هالة البدري: المبدعة العربية تدفع ثمن مواقفها مقدماً

الروائية المصرية صاحبة «مطر على بغداد» تقول إن استمتاعها بالكتابة يكفيها

هالة البدري
هالة البدري
TT

هالة البدري: المبدعة العربية تدفع ثمن مواقفها مقدماً

هالة البدري
هالة البدري

تعلمت هالة البدري من خبرتها كبطلة سباحة سابقة سياسة النفس الطويل، وأن الحياة حزمة من الأشواط وتدريب على الوصول إلى شط الحقيقة. بهذه الروح أبحرت في عالم الرواية، واستطاعت أن تكون لها خصوصيتها، منذ روايتها الأولى «السباحة في قمقم». وعلى مدار نحو أربعين عاماً وحتى روايتها «نساء في بيتي».
هنا حوار معها حول عالمها الروائي وأهم المحطات الفارقة فيه، ورؤيتها لواقع الثقافة العربية.

> اشتغلتِ على عالم القرية المصرية وفضاء الطفولة في أعمالك الأولى، ثم اتسعت التجربة أكثر حين انشغلت بالمدينة بزحامها وضجيجها... كيف ترين هذه الثنائية؟
- ارتكزت روايتي الأولى «السباحة في قمقم» على الطفولة حين اخترت أن أكتب عن عالم فريق سباحة يعكس حالة المجتمع المصري أثناء أزمة 1967 وحتى حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، في محاولة للإجابة عن سؤال معنى البطولة بالمقارنة بين بطولة رياضية مصنوعة مهما بلغت من سمو، وبطولة حقيقية في الدفاع عن الوطن. كانت هذه هي الرواية العربية الأولى عن وسط رياضي. وكان هو الوسط الوحيد الذي أعرفه ويسهل التعريف به باعتباري بطلة سباحة سابقة، ثم كتبت عن الريف وأنا من مواليد القاهرة وكذلك أبي، لكن أصولي الريفية ساعدتني في فهم عالم القرية التي رمزت إلى مصر في روايتي «منتهى»، التي استقصت روح الثقافة والحضارة التي مر خلالها الإنسان المصري. وفي روايتي «مدن السور» لم تكن المدينة في عمومها حاضرة فحسب بل حضرت مدن العالم ذات الأسوار أيضاً. أعتقد أنها أهم رواياتي وأكثرها حداثة رغم أن «نساء في بيتي» حققت رواجاً أعلى.
> على ذكر روايتك «نساء في بيتي» تشكو الراوية من «القوى الرجعية» التي وجهت شراستها نحو المرأة... ماذا عن مستقبل حواء العربية عموماً في هذا السياق؟
- الرواية تقدم حالة عامة لواقع النساء المبدعات في كل أنحاء العالم وليس في المنطقة العربية وحدها. ورغم أني غير متعصبة للنساء لم أستطع تجاهل الردة التي حصلت مؤخراً لواقع النساء في عالمنا العربي بصعود التيارات السلفية التي أدخلت أنماطاً جديدة لم تكن موجودة بهذه الدرجة في مجتمعاتنا، منها الدعوة لعودة المرأة للبيت ومنعها من مواصلة التعليم طالما هي لا تحتاج إلى العمل، ومحاولات تغيير بعض مكاسب قوانين الأسرة وفرض الحجاب حتى على الطفلات الصغيرات واستخدام مفاهيم جديدة على المجتمع لفرض تغيرات جذرية تحط من مكانة المرأة. هذه حقائق لا يمكن لكاتب أن يتجاهلها في مجتمعه ونظرة واحدة إلى القانون الجديد للأسرة في مصر تجعلك ترين إلى أي حد نحن نتراجع عن كل ما كسبناه في العقد الماضي. ما زال القانون يمنع المرأة من الولاية عن نفسها ويحدد لها ولياً يتخذ القرارات الرئيسية في حياتها بدلاً منها. وهكذا نحن نطالب بالولاية وبمكتسبات حواء ولن تتوقف النساء ولا الرجال المستنيرون عن مواصلة الجهود لتحرير المجتمع من شراسة القوى الرجعية.
> تضم «نساء في بيتي» نماذج للإبداع النسائي في الأدب والفنون... من أقرب هذه النماذج إلى قلبك؟ ولماذا؟
- هن ثلاثة نماذج في واقع الأمر. عاشت «انجبورج باخمان» حياة حافلة بالأحداث وكتبت شعراً رائعاً، عرفتها كشاعرة والصدفة وحدها قادتني للتعرف عليها ككاتبة روائية، حين تقدمت الباحثة المصرية أميرة سعد بطلب دراسة مقارنة بين روايتي «امرأة ما» ورواية باخمان «مالينا»، شدني وجه الشبه بيننا في الكتابة والموقف من العالم.
أيضاً كنت أعرف الرسامة الرائعة «جورجيا أوكيف» مبكراً جداً بسبب التشابه الشديد بين أسلوبها وأسلوب الفنان التشكيلي عدلي رزق الله، وقد عشقت لوحاتها وصور زوجها المصور العالمي الفريد ستجلز لها وتفاصيل حياتها وموقفها من الدنيا. هناك أيضاً نموذج «قوت القلوب» قصة من أعجب القصص لم نسمع عنها مطلقاً إلا أنها واهبة أول جائزة لنجيب محفوظ من خلال صالونها الأدبي، ثم قدم المترجم دسوقي سعيد روايتها عن الألمانية وتعرفت عليها ودافعت عن حقها في ريادة الكتابة الروائية وحق صالونها الذي كان يحضره ثلاثمائة كاتب. ثم حين فكرت في كتابة الرواية أدخلتها لتحتل ركناً مهماً منها وقرأت الأعمال التي أتيحت لي عنها بلغات متعددة لأنه لا توجد أي معلومات عنها بالعربية على الإطلاق إلا النذر اليسير للغاية.
> تعرضت بطلة الرواية، التي يبدو أنها تشير إلى هالة البدري نفسها، لمشاكل عديدة على المستويين العائلي والاجتماعي بسبب عدم ارتدائها الحجاب. إلى أي حد تدفع المثقفة العربية ثمن خياراتها في مجتمع ذكوري؟
- الكاتبة وكل من تعمل بالعمل العام تعرف أن ثمناً باهظاً عليها أن تدفعه للحفاظ على موقفها من المجتمع وقضيتها وتوازنها النفسي والاجتماعي. هؤلاء النسوة يملكن صلابة داخلية وقوة حقيقية للتعبير عن آرائهن ومواقفهن، ولا تستطيع امرأة هشة القيام بدور مهم في العمل العام أو الإبداع لأنها ستنهار عند أول موقف صعب تواجهه. الثمن مدفوع مقدماً ومستمر الدفع مع كل طلة شمس لأن المرأة المبدعة مزعجة جداً للأشخاص المتزمتين وتذكرهم باستمرار أن النموذج الذي يقدمونه فاشل، وأنها نموذج مختلف يعكس المضاد لأفكارهم. وقد واجهت في عائلة أمي مشاكل كبرى للضغط من أجل ارتداء الحجاب واتهمني البعض بتحريض البنات رغم أني لم أوجه كلمة واحدة تطالب إحداهن بخلع الحجاب، لكن نجاحي كصحافية وكاتبة ونجاح دوري كزوجة وأم كان يزعجهم، فهم يعتبرونني غير ملتزمة، فكيف ينجح شخص غير ملتزم من وجهة نظرهم ونظر من يؤثرون عليهم، لكني لم أنظر ورائي أبداً ومشيت في طريقي الذي خططت له بإصرار بمساعدات قوية من أبي وزوجي.
> يشغل العراق موقعاً مركزياً في مجمل تجربتك فقد سبق وعملت مراسلة صحفية لمجلة «روز اليوسف» في بغداد، كما صدر لك أكثر من عمل عن بلاد الرافدين مثل «المرأة العراقية» و«مطر على بغداد»... كيف تستعيدين هذه التجربة الآن؟
- لم يغب العراق أبداً عن حياتي سواء بحضارته المتعاقبة أو بواقعه المعاصر تحت نيران الحرب ومحاولات التفكيك. ما يجري في دولة العراق جزء لا يتجزأ من الضغوط الدولية الاستعمارية التي تقع على المحيط العربي من أجل تدميره وتفتيت جيشه كأحد تجليات تغيير خريطة المنطقة العربية. وروايتي «مطر على بغداد» رغم أنها كتبت بهدف تذكيرنا بهذه الحضارة العظيمة فإنها قدمت تجربة صعود حزب البعث في مواجهة باقي الأحزاب العراقية وصراعات المنطقة وفسرت جذور ما يمر به العالم العربي الآن من خلال ما مر بالعراق والمنطقة الحرب على العراق حرب اجتثاث، حرب الأرض المحروقة وتدمير الإمكانات الكبيرة لهذا البلد حتى لا تتكون قوة كبيرة في المنطقة تواجه الأطماع الإقليمية لدى الآخرين.
> من أعمالك التي ترجمت إلى الإنجليزية «امرأة ما»، و«مطر على بغداد» فيما ترجمت روايتك «منتهى» إلى اليونانية كذلك، ترى لماذا تأخر إبداعنا في الوصول إلى الآخر؟
- بلغت ترجمات أعمال الكاتبة الراحلة نوال السعداوي أضعاف ترجمات نجيب محفوظ حتى حصوله على نوبل. ثم حدثت طفرة كبيرة واهتمام شديد وتركيز على أدبنا العربي بعد نوبل محفوظ، ولاحظت اهتماماً سياسياً بترجمة أدب الشباب خصوصاً جيل التسعينات الذي كتب سيراً ذاتية واهتم بالحياة اليومية، لكن الترجمة عمل شاق ويحتاج مهارة وتكاليف كبيرة خصوصاً من اللغات التي لم تخرج من اللاتينية. ونحن كعرب لا نقوم بدورنا المؤسسي في تقديم أدبنا للعالم وقد فشل مشروع الهيئة المصرية العامة للكتاب في هذا السياق رغم وجاهته، وأظن أنه لا بد من تدخل المركز القومي للترجمة لترجمة مختارات باستمرار إلى اللغات المختلفة بالتوازي مع الترجمة من الآداب العالمية بالعربية، ولأن الترجمة تحتاج إلى إعداد كوادر على أعلى درجة من العلم والمهارة والتدريب وأيضاً إنصافهم مادياً لتشجيع الشباب على دخول هذا المجال.
> لكن اللهاث وراء الترجمة جعل بعض الأدباء العرب يتعمدون مناقشة قضايا بعينها تجسد صورة «الشرق المتخلف» على أمل إثارة اهتمام الغرب... كيف ترين هذا الأمر؟
- التجارة موجودة في كل مكان وقد تأخرت كثيراً ترجمة أعمالي بسبب انصراف المترجمين حين يسألون عن قضايا معينة فأرفض تزييف الواقع وأقول لهم: لا يوجد ختان ولا نساء ضعيفات ولا بكاء على الظلم الواقع على المرأة ولا صورة ألف ليلة وليلة، ولا غيرها من الصورة الذهنية النمطية التي يسعى البعض لتثبتيها في الذهنية الغربية! كان هذا هو الأمر حتى صادفتني جهة تحترم الأدب العربي فوافقت على الترجمة ضمن مشروع دار نشر الجامعة الأميركية الذي اعتمد على استثمار جزء من عائد بيع كتب نجيب محفوظ لتقديم ترجمات للكتاب المصريين والعرب. بالإضافة إلى مشروع آخر للتعاون بين الهيئة المصرية للكتاب ودار يونانية فصدرت «منتهى» باليونانية، فضلاً عن عشرات القصص التي تطلبها صحف وجامعات وهيئات من مختلف أنحاء العالم والتي بلغت تسعة لغات حتى الآن.
> حصلتِ على جائزة الدولة للتفوق في مصر... كيف ترين واقع الجوائز في المشهد الثقافي العربي الآن؟ ولماذا تثير كل هذا الجدل؟
- الجوائز العربية مشكلة كبيرة، يجب أن تكون لكل جائزة معايير فنية موضوعية قائمة على النزاهة وليس على الوضع السياسي أو الاجتماعي للكاتب أو علاقته بثلة معينة. شاركت في تحكيم عدة جوائز وخضت معارك من أجل الحفاظ على المعايير الموضوعية ولكن في مصر ظاهرة تستحق الوقوف أمامها وتحتاج إلى حل فقد وجدت بمراجعة إحصاء جوائز الدولة المصرية أن النساء لا يحصلن على الجوائز التي تشترط ترشيح هيئات جامعية أو أدبية لأنهم لا يرشحونهن من الأساس، وبالتالي هي محرومة من المنافسة في نوعية هذه الجوائز، ما عدا التي التي تسمح شروطها بالتقدم إليها بنفسها، وأن نسبة حصول النساء على جوائز الدولة 10 في المائة فقط معظمها من النوع الثاني. كما أن المرأة المبدعة لا ترشح لتمثيل بلدها إلا فيما ندر.
> بعد أربعين عاماً في حقل الإبداع... هل تعتقدين أن تجربتك الأدبية نالت ما تستحق من تقدير؟ أم أنك تنظرين خلفك في غضب؟
- عملت بجهد كبير واستمتعت بفعل الكتابة بشدة وحمتني الكتابة من مواجهة عواصف الدنيا. وجدت التقدير من جهات كثيرة ومن دول عديدة ومن جمهور كبير. لا أنظر خلفي في غضب أبداً. ولا أنتظر التقدير من أحد سوى القارئ. كل ما آمله هو الانتهاء من مشاريع كتبي التي لم تكتمل قبل أن أرحل عن الدنيا، خصوصاً أنني في السنوات الأخيرة عملت في تجهيز مشروعات تحتاج إلى وقت طويل لتنفيذها بالتوازي معاً. باختصار سعيدة باستمتاعي بالكتابة وهذا يكفيني.



خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)
اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)
TT

خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)
اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

«القولُ إنّ الطبيعة على صواب دائماً ادعاءٌ، من الناحية الفنية، خاطئٌ تماماً، كما هي الحال مع حقيقةٍ يُسلّم بها الجميع»، هكذا صرّح الفنان جيمس ماكنيل ويسلر في محاضرةٍ مثيرةٍ للجدل ألقاها عام 1885 بلندن... «نادراً ما تكون الطبيعة على صواب، لدرجةٍ تجعلنا نكاد نقول إنّها غالباً ما تكون على خطأ»... في متحف «تيت - بريطانيا» بتلك المدينة، حيث يُقام أكبر معرضٍ استعاديٍّ أوروبيٍّ لأعمال الفنان حتى 27 سبتمبر (أيلول)، تتردد هذه الكلمات - حرفياً - في أروقة المتحف المتعرجة التي تأخذ الزائر في رحلةٍ عبر 3 عقودٍ من إبداع هذا الرسام الرائد. هذه الكلمات مقتبسةٌ من خطابه الشهير «السيد ويسلر في العاشرة»، وقد جُسّد هنا بالكامل من قِبل ممثلٍ - مرتدياً بدلة الفنان الداكنة المميزة، مع شعره الجميل وشاربيه الأنيقين - على شاشةٍ كبيرة.

«سمفونية بالأبيض 2» لجيمس ويسلر (متحف تيت - بريطانيا)

ولد ويسلر في لويل، بولاية ماساتشوستس، عام 1834، ونشأ بسانت بطرسبرغ في روسيا، ثم في لندن، بفضل عمل والده مهندس سكك حديدية (الذي تضمن تعيينه من قبل نيكولاس الأول للعمل بأحد أوائل خطوط السكك الحديدية في روسيا). غرس هذا الترحال المبكر في نفسه شعوراً بعدم الاستقرار لازمه طيلة حياته، حيث سافر على نطاق واسع وعاش في 4 قارات. (قال في سنواته الأخيرة: «سأولد متى وأينما أشاء، ولا أختار أن أولد في لويل»، مُصرّاً على أنه صانع مصيره). منذ صغره، كان ويسلر أشبه بطفل مشاغب، له أفكاره الخاصة بشأن كيفية التعامل مع القيود المحافظة للحياة في القرن الـ19؛ أو بالأحرى تجنبها. كان طفلاً متمرداً وسريع الغضب، لكن والديه وجدا في الرسم ملاذاً له. في روسيا، التحق بصفوف الفنون وملأ دفاتر الرسم برسومات دقيقة بالقلم الرصاص تُظهر اهتماماً فطرياً بالحياة اليومية بدلاً من الدراسة الكلاسيكية. في سن المراهقة، أُرسل إلى «الأكاديمية العسكرية الأميركية» في ويست بوينت. طُرد منها لسوء أدائه وقلة أدبه، لكن موهبته الوحيدة ظلت الرسم. تُصوّر مجموعة من الرسومات في معرض «تيت - بريطانيا» زملاءه من الطلاب العسكريين وأحداثاً محلية بخطوط بسيطة وحيوية.

في سن الـ21، وبعد أن ورث ثروة متواضعة، وصل ويسلر إلى باريس لمواصلة دراسته.

تضم إحدى قاعات المعرض، بعنوان «مشاهد من بوهيميا»، مجموعة مذهلة من الرسومات والنقوش لشوارع المدينة؛ الأقل ثراءً، وداخلها، بالإضافة إلى أصدقائه، ومعظمهم من النساء العاملات، في أوضاع مختلفة.

كثيراً ما انتقد النقاد والفنانون ويسلر لطبيعة لوحاته «غير المكتملة»، حيث كان يُنظر إلى انسيابية أسطحها - التي تُعدّ نتاجاً لعمليات تقنية دقيقة، بما في ذلك وضع طبقات محددة من الدهانات المخففة، أو العمل الدقيق على ظهر القماش لإضفاء ملمس مميز - بوصفها دليلاً على الكسل. أما الآن، فتبدو نعومتها وأسلوبها الانطباعي المبكر في غاية الحداثة، وكذلك استخدامه الخط والتكوين؛ فالصورة ليست مجرد تمثيل للموضوع، بل هي عمل فني متناغم يجمع بين التصميم واللون والحجم، حيث تُرتَّب عناصره بدقة متناهية.

اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

كان للفن الياباني في الطباعة، باستخدامه المميز الخطوط الأفقية والمنظور، تأثير كبير، وقد عُرض كثير من أعماله ضمن المعروضات. ومن بين كثير من اللوحات الشخصية المعروضة، تَبرز اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم1)»، (صورة والدة الفنان)، التي تُظهر آنا ويسلر داخل مرسم ابنها في لندن. تجلس في وضع جانبي، ثابتةً بثوبها الأسود وقبعتها البيضاء، وهما لونان ينعكسان في الستارة المعلقة على يسار اللوحة، وفي بياض وسواد اللوحات المنسدلة على الجدار الرمادي الداكن خلفها؛ مما يوحي بترتيب هندسي بقدر ما يوحي بديكور داخلي منزلي. كثيراً ما استخدم الفنان تصنيفاً موسيقياً مميزاً بدلاً من العناوين الوصفية، وتتوالى «الترتيبات» و«السمفونيات» و«التنويعات» و«التناغمات». على سبيل المثال، لوحة «تنويعات في البنفسجي والأخضر» تصور 3 نساء يرتدين ألواناً بنفسجية فاتحة ويجلسن على ضفة نهر. أما لوحة «سمفونية في الأبيض (رقم3)» فتُظهر امرأتين ترتديان فساتين بيضاء أمام أريكة بيضاء، مع أزهار بيضاء تتدفق إلى المشهد من خارج إطار اللوحة.

تضم غرفةٌ مخصصةٌ للوحات «الليلية» 7 لوحاتٍ، رُسمت بين عامي 1872 و1880، تتميز بألوانها الداكنة الناعمة، ونقائها وبريقها؛ مما يُضفي على المرء شعوراً بالهدوء البصري. تُعدّ هذه اللوحات من أشهر أعمال ويسلر، وقد وُضعت في تاريخ الفن ضمن سلسلةٍ من الفنانين، مثل تيرنر قبله وكلود مونيه بعده، الذين انشغلوا بطبيعة الضوء والرؤية العابرة، بل وبالحياة نفسها. كما كانت هذه اللوحات سبباً في إلقاء ويسلر محاضرته اللاذعة «العاشرة»، وفي تدهور وضعه المالي. ففي عام 1877، رفع الفنان دعوى قضائية ضد جون راسكن بتهمة التشهير، بعد أن وصف الناقد لوحته «ليلية بالأسود والذهبي: الصاروخ الساقط» بأنها «غرورٌ جاهل» أشبه بـ«رشّ دلوٍ من الطلاء في وجه الجمهور». انتصر الفنان، لكن القضية كانت طويلة ومكلفة، وأضرّت نزعة ويسلر العدائية بسمعته بين أقرانه، فتركته منعزلاً دون مأوى. طيلة حياته، جال في أنحاء أوروبا وأنتج مئات النقوش الصغيرة ولوحات المناظر الطبيعية.

لوحة «ليلية... ذهبي وبني» (متحف تيت - بريطانيا)

تُظهر لوحة كبيرة من أواخر حياته، بعنوان: «ذهبي وبني: صورة ذاتية»، أنجزها قبل وفاته بعامين، التزام ويسلر الراسخ بمقولته: «الكمال سببٌ للزوال». يطلّ من بين هالة من درجات الذهبي والبني الناعمة، وعلى وجهه ابتسامة مرحة، ويده ممدودة كموجة خفيفة؛ أو تذكير خفي بأن الفنان، لا الناقد، هو من يملك الكلمة الأخيرة في النهاية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الأطعمة تهيمن على أنماط الاحتفال بالأعياد في مصر

الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)
الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)
TT

الأطعمة تهيمن على أنماط الاحتفال بالأعياد في مصر

الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)
الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)

اعتاد هيثم محمود (48 سنة) أن يقيم وليمة لعائلته خلال عيد الأضحى المبارك، ويعتبر هذه الوليمة أو «العزومة» فرصة ليجتمع مع عائلته على مائدة واحدة لمرات قليلة في السنة، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

وأضاف هيثم، وهو صاحب محل ملابس بمحافظة البحيرة (شمال مصر): «هذه العادة كان يحرص عليها أبي قبل رحيله وتعلمتها منه وحافظت عليها بقدر الإمكان، ففي عيد الفطر نجتمع حول أكلة سمك مع الكعك والبسكويت، وفي عيد الأضحى أحرص على إقامة عزومة لإخوتي وأبنائهم تضم أنواعاً من اللحوم، وفي أحيان كثيرة نلتقي أيضاً في عيد شم النسيم لأكل الفسيخ والرنجة».

يتصدر الطعام قائمة مظاهر الاحتفال بالأعياد في مصر، سواء كان أكلات معينة ارتبطت بالأعياد أو بالولائم التي تزدهر في تلك المناسبات، للدرجة التي جعلت حضور الطعام كتسمية للأعياد أقرب للعرف الشعبي بين فئات اجتماعية واسعة، تطلق على أعياد الفطر والأضحى، وحتى عيد شم النسيم التاريخي، تعريفات مثل: «عيد الكعك» و«عيد اللحمة» و«عيد الفسيخ والرنجة».

الأعياد ارتبطت بالولائم والطعام لدى بعض المصريين (فيسبوك)

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر صالح أن «ثقافة الطعام وعاداته لدى المصريين لا تكمنان في الطعام نفسه، وإنما في اعتبار الولائم والمناسبات والأعياد فرصة للتجمع واللقاء بين أفراد العائلة الواحدة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «العادات الاجتماعية الخاصة بالطعام تمنح الأعياد سمتها وتضيف إليها البهجة بالتجمع حول مائدة واحدة سواء كانت وليمة العيد المرتبطة بعيد الأضحى، أو حتى صينية من الكعك والبسكويت وخلافه من الحلويات التي ارتبطت بعيد الفطر، أو التجمع حول أكلة سمك بمناسبة أعياد الربيع وشم النسيم».

وتحتل ثقافة الطعام مساحة كبيرة في تاريخ وحضارة المصريين، وتنعكس بشكل واقعي ومعاصر على حياتهم، وقد أطلق المتحف القومي للحضارة المصرية مبادرة في هذا الصدد بعنوان «طبلية مصر»، رصدت دور الغذاء والطعام وحضوره الاحتفالي في التاريخ المصري، وهي المبادرة نفسها التي كان لها الفضل في تسجيل «الكشري» بوصفه أكلة مصرية أصيلة ومميزة على قائمة التراث الحضاري العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

وتستعيد مسؤولة مبادرة «طبلية مصر» بالمتحف القومي للحضارة المصرية، الدكتورة هند طه، الأبعاد التاريخية للولائم و«العزومات» والأكلات المرتبطة بالأعياد في المجتمع المصري، قائلة إن «المصريين القدماء أول شعوب العالم في استخدام الطعام للاحتفال بالأعياد والمناسبات، حيث كان لكل عيد أو مناسبة طعام خاص بها؛ إذ إنهم استخدموا ذبح الأضاحي سواء تقديمها كقربان للمعبودات أو تناولها في أثناء تلك الأعياد حيث عرفوا ذبح العجول وتقسيمها إلى قطعيات»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه العادات التاريخية أخذت طابعاً اجتماعياً على مر العصور، ولكنها ما زالت راسخة في المجتمع المصري».

وتابعت هند: «كما كان لوجود نهر النيل دور كبير في تنوع الثروة السمكية مما ساعد المصريين في تعدد طرق طهي الأسماك خصوصاً التجفيف والتمليح كنوع من الحفظ، من ثم كانت ضيفاً ثابتاً على موائد المصريين في مناسبات عدة».

وأشارت إلى أن «المصريين أول من عرف صناعة الكعك، حيث إن كلمة كعك هي كلمة هيروغليفية، وهي أصل كلمة cake باللغات الأجنبية، واحتفلوا في الأعياد بالكعك المنقوش المحشو بالعسل والفواكه المجففة مثل الزبيب والتمر».

جانب من فعاليات «طبلية مصر» بمتحف الحضارة (وزارة السياحة والآثار)

مصطفى عبد الفتاح (58 سنة)، موظف بشركة للأدوات الكهربائية، أكد أنه اعتاد سنوياً على ذبح أضحية بالاشتراك مع إخوته الثلاثة، ويتم تقسيمها بينهم، وكل عام تقام وليمة في بيت أحدهم بمناسبة عيد الأضحى.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في بعض الأحيان قد لا نتمكن من تجميع أنفسنا على مائدة واحدة، ولكن على الأقل نجمع أكبر عدد من العائلة على مائدة العيد، وهي عادة نحرص عليها في عيد الأضحى، وكذلك في مناسبات أخرى مثل (شم النسيم)، لكن عيد الأضحى هو الموعد الثابت الذي نجتمع فيه حول مائدة واحدة».

ووفق إحصائيات رسمية، يستهلك المصريون آلافاً من أطنان اللحوم خلال عيد الأضحى المبارك، وكشفت وزارة الزراعة المصرية عن قيام مجازرها بذبح 10.172 أضحية مجاناً للمواطنين، ضمن خطتها لتقديم خدمات الإشراف البيطري والكشف والفحص على أضاحي المواطنين، والتأكد من سلامة اللحوم بعد الذبح، تيسيراً على المواطنين، وحفاظاً على البيئة والصحة العامة.

وخلال اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك، تم ذبح 5.588 رأساً من الأبقار، و2.641 رأساً من الأغنام، فضلاً عن 1.551 رأساً من الجاموس، و254 رأساً من الماعز، بالإضافة إلى 138 رأساً من الجمال، وذلك بالمجازر الحكومية المعتمدة.


مصر: اكتشاف صهاريج ومبانٍ نادرة بميناء عيذاب الأثري بحلايب

مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف صهاريج ومبانٍ نادرة بميناء عيذاب الأثري بحلايب

مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الخميس، الكشف عن خزانات وصهاريج مياه ضخمة ومبانٍ ومنشآت خدمية نادرة بميناء عيذاب الأثري على ساحل البحر الأحمر بمنطقة حلايب (جنوب مصر على الحدود مع السودان)، الذي كان محطة رئيسية للحجيج.

وجاء الكشف خلال أعمال الحفائر التي تنفذها البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، بموقع ميناء عيذاب الأثري، الذي كان «أحد أبرز وأهم الموانئ المصرية خلال العصور الإسلامية»، بحسب بيان وزارة السياحة والآثار.

ومن جانبه، أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، أن «الكشف يبرز جانباً مهماً من المنشآت الخدمية التي اعتمد عليها ميناء عيذاب التاريخي، حيث مثّلت صهاريج المياه عنصراً أساسياً في دعم النشاط الملاحي والتجاري، فضلاً عن توفير احتياجات الحجاج الوافدين إلى الميناء في طريقهم إلى الأراضي المقدسة»، وفق البيان.

المكان يضم مباني أثرية خدمية للحجيج (وزارة السياحة والآثار)

وأسفرت أعمال الحفائر عن كشف صهريج رئيسي ضخم يبلغ طوله نحو 15.10 متر، وعرضه 3.15 متر، وارتفاعه قرابة 3 أمتار، شُيّد باستخدام الحجر الرملي والأحجار المرجانية المحلية، ثم غُطي بطبقة من الملاط الجيري الأبيض لعزل المياه، ومنع تسربها، بالإضافة إلى الكشف عن عدد من الصهاريج الأخرى بالجهة الجنوبية من الموقع.

وأشار رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية الدكتور ضياء زهران، إلى أن «أعمال المسح الأثري بالمنطقة المحيطة كشفت أيضاً عن بقايا أساسات مبانٍ سكنية، وأبراج مراقبة، ومنشآت خدمية، بما يشير إلى وجود منظومة متكاملة لإدارة الميناء، وتلبية احتياجات الحجاج والتجار الذين توافدوا عليه عبر قرون طويلة».

اكتشاف صهاريج مياه ومبانٍ نادرة بميناء عيذاب بحلايب (وزارة السياحة والآثار)

وعثرت البعثة على مجموعة من اللقى الأثرية، من بينها كسر فخارية تعود إلى العصر الفاطمي، بعضها مطلي باللون الأخضر، إلى جانب شظايا من الخزف الصيني المستورد، وهو ما يعكس ازدهار النشاط التجاري بالميناء، واتساع شبكة علاقاته البحرية مع العديد من المناطق، خصوصاً الهند واليمن وشرق أفريقيا.

وعد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي الكشف بمثابة «مساهمة في إبراز التطور الذي شهدته الموانئ المصرية القديمة، وما تمتعت به من بنية تحتية متقدمة لخدمة حركة التجارة والحجاج»، وقال، في بيان صحافي، إن «الكشف يؤكد المكانة الاستراتيجية لمصر بوصفها مركزاً حضارياً وتجارياً رئيسياً عبر العصور».

وشدد فتحي على «اهتمام الوزارة بأعمال الحفائر والدراسات الأثرية بالمناطق الحدودية والنائية، لما تمثله من أهمية تاريخية وثقافية كبيرة».

بعض القطع المكتشفة في الموقع (وزارة السياحة والآثار)

بدوره، عد المؤرخ الدكتور بسام الشماع هذا الاكتشاف «واحداً من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن الحادي والعشرين»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الاكتشافات الأثرية ليست بحجمها، بل بمدى ما تقدمه من فهم للتاريخ في الأوقات المختلفة».

وأوضح أن «الكشف يثبت وجود علاقات اجتماعية وتجارية بين آسيا ومصر امتدت إلى الصين وغيرها من الحضارات»، كما أنه «يتضمن أبعاداً إنسانية وأمنية بما عثر عليه من مبانٍ خدمية وصهاريج مياه كانت مخصصة لخدمة الحجيج في تلك الفترة وأبراج مراقبة لتأمين الحدود».

واقترح الشماع «تنظيم رحلات سياحية إلى موانئ مصر القديمة، واستغلال الاكتشافات الأثرية في عدد من الموانئ التاريخية على شاطئي البحر الأحمر والمتوسط».

يُذكر أن ميناء عيذاب كان من أبرز موانئ البحر الأحمر خلال العصور الوسطى، حيث مثّل محطة رئيسية للحجاج القادمين من مصر وبلاد المغرب في طريقهم إلى الأراضي المقدسة، فضلاً عن دوره المحوري في حركة التجارة البحرية.