رافاييل غروسي... أمين وكالة الطاقة المولج بإبقاء إيران تحت المجهر

الدبلوماسي الأرجنتيني قليل الكلام ويرفض الخوض في السياسة

رافاييل غروسي... أمين وكالة الطاقة المولج بإبقاء إيران تحت المجهر
TT

رافاييل غروسي... أمين وكالة الطاقة المولج بإبقاء إيران تحت المجهر

رافاييل غروسي... أمين وكالة الطاقة المولج بإبقاء إيران تحت المجهر

بقدر ما هو مليء بالحيوية، فإن رافاييل غروسي، أمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مليء بالمفاجآت. والواقع أن هذا المسؤول الأرجنتيني وجد نفسه في خضمّ معركة بين إيران والمجتمع الدولي فور تسلمه منصبه في ديسمبر (كانون الأول) 2019. ورغم أنه يرفض الخوض في السياسة ويقول إن عمله تقني بحت، فهو يعترف بتأثير السياسة على عمله. وعلى عكس سلفه الياباني الأمين العام السابق يوكيا أمانو، وكان قليل الكلام، فإن غروسي يحب الترويج لعمله عبر الإعلام بشكل مستمر. وهو غالباً ما يدخل غرفة الصحافيين في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعاصمة النمساوية فيينا، من دون أن يكون في جعبته تصريح معين، بل يقول إنه مستعد للإجابة عن أي سؤال. وهذا، مع أن إجاباته غالباً ما تكون عامة، ولا سيما عندما يتحدث عن إيران. ولكن هذه المقاربة «الحيوية» تقول الكثير عن أسلوبه.
والحقيقة أنه خلال الأشهر القليلة منذ تسلم غروسي منصبه، نجح الرجل في إعادة تسليط الضوء على عمل الوكالة الذرية بشكل أكبر مقارنة مع أيام سلفه... وليس فقط أعمالها المتعلقة بالتفتيش النووي والملف الإيراني. فهو دائم الترويج لنشاطات الوكالات «الإيجابية»، مثل تلك المتعلقة بالطاقة البديلة بهدف تخفيف انبعاثات ثاني أوكسيد الكاربون لمواجهة التغير المناخي، أو نشاطات متعلقة باستخدام الطاقة النووية في الطب ومكافحة الأوبئة العالمية في المستقبل بناءً على ما يشهده العالم بسبب جائحة «كوفيد - 19». غير أن هذه «الحيوية الإيجابية»، كما يقول بعض منتقديه، تشتت تركيزه بعيداً عن العمليات الأهم للوكالة، وهي المتعلقة بعمليات التفتيش لضمان الطاقة النووية السلمية خاصة في إيران.
إلا أن غروسي نفسه يبدو واثقاً من قدرته على إدارة كل هذه الملفات بنجاح في الوقت نفسه.
من تابع مسيرة رافاييل غروسي (60 سنة) منذ انتخابه أمين عام المنظمة الدولية للطاقة الذرية، لم تغب عنه ملاحظة الحيوية الكبيرة التي حملها معه للمنصب، كما يقول أحد الصحافيين الذين يغطون بشكل دائم أعمال الوكالة في فيينا. لذلك؛ لم يتفاجأ هؤلاء عندما سافر غروسي إلى طهران يوم 21 فبراير (شباط) الماضي، بمبادرة شخصية منه وفي اللحظات الأخيرة «لمحاولة إنقاذ إيران من نفسها»، وذلك بعدما هددت بوقف التعاون مع المنظمة يوم 23 فبراير الماضي ما لم ترفع واشنطن العقوبات عنها.
هناك، في العاصمة الإيرانية، أجرى غروسي مفاوضات منهكة استمرت لـ11 ساعة مع المسؤولين الإيرانيين. وعاد بعدها إلى فيينا ليعقد مؤتمراً صحافياً فور وصوله إلى المطار، وفيه أطلع الصحافيين على أنه توصل إلى «اتفاق مبدئي» مع إيران لإكمال عمليات التفتيش لمدة ثلاثة أشهر إضافية. وهي في واقع الأمر فترة يعطي خلالها المجال للاعبين السياسيين بالتفاوض على إنقاذ الاتفاق النووي، والإبقاء بالتالي على عمليات التفتيش.
ثم، بعد أقل من أسبوعين من عودته من طهران، أثار غروسي مفاجأة أخرى بتأجيل انفجار الأزمة بين إيران والمجتمع الدولي للمرة الثانية خلال أيام. وحينذاك كانت الدول الأوروبية تعد لتقديم مشروع قرار مع الولايات المتحدة أمام مجلس المحافظين التابع للوكالة تدين فيه إيران لخفيضها تعاونها مع الوكالة، وكانت تلك خطوة نادرة للمجلس وذات دلالات كبيرة.
- مفاوض بارع
في المقابل، كانت إيران تهدد من جديد بوقف تعاونها مع الوكالة، بل وحتى وقف الاتفاق التقني الذي توصلت إليه مع غروسي قبل أيام، في حال صدرت إدانة بحقها من مجلس المحافظين. ومجدداً، عشية موعد تقديم مشروع القرار، دعا غروسي إلى مؤتمر صحافي عقده على عجل ليعلن فيه أنه توصل إلى اتفاق مبدئي مع إيران لإكمال المشاورات معها في مطلع أبريل (نيسان) لتوضيح المسائل العالقة، وأنها أكدت له استعداها الكامل للتعاون. وبذلك؛ قال غروسي لم تعد هناك حاجة إلى بيان إدانة من قبل مجلس المحافظين. وعندما سئل لماذا يختلف «الوعد» الإيراني هذه المرة عن سابقيه، لم تكن لدى الأمين العام إجابة إلا بأن عليه منح إيران «فرصة» مع أن النتيجة قد لا تكون مختلفة في النهاية. وتابع أنه بالنسبة إليه، فوظيفته هي الإبقاء على «قنوات التواصل حيّة».
ولكن، مقابل محاولات غروسي هذه منح الإيرانيين فرصة وراءها فرصة لإثبات «حسن نياتها» فيما يتعلق ببرنامجها النووي، فهو لا يتردد من جهة أخرى في الضغط عليها واستخدام كامل نفوذه انطلاقاً منصبه كأمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وحقاً، كانت من أولى مبادراته بعد انتخابه للمنصب، الضغط على إيران كي تسمح للمفتشين الدوليين بدخول مواقع سرية تشتبه الوكالة بأنها شهدت نشاطات نووية غير معلن عنها. وعندما لم يلق غروسي أي تجاوب من السلطات في طهران، لجأ إلى مجلس المحافظين في الوكالة ورفع إليه تقريرا مفصلا عن «عرقلة» إيران عمل المفتشين. ودفع هذا التقرير بالمجلس لتبني أول قرار إدانة ضد إيران منذ عام 2012.
ولم تمض أيام على قرار الإدانة هذا، حتى أعلن غروسي أن إيران سمحت بالفعل للمفتشين بدخول موقعين سرّيين من أجل أخذ عينات منها وتحليلها لمعرفة النشاطات التي شهدتها. وتبين لاحقاً بأن المفتشين عثروا على آثار يورانيوم غير مخصّب؛ ما يدل على أنه كانت هناك نشاطات نووية لم تعلن عنها إيران في مخالفة صريحة لـ«اتفاق فيينا»، رغم إنكارها المستمر للأمر.
اعتبر هذا الإنجاز نصرا بيّنا لغروسي، خاصة، أنه نجح بدفع إيران إلى الرضوخ في مكان حيث لم ينجح سلفه أمانو، الذي لطالما واجه اتهامات بأنه لا يضغط بشكل كافٍ على إيران للكشف عن ماضيها النووي. ومعلومٌ أن الولايات المتحدة تحث منذ سنوات الوكالة الدولية للضغط على إيران للكشف عن نشاطاتها النووية السرّية في مواقع عدة، منها موقع توركوز آباد بمحيط العاصمة طهران، الذي وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في عام 2018، بأنه «موقع نووي سرّي».
- السياسة... و«كوفيد - 19» والطاقة البديلة
من ناحية ثانية، رغم أن رافاييل غروسي يعتبر نفسه «تقنياً» فهو لا يتردد في لعب الورقة السياسية لتحقيق أهدافه. ومثلما انتزع قرار إدانة من مجلس المحافظين لكي يحقق هدفه بدخول مواقع إيران السرية، نجح قبل ذلك بالحصول على تأييد الولايات المتحدة لتوليه منصب الأمين العام. إذ الرجل الآتي من الأرجنتين والذي رشحته دولته للمنصب، كان ينافس الروماني كورنال فيروتا الذي كان مقرباً من أمانو، وفاز في الجولة الثانية بفارق صوت واحد فقط.
ومنذ فوزه، حرص غروسي على تجنب تركيز جهوده على «العمل السلبي» للوكالة، أي عمليات التفتيش والمراقبة النووية، بل راح يطلق مبادرات تتعلق بالتكنولوجيا النووية الطبية والبيئية وغيرها. وفي خضم أزمة جائحة «كوفيد - 19»، التي رفض غروسي أن تقيد تحركات المفتشين وعملهم، فإنه أطلق مبادرة طموحة سماها «زودياك» تهدف لاستخدام التكنولوجيا النووية لمواجهة الأوبئة في المستقبل وتدمير الفيروسات التي تشكل تهديداً قبل انتشارها. وقال عن المبادرة لمجلة «فورين بوليسي»، أنه «بحلول الصيف ستكون الوكالة جاهزة لتسليم معدات وتأمين تدريب لمناطق أساسية في أفريقيا وآسيا ودول حوض الكاريبي وأميركا اللاتينية».
ومبادرة غروسي هذه تبني على جهود سابقة للوكالة لبناء شبكة تساعد الدول على تحسين قدرات المختبرات للكشف المبكر عن الأمراض التي تهدد الثروة الحيوانية والصحة العامة ومكافحتها. وفي خضم إطلاق هذه المبادرة في فبراير الماضي، كانت أزمة مع إيران تلوح في الأفق مع اقتراب تاريخ 23 فبراير الذي حددته طهران لنفسها لوقف التزاماتها النووية في حال لم تعد واشنطن إلى الاتفاق وتبادر إلى رفع العقوبات.
وبينما كان غروسي يتلهى بمشروع «زودياك»، كانت الأزمة تقترب من الانفجار. غير أنه، كما سبقت الإشارة، تدارك الأمر قبل يومين بسفره المفاجئ إلى طهران وحصوله على اتفاق مؤقت أجل الانفجار. وهذا بالنسبة إليه، دليل، على أن بإمكان الوكالة فعلاً أن تتعاطى مع كل التحديات من دون أن تؤثر واحدة على أخرى. وهو دائماً يقول بأن «الوكالة الدولية لا تتوقف عن العمل لدقيقة واحدة». وبالفعل، في أوج أزمة «كوفيد - 19» في النمسا، ورغم إغلاق المؤسسات والعمل من المنازل، كانت الوكالة الدولية ما زالت تستقبل الصحافيين والموظفين داخل مقرها، إلى أن دفعت الإصابات المتكررة لطاقمها بالفيروس الوكالة إلى تخفيف العمل... ونقله إلى خارج جدار المبنى.
في أي حال زاد هذا الفيروس من إصرار رافاييل غروسي على العمل أكثر وتوسيع أفق الوكالة لتحارب الأوبئة. وهو يقول، إنه عندما بدأ الفيروس في الانتشار لجأ إلى فريق العلماء والخبراء لدى الوكالة وطلب رأيهم في كيفية مساهمة الوكالة بمكافحة ما تحوّل بالفعل إلى جائحة. وهكذا جاءت فكرة التواصل مع شبكة مختبرات بيطرية لتعزيز التعاون وتمكنيهم من الكشف عن فيروسات حيوانية خطيرة بشكل أسرع في المستقبل، وتدميرها قبل انتشارها.
من ناحية ثانية، يركز غروسي كذلك على الترويج للطاقة النووية كبديل عن الطاقة البترولية التي تلوث الكرة الأرضية وتساهم في التغير المناخي. وإبان إدارته الوكالة، أشرف على انتهاء العمل في معمل البراكة الذي يولّد الطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة، ليصبح المعمل الأول من نوعه في العالم العربي. وهو الآن يعمل مع المملكة العربية السعودية التي تطور معامل نووية لتوليد الطاقة الكهربائية.
النشأة والمسيرة
ولد رافاييل غروسي يوم 29 يناير (كانون الثاني) 1961، في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس. وهو متزوج وأب لـ9 أطفال، بحسب ما تقول سيرته الذاتية على موقع الوكالة الرسمي.
تلقى تعليمه الجامعي في الجامعة الباباوية الكاثوليكية في الأرجنتين، حيث حاز شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية. ولاحقاً تخرّج في المعهد العالي للدراسات والتنمية الدولية في جنيف بسويسرا حاملاً دكتوراه في العلاقات العامة والتاريخ والسياسة الدولية. ودخل فور تخرجه السلك الدبلوماسي في الأرجنتين خلال منتصف الثمانينات عندما كانت البلاد قد خرجت للتو من الحكم العسكري الديكتاتوري. ولعب دوراً في اهتمام غروسي بقضايا مكافحة الانتشار النووي، أن بلاده تحت الحكم العسكري حصلت على أسلحة نووية تخلت عنها بعد سقوط الديكتاتورية وبدء مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية عام 1983. وعن هذا الجانب يقول، إن ذلك كان درساً للخطر الذي يمكن أن تشكله التكنولوجيا المتطورة عندما تقع في الأيدي الخطأ. ثم بين عامي 1997 و2000 كان غروسي رئيس فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة والمعني بسجل الأسلحة الدولية، وشغل بعد ذلك منصب مستشار الأمين العام المساعد للأمم المتحدة بشأن نزع الأسلحة.
عام 2002 انضم غروسي إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية كرئيس موظفين في البداية، وبقي في المنصب حتى عام 2007. وفي نطاق عمله هذا، زار مرات عديدة مواقع نووية في كوريا الشمالية، وشارك في الاجتماعات التي سبقت التوصل لاتفاق مع إيران حول برنامجها النووي عام 2015. وشغل أيضاً منصب نائب أمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بين العامين 2010 و2013، قبل أن تسميه رئيسة الأرجنتين - آنذاك - كريستينا فيرنانديز كيرشنير سفيراً إلى النمسا وممثلاً للأرجنتين في الوكالات الدولية التابعة للأمم المتحدة في فيينا.
وصول غروسي إلى قيادة الوكالة عام 2019، كان طموحه منذ سنوات، وبتحقيقه أصبح أول أميركي لاتيني يشغل هذا المنصب. وتجدر الإشارة، إلى أنه عادة تنتهي ولاية الأمين العام بعد 4 سنوات، ولكن لم يسبق لأحد قاد الوكالة في السابق أن غادر بعد ولايته الأولى باستثناء أمينها العام الأول. وعندما توفي يوكيا أمانو – سلف غروسي – فإنه كان في منتصف ولايته الثالثة. ولذلك؛ فإن بقاء غروسي على رأس الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد يستمر لسنوات، يطمح خلالها هذا الدبلوماسي الأرجنتيني لإحداث «ثورة» تكنولوجية داخل الوكالة. ولكن يبقى أن نرى إلى أي مدى سينجح باللعبة السياسية مع إيران، وبإبقائها على التزاماتها مع الوكالة.
زيارته المقبلة إلى طهران، ستكون بلا شك، امتحاناً جديداً له ولمدى قدرته على التلاعب بين السياسة ووظيفته «التقنية» التي حددها لنفسه.


مقالات ذات صلة

تقرير: ازدياد الاستثمارات بأسلحة الدمار الشامل

أوروبا A U.S. experimental nuclear detonation in the Nevada desert (A.P.)

تقرير: ازدياد الاستثمارات بأسلحة الدمار الشامل

تسلط «الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية» الضوء على مؤسسات مالية تعمل على تحديث ترسانات الدول التسع النووية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
آسيا شاشة بمحطة قطارات في سيول تعرض نشرةً إخباريةً تتضمَّن لقطات أرشيفية لتجربة صاروخية كورية شمالية (أ.ف.ب) p-circle

كوريا الشمالية تطلق صواريخ باليستية عدة باتجاه بحر اليابان

أعلن الجيش الكوري الجنوبي، فجر اليوم (الأحد)، أنَّ كوريا الشمالية اختبرت إطلاق صواريخ باليستية عدة، في أحدث عمليات الإطلاق التي تجريها الدولة النووية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
آسيا صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات في مارس 2022  (أ.ب)

غروسي: كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة» في قدرتها على صنع أسلحة نووية

حذّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي، في سيول، الأربعاء، من أن كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة جداً» في قدرتها على صنع أسلحة نووية.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شمال افريقيا وزير الكهرباء المصري خلال لقاء وفد «الدوما» الروسي الجمعة (وزارة الكهرباء المصرية)

مصر وروسيا لتسريع العمل في «الضبعة النووية»

أكد وزير الكهرباء المصري، محمود عصمت، على «التعاون والتكامل بين مختلف المؤسسات والجهات في بلاده وروسيا؛ لإنجاز مشروع محطة الضبعة النووية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز) p-circle

محطة بوشهر النووية... مشروع الشاه الذي تهدده الحرب

محطة بوشهر النووية هي المنشأة النووية المدنية الوحيدة العاملة في إيران، وشيَّدتها روسيا ودُشّنت رسمياً في سبتمبر (أيلول) 2013، بعد عقود من التأخير.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.