فابريس فريس: نخوض معركة لجعل المنصات الرقمية تدفع للناشرين والوكالات

رئيس مجلس {الصحافة الفرنسية} قال لـ «الشرق الأوسط» إنه من المهم تجديد المواضيع والزوايا وطرق البث لاستقطاب الشباب

فابريس فريس (أ.ف.ب)
فابريس فريس (أ.ف.ب)
TT

فابريس فريس: نخوض معركة لجعل المنصات الرقمية تدفع للناشرين والوكالات

فابريس فريس (أ.ف.ب)
فابريس فريس (أ.ف.ب)

«مهنة الصحافة صعبة بما فيه الكفاية، ولا يجب تلويثها بمثل هذا الكلام»، هكذا يجيب فابريس فريس، رئيس مجلس إدارة وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، عن ربط عمل الصحافيين في ساحات الصراع بالعمل الاستخباراتي. ويضيف أن الوكالة فقدت منذ تأسيسها عام 1944 نحو 30 صحافياً ذهبوا ضحايا في مناطق الصراعات.
فريس، رئيس مجلس الإدارة الرئيس التنفيذي لوكالة الصحافة الفرنسية المرموقة التي يعمل فيها 1700 صحافي، وتتمتع بحضور بارز في أكثر من 150 دولة، بست لغات، قال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن الوكالة «تخوض الآن معركة لجعل منصات مثل (غوغل) و(فيسبوك) تدفع للناشرين والوكالات على محتوى الأخبار الذي يجذب كثيراً من القراء إلى المنصات». ويضيف أن «مواقع التواصل الاجتماعي تعد بالنسبة إلينا مكملة لنا أكثر من كونها منافسة»، مشيراً إلى أنه من المخاطر التي تواجه وسائل الإعلام اليوم «شيخوخة جمهورها، إذ إنه من المهم تجديد المواضيع والزوايا وطرق البث لاستقطاب الشباب إلى هذه الوسائل».
وفيما يلي نص الحوار:
> أكثر من 150 دولة موجودة فيها وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)... كيف تديرون الأخبار من حول العالم وتتحققون من مصداقيتها؟
- هذه الشبكة من المكاتب تشكل قوة (أ.ف.ب) التي تغطي ما يحصل في العالم بست لغات، بينها العربية، وهي أقرب قدر الإمكان من مكان حصول الحدث. والوكالة موجودة بالأخص في النقاط الساخنة في العالم، وقد أثبتت أخيراً مثلاً سرعتها في التعامل مع الحدث ونوعية تغطيتها خلال أحداث ناغورني كاراباغ وإقليم التيغراي الإثيوبي وميانمار (بورما). وبالإضافة إلى النص والصورة، وهما خدمتان تعرف بهما تاريخياً، باتت تقدم بثاً مباشراً عبر تقنية الفيديو يعد من أفضل الإنتاج على هذا الصعيد. كذلك تواصل الوكالة تعزيز وجودها على الأرض، بعد افتتاحها مكتباً في كوريا الشمالية، وهي تعمل على تعزيز فرقها من أجل تغطية أفضل للساحل الأفريقي الذي يثير كثيراً من القلق... إن مصداقية الخبر هي المحور الأساسي الذي بنيت عليه سمعة وكالة الصحافة الفرنسية، إذ إن الوكالة تدقق في كل خبر، وعملية التدقيق هذه تجري على مرحلتين: أولاً على صعيد المكتب المحلي، ثم في قسم تحرير إقليمي. ولا تدعي الوكالة طبعاً أنها معصومة عن الخطأ، فقد ترد أخطاء في إنتاجها اليومي الذي يقارب 5 آلاف خبر، و3 آلاف صورة، و250 مقطع فيديو. لكن عندما يحصل ذلك، تقرّ الوكالة به، وتصحح.
> عادة ما تقابل وكالات الأنباء صعوبات في مناطق الصراعات الإقليمية، كذلك الاتهامات بالتحيز لطرف مقابل آخر... هل من معايير واستدلالات لبث الخبر والتقصي عنه؟
- لا يهدف عمل (أ.ف.ب) إلى إنتاج رأي، بل إلى نقل الأحداث، وينص نظامها على أن تعطي معلومات دقيقة حيادية موثوقة. ولذا تهتم الوكالة دائماً بعرض كل وجهات النظر حول موضوع معين، وتعطي الكلام لكل الأطراف المعنية، من دون تحيز. مثلاً، إبان الأزمة السورية، أصرت الوكالة التي احتفظت بمكتب لها في دمشق على تقديم وجهة نظر قوى المعارضة، كما وجهة نظر الحكومة. فلا يمكن لوكالة الصحافة الفرنسية أن تكون وسيلة إعلامية منحازة، إذ سيؤثر ذلك سلباً على رسالتها. وبناء عليه، فإن واجب الحياد حاضر جداً في أذهان صحافييها الـ1700. أما بالنسبة إلى اختيار المواضيع، فهو يجري على الأرض وفق معايير الحدث، مع الحرص على تناول زوايا مختلفة، وأنواع صحافية متعددة، بالنص والصورة والفيديو.
> يذهب كثير من الصحافيين ضحايا لتغطياتهم من ساحات الصراع، وقد فقدت وكالتكم كثيرين... كيف تتعاملون مع هذه القضايا وتغطيتها؟ وكيف تقللون من التعرض للخطر؟
- الوكالة موجودة في كل النقاط الساخنة في العالم، وعدد كبير من صحافييها يعمل في مناطق نزاع. ومنذ تأسيسها في عام 1944، توفي نحو 30 صحافياً منها في مناطق عمليات. وفي الفترة الأخيرة، كان وجودنا في الخطوط الأمامية إبان معارك الموصل مثلاً في العراق، أو في الرقة بسوريا، أمراً معقداً خطراً... لكن لعل الخطر الأكبر اليوم يكمن في أن الصحافيين في بعض المناطق مستهدفون، أو يستخدمون ورقة مقايضة. وبالتالي، علينا أن نكون شديدي الحرص لدى التحضير للمهمات الصحافية، لا سيما فيما يتعلق بتجهيزات الحماية ووسائل الاتصال والأمور اللوجيستية... لقد استثمرنا كثيراً في التدريبات الأمنية، ونقوم بانتظام بمتابعة مع العائدين من مهمات من أجل استخلاص دروس حول ما يمكن تحسينه. كذلك، فإننا نتشارك كثيراً مع وسائل الإعلام الأخرى الكبرى، وثمة تضامن كبير على الأرض في المناطق الصعبة. ومن النادر أن نتخلى عن تغطية ما، لكن بالطبع الأولوية هي للأمن والسلامة. ولا يفوتني هنا أن أقول أيضاً إننا نهتم أيضاً، بعد المهمات، باضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) التي يتعرض لها كثير من الصحافيين، وليس فقط أولئك الذين عملوا في مناطق النزاعات، بل أيضاً الصحافيون الذين تولوا متابعة مأساة المهاجرين... فهؤلاء قد يعانون أيضاً من تلك الأعراض.
> يربط بعضهم عمل الصحافيين في ساحات الصراع بالعمل الاستخباراتي... ما صحة ذلك؟
- يمكنني أن أقول فقط إنه بالنسبة إلى وكالة (أ.ف.ب)، فإن هذا الكلام مجرد خرافة. هذا يمكن أن يكون متأتياً من نظرة (رومانسية) إلى المهنة، لكن في الحقيقة الواقع عملي أكثر؛ مهنة الصحافة صعبة بما فيه الكفاية، ولا يجوز تلويثها بمثل هذا الكلام.
> بعض القضايا تأخذ زخماً إعلامياً لتغطيتها، في حين يتغاضى الإعلام عن تغطية أحداث أخرى... فهل يمكن تفسير ذلك بأن هناك تحيزات وتأثيراً سياسياً على التغطية الإعلامية؟
- وكالة (أ.ف.ب) شركة تجارية خاصة، تتميز بأنها بلا مساهمين، وهو ما يجنبها أي شكل من أشكال النفوذ. ويشرف على الوكالة مجلس أعلى يضمن استقلاليتها، ويمكن مراجعته في كل موضوع في حال حصول أي شك حول عملها. وبصفتي رئيس مجلس الإدارة، أؤكد لك أنني لم أتدخل يوماً في الخط التحريري للوكالة، فالصحافيون يديرهم صحافيون، ومدير الأخبار شخص مهم جداً في الوكالة، وهو في منأى عن أي تدخل سياسي. وفي اليوم الذي تظهر فيه وكالة الصحافة الفرنسية أي ميل سياسي، ستفقد كل مصداقيتها... من جهة أخرى، على وكالات الأنباء -كما وسائل الإعلام- التأكد من ألا تكون هناك جهات منسية في تغطيتها. وبعد المفاجآت التي حصلت في استفتاء (بريكست)، وفي الانتخابات الأميركية السابقة عام 2016، أو أخيراً مع احتجاجات حركة (السترات الصفراء) في فرنسا، أعادت الوكالة نشر صحافيين في مناطق كانت منسية إلى حد ما.
> ثمة من يقول إن وكالات الأنباء أمام تحديات وسائل التواصل الاجتماعي، وإن السبق الخبري لم يعد ذا أهمية، لأن هناك من يقوم به من الأفراد... كيف تتأقلمون في صناعتكم اليوم مع تنامي قاطرة الإعلام؟
- (أ.ف.ب) تسجل باستمرار منجزات على صعيد السبق الصحافي. في الفترة الأخيرة مثلاً، كانت أول من شهد على المجازر في إقليم التيغراي الإثيوبي، لكنها مع ذلك تتمسك دائماً بتغليب الصدقية على السرعة. وبالتالي، هي لا تشارك في (السباق على السبق)؛ المشتركون يشتركون بخدمات (أ.ف.ب) من أجل تغطيتها الكاملة المحايدة المستقلة المنوعة للأخبار، لا من أجل السبق الصحافي... في المقابل، فإنه بالفعل بات السبق الصحافي يخرج أكثر فأكثر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لذا، يقوم عمل الوكالة أكثر فأكثر على التحقق من صحة الأخبار، والتدقيق في المحتوى المنشور على وسائل التواصل؛ مواقع التواصل تعد بالنسبة إلينا مُكملة لنا، أكثر من كونها منافسة، فهي تحثنا على الالتزام بقدر أكبر من الحذر. كذلك، يكون لعمل الوكالة أهمية، في حين يمكن لأي شخص أن ينشر صورة أو مقطع فيديو لحدث هو شاهد عليه.
> ما نوع التهديدات التي تواجهها وكالات الأنباء اليوم وسط التحولات الحاصلة في صناعة الإعلام؟ وما التهديدات كذلك التي تواجهها المؤسسات الإعلامية؟ وبالتالي، كيف تقرأون مستقبل الإعلام؟
- صحة وكالة (أ.ف.ب) مرتبطة بصحة مشتركيها. والنموذج الاقتصادي لبعض وسائل الإعلام، لا سيما الصحافة المكتوبة، يعاني من وجود المنصات الإلكترونية الكبرى التي صارت تستقطب مجاناً قسماً كبيراً من موارد الإعلانات، عبر عرض محتوى صحافي لا تنتجه. لهذا تخوض وكالتنا معركة حقيقية هدفها جعل منصات مثل (غوغل) و(فيسبوك) تدفع للناشرين والوكالات على محتوى الأخبار الذي يجذب كثيراً من القراء إلى هذه المنصات. هذه معركة شرعية، وللدول أيضاً دور فيها، وقد رأينا ذلك أخيراً مع المواقف الحازمة التي اتخذتها الحكومة الأسترالية التي دفعت المنصات إلى تغيير جذري في موقفها، والموافقة على دفع ثمن المحتوى... وبالنسبة إلى (أ.ف.ب) تحديداً، فإن الاتجاه إيجابي بما أن مواردها تتزايد، في حين أن نفقاتها لا تزال على ما هي عليه. ومرد هذا إلى نوعية الإنتاج الشامل للوكالة؛ وهو محتوى ضروري أكثر فأكثر للمشتركين، لا سيما في زمن جائحة (كوفيد-19»، لأن لدى (أ.ف.ب) فرقها العاملة على الأرض. ويعود هذا أيضاً إلى عاملين أساسيين للنمو، هما: خدمة الفيديو التي تستقطب عدداً أكبر من شاشات التلفزيون، وخدمة التحقق من صحة الأخبار التي تعد وكالة الصحافة الفرنسية من أبرز المرجعيات المتخصصة فيه عالمياً.
> ما الذي ستحتاجه المؤسسات الإعلامية، وأيضاً يحتاجه الصحافيون، في رأيك، لمواكبة التطورات مستقبلاً؟
- من المخاطر التي تواجه وسائل الإعلام اليوم شيخوخة جمهورها. وبالتالي، من الملح إذن تجديد المواضيع والزوايا وطرق البث لاستقطاب الشباب إلى هذه الوسائل. ومشاركة وكالة (أ.ف.ب) في هذا الموضوع محور كبير في استراتيجيتها، وهي تقوم بذلك مثلاً عبر مواكبة أفضل لمواضيع مثل التطور الرقمي والمناخ، وعبر استخدام أشكال صحافية أقرب إلى جيل الشباب، بينها الفيديو مثلاً. ثم إن وكالتنا تتطور في مجال الإعلام المسموع، وتستثمر أكثر في مجال جمع البيانات. وعلى سبيل المثال، إبان جائحة (كوفيد-19»، استخدمت وسائل الإعلام كثيراً الرسوم البيانية التي كانت تعدها، وكانت تحصي يومياً أعداد الوفيات في كل أنحاء العالم.
> تستثمر بعض الوكالات والمؤسسات الإعلامية اليوم في مراكز دراسات أو شركات بيانات... كيف تساعد هذه المراكز والشركات في العمل الإعلامي؟
- لا تتجه (أ.ف.ب) إلى هذا المجال، بل تركز عملها على جوهر مهنتها، ألا وهو نقل الوقائع في كل مكان في العالم على مدى 24 ساعة في اليوم، وعلى مدار السنة، بست لغات، بالنص والصور والفيديو. وبالتالي، لا يشمل اختصاصها التعليقات أو الدراسات.

فابريس فريس... من العلاقات العامة إلى وكالات الأنباء
> يعمل فابريس فريس رئيساً لمجلس إدارة «وكالة الصحافة الفرنسية» -أو آجانس الصحافة الفرنسية- (أ.ف.ب)، بالإضافة إلى عمله رئيساً تنفيذياً لها، منذ أبريل (نيسان) 2018. وشغله هذا المنصب يجعله قائداً لإحدى أكبر وكالات الأنباء الدولية، التي تضم 1700 صحافي منتشرين في أكثر من 150 دولة من حول العالم.
> تلقى تعليمه في جامعة كاليفورنيا - بيركلي المرموقة في الولايات المتحدة، وغيرها من الجامعات، وحصل على عدد من الشهادات الأكاديمية منها.
> تدرج رئيس مجلس الإدارة في كثير من الوظائف والخبرات المهنية، إذ عمل في عام 1997 رئيساً لقسم الاستراتيجية والتطوير في شركة «هافاس» المختصة بالإعلانات والعلاقات العامة. وانضم إلى شركة متخصصة في تقنية المعلومات والاستشارات التقنية، بصفة النائب الأول لرئيس المجموعة، المسؤول عن الحسابات الرئيسية واستراتيجية السوق.
> سبق لفريس أن عمل أميناً عاماً في «مجموعة بوبليسيس» (Publicis Grope)، إحدى أكبر شركات العلاقات العامة في العالم، كما كان رئيساً تنفيذياً لشركة «بوبليسيس كونسلتانتس» (Publicis Consultants)، وهي وكالة تابعة للمجموعة سابقة الذكر متخصصة في مجالي الاتصالات واتصال الأزمات.



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».