهداف مدينة تعز في 6 سبتمبر، إلى استهداف التربة في 29 منه؛ فبينما ضربت الصواريخ في الحالة الأولى قلب المحافظة ومركزها الحضري، وصلت في الحالة الثانية إلى مدينة تقع أبعد جنوباً، وفي توقيت تشهد فيه الجبهات الغربية والجنوبية تحركات عسكرية متزامنة.

تمهيد مسرح المعركة

لا يمكن الجزم من الضربة وحدها بأن الجماعة الحوثية تمهد لهجوم بري على التربة، أو محيطها، كما لا يمكن اختزال القصف في محاولة إرباك القوات الحكومية، لكن تزامن الضربات بعيدة المدى مع التحركات البرية المتكررة يسمح بتوقع أن يكون الصاروخ جزءاً من عملية التمهيد للتقدم، وليس بديلاً عنه.

القصف الصاروخي الحوثي استهدف حتى المدنيين والنازحين في عدة محافظات يمنية (أ.ف.ب)

فالضربات الباليستية تستطيع، حتى من دون إصابة هدف عسكري نوعي، أن تفرض على الطرف المقابل حسابات إضافية؛ مثل حماية المراكز الخلفية، ومراقبة طرق الإمداد، وإعادة ترتيب القوات بعيداً عن خطوط القتال، وكلما اتسعت دائرة التهديد، زادت التكلفة المطلوبة للحفاظ على الجبهة الأمامية.

ويأتي كل هذا في ظلّ إصرار الجماعة على إطباق الحصار على المنطقة، والمحافظة بالتالي، من خلال التقدم من الجهة الشرقية، حيث جبهة حيفان والأحكوم والأكبوش، وغرباً في جبلي راسن وجرداد الاستراتيجيين اللذين تسعى، منذ أكثر من أسبوعين، للسيطرة عليهما.

واستهدفت الجماعة أكثر من مرة خلال سبتمبر، طريق هيجة العبد في مديرية المقاطرة القريبة لمدينة التربة، وهو الطريق الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة المؤقتة، ويعدّ الوحيد الذي تتنفس منه، خصوصاً عقب سقوط مدينة المخا أخيراً.

كل هذا يجعل من قصف التربة مختلفاً عن مجرد رد صاروخي؛ فالجماعة التي تحرك قواتها في محاور غرب تعز، تحتاج، في أي محاولة لتغيير موازين الأرض، إلى إبقاء القوات المقابلة تحت ضغط متعدد الاتجاهات، وفي هذا التكتيك، تسبق الصواريخ أي تحرك ميداني قد يربك العمق، ويختبر قدرة الجيش على حماية مسرح عملياته، قبل أن تتضح نتيجة التحرك البري.


الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
TT

الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)

لم يكن أمام أنور عبد الله سوى مغادرة منزله في محافظة الحديدة (غرب اليمن) برفقة زوجته وأطفاله الستة، بعدما اقتربت الهجمات الحوثية من محيطهم ليلة 10 سبتمبر (أيلول). لم يكن يعرف في البداية ما الذي يحدث، لكنه سرعان ما أدرك أن البقاء لم يعد خياراً.

يقول أنور، البالغ من العمر 29 عاماً: «لم نكن نعرف ما الذي كان يحدث، ثم أدركنا أن هناك قتالاً. أخذت أطفالي وزوجتي وجئنا إلى عدن. تركنا كل شيء وراءنا».

بدأت الأسرة رحلتها باتجاه المخا، قبل أن تواصل طريقها إلى عدن، تاركة منزلها وممتلكاتها وحياتها السابقة خلفها.

واليوم، تعيش الأسرة في مأوى مؤقت شمالي عدن، ولا تملك سوى القليل من الاحتياجات الأساسية. وحتى إعداد وجبة بسيطة أصبح مهمة يومية؛ إذ تضطر إلى استخدام الحطب للطهي بجوار المأوى بسبب افتقارها إلى أدوات الطهي الأساسية. لكن الوصول إلى مكان أكثر أمناً لم يضع حداً لمعاناة الأسرة. فبالنسبة لأنور وعائلته وآلاف النازحين الآخرين، بدأت بعد الفرار معركة جديدة تتعلق بكيفية الحصول على الرعاية الطبية عندما يمرض أحد أفراد الأسرة.

وتُعد أسرة أنور واحدة من آلاف الأسر التي وصلت إلى عدن خلال موجة النزوح الأخيرة، في أعقاب تجدد القتال على طول الساحل الغربي لليمن.

آلاف النازحين في اليمن بسبب الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الصحية (إعلام محلي)

وبحلول نهاية سبتمبر الماضي سجلت الحكومة اليمنية نزوح قرابة 200 ألف شخص، وفي ظل تدفق النازحين تستضيف أربعة مواقع في عدن ولحج نحو 6.500 شخص كانوا قد نزحوا إليها قبل وصول الموجة الأخيرة، في حين تضاعف عدد السكان في بعض هذه المواقع منذ ذلك الحين.

ولا تقتصر احتياجات هؤلاء على المأوى والغذاء. فالكثير منهم يحتاجون إلى العلاج، في وقت تقع فيه المرافق الصحية على مسافات تجعل الوصول إليها أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى أسر أنهكها النزوح والفقر.

وتوجد مواقع النازحين التي تزورها فرق منظمة «أطباء بلا حدود» على مسافة تتراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات من المرافق الصحية. وبينما قد تبدو هذه المسافة محدودة في الظروف العادية، فإنها تتحول إلى عقبة حقيقية أمام الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ومع نقص الوقود وارتفاع أسعاره، تصبح تكلفة الانتقال إلى المرافق الصحية، إضافة إلى أسعار الأدوية، فوق قدرة كثير من الأسر.

وتقول سارة غانم، مديرة أنشطة الصحة المتنقلة في «أطباء بلا حدود» في عدن: «نرى أطفالاً مرضى، ونساءً حوامل لا يستطعن الوصول إلى الرعاية الصحية، وأشخاصاً يعانون من جروح، وكباراً في السن يحتاجون إلى خدمات طبية، لكنهم يواجهون صعوبة في الوصول إليها».

مرضى بلا رعاية

في المواقع التي تزورها الفرق الطبية تظهر آثار الأزمة الصحية بين النازحين بصورة واضحة. فقد تعاملت الفرق مع حالات جروح وإصابات، وسوء تغذية، وحمى، وإسهال، إلى جانب أمراض معدية وغير معدية لم تتلقَّ العلاج. كما رصدت نساءً حوامل لم يحصلن على رعاية صحية خلال فترة الحمل، وأطفالاً يعانون من سوء تغذية حاد، وآخرين لم يستكملوا تطعيماتهم.

وأمام هذه الصعوبات، تحاول فرق «أطباء بلا حدود» نقل جزء من الرعاية الصحية إلى أماكن وجود النازحين، بدلاً من انتظار قدرتهم على الوصول إلى المراكز الطبية.

الكثير من الأسر اليمنية المشردة تعيش في مأوى مؤقت بانتظار وصول المساعدات (إعلام محلي)

وخلال الأسبوع الأول من الاستجابة الصحية المتنقلة، عاينت الفرق 427 مريضاً في أربعة مواقع بمديريتَي دار سعد والشيخ عثمان في عدن، ومديرية تبن في لحج.

وكان معظم المرضى من النساء والأطفال، في حين كان نحو 40 في المائة منهم قد نزحوا حديثاً بسبب التصعيد الأخير في تعز وعلى طول الساحل الغربي.

وتقدم الفرق استشارات طبية وفحوصات سريعة تشمل قياس مستوى الهيموغلوبين وسكر الدم، والكشف عن الملاريا وحمى الضنك، وفحوصات البول، إلى جانب التطعيمات الروتينية، والكشف عن سوء التغذية، واختبارات الحمل وتنظيم الأسرة.

وعندما يحتاج المرضى إلى رعاية إضافية، تعمل الفرق على إحالتهم إلى مرافق صحية قادرة على توفير العلاج اللازم.

نظام تحت الضغط

تأتي هذه الاستجابة في وقت يواجه فيه النظام الصحي اليمني ضغوطاً متراكمة، وفق «أطباء بلا حدود». وتقول غانم: «نرى ضغطاً هائلاً على نظام صحي ينهار بالفعل، ويواجه تحديات عديدة منذ سنوات».

ومع استمرار وصول النازحين، تواصل المنظمة تقييم المواقع التي تستضيفهم، وتقول إنها مستعدة لتوسيع نطاق استجابتها إذا ازدادت الاحتياجات الصحية.

الفرق الطبية المتنقلة تقدم خدمات متواضعة للمئات من الفارّين من تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

ولا تقتصر جهود «أطباء بلا حدود» على الفرق المتنقلة؛ إذ تدعم المنظمة منذ أبريل (نيسان) خدمات الرعاية الصحية الأولية في الفَرشة بريف لحج والبساتين في عدن.

وتشمل المناطق التي تخدمها المنشأتان أماكن يقيم فيها نازحون، سواء داخل مواقع النزوح أو وسط المجتمعات المحلية المضيفة.

وبالنسبة إلى عائلات مثل أسرة أنور، فإن الوصول إلى مكان آمن لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة النزوح. فبعد ترك المنازل والممتلكات، يصبح الحصول على العلاج والطعام ومقومات الحياة الأساسية جزءاً آخر من معاناة طويلة، لا تعرف الأسرة متى تنتهي.


تعز تصدّ هجمات حوثية متزامنة هي الأعنف منذ سنوات

عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)
عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)
TT

تعز تصدّ هجمات حوثية متزامنة هي الأعنف منذ سنوات

عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)
عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)

شهدت جبهات محافظة تعز اليمنية خلال الساعات الماضية موجة ضارية من القتال هي الأعنف منذ سنوات مع شن الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران هجمات متزامنة على محاور عدة، وفتحها جبهة جديدة من جهة مديرية سامع، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ضرباتها البرية والجوية واستهدفت تعزيزات وآليات ومواقع حوثية في تعز ولحج وشبوة ومحافظات أخرى.

وتزامن اتساع رقعة المواجهات مع إعلان القوات الحكومية تنفيذ 468 عملية استهداف ضد عناصر وعتاد الحوثيين في الجبهات الشرقية والبيضاء ومنطقة المنصورة في الوازعية غربي تعز، قالت إنها أسفرت عن مقتل وجرح المئات وتدمير معدات وآليات عسكرية.

وتشير التطورات الميدانية إلى انتقال القتال في تعز إلى نمط أكثر اتساعاً، بعدما حاول الحوثيون الضغط على مواقع القوات الحكومية في أكثر من اتجاه، من الجبهة الشمالية للمدينة وشرقها، إلى محاور جبل حبشي ومقبنة والأقروض وسامع، بالتزامن مع استمرار المواجهات في الجبهات الغربية والجنوبية الغربية.

وقال المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري إن القوات الحكومية خاضت معارك عنيفة في بني بكاري بمديرية جبل حبشي، وحمير بمديرية مقبنة، والأقروض جنوب شرقي المحافظة، مؤكداً تكبيد الحوثيين خسائر في الأرواح والعتاد.

قوات الحكومة اليمنية تخوض مواجهات ضارية لمنع الحوثيين من التوغل في تعز (إعلام عسكري)

وفي الجبهة الشمالية، أفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية تصدت لهجوم واسع للحوثيين في منطقة الأربعين، بالتزامن مع إحباط محاولات تسلل في الكريفات وعقبة منيف والتشريفات شرقي مدينة تعز.

وامتدت المواجهات إلى جبهة الشقب في مديرية صبر الموادم، بينما استمر القصف المدفعي المتبادل بكثافة على الجبهة الشرقية للمدينة.

وفي تطور لافت، دخلت جبهة سامع على خط المواجهات المكثفة، وسط إفادات محلية عن تراجع العناصر الحوثية بعد تعرضها لضربات برية، ومقتل وإصابة عشرات من عناصرها، إضافة إلى اغتنام القوات الحكومية بعض العتاد العسكري.

كما تعرضت مناطق مأهولة للقصف الحوثي، إذ قالت مصادر محلية إن الجماعة أطلقت 23 قذيفة هاون على قرى في منطقة الضباب غربي تعز، وسط حالة من الخوف بين السكان.

وفي المقابل، قال المركز الإعلامي لمحور تعز إن الطيران المسيّر استهدف مواقع حوثية في جبهة الكدحة، ودمر مدفعاً عيار 120 ملم وأحرق مخزناً للذخيرة، بينما قصفت القوات مواقع وتجمعات للجماعة في جبل غراب وتبة ياسين والأشروح وعصيفرة والصلو.

ضربات جوية واسعة

تزامنت المعارك مع تكثيف الغارات الجوية على مواقع الحوثيين في تعز ومناطق أخرى. وأفادت المصادر بأن الطيران الحربي نفذ غارات على مواقع وآليات حوثية في جبهات الأكبوش والأحكوم وحيفان جنوب شرقي تعز، بالتزامن مع ضربات استهدفت مواقع للجماعة في الوازعية غربي المحافظة.

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات الحكومية نفذت عمليات استهداف دقيقة طالت تعزيزات وأسلحة ومعدات حوثية، بينها ثلاث بطاريات مدفعية في جبهة الوازعية، ومنظومة دفاع جوي متنقلة قال إن خبراء إيرانيين طوروها في المخا، إضافة إلى استهداف قيادات وعناصر حوثية في المنصورة ومنطقة باب المندب.

قدرات الحوثيين تتعرض لضربات جوية مكثفة في جبهات القتال كافة (رويترز)

كما أعلن النزيلي في وقت سابق تنفيذ 468 عملية استهداف في ثلاث جبهات، بينها الوازعية، وقال إن العمليات أسفرت عن مقتل وجرح المئات من عناصر الحوثيين وتدمير معدات وآليات تابعة لهم.

وتأتي هذه الضربات ضمن تصعيد عسكري أوسع امتد إلى محافظات صعدة وعمران ومأرب والحديدة وتعز، مع تقارير عن استهداف مواقع ثابتة ومتحركة ومخازن أسلحة وبطاريات وشبكات اتصالات وتعزيزات حوثية.

جبهات ممتدة

لم تقتصر المواجهات على تعز، إذ شهدت الحدود الغربية لمحافظة لحج مع تعز اشتباكات في منطقة الأغبرة الواقعة على أطراف مديرية المضاربة والعارة، بالتزامن مع إعلان القوات العسكرية والقبائل استعادة أجزاء من منطقة المنصورة.

وفي شبوة، أعلنت «قوات دفاع شبوة» إحباط محاولات هجومية وعمليات تسلل حوثية في أربع جبهات هي حريب وعين وبيحان ومرخة العليا، وقالت إن الحوثيين تكبدوا خسائر وأجبروا على التراجع، بالتزامن مع ضربات نفذتها طائرات مسيّرة ضد مواقع وتحركات للجماعة.

عناصر من القوات الحكومية اليمنية حيث تدور المعارك ضد الحوثيين في تعز (رويترز)

ويعكس تزامن هذه العمليات اتساع نطاق المواجهة خارج محاور تعز المباشرة، في وقت تستمر فيه القوات الحكومية في محاولة تثبيت خطوطها الدفاعية ومنع الحوثيين من تحقيق اختراقات جديدة على الجبهات المتصلة بالساحل الغربي ومداخل تعز ولحج.

وبالتوازي مع التطورات العسكرية، بدأت الحكومة اليمنية ترجمة توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن التعبئة العامة والنفير العام إلى ترتيبات عملية.

ففي عدن، عقد وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي اجتماعاً عسكرياً لمناقشة الإجراءات المطلوبة ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق بين الجهات المعنية، مؤكداً أن مواجهة الحوثيين، وفق موقف الحكومة، تتطلب تكامل المؤسسة العسكرية مع مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.

كما عقد نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر اجتماعاً مع اللجان التي شكلها وزير الدفاع، لمناقشة آليات تنفيذ توجيهات التعبئة العامة وتحديد المهام والمسؤوليات، بما يشمل حشد الموارد البشرية والمادية وتعزيز التنسيق بين الجهات المختلفة.