هالة البدري: المبدعة العربية تدفع ثمن مواقفها مقدماً

الروائية المصرية صاحبة «مطر على بغداد» تقول إن استمتاعها بالكتابة يكفيها

هالة البدري
هالة البدري
TT

هالة البدري: المبدعة العربية تدفع ثمن مواقفها مقدماً

هالة البدري
هالة البدري

تعلمت هالة البدري من خبرتها كبطلة سباحة سابقة سياسة النفس الطويل، وأن الحياة حزمة من الأشواط وتدريب على الوصول إلى شط الحقيقة. بهذه الروح أبحرت في عالم الرواية، واستطاعت أن تكون لها خصوصيتها، منذ روايتها الأولى «السباحة في قمقم». وعلى مدار نحو أربعين عاماً وحتى روايتها «نساء في بيتي».
هنا حوار معها حول عالمها الروائي وأهم المحطات الفارقة فيه، ورؤيتها لواقع الثقافة العربية.

> اشتغلتِ على عالم القرية المصرية وفضاء الطفولة في أعمالك الأولى، ثم اتسعت التجربة أكثر حين انشغلت بالمدينة بزحامها وضجيجها... كيف ترين هذه الثنائية؟
- ارتكزت روايتي الأولى «السباحة في قمقم» على الطفولة حين اخترت أن أكتب عن عالم فريق سباحة يعكس حالة المجتمع المصري أثناء أزمة 1967 وحتى حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، في محاولة للإجابة عن سؤال معنى البطولة بالمقارنة بين بطولة رياضية مصنوعة مهما بلغت من سمو، وبطولة حقيقية في الدفاع عن الوطن. كانت هذه هي الرواية العربية الأولى عن وسط رياضي. وكان هو الوسط الوحيد الذي أعرفه ويسهل التعريف به باعتباري بطلة سباحة سابقة، ثم كتبت عن الريف وأنا من مواليد القاهرة وكذلك أبي، لكن أصولي الريفية ساعدتني في فهم عالم القرية التي رمزت إلى مصر في روايتي «منتهى»، التي استقصت روح الثقافة والحضارة التي مر خلالها الإنسان المصري. وفي روايتي «مدن السور» لم تكن المدينة في عمومها حاضرة فحسب بل حضرت مدن العالم ذات الأسوار أيضاً. أعتقد أنها أهم رواياتي وأكثرها حداثة رغم أن «نساء في بيتي» حققت رواجاً أعلى.
> على ذكر روايتك «نساء في بيتي» تشكو الراوية من «القوى الرجعية» التي وجهت شراستها نحو المرأة... ماذا عن مستقبل حواء العربية عموماً في هذا السياق؟
- الرواية تقدم حالة عامة لواقع النساء المبدعات في كل أنحاء العالم وليس في المنطقة العربية وحدها. ورغم أني غير متعصبة للنساء لم أستطع تجاهل الردة التي حصلت مؤخراً لواقع النساء في عالمنا العربي بصعود التيارات السلفية التي أدخلت أنماطاً جديدة لم تكن موجودة بهذه الدرجة في مجتمعاتنا، منها الدعوة لعودة المرأة للبيت ومنعها من مواصلة التعليم طالما هي لا تحتاج إلى العمل، ومحاولات تغيير بعض مكاسب قوانين الأسرة وفرض الحجاب حتى على الطفلات الصغيرات واستخدام مفاهيم جديدة على المجتمع لفرض تغيرات جذرية تحط من مكانة المرأة. هذه حقائق لا يمكن لكاتب أن يتجاهلها في مجتمعه ونظرة واحدة إلى القانون الجديد للأسرة في مصر تجعلك ترين إلى أي حد نحن نتراجع عن كل ما كسبناه في العقد الماضي. ما زال القانون يمنع المرأة من الولاية عن نفسها ويحدد لها ولياً يتخذ القرارات الرئيسية في حياتها بدلاً منها. وهكذا نحن نطالب بالولاية وبمكتسبات حواء ولن تتوقف النساء ولا الرجال المستنيرون عن مواصلة الجهود لتحرير المجتمع من شراسة القوى الرجعية.
> تضم «نساء في بيتي» نماذج للإبداع النسائي في الأدب والفنون... من أقرب هذه النماذج إلى قلبك؟ ولماذا؟
- هن ثلاثة نماذج في واقع الأمر. عاشت «انجبورج باخمان» حياة حافلة بالأحداث وكتبت شعراً رائعاً، عرفتها كشاعرة والصدفة وحدها قادتني للتعرف عليها ككاتبة روائية، حين تقدمت الباحثة المصرية أميرة سعد بطلب دراسة مقارنة بين روايتي «امرأة ما» ورواية باخمان «مالينا»، شدني وجه الشبه بيننا في الكتابة والموقف من العالم.
أيضاً كنت أعرف الرسامة الرائعة «جورجيا أوكيف» مبكراً جداً بسبب التشابه الشديد بين أسلوبها وأسلوب الفنان التشكيلي عدلي رزق الله، وقد عشقت لوحاتها وصور زوجها المصور العالمي الفريد ستجلز لها وتفاصيل حياتها وموقفها من الدنيا. هناك أيضاً نموذج «قوت القلوب» قصة من أعجب القصص لم نسمع عنها مطلقاً إلا أنها واهبة أول جائزة لنجيب محفوظ من خلال صالونها الأدبي، ثم قدم المترجم دسوقي سعيد روايتها عن الألمانية وتعرفت عليها ودافعت عن حقها في ريادة الكتابة الروائية وحق صالونها الذي كان يحضره ثلاثمائة كاتب. ثم حين فكرت في كتابة الرواية أدخلتها لتحتل ركناً مهماً منها وقرأت الأعمال التي أتيحت لي عنها بلغات متعددة لأنه لا توجد أي معلومات عنها بالعربية على الإطلاق إلا النذر اليسير للغاية.
> تعرضت بطلة الرواية، التي يبدو أنها تشير إلى هالة البدري نفسها، لمشاكل عديدة على المستويين العائلي والاجتماعي بسبب عدم ارتدائها الحجاب. إلى أي حد تدفع المثقفة العربية ثمن خياراتها في مجتمع ذكوري؟
- الكاتبة وكل من تعمل بالعمل العام تعرف أن ثمناً باهظاً عليها أن تدفعه للحفاظ على موقفها من المجتمع وقضيتها وتوازنها النفسي والاجتماعي. هؤلاء النسوة يملكن صلابة داخلية وقوة حقيقية للتعبير عن آرائهن ومواقفهن، ولا تستطيع امرأة هشة القيام بدور مهم في العمل العام أو الإبداع لأنها ستنهار عند أول موقف صعب تواجهه. الثمن مدفوع مقدماً ومستمر الدفع مع كل طلة شمس لأن المرأة المبدعة مزعجة جداً للأشخاص المتزمتين وتذكرهم باستمرار أن النموذج الذي يقدمونه فاشل، وأنها نموذج مختلف يعكس المضاد لأفكارهم. وقد واجهت في عائلة أمي مشاكل كبرى للضغط من أجل ارتداء الحجاب واتهمني البعض بتحريض البنات رغم أني لم أوجه كلمة واحدة تطالب إحداهن بخلع الحجاب، لكن نجاحي كصحافية وكاتبة ونجاح دوري كزوجة وأم كان يزعجهم، فهم يعتبرونني غير ملتزمة، فكيف ينجح شخص غير ملتزم من وجهة نظرهم ونظر من يؤثرون عليهم، لكني لم أنظر ورائي أبداً ومشيت في طريقي الذي خططت له بإصرار بمساعدات قوية من أبي وزوجي.
> يشغل العراق موقعاً مركزياً في مجمل تجربتك فقد سبق وعملت مراسلة صحفية لمجلة «روز اليوسف» في بغداد، كما صدر لك أكثر من عمل عن بلاد الرافدين مثل «المرأة العراقية» و«مطر على بغداد»... كيف تستعيدين هذه التجربة الآن؟
- لم يغب العراق أبداً عن حياتي سواء بحضارته المتعاقبة أو بواقعه المعاصر تحت نيران الحرب ومحاولات التفكيك. ما يجري في دولة العراق جزء لا يتجزأ من الضغوط الدولية الاستعمارية التي تقع على المحيط العربي من أجل تدميره وتفتيت جيشه كأحد تجليات تغيير خريطة المنطقة العربية. وروايتي «مطر على بغداد» رغم أنها كتبت بهدف تذكيرنا بهذه الحضارة العظيمة فإنها قدمت تجربة صعود حزب البعث في مواجهة باقي الأحزاب العراقية وصراعات المنطقة وفسرت جذور ما يمر به العالم العربي الآن من خلال ما مر بالعراق والمنطقة الحرب على العراق حرب اجتثاث، حرب الأرض المحروقة وتدمير الإمكانات الكبيرة لهذا البلد حتى لا تتكون قوة كبيرة في المنطقة تواجه الأطماع الإقليمية لدى الآخرين.
> من أعمالك التي ترجمت إلى الإنجليزية «امرأة ما»، و«مطر على بغداد» فيما ترجمت روايتك «منتهى» إلى اليونانية كذلك، ترى لماذا تأخر إبداعنا في الوصول إلى الآخر؟
- بلغت ترجمات أعمال الكاتبة الراحلة نوال السعداوي أضعاف ترجمات نجيب محفوظ حتى حصوله على نوبل. ثم حدثت طفرة كبيرة واهتمام شديد وتركيز على أدبنا العربي بعد نوبل محفوظ، ولاحظت اهتماماً سياسياً بترجمة أدب الشباب خصوصاً جيل التسعينات الذي كتب سيراً ذاتية واهتم بالحياة اليومية، لكن الترجمة عمل شاق ويحتاج مهارة وتكاليف كبيرة خصوصاً من اللغات التي لم تخرج من اللاتينية. ونحن كعرب لا نقوم بدورنا المؤسسي في تقديم أدبنا للعالم وقد فشل مشروع الهيئة المصرية العامة للكتاب في هذا السياق رغم وجاهته، وأظن أنه لا بد من تدخل المركز القومي للترجمة لترجمة مختارات باستمرار إلى اللغات المختلفة بالتوازي مع الترجمة من الآداب العالمية بالعربية، ولأن الترجمة تحتاج إلى إعداد كوادر على أعلى درجة من العلم والمهارة والتدريب وأيضاً إنصافهم مادياً لتشجيع الشباب على دخول هذا المجال.
> لكن اللهاث وراء الترجمة جعل بعض الأدباء العرب يتعمدون مناقشة قضايا بعينها تجسد صورة «الشرق المتخلف» على أمل إثارة اهتمام الغرب... كيف ترين هذا الأمر؟
- التجارة موجودة في كل مكان وقد تأخرت كثيراً ترجمة أعمالي بسبب انصراف المترجمين حين يسألون عن قضايا معينة فأرفض تزييف الواقع وأقول لهم: لا يوجد ختان ولا نساء ضعيفات ولا بكاء على الظلم الواقع على المرأة ولا صورة ألف ليلة وليلة، ولا غيرها من الصورة الذهنية النمطية التي يسعى البعض لتثبتيها في الذهنية الغربية! كان هذا هو الأمر حتى صادفتني جهة تحترم الأدب العربي فوافقت على الترجمة ضمن مشروع دار نشر الجامعة الأميركية الذي اعتمد على استثمار جزء من عائد بيع كتب نجيب محفوظ لتقديم ترجمات للكتاب المصريين والعرب. بالإضافة إلى مشروع آخر للتعاون بين الهيئة المصرية للكتاب ودار يونانية فصدرت «منتهى» باليونانية، فضلاً عن عشرات القصص التي تطلبها صحف وجامعات وهيئات من مختلف أنحاء العالم والتي بلغت تسعة لغات حتى الآن.
> حصلتِ على جائزة الدولة للتفوق في مصر... كيف ترين واقع الجوائز في المشهد الثقافي العربي الآن؟ ولماذا تثير كل هذا الجدل؟
- الجوائز العربية مشكلة كبيرة، يجب أن تكون لكل جائزة معايير فنية موضوعية قائمة على النزاهة وليس على الوضع السياسي أو الاجتماعي للكاتب أو علاقته بثلة معينة. شاركت في تحكيم عدة جوائز وخضت معارك من أجل الحفاظ على المعايير الموضوعية ولكن في مصر ظاهرة تستحق الوقوف أمامها وتحتاج إلى حل فقد وجدت بمراجعة إحصاء جوائز الدولة المصرية أن النساء لا يحصلن على الجوائز التي تشترط ترشيح هيئات جامعية أو أدبية لأنهم لا يرشحونهن من الأساس، وبالتالي هي محرومة من المنافسة في نوعية هذه الجوائز، ما عدا التي التي تسمح شروطها بالتقدم إليها بنفسها، وأن نسبة حصول النساء على جوائز الدولة 10 في المائة فقط معظمها من النوع الثاني. كما أن المرأة المبدعة لا ترشح لتمثيل بلدها إلا فيما ندر.
> بعد أربعين عاماً في حقل الإبداع... هل تعتقدين أن تجربتك الأدبية نالت ما تستحق من تقدير؟ أم أنك تنظرين خلفك في غضب؟
- عملت بجهد كبير واستمتعت بفعل الكتابة بشدة وحمتني الكتابة من مواجهة عواصف الدنيا. وجدت التقدير من جهات كثيرة ومن دول عديدة ومن جمهور كبير. لا أنظر خلفي في غضب أبداً. ولا أنتظر التقدير من أحد سوى القارئ. كل ما آمله هو الانتهاء من مشاريع كتبي التي لم تكتمل قبل أن أرحل عن الدنيا، خصوصاً أنني في السنوات الأخيرة عملت في تجهيز مشروعات تحتاج إلى وقت طويل لتنفيذها بالتوازي معاً. باختصار سعيدة باستمتاعي بالكتابة وهذا يكفيني.



مسلسل «القافر» في عُمان... حين يصبح الماء كلمة السرّ للوجود والفناء

مسلسل «القافر» في عُمان... حين يصبح الماء كلمة السرّ للوجود والفناء
TT

مسلسل «القافر» في عُمان... حين يصبح الماء كلمة السرّ للوجود والفناء

مسلسل «القافر» في عُمان... حين يصبح الماء كلمة السرّ للوجود والفناء

يكشف المسلسل الدرامي العُماني «القافر» عن صراع الوجود في رحلة البحث عن الماء في إحدى القرى العُمانية التي تعاني شحّ المياه، فيصبح الماء عنواناً رمزياً للحياة.

المسلسل الذي تعرض حلقاته على شاشة تلفزيون سلطنة عُمان خلال شهر رمضان، ويضم عدداً من الممثلين العمانيين، مقتبس من رواية «تغريبة القافر» للروائي العُماني زهران القاسمي الفائزة بجائزة البوكر العربية 2023.

يتناول المسلسل بدلالة عميقة الأرض «القافر»، العطشى التي تحنّ إلى الماء، ما يُشكل طبيعة علاقة السكان بالطبيعة؛ حيث يصبح الماء كلمة السرّ لمعنى الوجود وللحياة، ونقصه يعني العطش والجفاف وهلاك الزرع والضرع.

يكشف المسلسل عن رحلة البحث عن الماء في إحدى القرى العُمانية (الشرق الأوسط)

«القافر» في المسلسل يرمز أيضاً إلى مهمة شاقة يحملها رجل ظلّ يسعى دوماً للبحث عن الماء، رغم علاقته المتشابكة به؛ إذ فقد والدته التي قضت غرقاً في إحدى الآبار وهو صغير، كما توفي والده تحت أحد الأفلاج. لذلك يثير الماء في نفسه حزناً لا فكاك منه.

المسلسل من إخراج المخرج السوري تامر مروان إسحاق، ويساعده في الإخراج مخلص الصالح، بالإضافة إلى حسين البرم وأسامة مرعي، أما المخرجان المنفذان فهما نهلة دروبي وعلي عبدو. ويشارك في العمل، الفنانون: سميرة الوهيبي، ومحمد بن خميس المعمري، وعبد السلام التميمي، وزكريا الزدجالي، ويؤدي دور «القافر» في مرحلة الطفولة الطفل فراس الرواحي، وفي مرحلة الشباب محمد بن خلفان السيابي.

وبين الجفاف والسيول تتشكّل علاقة الإنسان بالماء في تلك القرية. وفي رواية «تغريبة القافر» للروائي العُماني زهران القاسمي، يبرز من بين الجوانب اللافتة في النص وصفُ المؤلف لسيول عمان، وما تُخلِّفه من أثر في البسطاء من سكان القرى: «فالشمس ترتفع قليلاً وتصل لأعالي الجبال. تزحف ناحيتها من الجنوب سحابة رمادية داكنة، ليست كبيرة جداً لكنها كفيلة بأن تحجب ضوء الشمس، وتزداد برودة الريح وتصبح رطبة كأنها محملة بالماء البارد. يتحول الصيف فجأة إلى شتاء قارس، تزمجر الرياح الباردة في الحواري وبين الجبال، فيهرب الناس إلى بيوتهم ليحتموا بها، لكن الريح عاتية، فيسقط بعض النخل وتتكسر أغصان الأشجار الكبيرة، وتكاد أسطح المنازل تسقط على ساكنيها. تظلم الدنيا ويهبط الضباب على رؤوس الجبال، ويبدأ المطر ينهمر بشدة كأن السماء قد دلقت نفسها على القرية. تجرف السيول البساتين وتذوب جدران البيوت الطينية فتتساقط الأسطح، ويهرب الناس بأمتعتهم وطعامهم إلى مغاور الجبال، ويحتمون بالكهوف الكبيرة لعدة أيام، ويبقون هناك يراقبون الماء وهو يغمر البلدة ويأخذ في طريقه كل شيء، فتصير بيوتهم أثراً بعد عين».

تمكن المسلسل من تمثيل واقع الحياة اليومية في القرية العُمانية (الشرق الأوسط)

تمكّن المسلسل من تمثيل واقع الحياة اليومية في القرية العُمانية، في زمن يعود بالذاكرة إلى عقود مضت، ونقل صورة تضجّ بالحياة والكفاح في سياق تراثي ثقافي واجتماعي متكامل. كما تمكن من تحويل الرواية الأدبية إلى عمل فني يشهد تقاطعات بصرية غنية بالتفاصيل، وسط حياة قروية تتصاعد فيها الأحداث التي لا تنفصل عن الإنسان لتُشكل وقائع وثيقة تستحق أن يحتفى بها بصرياً.


غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
TT

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

بعد أسبوع على افتتاح صالون الزراعة الدولي، لا يزال العارضون ينتظرون الزوار المتردّدين. والسبب هو غياب الأبقار الشهيرة التي كانت «نجمات» الدورات السابقة ونقطة الجذب للعائلات، ولا سيما الأطفال. ووفق المعلومات، فإنَّ الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض.

جَمَل وصل باريس (الشرق الأوسط)

سبب غياب الأبقار هو احتجاج مربّيها على تصفية أعداد منها بسبب انتشار مرض الجلد العقدي بين الماشية. وقرَّر المربّون الامتناع عن جلب قطعانهم، وكذلك استجابةً لتوصية الهيئات المنظِّمة حتى لا ينتشر المرض.

تونس وزيوتها وتمورها (الشرق الأوسط)

صالون الزراعة هو الحدث الاقتصادي السنوي الأبرز في فرنسا؛ مخصَّص لعرض المنتجات الزراعية والحيوانية التي حقَّقت شهرة عالمية وباتت مصدر فخر للبلد. ونظراً إلى التغطية الإعلامية الواسعة التي يحظى بها، فإن السياسيين وقادة الأحزاب يتسابقون لزيارته والتقاط الصور مع المزارعين ومربّي المواشي ومَن يرافقهم من منتجي الأجبان واللحوم المقدَّدة والمخبوزات والحلويات. ولم يحدث أن تخلَّف أي رئيس من رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة عن زيارة الصالون وقضاء ساعات فيه، يتبادل الحديث مع المزارعين ويتذوَّق المنتجات الغذائية، منذ الجنرال ديغول الذي افتتح دورته الأولى، وحتى إيمانويل ماكرون الذي حرص على أن يمضي نهار الافتتاح بين العارضين، الأحد الماضي. هذا مع استثناء الرئيس فرنسوا ميتران الذي زار الصالون حين كان مرشَّحاً يسعى إلى كسب أصوات الناخبين، لكنه لم يعد إليه بعد فوزه بالرئاسة.

شيراك في المعرض (الأرشيف الوطني الفرنسي)

ضيفة الشرف هذا العام دولة كوت ديفوار. وكان المغرب ضيف العام الماضي وأول دولة أجنبية تنال هذا الشرف في تاريخ المعرض. ورغم بعض المصاعب والتحدّيات، يبقى المعرض منصة عالمية للتبادُل الزراعي الدولي والإضاءة على ثقافات زراعية متنوّعة من كلّ قارة.

ديغول في المعرض الزراعي (الأرشيف الوطني الفرنسي)

ما يلفت نظر الزوار العرب هذا العام حضور السودان بجناح جميل يُشجّع على الاستثمار والتعارف بين رجال الأعمال في هذا البلد العربي الزراعي الذي أنهكته الحروب ومزَّقته، بعدما كان يوصف بأنه «سلّة غذاء العرب». وأبرز معروضات الجناح، الصمغ العربي وعشبة الكركديه وحبوب الكمّون الطبيعي والسمسم.

كما حضر المغرب بعدد من الأجنحة تحت شعار «قرون من النكهات». وتعدَّدت المعروضات ما بين الزعفران وزيت الأرغان والتوابل والمنتجات العطرية والطبّية التي زاد عددها على 700 منتج، أشرفت النساء على إنتاج 60 في المائة منها.

الجزائر وجناحها متعدِّد المعروضات (الشرق الأوسط)

وكان للجزائر حضور تمثَّل بجناح كبير للتمور وزيت الزيتون، وبالأخص ذاك الآتي من معاصر منطقة القبائل. وكذلك العسل الجبلي والأغذية وبعض الملابس التقليدية التي تلقى إقبالاً من أبناء الجالية الجزائرية الكبرى في فرنسا. وحين نتحدَّث عن التمور، فلا بدَّ من الإشارة إلى جناح تونس وما فيه من تمور رفيعة، وحلويات وزيوت عالية الجودة أخذت طريقها إلى التصدير في بلدان العالم.

700 عارض مغربي (الشرق الأوسط)

ومن بين الأجنحة التي تستوقف الزوار، واحد عن الزراعة والثقافات العالمية. ويجذب الانتباه فيه وجود مجموعة من الجمال والنوق التي تأتي بها جمعية فرنسية معروفة في أوروبا وتهتم بالحفاظ على السلالات المنسية. ويتيح الجناح لمرتاديه فرصة تذوّق حليب الإبل.


اللقاءات الاجتماعية في رمضان... بين ذكريات الأجيال وتحدي الشاشات

يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
TT

اللقاءات الاجتماعية في رمضان... بين ذكريات الأجيال وتحدي الشاشات

يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)

تنسج ليالي شهر رمضان تفاصيل اجتماعية فريدة، يملؤها دفء المجالس ورائحة القهوة العربية التي تفوح بعد صلاة التراويح، حيث تزداد وتيرة اللقاءات وتتحول الاجتماعات من مجرد واجبات اجتماعية إلى طقوس بطابع رمضاني تعيد صياغة العلاقات الإنسانية، رغم التحديات المعاصرة المتمثلة في تأثير زحف مواقع التواصل الاجتماعي ومجتمعات الشاشات الصغيرة على وتيرة التواصل واللقاءات.

الأجيال الجديدة ترث العادة تقليدياً من خلال حضورها هذه الاجتماعات (واس)

المقاهي تعد خياراً مفضلاً بالمدينة التي تغرق في الزحام وتنائي المسافات (واس)

اللقاءات الرمضانية... جيل يتصل بآخر

في دول الخليج وكثير من المجتمعات العربية، تبرز وجبة «الغبقة» التي تقدم بين الإفطار والسحور، وتعد تظاهرة اجتماعية رمضانية شهيرة في المنطقة. تأخذ أشكال اللقاءات الاجتماعية الدورية أسماء وصفات مختلفة، والمجتمعات الخليجية على نحو ما اشتهر به العرب عموماً، تتمتع بقوة حضور البعد الاجتماعي في حياتها، وتتصف حياتها بالترابط الاجتماعي والتواصل الوثيق داخل المجتمع الواحد، ويحل رمضان في كل عام ليضاعف قيم الترابط الاجتماعي، ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات مع بعضهم.

وتكتسب الاجتماعات العائلية في ليالي رمضان طابعاً فريداً يتمثل في تعدد الأجيال، على مائدة واحدة، أو في جلسة سمر ليلية، حيث يجلس الحفيد بجانب الجد، وتتصل من خلال هذا المشهد سردية اجتماعية متماسكة ترعاها ليالي رمضان. يقول الباحث الاجتماعي أحمد بن إبراهيم إن ليالي رمضان تعد بيئة ملائمة لتجديد العلاقات والصلات الاجتماعية التي تجد في رمضان فرصة لتعزيزها وتطويرها، مشيراً إلى أن الأجيال الجديدة ترث هذه العادة تقليدياً من خلال حضورها هذه الاجتماعات التي تكتسي بالألفة والتسامح والسلام، بتأثير مباشر من طبيعة وطقوس ليالي شهر رمضان.

ويشير إلى أنه قد تركت موجات التقنيات الجديدة وزحام الشاشات تأثيراً قاسياً على طبيعة التواصل في المجتمعات، لكن ليالي رمضان بطبيعتها الاجتماعية، قد تساعد في استعادة وتيرة هذه العلاقات واللقاءات وتعزيزها.

وعن لقاءات المقهى المفتوح، يقول الباحث الاجتماعي إن ذلك يعد شكلاً للتواصل الاجتماعي، يجمع بين التقليد والمعاصرة، لافتاً إلى أن الكثير بدأ يفضل اختيار هذا الفضاء العمومي لتجديد التواصل مع شبكة علاقاته بدرجة أقل من الرسمية، وشكل أكثر حيوية في التفاعل.

وقال إن المقاهي تعد خياراً مفضلاً في المدينة التي تغرق في الزحام وتنائي المسافات، ويضيف: «أحياناً، يقع عليها الاختيار للتخفيف من رسمية اللقاءات، أو بوصفها خياراً وسطاً بين الأطراف الذين يتوزعون في أنحاء المدينة، وبعيداً عن المنازل، تتحول المقاهي الشعبية والأماكن العامة إلى خلية نحل، ويكتسب التواصل طابعاً عفوياً، وقد يصبح الغرباء أصدقاء حول لعبة طاولة أو شرب الشاي، أو حتى أثناء نقاش محتدم حول أحداث مباراة مفصلية أو مسلسل درامي».

في الخليج تأخذ أشكال اللقاءات الاجتماعية الدورية أسماء وصفات مختلفة (واس)

التواصل الرقمي يعيد تشكيل طقوس رمضان

تشهد ليالي شهر رمضان، طفرة رقمية غير مسبوقة، حيث تتحول المنصات الاجتماعية إلى «مجالس افتراضية» لا تنام. يقول بن إبراهيم إن البيانات السلوكية لمستخدمي الإنترنت في المنطقة العربية تشير إلى أن استهلاك وسائل التواصل الاجتماعي يرتفع خلال الشهر الفضيل.

وهذا الارتفاع يشمل أنشطة مختلفة مثل البحث عن الوصفات، والتفاعل مع المسلسلات والبرامج الحوارية، وموجات من النشاط تتركز على المحتوى الديني، لكنه في المقابل هو نشاط يتعلق بالتواصل بين الأفراد، وتعزيز العلاقات الاجتماعية ببث التهاني والسؤال عن الأحوال.

ويشير إلى أن وسائل التواصل لم تعد مجرد أداة للترفيه، بل تحولت إلى أداة حيوية لصلة الرحم، وأن المجموعات العائلية تشتعل بالتبريكات، ومقاطع «ستوري» توثق تفاصيل الموائد، مما يخلق حالة من المشاركة الوجدانية التي تتجاوز المسافات الجغرافية. ورغم الإيجابيات، يرى الباحث الاجتماعي أن هذه الوتيرة المتسارعة لها وجه آخر، فـ«إدمان الشاشة» قد يهدد الجوهر الروحاني للشهر.