عودة حذرة للمسارح وقاعات الموسيقى في نيويورك

TT

عودة حذرة للمسارح وقاعات الموسيقى في نيويورك

بدأت ساعات اليوم تبدو أكثر طولاً، في الوقت الذي يستمر ارتفاع أعداد أبناء نيويورك الذين تلقوا اللقاح ضد فيروس «كوفيد - 19»، يوماً بعد آخر. والآن، وبعد ما يزيد على عام على تسبب جائحة فيروس «كورونا» المستجد في إغلاق دور المسرح وقاعات الحفلات الموسيقية عبر أرجاء المدينة، وإغلاق أضواء شارع «برودواي» الشهير والنوادي الكوميدية على حد سواء، بدأت الفنون التعبيرية في العودة.
ومثلما الحال مع الزهور التي تتفتح أوراقها وقت الربيع، بدأت أصوات الموسيقى والرقص تعلو وأبواب المسارح والنوادي الكوميدية تعيد فتح أبوابها على استحياء خلال الأسبوع الماضي، وذلك بعد صدور قرار بالسماح لها بإعادة فتح أبوابها والسماح بدخول أعداد محدودة من الجمهور -وفي أغلب الحالات، تعد هذه المرة الأولى التي يُسمح خلالها بذلك منذ مارس (آذار) 2020. الأمر الذي أقدم على فعله الكثيرون بالفعل.
وبدأت الجماهير في العودة هي الأخرى. على سبيل المثال، مع التزامهم بارتداء أقنعة حماية الوجه وملء استبيانات صحية، بدأت الجماهير في العودة إلى مسرح يقع خارج «برودواي» في يونيون سكوير، تحديداً «كوميدي سيلار» في غرينويتش فيليدج لمشاهدة عرض موسيقي حي. كما أضاءت أنوار «برودواي» من جديد بفضل الراقص سافيون غلوفر والممثل ناثان لين اللذين اضطلعا بتقديم عرض تعبيري داخل مسرح سانت جيمس، في الوقت الذي قدم جيري سينفيلد عرضاً واقفاً في تشيلسي.
وزار مراسلون من «نيويورك تايمز» بعض أول العروض الأدائية التي جرى تقديمها داخل أماكن معلقة وتحدثوا إلى بعض أفراد الجمهور والعاملين. وفيما يلي ما قالوه.

- عرض صوتي خارج «برودواي»
كان الوقت ظهيرة يوم جمعة، توقيت غير معتاد لعرض فني، ومع ذلك شهد افتتاح عرض «العمى» في مسرح «داريل روث». وجرى السماح لقرابة 60 شخصاً فقط بالحضور. واصطف أفراد الجمهور على طول رصيف شارع «إيست 15»، وحرصوا على الوقوف على نقاط خضراء.
بعد ذلك، وصل العمدة بيل دي بلاسيو ليضيف بذلك عنصراً من البهاء والفخامة على ما كان بخلاف ذلك مجرد عرض صوتي خارج «برودواي». أما موظفو المسرح، فقد ارتدوا سترات ذات لون أخضر زمردي وأغطية وجه باللون ذاته أخفت خلفها ابتسامات انعكست على عيونهم. وعلى مدار قرابة 10 دقائق، بدا المشهد بالقرب من يونيون سكوير مزيجاً ما بين فعالية مرتبطة بحملة انتخابية وعرض أول لأحد أفلام هوليوود.
من جهته، قال دي بلاسيو بينما كان يقف على درجات مدخل مسرح «داريل روث»: «إنها لحظة قوية حقاً، فالمسرح يعود إلى مدينة نيويورك والستار يرتفع من جديد، وثمة شيء مذهل يتحقق».
ووقف العمدة إلى جوار المنتجة داريل روث، التي يحمل المسرح اسمها، لتحية الجماهير الذين وقفوا في انتظار الدخول. ووجه البعض منهم الشكر للعمدة عن جهوده للمعاونة في عودة الفنون التعبيرية. وطلب بعضهم التقاط صور «سيلفي»، بينما تبادل آخرون التحية بتلامس المرفقين أو الرسغين. وكان من بين مرتادي المسرح مَن كانوا يحتفلون بأعياد ميلاد، وآخرون يتوقون لأن ينشروا تجربتهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب مدير فني واحد من سان فرنسيسكو يُجري بعض الأبحاث حول السلامة استعداداً لافتتاح المسرح الخاص به.
ولدى دخول الجمهور المسرح، رفعوا معاصمهم باتجاه آلة تتحقق من درجة حرارة أجسادهم. وتولى أحد العاملين بالمسرح توجيههم نحو مقاعدهم والتي انتشرت تحت متاهة من أنابيب الفلورسنت. وبمجرد أن استقر الجميع في مقاعده، انطلقت رسالة ترحيب من مكبرات الصوت، قوبلت بموجة تهليل من الجمهور.
وأخرج أفراد الجمهور سماعات رأس من أكياس محكمة الإغلاق معلقة على مقاعدهم ووضعوها على آذانهم. وعقد زوجان أيديهما معاً، وأغمض رجل آخر عينيه، ليبدأ عرض «العمى»، وهو عرض صوتي للرواية التي أبدعها خوسيه ساراماغو الحائز على جائزة «نوبل».
وعلى امتداد الدقائق الـ75 التالية، سمع أفراد الجمهور عن مدينة ابتُليت بوباء العمى. ولفترات طويلة، ظل أفراد الجمهور منغمسين في مقاعدهم في ظل ظلام دامس، لكن في نهاية العرض ظل هناك بصيص من الضوء.
من جهته، قال دين ليزلي، 58 عاماً، بعد العرض: «بدا الأمر مألوفاً للغاية. ومن بين اللحظات التي تركت صدى كبيراً بداخلي هي هذه اللحظة - عندما عدت إلى الشارع».
وأضاف: «شعرت أنه شيء نعايشه الآن».

- داخل «كوميدي سيلار»
اتصل أحد أفراد الأمن بزميل له ونبّه عليه قائلاً: «تأكد من أنهم يلتزمون بإجراءات التباعد الاجتماعي»، في الوقت الذي كانت مجموعات من الأفراد تنزل إلى الطابق السفلي في مسرح «كوميدي سيلار» الذي اتسم بإضاءته الخافتة.
في نهاية المطاف، استقر نحو 50 فرداً من الجمهور -كانت غالبيتهم تنتمي إلى العشرينات من العمر ويتمتعون بذكاء كافٍ مكّنهم من شراء التذاكر عبر الإنترنت- حول طاولاتهم في أول عرض مباشر داخل المسرح منذ ما يزيد على العام.
وفجأة، قفز مضيف العرض، جون لاستر، إلى خشبة المسرح وقال بصوت يحمل نبرة انتصار: «كوميدي سيلار، كيف تشعر؟»، أما الجمهور، فقد خلع بعضهم أقنعة حماية الوجه بمجرد وصولهم إلى طاولاتهم، بينما ظل آخرون مرتدين لها حتى وصول ما طلبوه من طعام وشراب.
وبدت الجائحة موضوعاً حتمياً يفرض نفسه، وخيّم بظلاله على كل من كانوا في القاعة. واستفسر لاستر من أفراد الجمهور، عن الأماكن التي فرّوا إليها خلال أشهر الجائحة.
جدير بالذكر أنه جرى السماح بدخول عدد من الجماهير تعادل ثلث سعة المكان فقط، ومع ذلك ملأت ضحكات أصوات الحاضرين أرجاء المكان وتحدث الممثلون الكوميديون إلى أفراد الجمهور كما لو كانوا أصدقاء قدامى التقوهم أخيراً بعد عام من الانفصال.

- ليلة من الموسيقى
قرب الثلث الأخير من الأداء الذي مزج الصوت المحيط بالتشيلو الكلاسيكي والغناء الأوبرالي وموسيقى البوب وغير ذلك، ظهرت كيسي لو، في زيٍّ زهريّ اللون معلنةً أن «الربيع جاء».
وتعالت الضحكات من الجماهير الذين كانوا جالسين داخل قاعة «ماكورت» في مسرح «شيد» الذين بلغ عددهم قرابة 150 فرداً. وبعد انتهاء لو من عرضها، أقدم أفراد الجمهور على فعل شيء حُرموا من فعله داخل مكان مغلق منذ ما يزيد على العام: الوقوف لتوجيه تحية حارة.
عن ذلك، قال جيل بيريز، كبير المسؤولين عن شؤون تجربة الزوار: «كان بإمكان المرء الشعور بذلك: الإثارة والمتعة والطاقة المنبعثة من عرض حي - لا شيء يضاهي ذلك».
جدير بالذكر أن قاعة «ماكورت»، والتي تتميز بمرونتها ويمكن تحويلها إلى مكان مغلق أو مفتوح حسب الحاجة، تبلغ مساحتها 17000 قدم مربعة ومزودة بنظام رفيع المستوى لتنقية الهواء. ودخل أفراد الجمهور المسرح من المداخل التي تقودهم مباشرةً إلى قاعة «ماكورت»، وجرى فحص درجات حرارتهم على الفور. وجرى الاعتماد على برامج رقمية على الهواتف الذكية متصلة برمز شريطي على أذرع المقاعد، والتي جرى ترتيبها فرادى وأزواج متباعدة على بُعد 12 قدماً تقريباً من المسرح و6 أقدام أو أكثر بعضها من بعض.
وسجل الموظفون وصول الجماهير باستخدام كومبيوترات لوحية. كما اضطر أفراد الجمهور لإبراز ما يفيد حصولهم على لقاح ضد فيروس «كورونا» المستجد أو نتيجة سلبية لاختبار الفيروس. وبمجرد انتهائهم من هذه الإجراءات، صعد أفراد الجمهور إلى المدخل المحدد بوقت معين: واحد في تمام 7:40 مساء، وآخر بعد 10 دقائق.
في هذا الصدد، قالت روكسان دوبس، 37 عاماً، التي تعمل ساعية بريد: «أنا واحدة من العمال الأساسيين وكنت أعمل طوال الفترة الماضية. لذا، من الممتع أن أتمكن من الخروج والاستمتاع بالوقت».
وأضاف زوجها، إيان بلومان: «أشعر كأننا نقف على أعتاب حقبة جديدة في نيويورك».
وقبل العرض وبعده، التقى البعض مع أصدقاء قدامى وتوقفوا بعض الوقت لتبادل أطراف الحديث. وهنّأت سيدة أخرى على تلقيها اللقاح، بينما انحنى رجل على آخر وقال: «هذا لطيف للغاية!».
من ناحيته، قال أليكس بوتس، المدير الفني والرئيس التنفيذي لـ«شيد»، فقال إن «العاطفة غلبتني» مع اقتراب المساء، وورد على خاطره وصف لو للربيع وصحوته. وقال: «كانت أمسية رائعة للغاية. لقد افتقدت هذا الأمر كثيراً».
-خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

يوميات الشرق الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

ودّع الوسط الفني بمصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land»، هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)

«خليني خبّرك ليه؟»... الحب الصادق يُنقذ الزواج بمقالب مضحكة

يحاول صُنَّاع المسرح مؤخراً نقل أعمالهم بقالب ترفيهي يخفِّف من وطأة الحياة اللبنانية المثقلة بالأزمات. فتغدو الضحكة هدفاً أساسياً يساهم في الترويح عن النفس.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جانب من لقاء لإطلاق مشروع حماية وصون الأراجوز (وزارة الثقافة المصرية)

«اليونسكو» تدشن مشروعاً لحماية وصيانة فن الأراجوز في مصر

أطلقت مصر مشروع «صون التراث وبناء القدرات للتراث الثقافي غير المادي لفن الأراجوز للدمى اليدوية التقليدية في مصر»، بالتعاون مع منظمة اليونسكو.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».


أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

أكَّد الفنان المصري أحمد العوضي أن شخصية «علي»، التي يجسّدها ضمن أحداث مسلسل «علي كلاي»، هي الأقرب إلى قلبه وحياته الخاصة. وقال العوضي، في حواره لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل يُعد مزيجاً من الرومانسية والأكشن والإثارة، كاشفاً عن ابتعاده عن ثيمة البطل الشعبي التي اعتاد تقديمها خلال المواسم الماضية، وذلك عبر فيلمه السينمائي المقبل.

وعن شخصية «علي كلاي»، قال العوضي: «تتمتع الشخصية بثراء كبير، وتعمل في تجارة قطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه هو لاعب متمكّن في رياضة الـ(MMA) القتالية».

وأوضح أن دوره في العمل لم يُرهقه، خصوصاً أنه ملاكم حاصل على بطولات عدة، ويهوى ممارسة رياضة الـ(MMA)، أي الفنون القتالية المختلطة، منذ الصغر، حتى إن دخوله مجال التمثيل كان في الأساس من بوابة الملاكمة.

العوضي يعدُّ «علي كلاي» الأقرب إليه

وأضاف العوضي: «أنا ملاكم قبل التمثيل، وعندما عملت مع الفنان الراحل نور الشريف في بداياتي الفنية، كان يعلم خلفيتي الرياضية، خصوصاً تفاصيل ممارستي للملاكمة»، موضحاً أنه «تحمَّس لتجسيد شخصية (علي كلاي) لأنها قريبة إلى قلبه وحياته الخاصة، وإلى الرياضة التي نشأ على تفاصيلها منذ الصغر».

وأشار إلى أن «أكثر ما أرهقه خلال تصوير العمل هو تعدّد أماكن التصوير، التي تجاوزت 150 موقعاً، وتطلّبت ديكورات ضخمة ومتشعّبة»، لافتاً إلى أن «هذا الأمر، رغم إرهاقه وصعوبة تنفيذه، خلق تفاصيل مختلفة في العمل، ونتج عنه تنوّع بصري كبير يراه الناس».

ونفى العوضي وجود علاقة بين فيلمه «البلدوزر»، الذي أعلن عن تقديمه منذ سنوات، ومسلسل «علي كلاي»، لافتاً إلى أن «ما يجمعهما هو تناول رياضة الـMMA فقط، إذ كانت رغبته تجسيد شخصية بطل في هذه الرياضة ضمن الفيلم، لكن انشغاله وانشغال المخرج حينها حالا دون استكمال المشروع».

ويشارك في بطولة مسلسل «علي كلاي»، إلى جانب أحمد العوضي، نخبة من النجوم، من بينهم دُرّة، ويارا السكري وغيرهما، وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبد السلام.

وعن سبب تكرار التعاون مع المؤلف والمخرج في أكثر من عمل فني، يقول: «نحن ثلاثي متفاهم، وتربطنا علاقة وطيدة، ونشعر بأريحية خلال تعاوننا معاً».

الملصق الترويجي للمسلسل (حساب العوضي على فيسبوك)

وينتظر أحمد العوضي طرح فيلم «شمشون ودليلة» خلال موسم عيد الأضحى المقبل، مؤكداً أن الفيلم سيشهد تخلّيه عن ثيمة «البطل الشعبي» التي اعتاد تقديمها خلال الفترة الماضية. وقال إن أحداث الفيلم تدور في إطار «أكشن كوميدي»، ولم يتبقَّ على استكمال تصويره سوى 10 أيام فقط، وسيُنجز خارج مصر.

وعن تأخّره في خوض تجربة المسرح، أكد أحمد العوضي أنه عاشق للمسرح، لكنه يحتاج إلى تفرّغ كبير، مشيراً إلى أنه سيعمل على تقديم كثير من العروض المسرحية قريباً، معترفاً بتقصيره في هذا الجانب المهم، بسبب تركيزه الكامل خلال الفترة الماضية على تقديم أعمال فنية في السينما والدراما.

العوضي في كواليس «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

وعن الجدل الذي أثارته تصريحاته في كونه «الأعلى أجراً» و«الأكثر مشاهدة»، قال العوضي إن «كل شخص له مطلق الحرية فيما يقول، ما دام لم يتجاوز حدود الزمالة»، موضحاً أنه عندما يتحدث إلى جمهوره أو يطلق تصريحات، فإنه لا يتعمّد مضايقة أحد أو إلحاق الضرر بأيٍّ من زملائه.

ويستبعد العوضي فكرة الابتعاد عن التمثيل أو اعتزال الوسط الفني بسبب مثل هذه الصراعات، قائلاً: «هذا الأمر مرفوض تماماً، فأنا أعشق الفن بكل جوارحي، ولا يمكنني اعتزاله مهما حدث. وليس لي علاقة بما يجري، ولا أشغل بالي بأحد، بل أضع كامل تركيزي في عملي».

العوضي أعلن عن تخليه عن ثيمة البطل الشعبي في السينما (حسابه على فيسبوك)

ويرفض الفنان المصري تقديم سيرة الفنان الراحل نور الشريف فنياً لأسباب عدَّة، من بينها أنه «كان حالة خاصة ونجماً فريداً، وتقديم سيرته أمر كبير عليّ وعلى زملائي في الوسط». وأضاف: «هو يمثل لي حالة فنية وإنسانية خاصة، وله مكانة في قلبي لا يمكن لأحد أن ينافسه عليها، فهو (أبي الروحي)، وسيظل أكثر فنان أشعر بالامتنان تجاهه منذ دخولي الوسط الفني».

وأضاف العوضي: «أنا لا أحب أعمال السير الذاتية عادة، خصوصاً الشخصيات التي عاصرها الناس ولها أعمال متداولة، لأن هذا النوع من الفن قد يتحوَّل إلى تقليد لا إلى تجسيد حقيقي، على عكس تقديم سير شخصيات تاريخية يعرفها الناس لكنهم لم يشاهدوها».