تحقيق: عقد صيانة يقود إلى مقر التنظيم الدولي لـ«الإخوان».. والتحالفات مع الإرهاب

4 مسارات لتحريك الأسلحة والمتطرفين إلى ليبيا ومصر

تحقيق: عقد صيانة يقود إلى مقر التنظيم الدولي لـ«الإخوان».. والتحالفات مع الإرهاب
TT

تحقيق: عقد صيانة يقود إلى مقر التنظيم الدولي لـ«الإخوان».. والتحالفات مع الإرهاب

تحقيق: عقد صيانة يقود إلى مقر التنظيم الدولي لـ«الإخوان».. والتحالفات مع الإرهاب

عثرت مجموعة من المحققين الذين يتتبعون نشاط المتطرفين في منطقة الشرق الأوسط على «عقد صيانة» لمبنى يقع بالقرب من السفارة الليبية في إحدى الدول الإسلامية المطلة على البحر المتوسط. وكان اللافت للنظر أن أحد الأسماء المرتبطة بتوقيع العقد، الذي تبلغ قيمته ملايين الدولارات، مدرج على لوائح المطلوبين المحرضين على قتل أفراد الجيش والشرطة خاصة في ليبيا ومصر.
وبعد عدة أيام تمكنت عناصر أمنية مدربة من الوصول لمعاينة المبنى نفسه. وكانت المفاجأة: مبنى ضخم يتكون من 4 طوابق يستخدمه ما يعرف بـ«التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين»، بالتحالف مع جماعات متطرفة، في إدارة الصراع مع نظم الحكم في طرابلس الغرب والقاهرة وغيرهما.
خسر الإخوان المسلمون الانتخابات في مصر، وتونس، وليبيا بعد تجارب فاشلة للحكم استمرت من سنة إلى ثلاث سنوات في هذه الدول. لكن بدا أنها لا تريد أن تعترف بالخسارة، خاصة في مصر وليبيا، ولهذا «لجأت الجماعة إلى التحالف مع الشيطان لهدم الدار على من فيها»، وفقا لوصف أطلقه ضابط شرطة مصري برتبة نقيب.

تلقى هذا الضابط، أثناء عمله في وزارة الداخلية، نبأ عن قتل المتطرفين زميلا له برتبة نقيب في سيناء، ضمن سلسلة هجمات استهدفت رجال الجيش والشرطة راح ضحيتها عشرات الضباط والجنود منذ ثورة المصريين على الإخوان في 30 يونيو (حزيران) 2013.
ومع ازدياد أعمال العنف التي تستهدف رجال الأمن والمنشآت العامة بمصر وليبيا، أصبح من السهل أن ترى شخصيات عربية تتردد على القاهرة لبحث «هذه المعضلة.. هذا الكابوس». وفي فندق يقع على طريق صلاح سالم الشهير بالعاصمة المصرية، دخلت مجموعة جديدة لشخصيات بدت مهمة. ويقول أحد مرافقيهم وهو من ليبيا، إنهم «خبراء أمن من عندنا ومن دول شقيقة». يبدو من ملامحهم أنهم من ليبيا وتشاد والنيجر ومالي. وبعد نحو ساعة وصلت 3 سيارات سوداء واختفت في الداخل.
هنا يجري على قدم وساق جمع مذكرات أمنية من أطراف عربية وأفريقية، من بينها ليبيا، لتضمينها في تقرير متكامل، من أجل التصدي لنشاط الإخوان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وتزامن هذا مع مباحثات أجراها وفد أمني روسي رفيع المستوي، مع أطراف أمنية بالمنطقة، خلال زيارة الرئيس فلاديمير بوتين للرئيس عبد الفتاح السيسي في القاهرة، هذا الأسبوع. وعلى العكس من موقف واشنطن المنفتح على جماعة الإخوان، تصنف موسكو «الجماعة» بأنها «منظمة إرهابية» بسبب وقوفها مع مجموعات متطرفة كانت تعمل ضد الدولة الروسية في العقود الماضية. كما يمثل تحرك الإخوان الذي جرى رصده في الإقليم أخطارا على مصالح روسيا وأصدقائها. هذا حسب مصادر أمنية وعسكرية معنية بالتطورات في المنطقة، التي تتلخص في «خطر استخدام غلاة المتطرفين للإمكانات التي تتيحها لهم جماعة الإخوان في التحرك عبر حدود الدول وحسابات البنوك وأموال الجمعيات الخيرية».
التعاون الأمني في هذا الاتجاه أسفر حتى الآن عن معلومات خطيرة من بينها أن التنظيم الدولي للإخوان، طلب من زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، إرسال 3 آلاف مقاتل إلى سيناء لمحاربة الدولة، وأنه جرى رصد مكالمتين هاتفيتين معه، وكان المتصل، وهو قيادي إخواني، يقول للظواهري: «يا مولانا»، وذلك خلال المحادثتين اللتين استغرقت كل واحدة منهما عدة دقائق.
التنظيم الدولي، الذي يشغل عضويته شخصيات عربية وأجنبية، قام بعد خسارة الإخوان للانتخابات في دول «الربيع العربي»، بتأسيس مقر بملايين الدولارات في الدولة الإسلامية المشار إليها، والواقعة على البحر المتوسط. تقول واحدة من المذكرات الأمنية الجديدة عن هذا الأمر إن المقر تعقد فيه اجتماعات لزعماء من الإخوان ومتطرفين من جماعات راديكالية أخرى، برعاية أطراف إقليمية ودولية، وإن تنظيم الإخوان «يراهن على تدهور الأوضاع في ليبيا ليضمن تدفق السلاح للمتطرفين في دول الجوار ودعم العمليات الإرهابية في سيناء وزيادة الاضطرابات بمصر».
الاتجاه يمضي في طريق يؤسس لنظرية مفادها أن الإخوان أصبحت لديهم مصالح مشتركة مع رافعي رايات هدم الدول في المنطقة. أحد الخبراء العسكريين الليبيين ممن شاركوا في لقاء أمني مصري - روسي على هامش زيارة الرئيس بوتين، يشير إلى أنه جرى بحث قضية تمدد تنظيم داعش في البلاد، خاصة قرب المواقع النفطية في شمال ليبيا، ونشاط «القاعدة» في الجنوب حيث تحاول أيضا السيطرة على حقول النفط هناك، إضافة لعلاقة المتطرفين في ليبيا بالمتطرفين في مصر وسوريا وغيرهما.
جرى أيضا التطرق مع الخبراء الروس إلى علاقة قادة من الإخوان من عدة دول، بتيسير أعمال التنظيمات الدموية بالمنطقة، إضافة لأمر يثير دهشة كثير ممن يتحدثون عن هذا الأمر، وهو تراجع كثير من دول الغرب عن الاهتمام بتنامي نفوذ المتطرفين في أفريقيا. وخلال كلمته الرسمية في المؤتمر الصحافي مع بوتين، أكد السيسي على «موقف روسيا المتضامن مع مصر في حربها ضد الإرهاب». وقال أيضا إن «استشراء تلك الظاهرة بات يحتم تضافر الجهود الدولية لمواجهتها».
قائد القوات المصرية في حرب عاصفة الصحراء في الخليج، اللواء محمد بلال، يتابع المنعطف الذي تمر به دول المنطقة، ويشدد، في لهجة حاسمة، على ضرورة أخذ المعلومات بشأن تحالف الإخوان مع المجموعات الخطرة «على محمل الجد»، قائلا لـ«الشرق الأوسط» إن العالم يركز على محاربة «داعش» في العراق وسوريا، ويترك باقي الدول تواجه المتطرفين وحدها. بينما يرفع مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، العميد عادل العمدة، يده محذرا، وهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط»، من «وجود تمويل ضخم لصالح تحالف الإخوان والمتطرفين».
وبين حين وآخر، يسحب أحد المجتمعين هنا ورقة ويضع تصورات عن طريقة مجابهة التحولات الجديدة للجماعات. ويبدو أن أحدهم أمضى سنوات في دراسة العداء والتلاسن القديم بين «الإخوان» و«القاعدة» ومن على شاكلتها: «هل يمكن أن يتحد هؤلاء.. أيعقل هذا؟». ويجيب الشيخ نبيل نعيم، المؤسس والقيادي السابق بجماعة «الجهاد»، الذي عاش لسنوات في فيلا واحدة مع الظواهري على حدود أفغانستان، في رده على أسئلة لـ«الشرق الأوسط»: لا فرق بين «الإخوان» و«القاعدة» و«داعش». لكن مسؤول جماعة الإخوان الليبية، الشيخ بشير الكبتي، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا غير صحيح.
يقابل الزخم الذي أثارته عمليات القتل البشعة والتفجيرات والتخريب وتهديد المسؤولين والإعلاميين بالتصفية الجسدية، زخمٌ آخر لرجال أمن وخبراء عسكريين، لـ«مواجهة هذا الوباء»، وفقا لما ورد في مذكرة اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منها ضمن تقارير ومذكرات جرى تداولها على نطاق ضيق بين مسؤولين مصريين وعرب وأفارقة، في الأيام الأخيرة.
وتخلص واحدة من هذه الأوراق إلى أن «الإخوان» أصبحت جماعة تبحث بشكل محموم عن ثغرات لمواصلة إثارة القلاقل في مصر، ومحاولة استقطاب شخصيات مؤثرة داخل الجزائر، إضافة إلى الضغط على الحكام الجدد في تونس لصد أي محاولات من شأنها تقييد حركة النهضة (الإخوانية) وحلفائها بعد فوز التيار المدني بأغلبية في الانتخابات البرلمانية التونسية الأخيرة.
بعد ثورة المصريين ضد الإخوان فرَّ عدد كبير من المتطرفين من المدن المصرية التي كانوا ينشطون فيها، وانضموا لمن سبقهم في سيناء، كما فرَّ عدد آخر إلى ليبيا. ورد في تقرير آخر أن كوادر من الإخوان ومتطرفين يتعاونون معهم، حاولوا إقامة معسكرات تدريب على الحدود الليبية - المصرية، إلا أن التقرير يوضح أن غالبية هؤلاء انتهى بهم الأمر إلى الانضمام لمتشددين تديرهم قيادات إخوانية ليبية، سواء في درنة أو بنغازي أو طرابلس، وبعض منهم اتجه لجنوب ليبيا وشمال مالي.
صوتُ «الشيخ نعيم» يأتي من جديد ليذكِّر بما أصبحت عليه الحال، ويقول إن الذي لا يفرق بين الإخوان والتنظيمات والحركات المتطرفة، مثل «داعش» و«النصرة» و«القاعدة» يكون لديه «عمى ألوان».
ويقلِّب الرجل الأمر، وهو يمشط لحيته بأصابعه، في المعلومات الأمنية الجديدة بشأن تحالف الإخوان مع المتطرفين: «أنا عشت معهم.. كنت أسكن مع أيمن الظواهري في فيلا واحدة بمدخلين، في بيشاور لمدة 3 سنوات، وكان معه أولاده، وأنا كنت وحدي.. كان هو في الطابق الأول، وأنا في الطابق الثاني.. كنا نلتقي كل يوم مع بعضنا بعضا. نأكل ونشرب. ولهذا أستطيع أن أقول لك إن العلاقة بين الإخوان والمتطرفين وثيقة، وذات أصل واحد».
ولدى «الشيخ نعيم» ما يؤكد له أن «أصل منهج هذه الجماعات يبدأ على الفكر القطبي (نسبة إلى سيد قطب أحد القادة التاريخيين للإخوان، وأعدم بمصر عام 1966)، ثم يتبنون بعض المسائل الفقهية، مثل أن تارك الصلاة، ولو لمرة واحدة، كافر كفرا مخرجا من الملة، وأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر ومخرج من الملة.. وينسحب على هذا تكفير البرلمان والقضاء والجيش والشرطة».
كثير ممن انخرطوا في السابق مع التنظيمات المتشددة، يعتقدون اليوم، بشكل لافت للنظر، بوجود رعاية أميركية لجماعة الإخوان، خاصة بعد أن استقبل الكونغرس قادة من الجماعة الأسبوع الماضي. حتى «الشيخ نعيم» لديه يقين بأن هناك «نصائح أو توجيهات من الجانب الأميركي، لكي يتولى الإخوان السيطرة على جميع التنظيمات المتطرفة في العالم، على أساس أن أميركا لا يمكنها السيطرة على كل هذه التنظيمات بشكل مباشر، ولكن تسيطر عليها من خلال سيطرتها على الإخوان».
وزارة الخارجية الأميركية، ردت على أسئلة «الشرق الأوسط» بشأن ما ورد عن تواصلها مع الإخوان رغم اتهامهم بالوقوف وراء التطرف في المنطقة، بقولها، في إفادة عبر البريد الإلكتروني، إن مسؤولا في الوزارة التقى بالفعل مع «مجموعة برلمانيين مصريين سابقين كانوا في زيارة للولايات المتحدة جرى تنظيمها وتمويلها من قبل جامعة جورج تاون»، مشيرة إلى أن من بين هؤلاء أعضاء في حزب الحرية والعدالة (الإخواني). وفي إفادة أخرى يقول نائب مستشار الأمن الوطني الأميركي، بن رودز، إن بلاده لا تتعاون مع من ترى أنهم متورطون في أي أعمال إرهابية.
في لقاءات مع أطراف مسؤولة من القاهرة وطرابلس وحتى من وسط أفريقيا (شخصيات من تشاد والنيجر تنتمي لقبائل الطوارق والتبو وغيرهما)، يبدو الامتعاض واضحا على شفاه هؤلاء الرجال، من الموقف الأميركي والبريطاني خصوصا، في ما يتعلق بنفوذ المتطرفين الآخذ في التنامي بالمنطقة. يقول أحد قيادات «الطوارق»: «جماعة إخوان ليبيا تستقطب شباب القبيلة من المتشددين للانضمام للميليشيات.. يرسلون لهم مراسيل في جنوب غربي ليبيا وجنوب الجزائر وشمال النيجر ومالي».
بعض الدول الغربية، هكذا يقول «الشيخ نعيم» وهو يفسر القضية، كانت تريد وصول الإخوان لحكم عدة بلدان عربية لكي تحتوي حركات مثل حماس و«القاعدة».. «خطر الإخوان يتمثل اليوم في تحالفهم مع المتطرفين على نطاق واسع. انظر إلى سيناء وإلى درنة وبنغازي وحتى جماعة (بوكو حرام). إنهم يسهلون لهم النمو والحركة».
وهو يرى أيضا أن الموضوع خطير. ويصمت قليلا وهو ينقر بأصابعه على الطاولة، قبل أن يضيف موقنا: «سيظل الخطر شديدا إذا لم تتبن الدول العربية مواجهة شاملة للإخوان.. أي إغلاق أي مشاريع استثمارية لهم. خلال الخمسين عاما الماضية، حققوا مليارات الدولارات من نشاطهم في جمعيات الإغاثة والجمعيات الخيرية وجمعيات الزكاة وغيرها من شركات وخلافه.. ستستمر التفجيرات وأعمال القتل البشعة طالما ظلت أموالهم تتحرك عبر حدود الدول».
هناك فرق مهم يشير إليه «نعيم» بين «الإخوان» و«باقي المتطرفين»، وهو أن الفريق الأخير «يعلن عن عقيدته وتكفيره للناس صراحة، ويقولون لهم إننا نكفركم، لكن الإخوان لا يعلنون ذلك بشكل مباشر ويستخدمون التقية». ويزيد موضحا في أسى: «في الحقيقة.. الإخوان يتعاملون مع الناس على أساس أنهم كفار، وهذا ما أشار إليه سيد قطب في كتاب (معالم في الطريق) حين قال إن الناس الآن ليسوا مسلمين ولو ادعوا الإسلام ولو شهدت لهم شهادات الميلاد بذلك».
وتتضمن المعلومات الواردة في المذكرة رصدا لأربعة على الأقل من خطوط نقل شحنات من الأسلحة المتقدمة والمقاتلين والأموال، من دول في المنطقة إلى الإخوان والمتطرفين. وتشير إلى أن التعاون الظاهر بين الإخوان وباقي المجموعات الدموية «عبارة عن تحالف يراهن على الحفاظ على تدهور الأوضاع، خاصة في شرق ليبيا، لضمان تدفق السلاح نحو مصر لدعم العمليات الإرهابية في سيناء ومدن مصرية أخرى».
ويقلق انتشار «أعمال التطرف» في المنطقة المواطنين العاديين الذين يعبرون الشوارع صباح كل يوم في طريقهم إلى أعمالهم. ففي مصر يبدو أن هناك تصميما من المتشددين على إثارة الفوضى، وكذلك الأمر في ليبيا ودول أخرى. وكما يقول «اللواء بلال» وهو ينظر إلى الخريطة: «لا بد من التعامل مع هذا التطور على محمل الجد.. معظم أعمال التطرف أصبحت اليوم منتشرة في غالبية بلاد منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. ثم ماذا؟ لا نجد من يعاون هذه الدول للتغلب على المجموعات الإرهابية».
لو نظرنا إلى شمال أفريقيا، بما في ذلك مصر والجزائر، أو في وسط أفريقيا، سواء في مالي أو نيجيريا، كما يقول «اللواء بلال»، سنجد أن العناصر التي يقال عنها إنها «إسلامية» هي التي تقف وراء الأحداث الإرهابية. وهو يذهب إلى أنه توجد «وحدة واحدة» تدير هذه الأعمال، وهي «منظومة إسلامية متطرفة تتبناها للأسف (بعض) دول الغرب».
الأمر بسيط.. يمكن فهم المزاج العام بجولة وسط الناس. باعة الخبز والفول.. تجار الفاكهة.. متعهدو شاحنات النقل.. هؤلاء المواطنون الذين شاركوا مع ملايين آخرين في ميادين مصر لطرد الإخوان من حكم البلاد، يرون أن الغرب لا يكن لهم الاحترام، ولا يأخذ إرادتهم الرافضة لأعمال التطرف البشعة، مأخذ الجد. سائق سيارة الأجرة، الذي يجتاز شوارع القاهرة، ويدعى حسين، أصبح لديه يقين بأن أميركا تقف مع الإخوان، لا مع الشعب. ولذلك كان من بين المصريين الذين استقبلوا موكب الرئيس بوتين بالأعلام الروسية ولافتات الترحيب، حين توجه لدار الأوبرا لحضور حفل مع الرئيس السيسي.
مسؤولون مصريون وليبيون، وحتى بعض الأفارقة، ينظرون لعشاء الزعيمين المصري والروسي فوق برج القاهرة الشهير، على أنه رسالة موجهة للدول الغربية التي لا تريد أن تتخذ موقفا واضحا تجاه التحالف المتطرف في بلدان المنطقة ككل. يقول أحد هؤلاء المسؤولين.. «الأمر ينبغي ألا يكون مقتصرا على ضرب (داعش) في العراق وسوريا فقط. من يرد أن نساعده في ضرب الإرهابيين هناك، فعليه أن يساعدنا في مواجهة ما لدينا من تنظيمات إرهابية هنا، وعليه ألا يشجعهم على تخريب بلادنا».
معلوم أن الولايات المتحدة استقبلت قيادات إخوانية بعد ساعات من إطلاق منتسبين للجماعة دعوات عبر قنوات فضائية تتحدث باسم الإخوان، إلى قتل ضباط الجيش والشرطة بمصر. ويضيف هذا المسؤول بمرارة: «أميركا، يا للأسف.. إنها تضع يدها في يد من يحرضون على قتل جنودنا في سيناء وغير سيناء».
هذا الأمر مصدر غضب من مصريين كثيرين من كل الأوساط. «اللواء بلال»، على سبيل المثال، يرى أن «مبنى الكونغرس حينما يحتضن قيادات الإخوان، وهو يعلم أنها جماعة تقوم بعمليات إرهابية في مصر ومنطقة الشرق الأوسط، فإن الأمر له دلالات كبيرة». كما يلفت الانتباه إلى رد الخارجية الأميركية بقولها إنها «تشعر بالانزعاج» تعليقا على دعوات الإخوان لسفك دماء الجيش والشرطة، قائلا إن كلمات الخارجية الأميركية «لا تتناسب مع أعمال التحريض على الاغتيال والحرق وأعمال النسف والتدمير التي يدعو لها الإخوان».
وينظر «اللواء بلال» لقضية الإرهاب بالمنطقة حزمة واحدة، ويتعجب، مثل كثيرين، من تركيز الغرب على محاربة «داعش» في العراق وسوريا فقط.. «كيف يترك الغرب باقي الدول التي فيها قلاقل وتصفيات دموية بشعة، دون أن يتعاون معها.. (داعش) أعلن عن نفسه في ليبيا ومناطق أخرى». ويرى أن هذا يعني وجود دول إقليمية ترعى العمليات الإرهابية في بلدان بعينها تنفيذا لمخطط لزعزعتها وجعلها غير مستقرة.
واجتمع مع الإخوان في الولايات المتحدة، نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، إضافة لمسؤولين آخرين بالوزارة. وتضمنت الإفادة التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من الخارجية الأميركية قول جين بساكي، المتحدثة باسم الوزارة، أن مثل هذه الاجتماعات تعد روتينية داخل وزارة الخارجية.. «حيث نلتقي بانتظام بقيادات أحزاب سياسية من شتى أرجاء العالم.. وأعتقد أننا نستقبل هنا آلاف الزائرين يوميا، وغالبا ما يلتقطون صورا لأنفسهم. لا أعتقد أن انتهاكا ما حدث في هذه الزيارة أو أنها تمثل قضية شائكة».
ومن المعروف أن السلطات المصرية وبعض دول المنطقة، صنفت الإخوان «جماعة إرهابية». كما وصم البرلمان الليبي، أعلى سلطة في البلاد، الميليشيات التي يترأسها قادة من الإخوان، بالإرهاب.
وعن موضوع الزيارة الإخوانية لبلاده يوضح «بن رودز» الأمر بقوله إن واشنطن تتعاون مع مجموعة تمثل أطيافا واسعة من المجتمع المصري على امتداد سنوات، و«بالتأكيد لا نتعاون مع أشخاص ترى الولايات المتحدة أنهم متورطون في أي نمط من النشاطات الإرهابية»، مؤكدا في الوقت نفسه العلاقة الوثيقة بين بلاده والحكومة المصرية، لكنه يرى، على الجانب الآخر، أنه «يجب إيجاد سبيل لخلق منافذ سلمية للمشاركة السياسية أمام مختلف قطاعات المصريين، خاصة أن هذا سيسهم، نهاية الأمر، في تحقيق الاستقرار الذي ينشده الرئيس السيسي».
ويقول «بن رودز» إنه «في الوقت الذي نعترف فيه بالحاجة للتعامل مع تحديات أمنية بعينها، وبالتأكيد هناك جماعات إرهابية تعمل في مصر نشارك القلق بخصوصها، فإننا ندرك كذلك أن هناك كثيرا من المصريين الذين ربما، مثلا، أيدوا محمد مرسي، وهم ليسوا إرهابيين، ولا يتعاطفون مع الإرهابيين. وهناك حاجة لإيجاد منفذ لتمكينهم من المشاركة السياسية السلمية».
جماعة الإخوان، ووفقا للتقارير الأمنية الجديدة، «تتعاون بالفعل» مع تنظيمات متطرفة مختلفة بما فيها «الجماعة الليبية المقاتلة» التي يشغل منصب أحد قادتها في الوقت الحالي، عمدة طرابلس الغرب، ويدعى «م.ح»، بعد عودته أخيرا من مهام قتالية في سوريا. كما يعمل أحد القادة الآخرين في هذه الجماعة «رئيسا لجهاز مخابرات الإخوان»، ويدعى «ع.ب».
والتعاون الإخواني امتد، وبقوة أيضا، إلى تنظيم «أنصار الشريعة» الذي يضم مقاتلين عربا وأجانب، وكذلك جماعة «أنصار الحق» التي نقلت نشاطها إلى جنوب ليبيا بعد أن كانت تتمركز في شمال مالي وجنوب الجزائر، إضافة لعناصر من جماعة «أهل السنة للدعوة والجهاد» النيجيرية والمعروفة باسم «بوكو حرام».
لهذا تقول التوقعات المستقاة من قراءة ما تيسر من هذه التقارير، إن بلدان في شمال أفريقيا والشرق الأوسط يمكن أن تشهد مزيدا من الفوضى، ما دامت مسارات تهريب السلاح والنفط والمتطرفين مفتوحة ودون رقابة.
من أسباب التشاؤم بشأن المستقبل أيضا أن المجموعات المتطرفة أصبحت تستغل الموقع الاستراتيجي لليبيا، وما في هذا البلد من ثروات وحدود طويلة ومساحات شاسعة، ولهذا يراهن «الإخوان» ومن تحالف معهم على زيادة تدهور الوضع الأمني الداخلي لكي تضمن تدفق السلاح نحو سيناء وفي اتجاه بؤر الإرهاب. و«ما يقوم به الإخوان والمتشددون من محاولات لتطويق مصر يلتقي مع أهداف عدة أطراف إقليمية».
ومن بين من ابتهجوا بزيارة بوتين، العميد عادل العمدة، الذي يشغل أيضا عضوية المجلس المصري للعلاقات الخارجية، وبدا من نبرة صوته أنه أصبحت لديه ثقة أكبر من السابق بشأن القدرة على مواجهة زرع القنابل واستهداف المواقع الأمنية، وهو يقول إن «شرَّ المتطرفين الموجه للدولة، يأتي على خلفية نجاح الرئيس السيسي في تحقيق إنجازات في وقت قياسي داخليا وخارجيا.. لقد بدأنا في تنفيذ مشروعات كبرى على رأسها المجرى الجديد لقناة السويس. ولدينا الزيارة المهمة للرئيس بوتين».
ولأن الموضوع يشغل الجميع هنا، بدا أن السيسي كان حريصا على الإعلان عن أنه اتفق، في لقائه مع بوتين، على أن استشراء ظاهرة الإرهاب «بات يحتم تضافر الجهود الدولية لمواجهتها والتعامل معها من خلال منهج شامل». ويرى الرئيس المصري أن هذه المواجهة ينبغي ألا تقتصر فقط على التصدي الأمني، و.. «إنما يتضمن محاربة أسسها الفكرية التي توفر بيئة حاضنة تخرج من كنفها التنظيمات الإرهابية، فضلا عن معالجة الأوضاع الاجتماعية التي تسهم في نمو الإرهاب والتطرف المرتبط به».
لم تتعرض مصر لعمليات إرهابية هزت الرأي العام فقط، بل شهدت أساليب أخرى من الحرب النفسية ضد قادة الدولة. ويقرأ العميد عادل العمدة المشهد من جديد، ويضيف أن التقدم على الساحة المصرية اقتصاديا وسياسيا، بما فيه إحكام ضبط الحدود مع ليبيا وقطاع غزة، أصبح يزيد من غضب التنظيم الدولي للإخوان. و.. «يقومون بتدبير المكائد للوقيعة بين مصر والدول الشقيقة، بكل الوسائل، بداية من إطلاق الشائعات والتسريبات، وصولا لتنفيذ العمليات الإرهابية».
وعن الفقرة التي وردت في واحدة من المذكرات الأمنية عن تهريب الأسلحة من ليبيا عبر مراكب الصيد، إلى سيناء، يعلق «العمدة» قائلا إن «السواحل المصرية مؤمنة بالكامل، ولكن من الممكن أن تكون هناك أعمال تهريب من هذا النوع بمعاونة بعض العناصر الخارجة عن القانون، لكن بنسبة أصبحت لا تذكر، إلى درجة أنها تكاد تكون معدومة».
قيادات الإخوان أعلنت عن تأسيس برلمان مصري في المنفى، قبل شهر، وفي الوقت الحالي يتخذون من المبنى الواقع بجوار السفارة الليبية لدى الدولة المشار إليها، مقرا للإقامة وعقد اللقاءات مع أطراف من التنظيم الدولي والمتطرفين، من بلدان عربية وأجنبية. وتستخدمه بيتا للضيافة أيضا. وجرى الكشف عن هذا الموقع بعد تتبع عقد الصيانة الذي يخص المبنى الجديد، بما قيمته 49 مليون دينار ليبي (أكثر قليلا من 30 مليون دولار).
وجاء في صفحات أخرى من التقارير الأمنية، حصول الإخوان، من أطراف إقليمية، على تقنية متقدمة في الاتصالات والتنصت والتصوير، وأنظمة التجسس الإلكتروني، إضافة إلى تخصيص بعض دول بالمنطقة قنوات تلفزيونية للإخوان موجهة لليبيين والمصريين وغيرهم، وأن تكلفة هذه التقنية تبلغ مئات الملايين من الدولارات. لكن «العميد العمدة» يقول في ثقة إن هذه الإجراءات، بما فيها زيارة الكونغرس، مجرد «ضجة إعلامية» للإيحاء بأنهم ما زالوا أقوياء، «ببساطة.. الكل يعلم أنهم خسروا الانتخابات في الدول العربية التي حكموها. الشعوب لا تريدهم».
مذكرة أمنية أخرى تشير إلى أن جماعة الإخوان ركزت في بداية «ثورات الربيع العربي» على رص صفوفها بالتعاون مع أذرع عسكرية متطرفة، وهيمنت، بالدعاية واستغلال البسطاء، على برلمانات هذه الدول، بينما كانت الأحزاب المدنية تعاني الضعف والتهميش والحظر. هذه الجماعة لم تظهر في انتفاضة التونسيين إلا بعد مغادرة الرئيس زين العابدين بن علي، لبلاده.. كان معظم قيادات حركة النهضة في المهجر والسجون، بينما كانت قواعدهم في الداخل مجرد متفرجين إلى أن انتشر خبر مغادرة الرئيس.
الأمر نفسه تكرر تقريبا في مصر وليبيا بعد أسابيع من انتفاضة التونسيين، لكن العودة من الخارج لم تقتصر على الإخوان فقط، بل رجع معهم مئات من قادة التنظيمات المتطرفة وأتباعهم من العرب والأجانب، ممن كانوا يقاتلون في أفغانستان وباكستان وغيرها. تشير المذكرة إلى «طريقة المداهنة والتسلق» التي اتبعها الإخوان في كل من تونس ومصر وليبيا، للصعود لسدة الحكم.
من بين المكالمات الهاتفية التي جرى رصدها، واحدة تتعلق باتصال لقيادي من إخوان تونس عقب عودته من المنفى، اتصل بسيف الإسلام نجل القذافي. كان القذافي ما زال في الحكم وقتها. ألقى الرجل السلام على سيف، وحمد، وشكر، ثم تحدث عن حاجته للتعاون مع «الأخ القائد» الذي «لن ننسى فضله». واستفاد الإخوان أيضا من الحماسة التي كان عليها القوميون والاشتراكيون والتيارات الأخرى، وهم يهتفون في شوارع بلادهم: «الشعب يريد إسقاط النظام»، إلى أن تمكنت الجماعة من السلطة، لتغيِّر بعد ذلك بوصلتها، وتتحالف مع الجماعات المتطرفة.
الإخوان رأوا وقتها أن الفرصة حانت لربط مناطق نفوذهم، من مصر للسودان، ومن ليبيا لتونس.. كما أن المتشددين عدوا تخلي «بن علي» و«مبارك» عن السلطة، ومقتل «القذافي»، نصرا إلهيا يفتح مجالا للانتقام من خصومهم، و.. «بدأوا في التواصل مع الجماعات المتطرفة في الجزائر، عبر الحدود».
عقب حكم الإخوان لمصر جرى رصد اتصال هاتفي مع الظواهري، الموجود في مكان ما على الحدود الباكستانية - الأفغانية. تضمن الاتصال وعودا من جانب الإخوان بإطلاق سراح مئات المتطرفين المسجونين منذ عهد مبارك، وفي المقابل تعهد الظواهري بإرسال مقاتلين لتدريب ميليشيات الجماعة وحلفائها على القتال، وبلغ عددهم نحو 3 آلاف مقاتل بينهم أجانب، وجرى توجيههم، منذ ذلك الوقت، إلى سيناء.
فترة حكم الجماعة لدول الربيع العربي تركت أرضية كبيرة لتحريك الأسلحة والمتطرفين عبر الحدود، عن طريق 4 مسارات رئيسة، كما ورد في إحدى المذكرات الأمنية. المسار الأول يوجد قرب الحدود الليبية - التونسية. استغل المتطرفون الفوضى، وهرَّبوا أسلحة لليبيا من مناطق جرجيس، ورمادة، إضافة لعمليات تسهيل إدخال سلاح ومقاتلين عرب وأجانب من موانئ درنة وبنغازي ومصراتة.
وجرى أيضا رصد اتصال بين الإخوان وقيادات عسكرية إقليمية، لتوفير احتياجات المتشددين. ومن بين هؤلاء قيادي إخواني يدعى «ع.ص»، وقيادي آخر في ما يعرف بـ«الجماعة الليبية المقاتلة» ويدعى «ع.ق»، وعقيد سابق بالجيش الليبي يعمل لصالح الإخوان يدعى «ع.ش».
المسار الثاني يقع على الحدود الجنوبية الشرقية لليبيا ويمتد حتى العاصمة طرابلس، ويجري عن طريقه نقل أطنان من الأسلحة والذخيرة وتهريب المقاتلين. يوجد نقل بري بشاحنات ويشرف عليه متشددون من قبيلة «زوية» المنتشرة في تلك المنطقة، أي من دارفور جنوبا حتى الكفرة شمالا. استخدم متطرفون يقيمون في الوقت الحالي في فندق المهاري على كورنيش طرابلس، طائرات لنقل أسلحة ومقاتلين عبر المطارات التي يضعون أيديهم عليها قرب العاصمة وفي مصراتة وسبها.
المسار الثالث للتهريب يوجد حول المثلث الحدودي لليبيا والنيجر والجزائر. يسيطر عليه تنظيم «أنصار الحق» الذي يعرف أيضا باسم «أزواد مالي»، ويتكون من خليط من عرب وأفارقة يقودهم متشددون من قبيلة «الطوارق»، إضافة للقيادي الجزائري في تنظيم القاعدة، مختار بلمختار، الملقب بـ«الأعور».
المجموعة المسيطرة على هذا المسار تعد أكثر تنظيما لخبرتها في القتال مع قوات أفريقية وفرنسية، في شمال مالي، العام الماضي. جرى رصد تنسيق وتعاون بين هذه المجموعات وجماعة الإخوان بقيادة موحدة تحمل اسم «القوة الثالثة» تتمركز في معسكرات استولت عليها من الجيش في مدينة سبها.
المسار الرابع يقع بين ليبيا ومصر. يشير التقرير إلى أن انتقال الأسلحة والمتطرفين بين البلدين يتركز على خطين؛ الأول، الخط البري الذي أصبح يخضع لتشديد أمني مصري بعد وصول الرئيس السيسي للحكم. والثاني، خط مراكب الصيد إلى سواحل سيناء.
عدة مذكرات مرفقة بتسجيلات مصورة لعمليات تهريب أسلحة آتية من جنوب شرقي ليبيا، وتسلم لمتطرفين قبليين مرتبطين بالإخوان في جنوب مدينة الكفرة، وأخرى من موانئ بحرية يسيطر عليها المتشددون بسواحل بنغازي وطرابلس ودرنة ومصراتة، إضافة لتسجيلات لمكالمات هاتفية جرى اعتراضها بين قادة من الإخوان والمتطرفين، وشخصيات عربية مسؤولة، من بينهم قيادة عسكرية إقليمية.
كما جرى اعتراض مكالمات هاتفية لأشخاص يعملون لصالح الإخوان تنقلوا بين عدة دول في المنطقة تحت ستار «إعلاميين تلفزيونيين» وشاركوا في تنسيق عمليات للمتطرفين من بينهم «م.ع (عراقي الجنسية)» و«س.ص (ليبي)»، والأخير قيادي في «الجماعة الليبية المقاتلة». والهدف أن تكون ليبيا بموقعها الاستراتيجي مركزا لتجميع القوى المتطرفة من تونس ومصر والجزائر، لـ«تكوين جيش ضخم» يقوده الإخوان.
حاولت «الشرق الأوسط» إجراء لقاء مع أي من القيادات الإخوانية المصرية التي تقيم في تركيا، لكنها اشترطت إجراء تعديلات على هذا التحقيق الصحافي قبل نشره، وهو أمر يتعارض مع مبادئ العمل الإعلامي. وفي المقابل وافق مسؤول «إخوان ليبيا»، الشيخ الكبتي، على الرد على الاتهامات الموجهة للجماعة، عبر الهاتف. يجيب الكبتي قائلا إن الإخوان «يقفون ضد التصرفات التي تسيء للإسلام، سواء من تنظيم داعش أو من غيره.. نحن ضد التطرف في كل ألوانه وأشكاله، سواء من يرفعون شعارات إسلامية، أو من أصحاب السلطة والتسلط من أجهزة الدولة المختلفة».
وعن البيان المنسوب لإخوان مصر الذي دعت فيه الجماعة لاستهداف الجيش والشرطة، يجيب بقوله: «نحن لم نطلع على هذا البيان، وحتى وإن كان، فإن ما يراه إخوان مصر ليس ملزما لنا. نحن لنا اجتهادنا ولنا خطنا الواضح. ولا أعتقد أن إخوان مصر ينتهجون العنف لأنهم دائما يصبرون على أذى الحكومة، وهذا هو الذي نعلمه عنهم، وإن كان هناك تغيير حدث الآن في مسار إخوان مصر، فذلك ما لا نعلمه».
وفي ما يخص المعلومات عن تعاون إخوان ليبيا مع قيادات في «الجماعة الليبية المقاتلة»، يقول الكبتي إنه «لا يوجد تعاون مباشر، ولكن، كما تعلم، فإن قادة الجماعة المقاتلة، تبرأوا من العنف وعملوا مراجعات». ووصف اتهام الإخوان بالاتصال بدول لتسهيل إدخال أسلحة للمتطرفين، بأنه «من الأكاذيب التي يروج لها إعلام الثورة المضادة».
ويضيف: «نحن، أولا، كجماعة إخوان، نتعامل مع الحركات الإسلامية على المستوى الحركي فقط، من تبادل للخبرات وكذا، ولا نتعامل مع الأنظمة الحكومية، لأنه ليس لدينا وضع تنظيمي في الدولة الليبية حتى نمثلها في الخارج. ربما بعض أفرادنا في بعض المؤسسات، وهم لا يمثلون الجماعة في ذلك. وعلى كل حال ليس لدينا شيء من هذا على الإطلاق».
ومن أمام الفندق المطل على شارع صلاح سالم كان يمكن مشاهدة موكب الرئيس بوتين وهو في طريقه إلى مطار القاهرة عائدا إلى بلاده، بينما وصلت إلى هنا سيارات أخرى لضيوف للانضمام إلى الطاولة وما عليها من تقارير ومذكرات بشأن مستقبل المنطقة وما يشكله الإخوان من خطر. وفي صفحة كانت هناك جملة تقول إن محاولات محاصرة مصر «لن تنجح إلا بوقوع ليبيا نهائيا في قبضة الإخوان والمتطرفين».
- جانب من تقرير أمني يتحدث عن رهان الإخوان على تدفق السلاح للمتطرفين في سيناء («الشرق الأوسط»)

- وثيقة تتحدث عن إنفاق الإخوان ملايين الدولارات لتخصيص مقر لاجتماعاتهم في دول إسلامية بالبحر المتوسط («الشرق الأوسط»)

- صورة من مذكرة تتحدث عن توسط الإخوان في الدعم العسكري للجماعة المقاتلة في ليبيا («الشرق الأوسط»)

- تقرير يحذر من خطورة سيطرة الإخوان والمتطرفين على الدولة الليبية وتداعياته الخطيرة على مصر («الشرق الأوسط»)

 



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.