فابريس فريس: نخوض معركة لجعل المنصات الرقمية تدفع للناشرين والوكالات

رئيس مجلس {الصحافة الفرنسية} قال لـ «الشرق الأوسط» إنه من المهم تجديد المواضيع والزوايا وطرق البث لاستقطاب الشباب

فابريس فريس (أ.ف.ب)
فابريس فريس (أ.ف.ب)
TT

فابريس فريس: نخوض معركة لجعل المنصات الرقمية تدفع للناشرين والوكالات

فابريس فريس (أ.ف.ب)
فابريس فريس (أ.ف.ب)

«مهنة الصحافة صعبة بما فيه الكفاية، ولا يجب تلويثها بمثل هذا الكلام»، هكذا يجيب فابريس فريس، رئيس مجلس إدارة وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، عن ربط عمل الصحافيين في ساحات الصراع بالعمل الاستخباراتي. ويضيف أن الوكالة فقدت منذ تأسيسها عام 1944 نحو 30 صحافياً ذهبوا ضحايا في مناطق الصراعات.
فريس، رئيس مجلس الإدارة الرئيس التنفيذي لوكالة الصحافة الفرنسية المرموقة التي يعمل فيها 1700 صحافي، وتتمتع بحضور بارز في أكثر من 150 دولة، بست لغات، قال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن الوكالة «تخوض الآن معركة لجعل منصات مثل (غوغل) و(فيسبوك) تدفع للناشرين والوكالات على محتوى الأخبار الذي يجذب كثيراً من القراء إلى المنصات». ويضيف أن «مواقع التواصل الاجتماعي تعد بالنسبة إلينا مكملة لنا أكثر من كونها منافسة»، مشيراً إلى أنه من المخاطر التي تواجه وسائل الإعلام اليوم «شيخوخة جمهورها، إذ إنه من المهم تجديد المواضيع والزوايا وطرق البث لاستقطاب الشباب إلى هذه الوسائل».
وفيما يلي نص الحوار:
> أكثر من 150 دولة موجودة فيها وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)... كيف تديرون الأخبار من حول العالم وتتحققون من مصداقيتها؟
- هذه الشبكة من المكاتب تشكل قوة (أ.ف.ب) التي تغطي ما يحصل في العالم بست لغات، بينها العربية، وهي أقرب قدر الإمكان من مكان حصول الحدث. والوكالة موجودة بالأخص في النقاط الساخنة في العالم، وقد أثبتت أخيراً مثلاً سرعتها في التعامل مع الحدث ونوعية تغطيتها خلال أحداث ناغورني كاراباغ وإقليم التيغراي الإثيوبي وميانمار (بورما). وبالإضافة إلى النص والصورة، وهما خدمتان تعرف بهما تاريخياً، باتت تقدم بثاً مباشراً عبر تقنية الفيديو يعد من أفضل الإنتاج على هذا الصعيد. كذلك تواصل الوكالة تعزيز وجودها على الأرض، بعد افتتاحها مكتباً في كوريا الشمالية، وهي تعمل على تعزيز فرقها من أجل تغطية أفضل للساحل الأفريقي الذي يثير كثيراً من القلق... إن مصداقية الخبر هي المحور الأساسي الذي بنيت عليه سمعة وكالة الصحافة الفرنسية، إذ إن الوكالة تدقق في كل خبر، وعملية التدقيق هذه تجري على مرحلتين: أولاً على صعيد المكتب المحلي، ثم في قسم تحرير إقليمي. ولا تدعي الوكالة طبعاً أنها معصومة عن الخطأ، فقد ترد أخطاء في إنتاجها اليومي الذي يقارب 5 آلاف خبر، و3 آلاف صورة، و250 مقطع فيديو. لكن عندما يحصل ذلك، تقرّ الوكالة به، وتصحح.
> عادة ما تقابل وكالات الأنباء صعوبات في مناطق الصراعات الإقليمية، كذلك الاتهامات بالتحيز لطرف مقابل آخر... هل من معايير واستدلالات لبث الخبر والتقصي عنه؟
- لا يهدف عمل (أ.ف.ب) إلى إنتاج رأي، بل إلى نقل الأحداث، وينص نظامها على أن تعطي معلومات دقيقة حيادية موثوقة. ولذا تهتم الوكالة دائماً بعرض كل وجهات النظر حول موضوع معين، وتعطي الكلام لكل الأطراف المعنية، من دون تحيز. مثلاً، إبان الأزمة السورية، أصرت الوكالة التي احتفظت بمكتب لها في دمشق على تقديم وجهة نظر قوى المعارضة، كما وجهة نظر الحكومة. فلا يمكن لوكالة الصحافة الفرنسية أن تكون وسيلة إعلامية منحازة، إذ سيؤثر ذلك سلباً على رسالتها. وبناء عليه، فإن واجب الحياد حاضر جداً في أذهان صحافييها الـ1700. أما بالنسبة إلى اختيار المواضيع، فهو يجري على الأرض وفق معايير الحدث، مع الحرص على تناول زوايا مختلفة، وأنواع صحافية متعددة، بالنص والصورة والفيديو.
> يذهب كثير من الصحافيين ضحايا لتغطياتهم من ساحات الصراع، وقد فقدت وكالتكم كثيرين... كيف تتعاملون مع هذه القضايا وتغطيتها؟ وكيف تقللون من التعرض للخطر؟
- الوكالة موجودة في كل النقاط الساخنة في العالم، وعدد كبير من صحافييها يعمل في مناطق نزاع. ومنذ تأسيسها في عام 1944، توفي نحو 30 صحافياً منها في مناطق عمليات. وفي الفترة الأخيرة، كان وجودنا في الخطوط الأمامية إبان معارك الموصل مثلاً في العراق، أو في الرقة بسوريا، أمراً معقداً خطراً... لكن لعل الخطر الأكبر اليوم يكمن في أن الصحافيين في بعض المناطق مستهدفون، أو يستخدمون ورقة مقايضة. وبالتالي، علينا أن نكون شديدي الحرص لدى التحضير للمهمات الصحافية، لا سيما فيما يتعلق بتجهيزات الحماية ووسائل الاتصال والأمور اللوجيستية... لقد استثمرنا كثيراً في التدريبات الأمنية، ونقوم بانتظام بمتابعة مع العائدين من مهمات من أجل استخلاص دروس حول ما يمكن تحسينه. كذلك، فإننا نتشارك كثيراً مع وسائل الإعلام الأخرى الكبرى، وثمة تضامن كبير على الأرض في المناطق الصعبة. ومن النادر أن نتخلى عن تغطية ما، لكن بالطبع الأولوية هي للأمن والسلامة. ولا يفوتني هنا أن أقول أيضاً إننا نهتم أيضاً، بعد المهمات، باضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) التي يتعرض لها كثير من الصحافيين، وليس فقط أولئك الذين عملوا في مناطق النزاعات، بل أيضاً الصحافيون الذين تولوا متابعة مأساة المهاجرين... فهؤلاء قد يعانون أيضاً من تلك الأعراض.
> يربط بعضهم عمل الصحافيين في ساحات الصراع بالعمل الاستخباراتي... ما صحة ذلك؟
- يمكنني أن أقول فقط إنه بالنسبة إلى وكالة (أ.ف.ب)، فإن هذا الكلام مجرد خرافة. هذا يمكن أن يكون متأتياً من نظرة (رومانسية) إلى المهنة، لكن في الحقيقة الواقع عملي أكثر؛ مهنة الصحافة صعبة بما فيه الكفاية، ولا يجوز تلويثها بمثل هذا الكلام.
> بعض القضايا تأخذ زخماً إعلامياً لتغطيتها، في حين يتغاضى الإعلام عن تغطية أحداث أخرى... فهل يمكن تفسير ذلك بأن هناك تحيزات وتأثيراً سياسياً على التغطية الإعلامية؟
- وكالة (أ.ف.ب) شركة تجارية خاصة، تتميز بأنها بلا مساهمين، وهو ما يجنبها أي شكل من أشكال النفوذ. ويشرف على الوكالة مجلس أعلى يضمن استقلاليتها، ويمكن مراجعته في كل موضوع في حال حصول أي شك حول عملها. وبصفتي رئيس مجلس الإدارة، أؤكد لك أنني لم أتدخل يوماً في الخط التحريري للوكالة، فالصحافيون يديرهم صحافيون، ومدير الأخبار شخص مهم جداً في الوكالة، وهو في منأى عن أي تدخل سياسي. وفي اليوم الذي تظهر فيه وكالة الصحافة الفرنسية أي ميل سياسي، ستفقد كل مصداقيتها... من جهة أخرى، على وكالات الأنباء -كما وسائل الإعلام- التأكد من ألا تكون هناك جهات منسية في تغطيتها. وبعد المفاجآت التي حصلت في استفتاء (بريكست)، وفي الانتخابات الأميركية السابقة عام 2016، أو أخيراً مع احتجاجات حركة (السترات الصفراء) في فرنسا، أعادت الوكالة نشر صحافيين في مناطق كانت منسية إلى حد ما.
> ثمة من يقول إن وكالات الأنباء أمام تحديات وسائل التواصل الاجتماعي، وإن السبق الخبري لم يعد ذا أهمية، لأن هناك من يقوم به من الأفراد... كيف تتأقلمون في صناعتكم اليوم مع تنامي قاطرة الإعلام؟
- (أ.ف.ب) تسجل باستمرار منجزات على صعيد السبق الصحافي. في الفترة الأخيرة مثلاً، كانت أول من شهد على المجازر في إقليم التيغراي الإثيوبي، لكنها مع ذلك تتمسك دائماً بتغليب الصدقية على السرعة. وبالتالي، هي لا تشارك في (السباق على السبق)؛ المشتركون يشتركون بخدمات (أ.ف.ب) من أجل تغطيتها الكاملة المحايدة المستقلة المنوعة للأخبار، لا من أجل السبق الصحافي... في المقابل، فإنه بالفعل بات السبق الصحافي يخرج أكثر فأكثر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لذا، يقوم عمل الوكالة أكثر فأكثر على التحقق من صحة الأخبار، والتدقيق في المحتوى المنشور على وسائل التواصل؛ مواقع التواصل تعد بالنسبة إلينا مُكملة لنا، أكثر من كونها منافسة، فهي تحثنا على الالتزام بقدر أكبر من الحذر. كذلك، يكون لعمل الوكالة أهمية، في حين يمكن لأي شخص أن ينشر صورة أو مقطع فيديو لحدث هو شاهد عليه.
> ما نوع التهديدات التي تواجهها وكالات الأنباء اليوم وسط التحولات الحاصلة في صناعة الإعلام؟ وما التهديدات كذلك التي تواجهها المؤسسات الإعلامية؟ وبالتالي، كيف تقرأون مستقبل الإعلام؟
- صحة وكالة (أ.ف.ب) مرتبطة بصحة مشتركيها. والنموذج الاقتصادي لبعض وسائل الإعلام، لا سيما الصحافة المكتوبة، يعاني من وجود المنصات الإلكترونية الكبرى التي صارت تستقطب مجاناً قسماً كبيراً من موارد الإعلانات، عبر عرض محتوى صحافي لا تنتجه. لهذا تخوض وكالتنا معركة حقيقية هدفها جعل منصات مثل (غوغل) و(فيسبوك) تدفع للناشرين والوكالات على محتوى الأخبار الذي يجذب كثيراً من القراء إلى هذه المنصات. هذه معركة شرعية، وللدول أيضاً دور فيها، وقد رأينا ذلك أخيراً مع المواقف الحازمة التي اتخذتها الحكومة الأسترالية التي دفعت المنصات إلى تغيير جذري في موقفها، والموافقة على دفع ثمن المحتوى... وبالنسبة إلى (أ.ف.ب) تحديداً، فإن الاتجاه إيجابي بما أن مواردها تتزايد، في حين أن نفقاتها لا تزال على ما هي عليه. ومرد هذا إلى نوعية الإنتاج الشامل للوكالة؛ وهو محتوى ضروري أكثر فأكثر للمشتركين، لا سيما في زمن جائحة (كوفيد-19»، لأن لدى (أ.ف.ب) فرقها العاملة على الأرض. ويعود هذا أيضاً إلى عاملين أساسيين للنمو، هما: خدمة الفيديو التي تستقطب عدداً أكبر من شاشات التلفزيون، وخدمة التحقق من صحة الأخبار التي تعد وكالة الصحافة الفرنسية من أبرز المرجعيات المتخصصة فيه عالمياً.
> ما الذي ستحتاجه المؤسسات الإعلامية، وأيضاً يحتاجه الصحافيون، في رأيك، لمواكبة التطورات مستقبلاً؟
- من المخاطر التي تواجه وسائل الإعلام اليوم شيخوخة جمهورها. وبالتالي، من الملح إذن تجديد المواضيع والزوايا وطرق البث لاستقطاب الشباب إلى هذه الوسائل. ومشاركة وكالة (أ.ف.ب) في هذا الموضوع محور كبير في استراتيجيتها، وهي تقوم بذلك مثلاً عبر مواكبة أفضل لمواضيع مثل التطور الرقمي والمناخ، وعبر استخدام أشكال صحافية أقرب إلى جيل الشباب، بينها الفيديو مثلاً. ثم إن وكالتنا تتطور في مجال الإعلام المسموع، وتستثمر أكثر في مجال جمع البيانات. وعلى سبيل المثال، إبان جائحة (كوفيد-19»، استخدمت وسائل الإعلام كثيراً الرسوم البيانية التي كانت تعدها، وكانت تحصي يومياً أعداد الوفيات في كل أنحاء العالم.
> تستثمر بعض الوكالات والمؤسسات الإعلامية اليوم في مراكز دراسات أو شركات بيانات... كيف تساعد هذه المراكز والشركات في العمل الإعلامي؟
- لا تتجه (أ.ف.ب) إلى هذا المجال، بل تركز عملها على جوهر مهنتها، ألا وهو نقل الوقائع في كل مكان في العالم على مدى 24 ساعة في اليوم، وعلى مدار السنة، بست لغات، بالنص والصور والفيديو. وبالتالي، لا يشمل اختصاصها التعليقات أو الدراسات.

فابريس فريس... من العلاقات العامة إلى وكالات الأنباء
> يعمل فابريس فريس رئيساً لمجلس إدارة «وكالة الصحافة الفرنسية» -أو آجانس الصحافة الفرنسية- (أ.ف.ب)، بالإضافة إلى عمله رئيساً تنفيذياً لها، منذ أبريل (نيسان) 2018. وشغله هذا المنصب يجعله قائداً لإحدى أكبر وكالات الأنباء الدولية، التي تضم 1700 صحافي منتشرين في أكثر من 150 دولة من حول العالم.
> تلقى تعليمه في جامعة كاليفورنيا - بيركلي المرموقة في الولايات المتحدة، وغيرها من الجامعات، وحصل على عدد من الشهادات الأكاديمية منها.
> تدرج رئيس مجلس الإدارة في كثير من الوظائف والخبرات المهنية، إذ عمل في عام 1997 رئيساً لقسم الاستراتيجية والتطوير في شركة «هافاس» المختصة بالإعلانات والعلاقات العامة. وانضم إلى شركة متخصصة في تقنية المعلومات والاستشارات التقنية، بصفة النائب الأول لرئيس المجموعة، المسؤول عن الحسابات الرئيسية واستراتيجية السوق.
> سبق لفريس أن عمل أميناً عاماً في «مجموعة بوبليسيس» (Publicis Grope)، إحدى أكبر شركات العلاقات العامة في العالم، كما كان رئيساً تنفيذياً لشركة «بوبليسيس كونسلتانتس» (Publicis Consultants)، وهي وكالة تابعة للمجموعة سابقة الذكر متخصصة في مجالي الاتصالات واتصال الأزمات.



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.