نظم الذكاء الصناعي... لكل مناحي الحياة

تتميز بالبراعة وتشبك خيوطها البرّاقة مع الإنسان

نظم الذكاء الصناعي... لكل مناحي الحياة
TT

نظم الذكاء الصناعي... لكل مناحي الحياة

نظم الذكاء الصناعي... لكل مناحي الحياة

يعيش كثير منّا اليوم مع نظم الذكاء الصناعي في المنزل، ويرجّح الباحثون أنّ التفاعل مع هذه التقنية سيطغى عليه الطابع الشخصي أكثر فأكثر.
ها أنا أستيقظ في منتصف الليل وأشعر ببرودة الجوّ. أقف في الظلام وأقول: «مرحباً غوغل، ما درجة الحرارة في المنطقة رقم 2؟»، فيجيبني صوتٌ دون جسد: «درجة الحرارة في المنطقة 2 تبلغ 52 درجة فهرنهايت» (11.1 مئوية)، فأطلبُ منه أن يضبطها على درجة 68 (20 مئوية)، وأختم حديثي معه بطلب إطفاء الأضواء.
يعيش كثير منّا اليوم في المنزل نفسه مع جهاز الذكاء الصناعي الذي يصمم بخوارزميات غير مرئية تتحكّم بأجهزتنا المتصلة بالإنترنت... من الهواتف الذكية إلى الكاميرات الأمنية والسيارات التي تدفأ مقاعدها قبل خروج سائقها من المنزل في صباح يومٍ بارد.
براعة النظم الذكية
نشهد اليوم على براعة الذكاء الصناعي، ولكنّنا لم نعِش بعد مرحلة تألّقه الحقيقي. ويشبّه الباحثون الوضع الحالي لهذه التقنية بوضع الهواتف الخلوية في التسعينات: مفيدة ولكن بسيطة وبطيئة. وتسخّر هذه التقنية أكبر نماذج التعلّم الآلي وأكثرها قوّة وتضعها في برامج خفيفة قادرة على تشغيل أصغر الأجهزة وأكثر تطوّراً كأدوات المطبخ والأجهزة القابلة للارتداء، ما يشير إلى أنّ حياتنا تتداخل تدريجياً مع خيوطٍ برّاقة من الذكاء الصناعي.
سينطبع تفاعلنا مع هذه التقنية بمزيد من السمات الشخصية. على سبيل المثال، تتّسم ربوتات المحادثة الشهيرة بـ«تشات بوت» (Chatbots) اليوم بالغباء والأداء المستفز، لكنّها ستصبح في النهاية قادرة على إجراء محادثات حقيقية وعلى تعلّم الكثير حول عاداتنا وشحصياتنا، حتّى إنها قد تطوّر شخصية خاصّة بها. ولكن لا تقلقوا لأنّ حمّى حلم سيطرة الآلات خارقة الذكاء التي شاهدناها في فيلم «2001: ملحمة الفضاء» ستبقى خيالاً علمياً لوقتٍ طويل، لأنّ الإدراك والوعي الذاتي والإرادة الحرّة في الآلات لا تزال بعيدة جداً عن القدرات العلمية المتوفرة في زمننا هذا.
الخصوصية والتشفير
وتبقى أيضاً مسألة الخصوصية لأنّ الذكاء الصناعي يتطلّب بيانات لتعلّم الأنماط واتخاذ القرارات. ولكنّ الباحثين يعملون اليوم على تطوير وسائل لاستخدام بياناتنا دون رؤيتها فيما يعرف بـ«التعلّم المركزي» أو عبر تشفيرها بطريقة لا يمكن اختراقها.
يوماً بعد يوم، ستزداد مراقبة بيوتنا وسيّاراتنا من قبل أجهزة الاستشعار العاملة بالذكاء الصناعي، لا سيما أن بعض الكاميرات الأمنية تعتمد اليوم على برامج التعرف على الوجه لتحديد هوية الزوار المألوفين ورصد الغرباء. ولكن في وقتٍ قريب، سنشهد إقامة شبكات من الكاميرات وأجهزة الاستشعار التي ستتكامل مع بعضها لإنشاء شبكة واحدة كبيرة من «الذكاء المحيط» القادر على مراقبتنا جميعاً طوال الوقت إذا رغبنا. يستطيع الذكاء المحيط التعرف على التغيرات السلوكية ومساعدة كبار السن وعائلاتهم.
ترى في في لي، أستاذة محاضرة بعلوم الكومبيوتر في جامعة ستانفورد ومديرة مساعدة لمعهد ستانفورد للذكاء الصناعي المتمحور حول البشر والذي يعد محرّكاً أساسياً في إشعال شرارة ثورة الذكاء الصناعي الحالية، أنّ «الأنظمة الذكية ستصبح قادرة على فهم أنماط النشاط اليومي لكبار السن الذين يعيشون وحدهم ورصد الأنماط الأولية للمعلومات المرتبطة بصحتهم». تؤكد لي أن معالجة مخاوف الخصوصية لا تزال بحاجة إلى كثير من الجهود، ولكن هذه الأنظمة ستكون قادرة على رصد إشارات الخرف واضطرابات النوم والعزلة الاجتماعية والسقطات وسوء التغذية، بالإضافة إلى إعلام الأشخاص الذين يعتنون بهؤلاء الكبار بكل ما سبق.
ترفيه وموسيقى
تعتمد خدمات التدفق الإنترنتي الشهيرة كـ«نتفليكس» و«سبوتيفاي» على الذكاء الصناعي في عملها لتحديد تفضيلات مستخدميها وتزويدهم بنظام متواصل من الترفيه الجذّاب، بينما يستخدم «غوغل بلاي» الذكاء الصناعي لتقديم توصيات موسيقية تناسب المزاج والوقت والطقس.
علاوةً على ذلك، يُستخدم الذكاء الصناعي اليوم لاستعادة الأفلام القديمة إلى الواجهة وبث الألوان في الأبيض والأسود، وحتى إضافة الأصوات إلى الأفلام الصامتة، بالإضافة إلى تحسين سرعة التدفق وتماسكه. وقريباً.
بدورها، ستعتمد الوسائط أكثر فأكثر على الذكاء الصناعي. أنشأ مشروع «ماجينتا» (Magenta project) المفتوح المصدر من «غوغل» مجموعة من التطبيقات التي تجعل التمييز بين الموسيقى الآلية والمؤلفين والعازفين البشر مهمة مستحيلة.
وطوّر المعهد البحثي «أوبن إي آي» تطبيق «ميوز نت» الذي يستخدم الذكاء الصناعي لمزج أساليب موسيقية متنوعة في مؤلفات جديدة. كما قدّم المعهد «صندوقاً موسيقياً» يؤلف أغاني جديدة عندما يزوده المستخدم بنوع موسيقي واسم فنان وكلمات يشارك الذكاء الصناعي أحياناً في تأليفها.
ولا تزال هذه الجهود مجرد البداية التي تحققت عبر تغذية ملايين الأغاني في شبكات الأعصاب الصناعية المصنوعة من رموز كومبيوترية لتصبح قادرة على استيعاب أنماط اللحن والانسجام وعلى ابتكار صوت الآلات والأصوات الغنائية.
العاطفة والتعليم
الذكاء الصناعي بتكوينه هو عبارة عن تقنية مكتوبة برموز الكومبيوتر، ولكن معظم الناس يتخيلونه على شكل إنسانٍ آلي. إن الشخصيات الرمزية التي ينتجها الذكاء الصناعي تفبرك محادثات وتنشد أغاني وحتّى تعلّم أطفالنا بالاعتماد على التقنية نفسها. ولن ننسى طبعاً فيديوهات الـ«ديب فيكس» المزيفة التي يتم فيها إسقاط وجه وصوت شخص على شخص آخر. وتجدر الإشارة إلى أن العالم شهد أيضاً على ابتكار الذكاء الصناعي لوجوه أشخاص غير موجودين في الحقيقة.
يعمل الباحثون اليوم على دمج التقنيات لابتكار شخصيات افتراضية ثنائية الأبعاد لأشخاص قادرين على التفاعل في الوقت الحقيقي مع إظهار مشاعر وإيماءات مرتبطة بالسياق. قدّمت شركة «نيون» التابعة لـ«سامسونغ» نسخة أولية من شخصيات مشابهة، ولكن هذه التقنية لا تزال بعيدة جداً عن الاستخدام العملي.
يساعد هذا النوع من الشخصيات على إحداث ثورة في عالم التعليم، لا سيما أن باحثي الذكاء الصناعي بدأوا بتطوير أنظمة تعليم خاص تعتمد على الذكاء الصناعي قادرة على تتبع سلوك الطلاب وتوقع أدائهم وتوصيل المحتوى والاستراتيجيات، بهدف تحسين الأداء ومنع خسارة الطلاب لحماسهم. يعد أساتذة التعليم الخصوصي المدعومين بالذكاء الصناعي بتقديم تعليم يناسب كل طالب حسب شخصيته وبتوفيره لأي شخصٍ في العالم يملك جهازاً متصلاً بالإنترنت، شرط أن يكون هذا الشخص مستعداً للتنازل عن بعض الخصوصية.
من جهته، يرى يوشوا بنجيو، أستاذ في جامعة مونتريال ومؤسّس معهد «ميلا» المتخصص بأبحاث الذكاء الصناعي في توفر التفاعل البصري مع وجهٍ بملامح عاطفية تعبر عن الدعم أمراً مهماً جداً للمعلمين. بدأت شركتا «كوربيت» التي أسسها جوليان سربان، أحد طلاب بنجيو، و«ريد» في كوريا الجنوبية، باستخدام هذه التقنية في التعليم، إلا أن بنجيو يرى أنها لا تزال على بعد عقود وربما أكثر من الوصول إلى مستوى تزويد المعلمين بسلاسة لغوية طبيعية ودلالاتٍ لفظية مفهومة.
أجهزة المستقبل
بدأ الذكاء الصناعي بملامسة حياتنا بطرقٍ لا تعد ولا تحصى من استكشاف المواد الجديد إلى صناعة الأدوية. تلعب هذه التقنية دوراً مهماً في تطوير لقاحات «كوفيد - 19» من خلال حصر احتمالات البحث أمام العلماء وفي اختيار الفواكه التي نتناولها وتصنيف القمامة التي نرميها دون أن ننسى أنّ السيارات الآلية أصبحت حقيقة، ولكنها تنتظر القوانين التي تنظم عملها.
* خدمة «نيويورك تايمز»

كما بدأ الذكاء الصناعي بإعداد البرامج الرقمية، وقد يتوصل أخيراً إلى صناعة نظم ذكاء صناعي أكثر تعقيداً بنفسه. تملك شركة «ديف بلو» الناشئة التابعة لجامعة أكسفورد نظام ذكاء صناعياً مهمّته أتمتة إعداد اختبارات البرامج الرقمية، هذه المهمّة التي تستحوذ على ثلث وقت المطوّرين في أيّ مشروع. يتصوّر جاستن غوتشليتش الذي يدير مجموعة بحثية لبرمجة الآلات في مختبرات إنتل، يوماً يستطيع فيه أيّ شخص ابتكار برنامج بمجرّد تزويد نظام ذكاء صناعي بطلب يوضح مهمّة هذا البرنامج. ويقول: «أستطيع أنّ أتخيّل أناساً كوالدتي يصنعون البرامج الرقمية على الرغم من أنّها لا تسطيع كتابة سطرٍ واحدٍ من الرموز».


مقالات ذات صلة

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

دراسة علمية تكشف عن أن الرموز التعبيرية النصية قد تُربك نماذج الذكاء الاصطناعي مسببة أخطاء صامتة تؤثر على دقة الفهم والقرارات الآلية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)

تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

باحثو «MIT» يطوّرون تقنية تمكّن شريحتين من توثيق بعضهما ببصمة سيليكون مشتركة دون تخزين مفاتيح خارجية لتعزيز الأمان والكفاءة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الفرق عالية الأداء تتفوق بفضل الاستثمار المنهجي في الذكاء الاصطناعي والشراكات والتخطيط البيعي (رويترز)

«سيلزفورس»: 9 من كل 10 فرق مبيعات تتجه إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي

تقرير «سيلزفورس» يكشف تسارع تبنّي وكلاء الذكاء الاصطناعي في المبيعات، لرفع الإنتاجية، وتحسين البيانات، ودعم نماذج تسعير مرنة لتحقيق النمو.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطبيقات ذكاء اصطناعي متخصصة للتعامل مع البريد الإلكتروني

كيف تتحول الفوضى الرقمية إلى أداة إنتاجية متقدمة؟

في عصرنا الرقمي، تحول البريد الإلكتروني من وسيلة للتواصل إلى عبء يومي ثقيل. وبالنسبة للكثيرين،

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا توليفة مناسبة الثمن لتوصيل "آيبود" بكابل منج قبل 15 عاما بجهاز كومبيوتر بمنافذ "يو اس بي" صغيرة

كيف تتعامل مع العشرات من الأجهزة القديمة؟

أطاحت الجوالات الذكية بمشغلات الموسيقى الرقمية والكاميرات وألقتها جانباً بشكل كبير. ومع ذلك، لا يزال كثير من الناس يحتفظون بتلك الاجهزة مخبأة في مكان ما.

جيه دي بيرسدورفر (نيويورك)

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
TT

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)

تتركز أغلب النقاشات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي حول مخاطر كبرى؛ كالتحيز والهلوسة وإساءة الاستخدام أو القرارات الآلية غير القابلة للتفسير. لكن دراسة بحثية جديدة تلفت الانتباه إلى مصدر مختلف تماماً للمخاطر المحتملة. إنها الرموز الصغيرة التي نستخدمها يومياً من دون تفكير مثل الوجوه التعبيرية النصية (emoticons).

الدراسة، المنشورة على منصة «arXiv» تكشف عن أن نماذج اللغة الكبيرة قد تُسيء فهم هذه الرموز البسيطة بطرق تؤدي إلى أخطاء وظيفية صامتة، لا تظهر على شكل أعطال واضحة، بل في مخرجات تبدو صحيحة شكلياً لكنها لا تعكس نية المستخدم الحقيقية.

رموز مألوفة... ومعانٍ ملتبسة

على عكس الرموز التعبيرية الحديثة (emoji) التي تمثل وحدات مرئية موحدة، تعتمد الوجوه التعبيرية النصية مثل «: -)» أو «: P» على تسلسل أحرف «ASCII». ورغم بساطتها ، تحمل هذه الرموز معاني سياقية دقيقة، تختلف باختلاف الثقافة أو سياق الاستخدام. المشكلة، بحسب الباحثين، أن نماذج اللغة لا تتعامل دائماً مع هذه الرموز باعتبارها إشارات دلالية، بل قد تفسرها أحياناً كجزء من الشيفرة البرمجية أو كنص حرفي بلا معنى عاطفي.

هذا الالتباس الدلالي قد يبدو تفصيلاً صغيراً، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما تُستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي في مهام حساسة، مثل توليد الشيفرات البرمجية أو تحليل التعليمات أو تشغيل وكلاء آليين يتخذون قرارات تلقائية.

يمتد تأثير هذا الالتباس إلى الأنظمة المعتمدة على «الوكلاء الأذكياء» ما قد يضخّم الخطأ عبر سلاسل قرارات آلية متتابعة (شاترستوك)

قياس المشكلة بشكل منهجي

لفهم حجم هذه الظاهرة، طوّر فريق البحث إطاراً آلياً لاختبار تأثير الوجوه التعبيرية النصية على أداء النماذج. واعتمدوا على مجموعة بيانات تضم 3.757 حالة اختبار، ركزت في الغالب على سيناريوهات برمجية متعددة اللغات، حيث قد يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء دقيقة ولكن مؤثرة.

حقائق

38 %

هو معدل تجاوز الخطأ الذي سجلته الاختبارات عند وجود رموز تعبيرية نصية رغم بساطة هذه الإشارات وشيوع استخدامها اليومي.

الفشل الصامت

النتيجة الأكثر إثارة للقلق في الدراسة ليست نسبة الخطأ بحد ذاتها، بل طبيعة هذه الأخطاء. فقد وجد الباحثون أن أكثر من 90 في المائة من حالات الإخفاق كانت «فشلاً صامتاً»؛ أي أن النموذج أنتج مخرجات تبدو صحيحة من حيث البنية أو الصياغة، لكنها تنفذ منطقاً مختلفاً عمّا قصده المستخدم.

في البرمجة، على سبيل المثال، قد يؤدي ذلك إلى شيفرة تعمل دون أخطاء، لكنها تنفذ وظيفة غير متوقعة. هذا النوع من الأخطاء يصعب اكتشافه؛ لأنه لا يولد تحذيرات مباشرة، وقد لا يظهر إلا بعد فترة طويلة، أو في ظروف تشغيل محددة.

تجاوز النماذج نفسها

لم تتوقف الدراسة عند اختبار النماذج اللغوية بشكل مباشر، بل امتدت إلى أنظمة قائمة على «الوكلاء» (agent - based frameworks) التي تعتمد على هذه النماذج كعقل مركزي لاتخاذ القرار. ووجد الباحثون أن الالتباس الدلالي ينتقل بسهولة إلى هذه الأنظمة المركبة، ما يعني أن الخطأ لا يبقى محصوراً في إجابة واحدة، بل قد يتضخم عبر سلسلة من القرارات الآلية. هذا الاكتشاف مهم في ظل التوجه المتسارع نحو استخدام وكلاء ذكيين لإدارة مهام معقدة، من أتمتة البرمجيات إلى تشغيل سلاسل عمل كاملة دون تدخل بشري مباشر.

لماذا تفشل الحلول الحالية؟

قد يبدو الحل بديهياً، وهو تعليم النموذج تجاهل الوجوه التعبيرية، أو إضافة تعليمات صريحة في المطالبات (prompts). لكن الدراسة تشير إلى أن هذه المعالجات السطحية ليست كافية. فحتى مع تعليمات إضافية، استمرت النماذج في الوقوع في الالتباس نفسه، ما يدل على أن المشكلة أعمق من مجرد «سوء صياغة» في الطلب.

يرجّح الباحثون أن جذور المشكلة تعود إلى بيانات التدريب نفسها، حيث لا يتم تمثيل الوجوه التعبيرية النصية بشكل متسق، أو يتم التعامل معها أحياناً على أنها ضوضاء لغوية. كما أن البنية الداخلية للنماذج قد لا تميز بوضوح بين الرمز بوصفه إشارة عاطفية أو عنصراً نحوياً أو جزءاً من شيفرة.

الدراسة: جذور المشكلة تعود إلى بيانات التدريب وبنية النماذج نفسها ما يستدعي اختبارات أمان أدق وتحسين تمثيل الإشارات اللغوية الصغيرة (أدوبي)

سلامة الذكاء الاصطناعي

تكشف هذه الدراسة عن جانب مهم من التحديات التي تواجه نشر نماذج الذكاء الاصطناعي في البيئات الواقعية. فالمخاطر لا تنشأ فقط من القرارات الكبرى أو المدخلات الخبيثة، بل قد تأتي من تفاصيل صغيرة ومألوفة ويومية. وفي سياق سلامة الذكاء الاصطناعي، يسلط البحث الضوء على الحاجة إلى اختبارات أكثر دقة، لا تكتفي بتقييم صحة الإجابة من حيث المضمون العام، بل تدرس مدى تطابقها مع نية المستخدم. كما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية هذه النماذج للتعامل مع اللغة كما تُستخدم فعلياً، لا كما تُكتب في الأمثلة المثالية.

الخطوة التالية

لا تقدم الدراسة حلولاً نهائية، لكنها ترسم خريطة واضحة للمشكلة، وتدعو إلى مزيد من البحث في كيفية تمثيل الرموز غير التقليدية داخل النماذج اللغوية. وقد يكون ذلك عبر تحسين بيانات التدريب أو تطوير آليات تفسير دلالي أدق أو دمج اختبارات أمان جديدة تركز على «الإشارات الصغيرة».

تهدف الدراسة إلى القول إن في عصر الذكاء الاصطناعي، لا توجد تفاصيل صغيرة حقاً. حتى رمز ابتسامة بسيط قد يحمل مخاطر أكبر مما نتخيل، إذا أسيء فهمه داخل عقل آلي يعتمد عليه البشر في قرارات متزايدة الحساسية.


تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
TT

تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)

في عالم الأمن السيبراني تقوم الثقة غالباً على أسرار مخزنة في مكان آخر؛ قد تكون على خادم أو داخل ذاكرة محمية أو في قاعدة بيانات سحابية. لكن ماذا لو لم يكن من الضروري أن تغادر هذه الأسرار الشريحة الإلكترونية أساساً؟

طوّر مهندسون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تقنية تصنيع تُمكّن شريحتين إلكترونيتين من توثيق بعضهما عبر «بصمة» مادية مشتركة، من دون الحاجة إلى تخزين بيانات تعريف حساسة على خوادم طرف ثالث. ويمكن لهذه المقاربة أن تعزز الخصوصية وتخفض استهلاك الطاقة والذاكرة المرتبط عادةً بالأنظمة التشفيرية التقليدية.

الأسرار المخزّنة خارج الشريحة

حتى عندما تُصمَّم شرائح «CMOS» لتكون متطابقة، فإنها تحتوي على اختلافات مجهرية طفيفة تنشأ بشكل طبيعي أثناء عملية التصنيع. هذه الاختلافات تمنح كل شريحة توقيعاً مادياً فريداً يُعرف باسم «الدالة الفيزيائية غير القابلة للاستنساخ» (PUF). ومثل بصمة الإصبع البشرية، يمكن استخدام هذه الدالة للتحقق من الهوية.

في الأنظمة التقليدية، عندما يتلقى الجهاز طلب توثيق، فإنه يولّد استجابة تعتمد على بنيته الفيزيائية. ويقارن الخادم هذه الاستجابة بقيمة مرجعية مخزنة مسبقاً للتأكد من صحة الجهاز. لكن هذه البيانات المرجعية يجب أن تُخزَّن في مكانٍ ما، وغالباً على خادم خارجي. وإذا تم اختراق ذلك الخادم، تصبح منظومة التوثيق بأكملها عرضة للخطر.

يقول يون سوك لي، طالب الدراسات العليا في الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في «MIT» والمؤلف الرئيسي للدراسة: «أكبر ميزة في هذه الطريقة الأمنية أننا لا نحتاج إلى تخزين أي معلومات. ستبقى كل الأسرار داخل السيليكون دائماً».

تعتمد التقنية على استغلال الاختلافات المجهرية الطبيعية في تصنيع شرائح «CMOS» لإنشاء بصمة غير قابلة للاستنساخ (MIT)

شريحتان ببصمة واحدة

للتغلب على الاعتماد على التخزين الخارجي، ابتكر فريق «MIT» طريقة لتصنيع شريحتين تتشاركان بصمة مدمجة واحدة؛ أي بصمة فريدة لهاتين الشريحتين فقط.

ويمكن فهم الفكرة عبر تشبيه بسيط: تخيّل ورقة تم تمزيقها إلى نصفين، الحواف الممزقة عشوائية وفريدة، ولا يمكن إعادة إنتاجها بدقة. ومع ذلك، فإن القطعتين تتطابقان تماماً؛ لأنهما تتشاركان نفس الحافة غير المنتظمة. طبّق الباحثون هذا المفهوم أثناء تصنيع أشباه الموصلات؛ إذ تُنتج عدة شرائح في الوقت نفسه على رقاقة سيليكون واحدة قبل فصلها. واستغل الفريق هذه المرحلة لإدخال «عشوائية مشتركة» بين شريحتين متجاورتين قبل تقطيعهما. يشرح لي: «كان علينا إيجاد طريقة لتنفيذ ذلك قبل مغادرة الشريحة المصنع، لتعزيز الأمان. فبمجرد دخول الشريحة في سلسلة التوريد، لا نعرف ما الذي قد يحدث لها».

هندسة العشوائية داخل السيليكون

لإنشاء البصمة المشتركة، استخدم الباحثون عملية تُعرف باسم «انهيار أكسيد البوابة» (Gate Oxide Breakdown)؛ إذ يتم تطبيق جهد كهربائي مرتفع على ترانزستورات محددة مع تسليط ضوء «LED» منخفض التكلفة عليها. وبسبب الفروقات المجهرية الطبيعية، ينهار كل ترانزستور في لحظة مختلفة قليلاً. تمثل حالة الانهيار هذه مصدر العشوائية التي تُبنى عليها البصمة الفيزيائية.

ولإنشاء بصمة مزدوجة، صمّم الفريق أزواجاً من الترانزستورات تمتد عبر شريحتين متجاورتين، مع ربطها بطبقات معدنية أثناء وجودها على الرقاقة نفسها. وعند حدوث الانهيار، تتطور خصائص كهربائية مترابطة بين الترانزستورات المرتبطة.

بعد ذلك، تُقطَّع الرقاقة بحيث تحصل كل شريحة على نصف زوج الترانزستورات، وبالتالي تحتفظ كل واحدة ببصمة مشتركة مع الأخرى. وبعد تحسين العملية، تمكّن الباحثون من إنتاج نموذج أولي لشريحتين متطابقتين أظهرتا تطابقاً في العشوائية بنسبة تفوق 98 في المائة، وهي نسبة كافية لضمان توثيق مستقر وآمن.

ويقول لي إنه «لم يتم نمذجة انهيار الترانزستورات بدقة في العديد من المحاكاة، لذلك كان هناك قدر كبير من عدم اليقين. تحديد جميع الخطوات وتسلسلها لإنتاج هذه العشوائية المشتركة هو جوهر الابتكار في هذا العمل». والأهم أن التقنية متوافقة مع عمليات تصنيع «CMOS» القياسية، ولا تتطلب مواد خاصة. كما أن استخدام مصابيح «LED» منخفضة التكلفة وتقنيات دوائر تقليدية يجعل تطبيقها على نطاق واسع أمراً عملياً.

يمكن أن تفيد التقنية الأجهزة منخفضة الطاقة مثل المستشعرات الطبية عبر توفير أمن أعلى بتكلفة طاقة أقل (شاترستوك)

أهمية خاصة للأجهزة منخفضة الطاقة

يمكن أن تكون هذه التقنية مفيدة بشكل خاص في الأنظمة التي تعمل بقيود طاقة صارمة؛ إذ تُعد الكفاءة والأمن أولوية في آن واحد. فعلى سبيل المثال، قد تستفيد كبسولات استشعار طبية قابلة للبلع متصلة برقعة تُرتدى على الجسم من هذا النهج؛ إذ يمكن للكبسولة والرقعة توثيق بعضهما مباشرة من دون الحاجة إلى خادم وسيط أو بروتوكولات تشفير معقدة تستهلك طاقة إضافية.

يعد أنانثا تشاندراكاسان، نائب رئيس «MIT» والمؤلف المشارك في الدراسة، أن «هناك طلباً متزايداً بسرعة على أمن الطبقة الفيزيائية للأجهزة الطرفية». ويضيف أن منهج البصمة المزدوجة «يتيح اتصالاً آمناً بين العقد من دون عبء بروتوكولات ثقيلة، ما يحقق كفاءة في الطاقة وأمناً قوياً في الوقت نفسه».

نحو ترسيخ الثقة في العتاد نفسه

لا يقتصر البحث على الحلول الرقمية فقط؛ إذ يستكشف الفريق أيضاً إمكان تطوير أشكال أكثر تعقيداً من «السرية المشتركة» تعتمد على خصائص تماثلية يمكن تكرارها مرة واحدة فقط.

ويرى روانان هان، أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب والمؤلف المشارك في الدراسة، أن هذه الخطوة تمثل محاولة أولية لتقليل المفاضلة بين الأمان وسهولة الاستخدام. ويقول: «إن إنشاء مفاتيح تشفير مشتركة داخل مصانع أشباه الموصلات الموثوقة قد يساعد على كسر المفاضلة بين تعزيز الأمان وتسهيل حماية نقل البيانات».

ومع تزايد انتشار الأجهزة المتصلة وتوسع الحوسبة الطرفية، قد يصبح دمج الثقة مباشرة في العتاد أمراً ضرورياً. فمن خلال ضمان بقاء الأسرار داخل السيليكون نفسه، تشير هذه التقنية إلى مستقبل يُبنى فيه التوثيق داخل الشريحة لا خارجها.


«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
TT

«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)

أفاد تطبيق «إنستغرام» بأنه سيبدأ بتنبيه أولياء الأمور، إذا أجرى ​أبناؤهم، ممن هم في سن المراهقة، عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس، خلال فترة زمنية قصيرة، وذلك في وقت تتزايد فيه ‌الضغوط على الحكومات ‌لاعتماد قيود ​مشابهة لحظر ⁠أستراليا ​استخدام وسائل ⁠التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً.

ووفقاً لـ«رويترز»، قالت بريطانيا، في يناير (كانون الثاني)، إنها تدرس فرض قيود لحماية الأطفال عند اتصالهم بالإنترنت، ⁠بعد الخطوة التي اتخذتها ‌أستراليا، في ‌ديسمبر (كانون الأول). ​ وأعلنت إسبانيا واليونان ‌وسلوفينيا، في الأسابيع القليلة الماضية، ‌أنها تدرس أيضاً فرض قيود.

وذكر تطبيق «إنستغرام» المملوك لشركة «ميتا بلاتفورمز»، اليوم (الخميس)، أنه سيبدأ ‌في تنبيه أولياء الأمور المسجَّلين في إعدادات الإشراف الاختيارية، ⁠إذا ⁠حاول أطفالهم الوصول إلى محتوى يتعلق بالانتحار أو إيذاء النفس.

وتابعت المنصة في بيان: «تُضاف هذه التنبيهات إلى عملنا الحالي للمساعدة في حماية القصّر من المحتوى الضار المحتمل على (إنستغرام)... لدينا سياسات صارمة ضد المحتوى الذي ​يروج أو ​يشيد بالانتحار أو إيذاء النفس».