معروف الرصافي... من «رهبانية التصوف» إلى «تاريخية النص»

معروف الرصافي... من «رهبانية التصوف» إلى «تاريخية النص»

76 عاماً على رحيل الشاعر المتمرد
الأحد - 21 شعبان 1442 هـ - 04 أبريل 2021 مـ رقم العدد [ 15468]
معروف الرصافي

منذ كنا طلاباً على مقاعد الدراسة، قبل أكثر من نصف قرن، تعرفنا على الشاعر العراقي معروف الرصافي، كما تعرفنا على شعراء عرب آخرين، كانت مقطوعاتهم الشعرية تزين مواد القراءة والنصوص في المناهج المدرسية، وترسم ذائقة لغوية وأدبية لأجيال قادمة.
تعرفنا من حينها على الرصافي الذي مرت قبل أيام ذكرى رحيله قبل 76 عاماً، باعتباره أحد أكبر الرموز الشعرية العربية في العصر الحديث، الذي تفرد عن غيره من الشعراء بتناول موضوعات في شعره غطت الكوني، والاجتماعي، والفلسفي، والسياسي، والتاريخي، والعاطفي. ولم يكتف بذلك، بل كتب حتى عن المخترعات الحديثة التي ربما لم تكن قد وصلت إلى بعض الدول العربية، كما تناول في قصائد عديدة أحداثاً يومية عايشها بنفسه، وأمكنة مر بها ورسم عنها لوحات شعرية ذهبت على الألسنة وتلقفها المتلقون على اختلاف مشاربهم وأعمارهم. وكان أيضاً شاعراً طليعياً، هاجمت قصائده الجمود والتخلف، داعية التنوير ومعايشة التطور. لقد تجاوز الرصافي في شعره ونثره أعمالاً وآراء موروثة بالية، طارحاً تساؤلات صادقة حول ما يُعتقَد أنه من المسلمات، وأزاح الغموض الذي شاب الكثير منها، مبرزاً في مواضع متعددة الخرافات والفجوات التي عشعشت سنيناً في بعض كتب التراث والتاريخ. وطالب شعراً ونثراً بغربلة الذات والخروج من أسر وهاجس تاريخية وقداسة النصوص فهو القائل:
أبت كُتب التاريخ للحقِ مُلتقى ** فَبينهما من زُخرف القول مَوبِق
فإن شرَقت في الحق فهو مغرب ** وإن غربت في الحق فهو مشرِق
تجور بها الأهواء جوراً وإنما ** على مُزْلقات المَين تمشي فتزْلقُ
وقال أيضاً:
فما كتب التاريخ في كل ما روَت ** لقرائها إلا حديثٌ ملفَقُ
نظرنا لأمر الحاضرين فرابَنا **فكيف بأمر الغابرين نصدِق؟!
وما صدَقتنا في الحقائق أعينٌ **فكيف إذن فيهن يصدق مُهرق؟!
وهل قد خُصِصنا دون من مات قبلنا ** بخُبث السجايا؟ شدَ ما نَتَحمَق!
لم يذهب بعيداً الأديب والناقد والروائي والشاعر الكبير إيليا حاوي الذي ترك أعمالاً لافتة عن أعلام الشعر العربي القديم والمعاصر، ودرس وعالج فيها نماذج من هؤلاء الأعلام وشرح عشرات الدواوين لشعراء قدامى ومعاصرين، عندما وصف الرصافي بأنه «يمثل تمرد الشعر على الواقع والحاجة. وفيه من تصوف الكرامة الإنسانية التي لا تتنازل تحت وطأة القسر والإكراه»، مشدداً بالقول: «الشاعر عف بشعره عن قصائد المدح، كما حشدت في دواوين شعراء آخرين».
أعادت هذه العبارات لناقد كبير صورة الشاعر الذي «يكاد يحسب جباراً في جسمه الضارب لون أديمه إلى السمرة، فهو واسع الصدر بطيء النفس، عريض المنكبين، ممتلئ الجسم مفتول العضل، متين البنية»، كما وصفه، وهو في السابعة والخمسين من العمر، الراحل عبد المسيح وزير، المترجم الأول في وزارة الدفاع العراقية، وواضع قاموس المصطلحات العسكرية التي عرب جميع أسمائها وأدواتها، وكذلك أجزاء السيارات وآلاتها، كما عرب أسماء الرتب العسكرية، وكان كاتباً أديباً واسع الثقافة، وله مؤلفات وكتابات صحافية هزلية.
في بغداد عاصمة الشعراء، ولد الشاعر معروف بن عبد الغني بن محمود الجباري الحسيني عام 1875م، من أب كردي النسب وأم تركمانية، وأطلق شيخه محمود شكري الألوسي الذي اتصل به الشاعر ولازمه لسنوات عليه لقب «الرصافي»، حتى يكون به صنواً للشيخ معروف الكرخي المتصوف الإسلامي الكبير، كما لمح إلى ذلك الأستاذ والناقد قاسم الخطاط في دراسته الشاملة التي تناولت حياة الشاعر الرصافي، ورسم صورة صادقة لحياة الرصافي كما عاشها بأمانة وحياد، وشدد خلالها على أن الشاعر: «كان رجلاً صادقاً لا يحب النفاق، وكان يحب الحقيقة ويعبدها»، كاشفاً عن حياة ضاجة صاخبة للشاعر، وفي عصر تتوالى فيه الأحداث في العالم العربي. فقد «عاش الرصافي حياة عريضة عجيبة، حفلت بكل عجيب»، كما قال عنه: «انطلق من الظلمات بغتة مثل الشهاب، وراح يوغل في الصعود متألقاً يشد إليه الأنظار المتطلعة المبهورة، ولم يلبث إلا قليلاً، حتى راح يهبط نكساً ليعود إلى منطلقه، فيتوارى في أزقة بغداد تاره، وفي منفاه الاختياري بمدينة الفلوجة تارة أخرى، ثم في دكان صغير بالأعظمية يبيع فيه السجائر ليعيش! وحتى تعطيه شركة السجائر كمية أكبر ليحصل على ربح أكثر يحييها ببيتين من الشعر يدعو الناس فيهما إلى تدخين سجائرهم من ماركة (غازي) فيقول:
دخن سيجارة (غازي) ** في وقفة واجتيازي
وجاز نصحي بخير ** إن كنت ممن يجازي!»
وضع كثير من النقاد ومتذوقي الشعر الرصافي في منزلة أمير الشعراء التي كانت قصراً على الشاعر المصري الكبير أحمد شوقي؛ ذلك أن الرصافي في شعره ونثره فجر أعمالاً تجاوز فيها السائد والمألوف وأزال الغموض، وطالب بغربلة الذات فيها والخروج من أسر وهاجس تاريخية النص، كما نسف فكرة تقديس الأشخاص وتصنيمهم، واضعاً كل الأمور تحت مجهر العقل.
غادر معروف الرصافي الحياة مخلفاً سفراً خالداً من الأشعار والمؤلفات؛ الكثير منها كان صادماً، وبعضها لم يطبع إلا بعد رحيله بنصف قرن بناء على وصيته.


العراق Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة