التدابير التقنية تغطي مؤقتاً الفشل السياسي باحتواء أزمات لبنان

الرئيس السابق للرقابة يقترح... وخبيران يعلقان على «خريطة طريق» للخروج من النفق النقدي والمصرفي

التدابير التقنية تغطي مؤقتاً الفشل السياسي باحتواء أزمات لبنان
TT

التدابير التقنية تغطي مؤقتاً الفشل السياسي باحتواء أزمات لبنان

التدابير التقنية تغطي مؤقتاً الفشل السياسي باحتواء أزمات لبنان

يتواصل تفشي الإحباط بوتيرة متسارعة في كل مفاصل الاقتصاد اللبناني وقطاعاته الحيوية، مزخماً بشبه الانسداد الداخلي في مقاربة الملف الحكومي الشائك والذي ينتج تمادياً ثقيلاً في تأخير المفاوضات المعلقة مع صندوق النقد الدولي. وبحدث هذا رغم الإقرار الجماعي بأن حصيلة التفاوض باتت فاصلة لجهة إمكانية إعادة انتظام المؤسسات واحتواء فجوات الخسائر الهائلة، من خلال الحصول على برنامج تمويلي. وهو الشرط اللازم أيضاً لانسياب الدعم الخارجي وتعاون الدول والمؤسسات التواقة لمد يد العون إلى البلد المنكوب.
وفي هذه الأثناء، تبقى الفوضى النقدية المتعاظمة إلى حد فقدان العملة الوطنية نحو 90 في المائة من قيمتها الإبرائية والشرائية، مكمن الخطر الأكبر الذي لا تقتصر أضراره على مدخرات المواطنين ومعيشتهم فحسب، بل هي تشي بالتحول إلى وقود لفوضى اجتماعية وربما أمنية. وذلك تحت وطأة تعاظم الأضرار التي تطوق نحو 60 في المائة من المقيمين دون خط الفقر، وتكاد تضم إليهم فئات جديدة لتصل النسبة إلى 80 في المائة، عقب تلاشي قدرات الطبقات الوسطى بفعل الاقتطاع من المدخرات المحبوسة في البنوك.
ريثما تنضج «طبخة» التسويات السياسية في إدارة التعامل مع الاستحقاقات الداهمة والآنية في لبنان، تتكرر المحاولات التقنية لكبح سرعة التدهور واحتواء ما أمكن من النتائج والمؤشرات الكارثية التي تتدحرج ككرات الثلج على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. وفي آخر تجليات المعالجات غير السياسية، عودة مصرف لبنان (البنك المركزي) إلى ميدان التداولات النقدية عبر منصة ثلاثية الضلع تشاركه فيها المصارف وشركات الصرافة.
هذه المشهدية المتناقضة بوقائعها وبمقارباتها تثير الكثير من الأسئلة، وتطرح جدلية موضوعية بشأن مدى نجاعة البُعد التقني، بموازاة توالي الفشل على الجبهة السياسية، وقرب نضوب احتياطات العملات الصعبة لدى مصرف لبنان. وهو ما سعت «الشرق الأوسط» إلى سبر أجوبته، ضمن سياق مقاربة أحدث التدابير النقدية التي تترقبها الأسواق، مع ثلاثة من كبار المعنيين والمتابعين عن كثب للشأن الاقتصادي عموماً والقضايا النقدية والمالية على وجه الخصوص، هم: الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود، والمدير العام لمصرف «فيرست ناشونال بنك» نجيب سمعان، والخبير المصرفي داخل لبنان وخارجه الدكتور جو سرّوع.
- حمود: خريطة المعالجة مسؤولية الدولة أولاً
عن هذه المستجدات وماهيتها ونتائجها المتوخاة، يقول سمير حمود «بداية، لا بد من الإقرار بأن الوظيفة الأصلية للبنوك هي الائتمان عبر ضخ ما تجمعه من مدخرات. أما في حالة القطاع المصرفي اللبناني، فهو يحمل كتلة نقدية يصعب تذويبها أو تسييلها وفق الآليات التقليدية المعروفة. هذه الكتلة البالغة نحو 105 مليارات دولار أميركية حالياً، وتمثل إجمالي الودائع هي متجمدة فعلياً، ويتعذّر صهرها طبيعياً إلا من خلال ثلاث قنوات رئيسية، هي: الاستمرار بالسحوبات، والتخزين في المنازل أو التحويل إلى الخارج... إضافة إلى استخدام الأرصدة لتغطية مديونية قائمة. بينما يؤول استعمال المدخرات لشراء عقارات مثلاً إلى تغيير هوية المودع فقط، ومن دون تحقق هدف احتواء جزء من الكتلة المنتقلة من شخص إلى آخر».
في الوضعية السارية حالياً، يوضح حمود، فإنه ومع الانسداد التام لقناتي السحب النقدي للدولارات أو تحويلها إلى الخارج وعقم المبادلة بالعقارات، عمد البنك المركزي إلى فتح مسرب جانبي عبر إتاحة صرف الودائع الدولارية بالليرة ضمن قيود للكميات وسقف للسعر عند 3900 ليرة لكل دولار. وهذا يعني عملياً، أن سحب كامل الأرصدة سيتوزع على 20 سنة بالحد الأدنى، باعتبار أن المتوسط المشروط للسحوبات يبلغ نحو 5 مليارات دولار سنوياً. وللعلم، جرى سابقاً استخدام جزء من الودائع المجمدة لتسديد نحو 18 مليار دولار من الديون العاملة، وباتت الأمور أكثر صعوبة حالياً إلا في حال شراء قرض عقاري لعميل.
بذا؛ كما يؤكد الرئيس السابق للرقابة المصرفية، فإن النظام المصرفي «دخل في حالة جمود بسبب حيازته كتلة نقدية كبيرة تتعدى المائة مليار دولار غير قابلة للتسييل أو الاستخدام ولا حتى التذويب. بل إن القطاع يكاد يتصف بأنه غير قابل للحياة، ولا سبيل لإعادة إنعاشه من دون المرور الحكمي بحزمة متطلبات رئيسة، يتصدرها ضخ رساميل جديدة بدولار جديد (فريش)، وودائع وتسليفات على المنوال عينه. ويليها إعادة تنظيم السيولة وضبطها، وأيضاً إدارات جديدة وملكيات جديدة، وربما اعتماد أسماء جديدة للبنوك. أن التزام هذه الموجبات من قبل المصارف العاملة سيفضي إلى خلق كيانات مصرفية جديدة يمكن أن تنشأ كوحدات مستقلة بالكامل داخل البنوك أو إنشاء بنوك جديدة تكون مؤهلة لاستقطاب مساهمات خارجية».
«هذا مسار استراتيجي يتعذر من دون سلوكه جذب ودائع جديدة»، كما يجزم سمير حمود. أما بخصوص الودائع الحالية «فنحن لا ننشد أي تدخل من قبل الدولة، ولا نتوقع أن تقدر على تعويم أي مصرف على غرار التجارب الدولية. ومن المنطقي أنه على المصرف العاجز عن إعادة تكوين حصانته الخروج طوعاً من السوق تحت مظلة البنك المركزي الملتزم بكامل الحقوق المتوجبة، ولا سيما الزبائن والموظفين».
ويتابع حمود شرحه، فيقول، إن «إبراء الدولة من مهام الكفالة والحماية للقطاع المصرفي الوطني لا يمكن أن يعفيها من موجب أداء ديونها واحترام التزاماتها تجاه الدائنين، وفي مقدمهم البنك المركزي. فهذه المؤسسة شخصية معنوية من القطاع العام، أي أن ملكية البنك تعود للدولة، بدليل أنه في حال تحقيق أرباح لديه فهو ملزم بحصة 80 في المائة تعود إلى الخزينة، أي لصالح الدولة. والبديهي أن (غُنم) الربح للمستفيد وجوباً يقتضي مشاركته بالـ(غُرم) عند حصول خسائر أو عجز».
ثم يوضح «كذلك من الضروري الإشارة إلى الدولة اللبنانية مدينة حالياً (على الورق) بنحو 65 مليار دولار لصالح البنك المركزي والجهاز المصرفي. وما اقترحه أن تقوم الدولة بإصدار سندات دين جديدة متدنية الفوائد قد تصل إلى الصفر وطويلة الآجال لمدة تصل إلى 20 سنة، بهدف استبدال ديونها القائمة لصالح البنك المركزي بنحو 55 مليار دولار محرّرة بالليرة ولصالح المصارف بنحو 10 مليارات دولار لقاء سنداتها الدولية. بذا تتحقق تغطية الفجوة في ميزانية مصرف لبنان ويتاح له تيسير توظيفات المصارف لديه. وهذا، مع أن الجزء الأكبر من الاستبدال سيكون ضخاً من مال الدولة في المؤسسة المموّلة وهي من القطاع العام أيضاً».
واستطراداً، يشرح حمود آليات «خريطة الطريق» التي لقيت اهتماماً نيابياً ومصرفياً، فيقول «ضخ هذه الكتلة بمبلغ 65 مليار دولار، ولو بسندات آجلة لمدة 20 سنة، سيعزز مكانة احتياطات البنك المركزي البالغة حالياً نحو 15 مليار دولار. وتوازياً يجري إعادة هيكلة ميزانيات البنوك التي تبلغ موجباتها من الودائع 105 مليارات دولار، بينما هي تملك نحو 25 مليار دولار كتسليفات عاملة في القطاع الخاص، ولديها نحو 70 مليار دولار كتوظيفات في البنك المركزي، يضاف إليها 10 مليارات دولار كسندات جديدة تصدرها الدولة بديلاً من سندات (اليوروبوندز)، فتكون الحصيلة متطابقة محاسبياً وموضوعياً. وهذا فضلاً عن نحو 3.5 مليار دولار تمثل حسابات المصارف لدى بنوك خارجية مراسلة، وبذلك كله نكفل تصويب دوران الحقوق والموجبات بين (ثلاثي) الدولة والبنك المركزي والمصارف، ونضمن – وهذا الأهم معنوياً ونفسياً – الخروج من مخاوف ذوبان ودائع الناس وضياعها إلى واقع إعادة التسييل التدرجي للمدخرات والحقوق».
- لا تتوقعوا إنتاجاً من مصنع مغلق
ومن مدخل الاستدلال، يضيف حمود «لا يمكن توقع إنتاج مع عزل إدارة المصنع وإقفاله بالسلاسل. هكذا هو حال الدولة حالياً. ولذا؛ لا مفر من إعادة التشغيل بتجديد الإدارة واعتماد خيارات ميسرة بالفعل. ومع التغطية الممكنة للفجوات المالية والخسائر الموصوفة... يبقى فقط مسألة المديونية الخارجية للدولة البالغة نحو 20 مليار دولار في الأسواق الدولية، وهي ليست مستعصية كما يتصور البعض. ففي حال نضوج المعالجات الداخلية والشروع بتنفيذها، ستجد الدولة أمامها خيارين يتسمان بالمرونة وقابلين للتشاركية، هما: التفاوض المباشر مع الدائنين و- أو الاستثمار في نتائج المفاوضات المرتقبة مع صندوق النقد الدولي. ولدى الدولة ومصرفها المركزي احتياطات حقيقية من الدولار والذهب الذي تقارب قيمته 17 مليار دولار. ومع تقدم العلاقة مع الصندوق يمكن إعادة برمجة هذه المديونية وخفض كلفتها، مع الإشارة إلى أن هذه السندات موزعة أصلاً على شرائح تصل استحقاقاتها إلى عام 2037.
ويستخلص حمود، أن «الخطأ الكبير الذي يحاكي الخطيئة يتمثل باستسهال الدعوة إلى الاقتطاع من المدخرات، والتنصل من ديون الدولة المحلية والخارجية. فما من دولة تعلن الفشل والإفلاس بهذه الطريقة بينما هي تحوز أصولاً وموجودات ومعالجات علمية متاحة. يضاف إلى ذلك ميزة الهبوط الحاد للفوائد التي يمكن للدولة عرضها على الدائنين بحدود 1 في المائة فقط. وهذه فرصة نموذجية لإعادة هيكلة المالية العامة ووضع مسار واضع لاستعادة التوازن بين إيرادات ومصروفات الخزينة».
ويختم «نعم، لدينا الحلول، لكن تنقصنا الإرادة والإدارة. فلنفتح المصنع من جديد وليبدأ التشغيل والإنتاج وفتح قنوات الإيرادات. بذا فقط نحول القيود الورقية العائدة لمقيمين ومغتربين إلى دولارات حقيقية يرضى أصحابها بالتأكيد الاستحصال عليها بعملتها وقيمتها، ولو ضمن جدولة زمنية، شرط أن تكون معززة بالضمانة وبواقع تغيير حقيقي في إدارة البلد وشؤونه. الدولة لا تأكل حقوق مواطنيها وثرواته، إنما هي الراعي الصالح وهي الضامن لحقوق الناس الذين يقومون بخدمة وطنهم وبواجباتهم».
- سمعان: الثقة مفتاح الخروج من النفق
من جهته، يعتقد المدير العام المصرفي نجيب سمعان، أن التدابير التقنية التي تضطر السلطة النقدية إلى استخدامها تحت وطأة تفاقم الأزمتين النقدية والمالية، «لا يمكن أن تشكل بديلاً عن المعالجات السياسية الملحة التي تحتاج إليها البلاد»... توطئة لإعادة تفعيل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. ويضيف «من الواضح أن استنزاف الاحتياطات الحرة لدى مصرف لبنان فرض إيقاعه على الميدان الداخلي بسبب تعذر تواصل دعم المواد الأساسية وفق النمط السائد؛ ما ينذر بموجات تضخمية خطرة، بينما تكاد التبادلات النقدية في الأسواق الموازية تستسلم تماماً لمنظومة المضاربات».
سمعان يرى «أن وجوب إعادة هيكلة القطاع المالي بكل مكوناته ومؤسساته لا يستقيم في ظل فوضى الأسواق وتعاظم المخاوف من تسريع وتيرة التدهور. وبالتالي، فإن الحكومة الموعودة هي العنوان الوحيد لعودة البلد إلى مسار الإنتاجية، وتحديد مستويات القعر المالي... تمهيداً لمحاكاة علاجاته بدءاً من اتفاق، لا بديل عنه، مع صندوق النقد الدولي، والاستجابة للمتطلبات الإصلاحية المعروفة التي وردت معظم بنودها في مذكرات الحكومة إلى (مؤتمر سيدر) وفي مندرجات الورقة الفرنسية ضمن (خريطة طريق) الخروج من النفق».
وإذ يتفق سمعان مع اقتراحات حمود لجهة مبادرة الدولة إلى تحديد إطار تغطية الفجوات والخسائر عبر آليات تتصل بإعادة هيكلة مديونيتها والتزاماتها، فهو يؤكد أن «استعادة الثقة مهمة تكافلية يجب أن تعكسها وتقودها حكومة منسجمة، على أن تبادر في أولى خطواتها إلى استئناف المفاوضات المعلقة مع صندوق النقد الدولي مسبوقة بتوحيد الرؤية والاقتراحات وتحديد تشاركي لمستوى القعر وخسائره».
- سرّوع: الدعم ليس من مسؤولية البنك المركزي
أما الخبير المصرفي جو سرّوع، فيرى مسبقاً أن «وضع لبنان الحالي يشكل مزيجاً مسخاً من اقتصاد حرّ بعملانية اشتراكية وثقافة ميركنتيلية MERCANTILE، وفي ظل دولة فاشلة غير منتجة ومن دون هيبة. ولذا؛ فإن الاستسهال في استعمال الاحتياطي الإلزامي في موضوع الدعم أو سواه، أمر يستدعي التنبيه لمخالفته الأصول والأنظمة ولتداعياته على حقوق المودعين». ويتابع «في الأصل الدعم هو مسؤولية الدولة وليس المصرف المركزي، الذي تنحصر مسؤوليته بتوفير العملات الأجنبية عند اللزوم، بأسعارها المتداولة أو أن يقرضها إلى الدولة، في حال كان لديها القدرة على الايفاء. وفي مطلق الأحوال، يجب أن يُدرج الدعم بكل تفاصيله في موازنة الدولة وفي مشروع خزينتها، وتحديد سبل تموينه».
ويوضح سرّوع، قائلاً «لدى المصرف المركزي نوعان أساسيان من الاحتياطي. وهذان النوعان مكوّنان من عملة واحدة من حيث اشتراكهما في الشق الأول من الاسم، إنما يختلفان استراتيجياً في الهدف، أي أنهما ليسا وجهين لعملة واحدة. الاحتياطي الصافي موجه إلى حزمة أهداف تشكل مظلة واقية للاقتصاد الوطني. واستخداماته تتركز في إدارة العملة الوطنية وصيانتها في إطار السياسة النقدية، بشقيها النقدي ومستوى الفوائد الدائنة والمدينة. والإدارة الجيدة والمُجدية للسياسة النقدية تساهم في إدارة مستويات التضخّم وتداعياتها سلباً أو إيجاباً على مستويات النمو في الناتج المحلي. في حين أن الاحتياطي الإلزامي ناتج من عملية دينامية، تُبنى على إيداع كل مصرف من البنوك العاملة في لبنان في حساب خاص باسم البنك المعني، يُعرف بحساب الاحتياطي الإلزامي ما نسبته 15 في المائة من قيمة ودائعه بالعملة الأجنبية المدونة في موازنة المصرف السنوية المدققة من قبل مدققي حساباته الخارجيين. ومعلوم أن الهدف من هذا التدبير، هو ضمان جزئي للودائع، إضافة إلى ضمان الودائع المقر قانوناً في حال تعثر المصرف المعني».
«بالمحصلة، - كما بقول سرّوع - فإن الاحتياطي الصافي هو المورد الاستراتيجي الحاضر للمصرف المركزي لإدارة السياسة النقدية. ودائع المصارف في المصرف المركزي بكل منتوجاتها المالية، شأن بين المصارف والمصرف المركزي. كما أن ودائع الناس شأن بين المودعين ومصارفهم. أما استباحة الاحتياطي الإلزامي الذي يموّل عملياً بجزء من ودائعهم، فأي استباحة له من أي سلطة كانت - مؤتمنة كالمصرف المركزي أو أي سلطة أخرى - يُعدّ انتقاصا من حقوق المودعين، وشأنه في هذا شأن أي انتقاص آخر حاصل الآن في حقوق المودعين ويُعتبر بمنزلة الاقتطاع المباشر من ودائعهم. والمطلوب أولا وأخيراً، الآن، الإصلاح الشامل الحقيقي، في ظل حوكمة جيدة وعادلة. أما بخلاف هذا المسار، فإن الأكلاف ستتضاعف على الصُّعد المالية والنقدية والاقتصادية والاجتماعية وحتى... الأمنية».
- دولار جديد بسعر 10 آلاف ليرة عبر منصة مصرف لبنان الثلاثية
> من المفترض أن يجري بعيد منتصف أبريل (نيسان) الحالي تدشين المنصة الإلكترونية الجديدة تحت إدارة مصرف لبنان المركزي، وبمشاركة الجهاز المصرفي وشركات الصرافة المرخصة. وهي عبارة عن تطبيق ثلاثي الضلع يصار من خلاله إلى مواكبة الطلب التجاري على الدولار الأميركي خارج منظومتي السعرين الرسمي عند مستوى 1515 ليرة لكل دولار والموازي عند مستوى قريب من عتبة 13 ألف ليرة للدولار.
وإذ أكد وزير المال الدكتور غازي وزني صحة التوقعات بتحديد سعر التداول الأولي عبر المنصة بحدود 10 آلاف ليرة للدولار الواحد، يتريث حاكم البنك المركزي رياض سلامة في الإفصاح عن الخطوات التنفيذية لجهة تحديد فئات المستفيدين وشروط الاستحصال على العملة الصعبة ومصدر تدفقها لتلبية الطلب وفق الآلية الجديدة. أما المعلومات المصرفية فتشير إلى أن التداولات ستكون شبه حصرية في المرحلة الأولى وهادفة لتغطية الحاجات النقدية بالعملات الصعبة المتصلة بالمستوردات من الخارج.
هذا، وتنتظر ادارات المصارف، وفق متابعات أجرتها «الشرق الأوسط»، صدور التعليمات التطبيقية للانضمام إلى المنصة، بما يشمل وصف الاحتياجات البشرية واللوجيستية المطلوبة، وتحديد المراكز والفروع المؤهلة لإدارة العمليات والبدء بتدريب الكوادر التقنية. والجدير بالذكر، أن البنك المركزي منح جميع المصارف العاملة رخصة تتيح لها القيام بعمليات التداولات النقدية، مغطياً بذلك الجانب القانوني ضمن التحضيرات للقيام بعمليات الصرافة بالعملات الأجنبية مقابل الأوراق النقدية بالليرة اللبنانية.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.