عودة حذرة للمسارح وقاعات الموسيقى في نيويورك

TT

عودة حذرة للمسارح وقاعات الموسيقى في نيويورك

بدأت ساعات اليوم تبدو أكثر طولاً، في الوقت الذي يستمر ارتفاع أعداد أبناء نيويورك الذين تلقوا اللقاح ضد فيروس «كوفيد - 19»، يوماً بعد آخر. والآن، وبعد ما يزيد على عام على تسبب جائحة فيروس «كورونا» المستجد في إغلاق دور المسرح وقاعات الحفلات الموسيقية عبر أرجاء المدينة، وإغلاق أضواء شارع «برودواي» الشهير والنوادي الكوميدية على حد سواء، بدأت الفنون التعبيرية في العودة.
ومثلما الحال مع الزهور التي تتفتح أوراقها وقت الربيع، بدأت أصوات الموسيقى والرقص تعلو وأبواب المسارح والنوادي الكوميدية تعيد فتح أبوابها على استحياء خلال الأسبوع الماضي، وذلك بعد صدور قرار بالسماح لها بإعادة فتح أبوابها والسماح بدخول أعداد محدودة من الجمهور -وفي أغلب الحالات، تعد هذه المرة الأولى التي يُسمح خلالها بذلك منذ مارس (آذار) 2020. الأمر الذي أقدم على فعله الكثيرون بالفعل.
وبدأت الجماهير في العودة هي الأخرى. على سبيل المثال، مع التزامهم بارتداء أقنعة حماية الوجه وملء استبيانات صحية، بدأت الجماهير في العودة إلى مسرح يقع خارج «برودواي» في يونيون سكوير، تحديداً «كوميدي سيلار» في غرينويتش فيليدج لمشاهدة عرض موسيقي حي. كما أضاءت أنوار «برودواي» من جديد بفضل الراقص سافيون غلوفر والممثل ناثان لين اللذين اضطلعا بتقديم عرض تعبيري داخل مسرح سانت جيمس، في الوقت الذي قدم جيري سينفيلد عرضاً واقفاً في تشيلسي.
وزار مراسلون من «نيويورك تايمز» بعض أول العروض الأدائية التي جرى تقديمها داخل أماكن معلقة وتحدثوا إلى بعض أفراد الجمهور والعاملين. وفيما يلي ما قالوه.

- عرض صوتي خارج «برودواي»
كان الوقت ظهيرة يوم جمعة، توقيت غير معتاد لعرض فني، ومع ذلك شهد افتتاح عرض «العمى» في مسرح «داريل روث». وجرى السماح لقرابة 60 شخصاً فقط بالحضور. واصطف أفراد الجمهور على طول رصيف شارع «إيست 15»، وحرصوا على الوقوف على نقاط خضراء.
بعد ذلك، وصل العمدة بيل دي بلاسيو ليضيف بذلك عنصراً من البهاء والفخامة على ما كان بخلاف ذلك مجرد عرض صوتي خارج «برودواي». أما موظفو المسرح، فقد ارتدوا سترات ذات لون أخضر زمردي وأغطية وجه باللون ذاته أخفت خلفها ابتسامات انعكست على عيونهم. وعلى مدار قرابة 10 دقائق، بدا المشهد بالقرب من يونيون سكوير مزيجاً ما بين فعالية مرتبطة بحملة انتخابية وعرض أول لأحد أفلام هوليوود.
من جهته، قال دي بلاسيو بينما كان يقف على درجات مدخل مسرح «داريل روث»: «إنها لحظة قوية حقاً، فالمسرح يعود إلى مدينة نيويورك والستار يرتفع من جديد، وثمة شيء مذهل يتحقق».
ووقف العمدة إلى جوار المنتجة داريل روث، التي يحمل المسرح اسمها، لتحية الجماهير الذين وقفوا في انتظار الدخول. ووجه البعض منهم الشكر للعمدة عن جهوده للمعاونة في عودة الفنون التعبيرية. وطلب بعضهم التقاط صور «سيلفي»، بينما تبادل آخرون التحية بتلامس المرفقين أو الرسغين. وكان من بين مرتادي المسرح مَن كانوا يحتفلون بأعياد ميلاد، وآخرون يتوقون لأن ينشروا تجربتهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب مدير فني واحد من سان فرنسيسكو يُجري بعض الأبحاث حول السلامة استعداداً لافتتاح المسرح الخاص به.
ولدى دخول الجمهور المسرح، رفعوا معاصمهم باتجاه آلة تتحقق من درجة حرارة أجسادهم. وتولى أحد العاملين بالمسرح توجيههم نحو مقاعدهم والتي انتشرت تحت متاهة من أنابيب الفلورسنت. وبمجرد أن استقر الجميع في مقاعده، انطلقت رسالة ترحيب من مكبرات الصوت، قوبلت بموجة تهليل من الجمهور.
وأخرج أفراد الجمهور سماعات رأس من أكياس محكمة الإغلاق معلقة على مقاعدهم ووضعوها على آذانهم. وعقد زوجان أيديهما معاً، وأغمض رجل آخر عينيه، ليبدأ عرض «العمى»، وهو عرض صوتي للرواية التي أبدعها خوسيه ساراماغو الحائز على جائزة «نوبل».
وعلى امتداد الدقائق الـ75 التالية، سمع أفراد الجمهور عن مدينة ابتُليت بوباء العمى. ولفترات طويلة، ظل أفراد الجمهور منغمسين في مقاعدهم في ظل ظلام دامس، لكن في نهاية العرض ظل هناك بصيص من الضوء.
من جهته، قال دين ليزلي، 58 عاماً، بعد العرض: «بدا الأمر مألوفاً للغاية. ومن بين اللحظات التي تركت صدى كبيراً بداخلي هي هذه اللحظة - عندما عدت إلى الشارع».
وأضاف: «شعرت أنه شيء نعايشه الآن».

- داخل «كوميدي سيلار»
اتصل أحد أفراد الأمن بزميل له ونبّه عليه قائلاً: «تأكد من أنهم يلتزمون بإجراءات التباعد الاجتماعي»، في الوقت الذي كانت مجموعات من الأفراد تنزل إلى الطابق السفلي في مسرح «كوميدي سيلار» الذي اتسم بإضاءته الخافتة.
في نهاية المطاف، استقر نحو 50 فرداً من الجمهور -كانت غالبيتهم تنتمي إلى العشرينات من العمر ويتمتعون بذكاء كافٍ مكّنهم من شراء التذاكر عبر الإنترنت- حول طاولاتهم في أول عرض مباشر داخل المسرح منذ ما يزيد على العام.
وفجأة، قفز مضيف العرض، جون لاستر، إلى خشبة المسرح وقال بصوت يحمل نبرة انتصار: «كوميدي سيلار، كيف تشعر؟»، أما الجمهور، فقد خلع بعضهم أقنعة حماية الوجه بمجرد وصولهم إلى طاولاتهم، بينما ظل آخرون مرتدين لها حتى وصول ما طلبوه من طعام وشراب.
وبدت الجائحة موضوعاً حتمياً يفرض نفسه، وخيّم بظلاله على كل من كانوا في القاعة. واستفسر لاستر من أفراد الجمهور، عن الأماكن التي فرّوا إليها خلال أشهر الجائحة.
جدير بالذكر أنه جرى السماح بدخول عدد من الجماهير تعادل ثلث سعة المكان فقط، ومع ذلك ملأت ضحكات أصوات الحاضرين أرجاء المكان وتحدث الممثلون الكوميديون إلى أفراد الجمهور كما لو كانوا أصدقاء قدامى التقوهم أخيراً بعد عام من الانفصال.

- ليلة من الموسيقى
قرب الثلث الأخير من الأداء الذي مزج الصوت المحيط بالتشيلو الكلاسيكي والغناء الأوبرالي وموسيقى البوب وغير ذلك، ظهرت كيسي لو، في زيٍّ زهريّ اللون معلنةً أن «الربيع جاء».
وتعالت الضحكات من الجماهير الذين كانوا جالسين داخل قاعة «ماكورت» في مسرح «شيد» الذين بلغ عددهم قرابة 150 فرداً. وبعد انتهاء لو من عرضها، أقدم أفراد الجمهور على فعل شيء حُرموا من فعله داخل مكان مغلق منذ ما يزيد على العام: الوقوف لتوجيه تحية حارة.
عن ذلك، قال جيل بيريز، كبير المسؤولين عن شؤون تجربة الزوار: «كان بإمكان المرء الشعور بذلك: الإثارة والمتعة والطاقة المنبعثة من عرض حي - لا شيء يضاهي ذلك».
جدير بالذكر أن قاعة «ماكورت»، والتي تتميز بمرونتها ويمكن تحويلها إلى مكان مغلق أو مفتوح حسب الحاجة، تبلغ مساحتها 17000 قدم مربعة ومزودة بنظام رفيع المستوى لتنقية الهواء. ودخل أفراد الجمهور المسرح من المداخل التي تقودهم مباشرةً إلى قاعة «ماكورت»، وجرى فحص درجات حرارتهم على الفور. وجرى الاعتماد على برامج رقمية على الهواتف الذكية متصلة برمز شريطي على أذرع المقاعد، والتي جرى ترتيبها فرادى وأزواج متباعدة على بُعد 12 قدماً تقريباً من المسرح و6 أقدام أو أكثر بعضها من بعض.
وسجل الموظفون وصول الجماهير باستخدام كومبيوترات لوحية. كما اضطر أفراد الجمهور لإبراز ما يفيد حصولهم على لقاح ضد فيروس «كورونا» المستجد أو نتيجة سلبية لاختبار الفيروس. وبمجرد انتهائهم من هذه الإجراءات، صعد أفراد الجمهور إلى المدخل المحدد بوقت معين: واحد في تمام 7:40 مساء، وآخر بعد 10 دقائق.
في هذا الصدد، قالت روكسان دوبس، 37 عاماً، التي تعمل ساعية بريد: «أنا واحدة من العمال الأساسيين وكنت أعمل طوال الفترة الماضية. لذا، من الممتع أن أتمكن من الخروج والاستمتاع بالوقت».
وأضاف زوجها، إيان بلومان: «أشعر كأننا نقف على أعتاب حقبة جديدة في نيويورك».
وقبل العرض وبعده، التقى البعض مع أصدقاء قدامى وتوقفوا بعض الوقت لتبادل أطراف الحديث. وهنّأت سيدة أخرى على تلقيها اللقاح، بينما انحنى رجل على آخر وقال: «هذا لطيف للغاية!».
من ناحيته، قال أليكس بوتس، المدير الفني والرئيس التنفيذي لـ«شيد»، فقال إن «العاطفة غلبتني» مع اقتراب المساء، وورد على خاطره وصف لو للربيع وصحوته. وقال: «كانت أمسية رائعة للغاية. لقد افتقدت هذا الأمر كثيراً».
-خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مسرحية «جوغينغ» في عامها العاشر تواصل تجوالها بنجاح

يوميات الشرق الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ  (الشرق الأوسط)

مسرحية «جوغينغ» في عامها العاشر تواصل تجوالها بنجاح

كلّما بلغت السوداوية ذروتها، تجد الفنانة لمتفرّجها متنفَّساً صغيراً يُخرجه من كمده...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

بأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)

التوتر المزمن قد يسرّع شيخوختك... 4 نصائح لتخفيف تأثيراته

تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)
تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)
TT

التوتر المزمن قد يسرّع شيخوختك... 4 نصائح لتخفيف تأثيراته

تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)
تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)

قد يكون الشعور بالتوتر من حين إلى آخر جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لكن استمراره لفترات طويلة قد يترك آثاراً تتجاوز الحالة النفسية، ليزيد خطر الإصابة بمشكلات صحية، مثل القلق، وارتفاع ضغط الدم، وصولاً إلى النوبات القلبية. وتشير خبيرة في الشيخوخة إلى أن التوتر المزمن قد يؤثر أيضاً في صحة الخلايا، ويسرّع عملية الشيخوخة، مؤكدة أن بعض التغييرات البسيطة في نمط الحياة قد تساعد على الحد من هذه التأثيرات.

وفي حلقة حديثة من برنامج «10 في المائة Happier» (أكثر سعادة بنسبة 10 في المائة)، الذي يقدمه دان هاريس، شرحت إليسا إيبل، مؤلفة كتاب «وصفة التوتر» (The Stress Prescription) والخبيرة في مجالي العافية والشيخوخة، كيف يمكن للتوتر المزمن أن يؤثر في صحة خلايا الجسم، ويسرّع عملية الشيخوخة، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وقال هاريس: «كما تشير ضيفتي اليوم، فإن خلاياك (تستمع) إلى تفاصيل حياتك؛ فإذا أجريت تعديلات على نمط حياتك، فستستجيب خلاياك وفقاً لذلك».

كيف يؤثر التوتر المزمن في شيخوخة الخلايا؟

أوضحت إيبل أن الكروموسومات الموجودة داخل كل خلية من خلايا الجسم تتمتع بأغطية واقية عند أطرافها، تُعرف باسم «التيلوميرات» (Telomeres).

وأضافت: «هذه التيلوميرات لا تحب التوتر؛ إذ يمثل التوتر تهديداً لها، لأنه قد يتسبب في تلف الحمض النووي (DNA) لدينا، ما يؤدي إلى ظهور مشكلات بيولوجية متنوعة».

وبيّنت أن التيلوميرات، وهي النهايات الواقية للكروموسومات، تقصر بصورة طبيعية مع التقدم في العمر، لكن هذه العملية قد تتسارع عندما يتعرض الأشخاص للتوتر بصورة متكررة.

وقالت إيبل: «إن التوتر المزمن، عندما يستمر لسنوات طويلة أو حتى عقود دون إدارته بصورة جيدة، أو الحصول على فترات كافية من الراحة، يؤدي إلى تسريع وتيرة الشيخوخة».

وأضافت: «بما أننا نعلم الآن أن التيلوميرات موجودة في كل خلية من خلايانا، وأنها تتأثر بأفكارنا، ومشاعرنا، وتستجيب لنمط حياتنا، فإن ذلك يدفعنا إلى الاهتمام بها، والحفاظ عليها».

4 طرق لتخفيف التوتر والعيش حياة أطول وأكثر صحة

تشير إيبل إلى أن تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية التي نواجهها، لكنها تؤكد أن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الذي يلحق بالتيلوميرات نتيجة التوتر المزمن.

وفيما يلي أربع ممارسات توصي بإدخالها إلى الروتين اليومي للمساعدة على تخفيف التوتر، والتأثير إيجاباً في التيلوميرات:

1. تناول المزيد من الفواكه والخضراوات

زيادة كمية الفواكه والخضراوات في النظام الغذائي اليومي.

2. تخصيص فترات قصيرة للتأمل

الحرص على أخذ فترات راحة قصيرة يومياً، حتى لو لم تتجاوز خمس دقائق، لتهيئة حالة من الهدوء، والتأمل، أو ممارسة التأمل بصورة منتظمة.

3. زيادة تناول أحماض «أوميغا 3»

إضافة المزيد من أحماض «أوميغا 3» إلى النظام الغذائي، أو تجربة اتباع حمية البحر الأبيض المتوسط.

4. إعطاء الأولوية للراحة العميقة

ممارسة أنشطة تساعد على تحقيق الانسجام بين العقل والجسم، والوصول إلى حالة من الراحة العميقة، مثل اليوغا، أو تمارين التنفس.

وتؤكد إيبل أن هذه الخطوات لا تستلزم تغييرات كبيرة في أسلوب الحياة، قائلة: «إنها تغييرات بسيطة يمكننا القيام بها؛ فهي لا تتطلب تعديلات جذرية في نمط الحياة، وهذه هي التغييرات التي يمكننا الاستمرار في اتباعها، والحفاظ عليها لسنوات طويلة».


متى تبقى في وظيفتك ومتى ترحل؟

يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)
يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)
TT

متى تبقى في وظيفتك ومتى ترحل؟

يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)
يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)

تتطلب بيئة العمل الصحية أن يتمكن الموظفون من التعبير عن مخاوفهم، وطرح الأسئلة، والإبلاغ عن المشكلات دون خشية التعرض للعقاب، أو الانتقام. لكن عندما يقابل المديرون هذه المحاولات بالتوبيخ، أو التجاهل، فقد يتحول مكان العمل إلى بيئة ضاغطة تؤثر سلباً في أداء الموظفين، وصحتهم النفسية، وتدفعهم إلى التفكير في الرحيل. فكيف يمكن التعامل مع هذه الأوضاع، ومتى يصبح البحث عن وظيفة أخرى هو الخيار الأفضل؟

إن ثقافة العمل التي تقوم على اعتبار الوظيفة الأولوية الأولى في حياة الموظفين، قبل كل شيء آخر، تدفعهم إلى تراكم الغضب من الوظيفة. فكثيراً ما كان يُتوقع منهم البقاء بعد ساعات العمل لمعالجة مشكلات طارئة، وغير متوقعة، بصرف النظر عن مدى توافرهم.

ما الأمان النفسي في مكان العمل؟

يشير مفهوم الأمان النفسي، الذي درسَته أستاذة جامعة هارفارد الدكتورة إيمي إدموندسون على نطاق واسع، إلى اعتقاد مشترك بين أعضاء الفريق بأن بإمكانهم التعبير عن آرائهم في مكان العمل، وطرح وجهات نظر مخالفة، أو إثارة المخاوف، من دون الخشية من الانتقام، أو العقاب، وفق موقع (سيكولوجي توداي).

ويمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة، وطلب المساعدة، والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة. وفي دراسة تأسيسية شملت 51 فريقاً في أماكن العمل، وجدت إدموندسون عام 1999 أن الأمان النفسي يرتبط بسلوكيات التعلم داخل الفرق، مثل طلب الملاحظات، ومناقشة الأخطاء، وطلب المساعدة. وهذه تفاعلات يومية تتيح للموظفين التعلم، وأداء مهامهم بفاعلية.

لكن ماذا يحدث عندما يفتقر مكان عملك إلى الأمان النفسي؟ وماذا لو اقترن ذلك بغياب الحدود الفاصلة بين العمل والحياة الشخصية؟ كيف تعرف ما إذا كان عليك الاستمرار في العمل لدى شركة ما؟ أم أن الوقت قد حان للرحيل؟ هناك بعض الأسئلة التي يمكن أن تساعدك على اتخاذ القرار.

ماذا يحدث عندما تثير إحدى المشكلات؟

هل يستمع إليك مديرك ويطرح الأسئلة؟ أم يستجيب برد فعل متسرع، ويلجأ إلى السخرية أو الغضب أو الانتقام؟ لا يوجد أحد كامل. فقد يكون من الصعب على القادة، حتى مع أفضل النيات، تقبّل الانتقادات. لكن بعد أن تتاح لهم فرصة التفكير فيها، هل يعودون إلى مناقشة المشكلة ومعالجتها؟ أم ينتهي الأمر بالتجاهل أو التهرب من المسؤولية أو الانتقام؟

هل توجد مؤشرات على إمكانية التغيير؟

عندما تُثار مشكلة، هل تتخذ الإدارة خطوات فعلية لمتابعتها؟ وهل تظهر تغييرات مستمرة في السلوك، بدلاً من مجرد وعود تُقدَّم بعد تهديد أحد الموظفين بالاستقالة؟

في الأوساط الأكاديمية والحكومية وغيرها من المؤسسات الكبيرة، قد يكون التغيير بطيئاً. فلا يمكن توقع تغيير فوري في السياسات أو الإجراءات دائماً، خصوصاً عندما يتطلب الأمر اتخاذ القرارات بصورة جماعية. لكن هل بدأت الخطوات الفعلية للتغيير؟ إن سرعة التغيير مهمة، لكن الأهم أيضاً هو ما إذا كان هناك أي تقدم ملموس من الأساس.

ما الخيارات المتاحة داخل المؤسسة؟

هل يوجد مدير آخر يمكنك العمل تحت إشرافه، أو فرصة للانتقال من القسم أو الوحدة التي تعاني مشكلات إلى أخرى تسير فيها الأمور بصورة أفضل؟ وهل يمكنك الانتقال إلى فريق آخر أو تغيير مسؤولياتك بحيث تعمل مع أشخاص مختلفين أو تقدم تقاريرك إلى مدير آخر؟ وهل يوجد شخص يمكنه مساندتك في هذا الموقف، مثل مشرف أو مدير آخر يستطيع التوسط لحل المشكلة؟

ما الثمن الذي تدفعه مقابل الاستمرار؟

تمنحنا الأبحاث أسباباً تدعو إلى التعامل بجدية مع التكاليف المترتبة على العمل في بيئة سيئة. فقد وجد تحليل تلوي أجراه شينز وشيلينغ عام 2013 أن القيادة الهدامة ترتبط بتراجع رفاه الموظفين، وانخفاض أدائهم، وزيادة رغبتهم في ترك العمل. ويمكن أن تتجاوز آثار بيئة العمل الصعبة مجرد شعورك تجاه مديرك.

فكر في ثقتك بنفسك، وصحتك النفسية والجسدية، وعلاقاتك، وقدرتك على إنجاز عمل تشعر بالرضا عنه. إذا كنت تحب وظيفتك وتشعر بالشغف تجاه ما تقوم به، فقد تكون مستعداً لتحمل بعض المشكلات، مثل العمل حتى ساعات متأخرة من حين إلى آخر، أو تعرضك أحياناً لردود فعل حادة من مديرك.

لكن إذا كانت الوظيفة تقوض ثقتك بنفسك، وتضر بعلاقاتك خارج العمل، لأن ساعات العمل الإضافية الإلزامية تجبرك على إلغاء خططك، والتغيب عن المناسبات الاجتماعية، فقد يكون الوقت قد حان للتفكير في الثمن الذي تدفعه على مستوى حياتك ككل.

نادراً ما يكون ترك الوظيفة أمراً سهلاً، خصوصاً إذا كنت قد حصلت على «وظيفة أحلامك»، وكان سوق العمل يعاني شح الفرص، ما يجعلك تشعر بأن البدائل محدودة. كما أن إدراكك أن وقت الرحيل قد حان لا يعني بالضرورة أنك قادر مالياً أو عملياً على المغادرة فوراً. فقد يعني ذلك البدء في استكشاف الخيارات المتاحة، ووضع خطة.

وتقول آشلي سي. جوردان، أستاذة علم النفس في جامعة أريزونا، وفق موقع (سيكولوجي توداي): «لا أنصح بترك الوظيفة عند أول علامة على وجود مشكلة. فعندما يكون ذلك آمناً ومعقولاً، امنح مديرك ومكان عملك فرصة لتصحيح الأمور. لكن إذا لم تُؤخذ مخاوفك على محمل الجد، وبدا أن التغيير الحقيقي غير مرجح، ففكر فيما تمنحك إياه الوظيفة، مثل الراتب، والشعور بالهدف، والفرص المتاحة، وفي المقابل، ما تسلبه منك، مثل التوازن بين العمل والحياة الشخصية، والثقة بالنفس، والصحة، والعلاقات». وتتابع: «صحيح أن العمل قد يمر بفترات مزدحمة أو صعبة. لكن إذا كانت الكفة تميل باستمرار لصالح العمل على حساب صحتك وحياتك خارجه، فقد يكون الوقت قد حان لإجراء تغيير».


قد يؤيد أفكارك ويتجاهل أعراضاً خطيرة... مخاطر استشارة الذكاء الاصطناعي نفسياً

شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
TT

قد يؤيد أفكارك ويتجاهل أعراضاً خطيرة... مخاطر استشارة الذكاء الاصطناعي نفسياً

شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)

يتزايد اعتماد الأطفال والبالغين على روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة والدعم النفسي، بدلاً من اللجوء إلى المختصين في بعض الحالات. ورغم ما قد توفره هذه الأدوات من مساعدة في فهم المشاعر وإعادة صياغة الأفكار، يحذّر خبراء من مخاطر استخدامها بديلاً عن الرعاية النفسية المتخصصة، خصوصاً أنها قد تؤيد أفكار المستخدم دون تمحيص، أو تفشل في رصد أعراض تشير إلى اضطرابات نفسية خطيرة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وكشفت بيانات استطلاع شمل ألفي طفل بريطاني، تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، أجرته مؤسسة «بارناردو» والجمعية الوطنية للاستشارات والعلاج النفسي، أن 43 في المائة منهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة أو الدعم النفسي.

ويبدو أن البالغين يتجهون نحو النمط نفسه؛ إذ أظهر «مؤشر بوبا للرفاهية لعام 2026» أن ما يقرب من 3 من كل 5 بالغين، أي 57 في المائة، يختارون حالياً روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلاً من حجز موعد مع طبيب عام، بسبب ضيق الوقت.

وترتفع هذه النسبة إلى 65 في المائة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، وإلى 61 في المائة لدى الفئة العمرية بين 25 و34 عاماً.

وفي هذا السياق، تحدث الدكتور دانييل مسعود، استشاري الطب النفسي في مركز «سنترال هيلث لندن» (Central Health London)، والمتخصص في الطب النفسي العام للبالغين وعلاج الإدمان، عن الدوافع والفوائد والمخاطر المرتبطة بالاعتماد على هذه التقنيات للحصول على الدعم النفسي.

روبوتات الدردشة قد تبالغ في تأييد المستخدم وتفتقر إلى الموضوعية

من أبرز المخاطر التي يشير إليها مسعود أن نماذج الذكاء الاصطناعي مصممة لتكون تفاعلية وتميل إلى موافقة المستخدم على آرائه، بدلاً من التشكيك فيها أو إخضاعها للتقييم الموضوعي.

ويقول: «نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، مثل (تشات جي بي تي)، مُدرَّبة على تأييد وجهة نظرك؛ لذا فهي لا تشكك بالضرورة في المعلومات التي تقدمها لها».

ويوضح بمثال: «إذا قلت لها: (أنا قلق من أن أمي تحاول تسميمي)، فستتعامل مع ذلك على أنه حقيقة، وستقدم لك نصائح بناءً عليه».

ويضيف: «وبالتالي، فإنها تقدم المشورة انطلاقاً من منظور المريض أو المعلومات التي يرويها، بدلاً من تبنّي رؤية أكثر موضوعية. وفي المقابل، من المرجح أن يكون الطبيب النفسي البشري أكثر فضولاً وتدقيقاً في المعلومات المطروحة، وقد يتساءل عما إذا كان الشخص يعاني من جنون الارتياب (البارانويا)، أو ربما من حالة ذهانية».

احتمال عدم اكتشاف أعراض نفسية مهمة

يحذّر مسعود أيضاً من احتمال أن تفشل روبوتات الدردشة في التعرف على أعراض قد تشير إلى مشكلات نفسية تستدعي تدخلاً متخصصاً.

ويقول: «تعتمد روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على المنطق والأوامر التي تتلقاها، وهي ليست مُدرَّبة على التعرف على الأنماط المرتبطة بحالات الصحة النفسية المحددة».

ويضيف: «ما يحدث أحياناً هو أن أعراضاً مهمة، كان من الممكن التعامل معها عبر المسارات المخصصة لخدمات الصحة النفسية، تضيع ولا يجري رصدها».

ويتابع: «سيكون أمراً رائعاً لو تمكنت النماذج اللغوية الكبيرة من اكتشاف مشكلات الصحة النفسية الخطيرة بصورة أفضل، مثل الذهان. لكنني اختبرت ذلك بنفسي، وأدخلت أوامر قد تشير إلى وجود مرض، ومع ذلك لم تنجح الروبوتات في اكتشافه».

غياب الوضوح بشأن تدابير الحماية

من بين المخاوف الأخرى التي يثيرها الطبيب النفسي عدم وضوح الإجراءات الوقائية التي تعتمدها الشركات المطوّرة لأنظمة الذكاء الاصطناعي عند التعامل مع حالات الاضطرابات النفسية الشديدة.

ويحذّر مسعود قائلاً: «لا يوجد وضوح كافٍ بشأن تدابير الحماية التي تضعها الشركات المطوّرة لهذه النماذج اللغوية الكبيرة للتعامل مع حالات الأمراض النفسية الشديدة».

خطر تكوين علاقة زائفة مع روبوت الدردشة

يشير مسعود إلى أن بعض المستخدمين قد يطوّرون ارتباطاً عاطفياً بروبوتات الدردشة، إلى درجة تصبح معها هذه الأدوات أشبه بطرف ثالث في علاقاتهم الشخصية.

ويقول: «قد يطوّر بعض الأشخاص علاقات مع روبوتات الدردشة الخاصة بهم، لدرجة أنها تصبح أشبه بطرف ثالث في علاقاتهم الشخصية».

ويضيف: «من الصعب جداً وضع حدود صارمة بشأن مدى ملاءمة اعتماد الشخص على هذا النموذج للحصول على الدعم؛ فأحياناً يستخدم الأشخاص هذه الروبوتات بديلاً عن العلاج النفسي، ويطرحون عليها أسئلة عميقة للغاية، في حين أنها لا تمتلك بالضرورة الخبرة أو الإجابات المناسبة للتعامل مع مثل هذه الأمور».

فوائد محتملة في فهم المشاعر وإعادة صياغة الأفكار

رغم هذه المخاطر، يرى مسعود أن روبوتات الدردشة قد توفر بعض الفوائد في مجال الدعم النفسي العام، لا سيما عندما يواجه الأشخاص صعوبة في التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم.

ويقول: «في بعض الأحيان، قد لا يمتلك المرضى القدرة اللغوية للتعبير بوضوح عما يمرون به، أو عما يفكرون فيه ويشعرون به. وهنا قد يساعدهم التحدث إلى روبوت الدردشة في فهم وجهة نظرهم الخاصة وترتيب مشاعرهم».

ويشير إلى أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد الأفراد، في ظروف مناسبة، في إعادة صياغة أفكارهم وتبنّي ما يُعرف بـ«عقلية النمو».

ويوضح: «يمكن لهذه الروبوتات أحياناً مساعدة الأشخاص في إعادة صياغة الأفكار الصعبة التي قد تراودهم؛ فعلى سبيل المثال، إذا اعتقد شخص أن مديره يكرهه، أو واجه موقفاً صعباً في العمل، يمكن لروبوتات الدردشة غالباً تقديم نصائح بسيطة بشأن كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف مستقبلاً، والاستفادة منها لتحقيق النمو الشخصي».