محمد حافظ رجب.. أديب في طي النسيان

رائد التجريب في القصة القصيرة يرتدي عباءة الثمانين

محمد حافظ رجب
محمد حافظ رجب
TT

محمد حافظ رجب.. أديب في طي النسيان

محمد حافظ رجب
محمد حافظ رجب

رغم ارتدائه عباءة الثمانين فإن صاحب «مخلوقات براد الشاي المغلي» لا تزال عيناه تشعان تحديا.. إنه المبدع السكندري المشاكس محمد حافظ رجب الذي قال عنه أدباء جيله «مبدع الهذيان»، لكن قاموس أكسفورد ذكره كأهم مجدد في القصة القصيرة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.
«طارق ليل الظلمات» معتكفا في منزله الصغير الهادئ في حي الورديان الشعبي، وبعيون الطفل المشاغب وابتسامة متهكمة ولا مبالية بعذابات الماضي، لا يزال يصارع الحياة وتقلباتها رغم وعكاته الصحية المتكررة مؤخرا، إذ لم تعد شرايينه تحتمل قسوة الحياة وقد حاصرته الوحدة بعد موت صديقه الروائي إبراهيم أصلان، فقد كانت تؤنسه المراسلات بينهما، ولعل حرص الأديب السكندري منير عتيبة على التواصل معه يخفف قليلا من شعوره الأليم بالتجاهل من قبل وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب.
بدأ حياته الأدبية في ريعان الشباب بعمر 19 عاما يدفعه نزق جارف للتمرد على واقعه كبائع محمصات في محطة الرمل، أمام سينما ستراند ليحطم القوالب الأدبية في الستينات من القرن الماضي، وجوده في ميدان محطة الرمل وسط باعة الجرائد المعدومين والزبائن الأرستقراطيين ولغات وثقافات مختلفة، كان ذلك الخليط حافزا للكتابة عن متناقضات الحياة، «بالنسبة له فن القص يساعده على إخراج الأفكار والانفعالات التي تدور بداخله»، لذلك ستجد كتاباته اعتمدت على الجمل القصيرة غير المترابطة تضج بالصورة كمشاهد سينمائية ثلاثية الأبعاد والموسيقى والفن التشكيلي فيها استشراف لتشيؤ الإنسان وسيطرة التكنولوجيا. لقد كان مواكبا لأفكار الفيلسوف الألماني الكبير هايدجر، وفلاسفة مدرسة فرانكفورت النقدية التي انبثقت في بدايات القرن العشرين معلنة سقوط الرؤية العقلانية للعالم، فكان رجب مواكبا لأفكار هوركاهيمر وماركيوز وأدورنو وهابرماس دون أن يدري! ولا تزال كتاباته تنضح بحداثية هي أقرب إلى ما نراه الآن من القصة القصيرة جدا والقصة «التويترية» في فن القص.
كتب أول قصة له «الجلباب» بدافع أن يخرج عن شرنقة واقعه الأليم، «كانت الكتابة هي السبب في بقائي على قيد الحياة»، ثم كتب لمجلة «أميركا» مقالا بعنوان «وداعا يا أميركا أيتها الحمقاء المطاعة» التي كانت وقتها تؤيد احتلال فرنسا للمغرب، بعدها ألقي القبض عليه والتحقيق معه، قال له الضابط: «لازم مصر تفخر أن فيها بياع بيكتب بالشكل ده»، وأطلق سراحه.
تشكلت ذائقته الأدبية من قراءته النهمة للأدب العالمي، وخصوصا رفاييل ساباتيني، «كنت أحب أقرأ لتشارلز ديكينز وكان يجعلني أضحك بالساعات، وكذلك برنارد شو وديستوفيسكي، كنت أقرأ لعبد الرحمن الخميسي وتعايشت معه بقوة ثم سيطر علَيّ مكسيم جوركي وتملكني ثم تخلصت من هيمنته وتوحدت مرة أخرى مع ذاتي».
أنصفه بعض النقاد حينما وصفوا أسلوبه بأنه «أنضج من جوركي»، ولكنه لم يرَ في ذلك إنصافا، قائلا: «لولا قصصي ما كتب نجيب محفوظ (ثرثرة فوق النيل)، فقد تأثر بي والعشرات من بعده كتبوا قصصا ترتدي قبعتي، وما جعلني أشعر بالمرارة والغربة، هو عدم وصول كتاباتي إلى عامة الناس الذين أنا منهم.. لأنها شهادة عن الواقع». وظل يصارع هواجسه، «كنت أعكف كل فترة على تغيير أسلوبي والبحث عن أفكار جديدة حتى أغلق عليهم طريق التقليد».
وقبل تأسيس اتحاد الكتاب، أسس رجب «رابطة أدباء القطر المصري» مع مصور هو زكريا محمد عيسى. يقول: «كنت سكرتير عام رابطة أدباء القطر المصري، أخاطب الأدباء والأعضاء، وراسلنا الصحف واستجابوا لنا. كانت الرابطة تضم عاملا في دكان هريسة (الحلبي)، وعاملا بمطعم (على كيفك) إبراهيم الوردي، ورضوان محمد رضوان، خادم في فندق. كنت أنا القاص الوحيد وكلهم كتّاب أغانٍ»، لم تنجح الرابطة لتعثر ظروف أعضائها، بعدها أنشأ اتحاد الكتاب.
بدأ نجم حافظ رجب في التوهج ومن هنا بدأت متاعبه مع الوسط الثقافي، حيث اتهمه يوسف عز الدين عيسى بأنه سرق منه قصة، ونشرت جريدة القاهرة وقتها تحقيقا كبيرا وقالت إن كليهما نقلناها عن الروسية. تلك العقبة دفعته إلى مسار جديد في فنه القصصي، «حاولت كتابة ما لا يمكن أن يقال إنه منقول أو مسروق، فكنت أغير وأبحث عن صور ومناطق لم يتطرق إليها أحد من قبل». وبروحه المتمردة أسس رابطة أخرى هي «كتاب الطليعة» 1956، كان يكتب ويبيع السجائر في قهوة خواجة يوناني اسمه «فانجلي»، الذي جسده رجب ببراعة في مجموعته القصصية البديعة «مخلوقات براد الشاي المغلي» عام 1979، تصور معاناته مع صاحب القهوة اليوناني، يقول: «(فانجلي) جعلني أكتب عن عبيد الواقع، عبرت عن قهر الإنسان المصري والأجانب عبدة الأموال».
تميز رجب بأسلوبه السريالي والشخوص والعوالم الغرائبية المنسلخة من الواقع الإنساني، ففي مجموعته القصصية الأولى «غرباء 1968» كانت بوادر التجديد واضحة في قصص مثل «المدية» و«جداران ونصف». وفي نفس العام صدرت مجموعته القصصية «الكرة ورأس الرجل»، وهو عنوان القصة التي نشرها في مجلة القصة برئاسة محمود تيمور، فجاءت المجموعة تضم روائع أدبية، منها «الكرة ورأس الرجل»، «مارش الحزن»، «الثور الذي ذبح الرجل»، و«حديث بائع مكسور القلب». وفي ذلك الوقت سانده الأديب الكبير يحيى حقي ونشر له عددا من قصصه في مجلة «المجلة.. سجل الثقافة الرفيعة»، وكتب عنه: «لقد التقيت بفنان يسبق زمانه، تجده يمسك القلم كريشة في مهب الريح، إنه غير من شكل ومضمون وأسلوب ومضمون القصة»، كما قدم له مجموعة «عيش وملح» مع خمسة من كتّاب جيله في الستينات.
وظهر أيضا يوسف السباعي مصادفة في حياة رجب، وكان لهذه المقابلة أثر في تغيير مسار حياته المهترئة في الإسكندرية، يقول: «اعتبر لقائي به التحطيم الأول لإرادة إنسان أراد أن يكون.. فقد عرضت عليه كتاباتي لم يهتم بها في البداية، ثم التقيته في فندق فلسطين بالإسكندرية وطلبت منه العمل، وحكم علي بالعمل كموظف في أرشيف المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب براتب يكاد يكفي للفرار من وحشية والدي، لكن قبلت ذلك لكي أؤمن وجودي بالقاهرة». استسلم رجب للمسار الجديد الذي رسمه له السباعي، وكان يوزع الملفات على الموظفين ويعود لجمعها رغم إبداعاته الأدبية! وهو الأمر الذي لا يزال يؤلمه كثيرا، «وجدت أدباء يدورون في فلك يوسف السباعي، وآخرين أصبحوا عبيدا للنظام الحاكم، وأنا لم أكن أيا من الفريقين».
«نحن جيل بلا أساتذة»، مقولته الشهيرة التي تسببت في عداء الوسط الثقافي له، دفعت نجيب محفوظ لأن يقول له: «ما الذي دفعك لتكتب السريالية؟ وكيف تقول نحن جيل بلا أساتذة؟! توفيق الحكيم أستاذ الكل، وأنا أستاذي سلامة موسى».
يمثل حافظ رجب ظاهرة أدبية في تنوعه وتغييره لأساليبه وصوته القصصي بنعومة فكان أحيانا ما يلجأ إلى الرمزية والواقعية السحرية، ورغم تكراره لرموز معينة كـ«المُدية» و«الرأس»، و«العظام» فإنه كان يكسيها مدلولا مختلفا وجديدا، فالقصة عنده «نحت وتشكيل وبحث في الأعماق، القصة تعطيني سرها، فتخرج من داخلي مشاعر الشعور بالغبطة والصراع والانفجار، لذا هي لم تأخذ شكل السرد التقليدي، والمشاهد الوحشية هي نتيجة ما عايشته من عنف قاهر.. فالوحشية هنا كانت بحثا عن الحل والاستقرار النفسي».
ترجمت أعمال صاحب «الكرة ورأس الرجل» إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية، وقد قام المترجم الدكتور محمود المنزلاوي بترجمة أعماله، وكذلك هشام مطاوع الذي قدم رسالة دكتوراه عنه وعن كاتب ألماني يكتب بأسلوب مماثل لرجب.
يتابع صاحب «طحالب رمادية سلاحف تئز» الإنتاج الثقافي الآني وكتابات الشباب، لكنه يقول عنهم: «شباب ماحق لم يعرف نقطة الارتكاز.. عندهم ضياع مع (بجاحة).. يرفعون شعار (الغموض هو الحل)، والكل ينصّب نفسه كاتبا وفيلسوفا.. في الحقيقة لا يضيفون شيئا!».
وعن غواية الكتابة وتأثير ثورة يناير 2011 على طبيعته المتمردة، وهو الذي كان مدافعا عن ثورة الضباط الأحرار 1952 ويحث الجموع الشعبية على مساندتهم، قال: «كنت مراقبا وكفى.. وجدت تلقائية الشارع المصري في النزول إلى الشارع وشعرت حقا بالثورة، في 1952 كانت ثورة حظ، أما ثورة يناير فكانت ثورة حق، ولكنها تفتقد القائد والتنظيم والكاتب الثوري الذي (يزغد) الثوار ليفيقوا من غيبوبتهم».
ولا يتوقع صاحب «ظل الحرب.. الألم القبيح» أن تحدث ثورة في الأدب أو انبثاق أدب مغاير لأنه يجد «البشر أصبحوا أسوأ».
لا تزال النزعة الصوفية مسيطرة على صاحب «النبي والبوذية وأهل بيافرا» رغم أنها لم تظهر إلا في قصة واحدة، فعلى مدار 50 عاما عاش حافظ رجب زاهدا متصوفا متقربا إلى الله، ودائما ما يقول: «هو الباقي وهو الحقيقة والخلاص، ولكن علاقتنا لا يمكن التعبير عنها بأشكال الكتابة».
توقف حافظ رجب عن الكتابة منذ 4 سنوات، لكن لديه في جعبته قصصا كثيرة لم تُنشر بعد، وسيرته الذاتية بعنوان «مقاطع من سيرة ميم في سطور»، وبعض اليوميات التي لم تنشر. يبدأ حافظ رجب يومه باكرا مع آذان الفجر، ثم يتابع النشرات الإخبارية، لكنه لا يقرأ الجرائد ومنعها من المنزل.
وفي عام 2011 صدرت «الأعمال الكاملة لمحمد حافظ رجب» عن «دار العين»، وإذا قرأت له أيا من قصصه ستصاب بدهشة كبيرة ممزوجة بالألم أحيانا جراء دقته في تصوير معاني الجوع والقهر المجتمعي والوحشية، بل إنك ستتجرع معاني الحزن.. ورغم ذلك لم يحظَ بقدر كافٍ من التكريم، اللهم إلا جائزة أفضل قاص من اتحاد الكتاب عام 2007 واحتفاء مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية به عام 2012 كرائد التجديد في القصة العربية بمؤتمر وكتيب عنه، والآن يسعى للحصول على منحة من وزارة الثقافة لإعانته على نفقات العلاج، لكن تغيير وزير الثقافة حال دون ذلك، فهل تلبي وزارة الثقافة احتياجات رائد التجديد في القصة القصيرة أم أنها كعادتها ستتخلى عنه كسابق عهودها؟!



عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية
TT

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة العمودية في التعاطي مع الشعر في مهرجاناتنا، أو البرامج الإعلامية ذات الصلة بالأدب والشعر، أو في طبيعة الجوائز المنظمة للتشجيع على هذه القصيدة بالذات دون سواها.

وللعلم، نحن هنا في قلب ماهية الشعر، بل في عمق كيفية بناء العلاقة مع الشعر. فالظاهرة ليست في وجود القصيدة العمودية بقدر ما هي في حجم هذا الوجود، وهذا الحضور القائم على الاستحضار بمختلف الأدوات الممكنة؛ أي أن هيمنة هذه القصيدة بالذات تسحب معها بُعداً مهماً من أبعاد هيمنة الماضي، ناهيك عما تعنيه من احتفالية متعالية عن الضرورة النقدية للنسق الثقافي من بوابة الشعر.

أما الرسالة الأشد دلالة فتكمن في أن ظاهرة عملية الإحياء الشعري المتكررة في العصر الحديث للقصيدة الخليلية، إنما تستبطن مقاربتنا للشعريّ في الزمن الراهن بأدوات جمالية من الماضي، ممّا يكشف أيضاً هذا القبول - ولكنه متردد واحتجاجي - لأدوات قصيدة التفعيلة بعض الشيء، وقصيدة النثر بشكل شبه كامل. لذلك، فإن كُتّاب الشعر الحديث اليوم هم مناضلون يسبحون ضد التيار منذ عقود طويلة؛ شعر يقاوم من أجل الوجود، ورغم أن من يكتبون الشعر الحديث كُثر، فإن ما يحظى به الشعر العمودي من اهتمام ودعم ومناصرة يجعل من الشعر الحديث جمالية أقليّات.

تَعيش القصيدة العمودية الكلاسيكية اليوم عهداً ذهبياً متجدداً، بفضل هندسة دعم متكاملة تجمع بين ضخ الميزانيات الضخمة وحداثة الوسائط الرقمية، مما نجح في تحويل هذا الفن التراثي النخبوي إلى ممارسة تفاعلية حيّة تستهوي الأجيال الناشئة، وتتجاوز الميزانيات السنوية المرصودة لإحياء وتكريس هذا النمط حاجزَ عشرات الملايين من الدولارات في المشهد الثقافي العربي؛ وهو استثمار معلّل برغبة مؤسساتية صريحة في صون الهوية القومية التاريخية، وحمايتها من عواصف التحولات الأدبية المعاصرة، وعلى رأس هذه العواصف: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.

ويتجلى هذا الدعم المالي بالأرقام في الجوائز والإنتاجات الكبرى؛ حيث تمنح بعض الجوائز مكافآت نقدية مباشرة تفوق مئات آلاف الدولارات في كل دورة، منها أكثر من مائة ألف دولار لصاحب المركز الأول. ولم تقتصر محاولات تكريس البحور الخليلية هنا حكراً على المجالس المغلقة الرافضة للأدوات الشعرية الحديثة في كتابة الشعر، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي بفضل ميزانيات إنتاج تلفزيوني ضخمة تبلغ ملايين الدولارات، نجحت في جذب الجمهور الناشئ وتحقيق جماهيرية للشاعر الذي يكتب الشعر العمودي ويتنافس حوله. وفي السياق ذاته، تُرصد هذه الجوائز، إلى جانب عدد لافت من المؤسسات، ميزانيات سنوية لتكريم البنية القديمة للقصيدة الكلاسيكية الفصيحة، إضافة إلى دعم وتمويل طباعة الدواوين التقليدية وعقد الملتقيات الدولية في شأنها.

هذا الزخم المالي واكبه تطور تقني بارز؛ حيث تم رصد ميزانيات حكومية لتطوير تطبيقات ذكية متخصصة تعمل كأدوات عروضية متطورة تُعنى بضبط الأوزان والقوافي وتنبيه الشعراء الشباب لمواضع الكسر العروضي بدقة فائقة. علاوة على ذلك، أسهمت المنصات الرقمية في خلق فضاءات تفاعلية مخصصة لتدريب وصقل مواهب الناشئة؛ فمن خلال الورش الافتراضية والتدريبية المفتوحة، نجحت هذه الأدوات في تبسيط المفاهيم المعقدة لعلم العروض والبيان العربي. إن هذا التمازج الفريد بين الجوائز التقديرية والتطبيقات التكنولوجية يؤكد هذا الدعم اللامتناهي من أجل نجاح مجهودات إعادة إحياء الشعر العمودي، وتمكينه من الصمود والامتداد داخل الوعي الرقمي المعاصر، بوصفه هوية بصرية وجمالية متجددة ترتكز على بنية مالية صلبة ومستدامة تضمن تفوقها واستمرارها، واستمرار هيمنتها على شعر التفعيلة وقصيدة النثر. إنّها معادلة صعبة بين قصيدة تتمتع بالاعتراف والدعم، وقصيدة تفتقد إلى الاعتراف، ومنظوراً إليها ناقصةَ الشرعية والشعرية. إننا في وضع شعري يمكن توصيفه بديكتاتورية نظام القصيدة العمودية. ذلك أنه لو كان الشعر القديم والحديث يحظيان معاً بالاهتمام والدعم نفسيهما أو بشكل متقارب لتلاشى المشكل من أصله ولظفرنا بمشهد ثري إنتاجاً وتلقياً.

هنالك نزاع صامت وخفي ينتصر للقصيدة العمودية، ولا يكاد يعترف إلا بالقصيدة العمودية وما سواها من منتجات الغَيرية المهدِّدة للهوية العربية في مفهومها الواسع العام. ومن المهم التذكير بأن من أربعينات القرن الماضي ومحاولات إحياء الشعر العربي القديم متواصلة؛ تهدأ فترة ثم تعود حيث عرف الشعر العربي في العصر الحديث مدارس وتيارات واتجاهات عدّة ظهرت بشكل متعاقب منذ بداية عصر النهضة في الفضاء العربي الإسلامي. لذلك، فإن عصر النهضة يمثل تاريخاً مفصلياً في تاريخ الشعر العربي ككل، وعاملاً مهماً في انبثاق النهضة الأدبية في العصر الحديث، خصوصاً أنه بعد عصور ازدهار الشعر العربي، التي تعود إلى الشعر الجاهلي وصولاً إلى الشعر العباسي، شهدت الحياة الأدبية العربية نوعاً من الخمول والضعف، أصاب اللغة العربية والكتابة الشعرية والنثرية، ومسّ كذلك ميولات الثقافة الشعبية التي كانت تجنح إلى الإنتاجات الهزلية والخرافية، الشيء الذي مثّل بدوره سبباً أساسياً من أسباب ظهور النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر، وأكّد الحاجة إليها؛ إذ النهضة مدلولياً تشير إلى حالة من التعارض مع ما سبق، وإلى طموح تجاوز حالة الوهن الحضاري وملامحه الدالة عليه كافة.

وهكذا يتضح لنا أن كل مقاربة للشعر العربي في العصر الحديث، وبشكل خاص تلك التي اهتمت بالمدارس الشعرية الأولى وتحديداً مدرسة الإحياء والبعث، إنما هي بالضرورة مقاربة تتنزل في جزء من تحليلها ومن استنتاجاتها في إطار عصر النهضة؛ باعتبار أن عوامل النهضة الأدبية العربية تساعدنا على فهم طبيعة الخطاب الشعري الإحيائي، وعلى تفسير مضامينه وخياراته الفنية الجمالية وتأويلها. فشأن الشعر، من منظور بنيوي وظيفي ماكرو-سوسيولوجي كشأن سائر مجالات الإبداع كافة، فهو نتاج ظروف تاريخية واجتماعية في أحد أهم وجوهه، وذلك من منطلق أن الشعر جزء من الفعل الاجتماعي وأحد الحقول الاجتماعية المهمة، ويخضع في إنتاجه وتلقيه إلى عملية مركبة من التواصلية والتفاعلية. بمعنى آخر، فإنه كما أبرز ذلك بيير ماشري (Pierre Macherey)؛ لا ينبغي التعامل مع المنتج الأدبي الإبداعي كما لو كان منغلقاً على نفسه، متمركزاً فيها، ولا يرتبط بأي شيء خارجه. فهو - أي الخلق الثقافي الإبداعي - وفق ما ذهب إليه لوسيان غولدمان، نتاج ذاتٍ جماعية، ويحمل في باطنه رسائل ومعاني كاشفة عن طبيعة ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «نسق الإحالات المشتركة» للذات الجماعية.

إذاً، ظهرت في العصر الحديث مدارس شعرية عربية متعددة، افتتحتها مدرسة الإحياء والبعث، ثم جاءت جماعة «الديوان»، وتولدت المدرسة الرومنطيقية، وذلك في بداية القرن العشرين متأثرة برموز الرومنطقية في الآداب الفرنسية والإنجليزية. وبعدها عرف الشعر العربي جماعة «أبولو»، وأيضاً ما سُمي «أدب المهجر»، وصولاً إلى مدرسة الواقعية في الأدب، ويليها ظهور حركة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر من السبعينات من القرن الماضي، التي انطلقت بأعلامٍ ذوي مواهب مجيدة ونظرة نقدية كرّست أحد أهم شروط الحداثة في الثقافة العربية.

ومن الملاحظات الخاطفة التي نسوقها بشكل عاجل، أن اقتران التجديد الشعري مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب أظهر خصوصية البيئة العراقية الشعرية في هذا النزوع للتجديد والتجريب، الذي تواصل إلى اليوم؛ حيث نجد حالة من الانفتاح الجمالي فريدة من نوعها من الناحيتين: على مستوى الإنتاج الإبداعي، وأيضاً التلقي.

ولعل هذا الكم من المدارس والاتجاهات الذي شهده الشعر العربي في العصر الحديث يكشف بدقة ووضوح عن حالة من الحراك الشعري، من أهم مظاهرها وعناوينها استعادةٌ قوية لمكانة الشعر في الثقافة والحضارة العربيتين، واستنهاضٌ لوظيفة الشعر عند العرب وتلبيةٌ لحاجة اجتماعية وثقافية ملحة للشعر، بوصفه مجالاً من مجالات النهضة وأحد أبرز مضامينها ومسوغاتها. ولكن علاقة العرب بالشعر ظلت في الغالب سكونية في ارتباطها بالقصيدة العمودية؛ إذ نلحظ أن النزعة الإحيائية تظهر ثم تخفت قليلاً ولكن لا تغيب أبداً، الشيء الذي يعني أننا أمام مظهر من مظاهر الهوية التي تمارس الانكفاء من خلال القصيدة العمودية والتي تشغل مقام مقوِّمٍ من مقومات الهوية العربية.

في المقابل، يُعاني الشعر الحديث والمعاصر - بشكل أقل بكثير شعرُ التفعيلة وبشكل أكبر قصيدة النثر - من غياب شبه تام للدعم المؤسساتي المنظم، وضآلة الاعتراف الرسمي بِمُنْجَزِه الجمالي (طبعاً باستثناء بعض القامات الشعرية التي استطاعت الإقناع بالشعر الحديث، واستغلت جيداً فترة الركود «العمودي» الظرفي التي تحصل دائماً)، مقارنة بالحفاوة التي تحظى بها الأنماط التقليدية. فرغم أن الحداثة الشعرية تمثل الوجه الأكثر تعبيراً عن حيوية الإنسان المعاصر وتحولاته النفسية، فإنها لا تزال تُدفع بعيداً نحو الهامش والمبادرات الفردية. ولا يكاد يُرصد لهذا النمط التجديدي ميزانيات تُذكر، ولا توجد تطبيقات ذكية ممولة حكومياً تُعنى بجماليات البناء البصري والتدوير الحداثي، مما يترك الموهبة الشابة المعاصرة في عزلة رقمية وتواصلية رغم ما نراه من تهافت على كتابته والطريقة ذات الأثر العكسي التي يغزو بها وسائل التواصل الاجتماعي وهذا في حد ذاته موضوع جدير بالاهتمام.

ويتجلى هذا التهميش بوضوح في ندرة الجوائز الكبرى المخصصة حصرياً للتجريب النثري، وحرمان الأصوات الجديدة من منصات التكريس اللائقة وتدريب الناشئة، مما يجعل طباعة الدواوين الحديثة ونشرها عبئاً مالياً يقع على كاهل الشاعر نفسه وعدد من دور النشر الطلائعية. إن هذا التفاوت الصارخ في الضخ المالي والاهتمام المؤسساتي لا يعكس قيمة الفن الحقيقية، بقدر ما يكرس قطيعة تجعل الشعر الحديث محاصراً في النطاقات النخبوية الضيقة، ومحروماً من أدوات الانتشار التي تضمن له الحضور والامتداد في الوعي الجمعي؛ ناهيك عن أن الشعر الحديث بقدرته الخاصة على تدوين الراهن وتصوير تفاصيله بحساسية جديدة مع اللغة والواقع والروح المختلفة، سينتهي بنا إلى إيقاف الزمن الشعري عند العمودي، إذ الجماليات المختلفة هي أزمنة وأمكنة مختلفة أيضاً.

من باب الموضوعية، ربما يمكن القول إنه بحكم أن الإعلام الثقافي تشرف عليه في الغالب أصوات حداثية ومتشبعة بالإبداع العالمي، وعاشت في عواصم عربية وغربية جُبلت على التجديد، فإن الصفحات الثقافية تحتفي بالتجارب الشعرية الحداثية أكثر من الأخرى الكلاسيكية.

الفكرة باختصار لا تكمن في مناصرة القصيدة العمودية وتوفير آليات دعم قوية لتأمين البقاء وتأثيرها، فذاك أمر طبيعي ويؤدي وظيفة سوسيولوجية ذات علاقة بالهوية الجمعية، إضافة إلى ما تعنيه مناصرتها من حفظ للغة العربية كمقوِّم رئيسي من مقومات البناء الرمزي للهوية العربية. فالمشكلة - كما تبدو لنا - في هيمنة العمودي وغياب ممارسة ديمقراطية تجاه التعبيرات الجمالية كافة. كما أنه ليس من صالح الشعر العربي ولا الثقافة العربية ألا يوجَّه الضوء للدعم والمناصرة لتجارب شعرية غاية في الإبداع وصنع الدهشة، فقط لأنها من خارج أوزان القصيدة الخليلية. فلتتبارَ الأشكال الشعرية كافة، والرابح دوماً هو الشعر، الذي لا يحدده شكل ولا جماليات بعينها؛ فالشعر انفتاح وانقلاب متواصل تماماً كما هو العقل النقدي الذي محركه النقد.

بيت القصيد أو الجملة الشعرية المراد تسويقها: الشعر لا يضره إحياء القديم ولكن يزهر عندما ننصت لقلبه الحيّ الذي يتجدد مع كل دورة حياة.


«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون
TT

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

تتحرك الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي في روايتها «عروس قونيا - محاكمة شمس التبريزي» بين زمنين تفصل بينهما ثمانية قرون؛ زمن بطلة بيروتية معاصرة تعاني أزمة نفسية، وزمن كيميا خاتون، الطفلة التي عاشت في قونيا خلال القرن الثالث عشر، وظلت سيرتها عالقة في المنطقة الغامضة من العلاقة بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي.

غير أن الرواية الصادرة عن «دار الفارابي» ببيروت لا تنظر إلى الزمن بوصفه خطاً يفصل الماضي عن الحاضر؛ إذ يتداخل العالمان تدريجياً داخل وعي البطلة، لتصبح الحدود بين الذاكرة والتخييل، وبين التجربة النفسية والاستدعاء الميتافيزيقي، أكثر التباساً. وهكذا تتحول القرون الثمانية الفاصلة بين البطلتين إلى مساحة سردية تتقاطع داخلها ذاكرتان وطفولتان، وتستعيد من خلالها «كيميا» صوتاً غيّبته الحكاية الأشهر عن الرومي وشمس التبريزي.

يفتح السرد أمام البطلة بوابة زمنية تستعيد عبرها حياة «كيميا القديمة»، فتبدو كأنها «عاشت آلامها من قبل»، ويقود هذا المسار الرواية إلى منطقة ميتافيزيقية تتداخل فيها أفكار التقمص والتزامن والذاكرة الجمعية والأكوان المتوازية، وهي أفكار تستعيدها البطلة وتناقشها في حوار متصل مع جدها المنحدر من أصول صوفية.

كما يبدو اختيار الكاتبة لعمل بطلتها المعاصرة في مونتاج الأفلام الوثائقية مفتاحاً فنياً لبنية الرواية نفسها؛ إذ يتفعّل «المونتاج السردي» على امتداد العمل بين زمنين ومكانين وذاكرتين، وتدخل المشاهد المتباعدة في علاقات جديدة، بحيث تضيء كل لقطة ما يقابلها في الزمن الآخر. وتعيد الرواية تركيب شذرات سيرة كيميا داخل وعي امرأة معاصرة، فتغدو الحكاية القديمة مرآة لأزمات الحاضر. ويصبح عمل البطلة في المونتاج أكثر من مجرد تفصيلة مهنية؛ إذ ينسجم مع طبيعة وعيها الذي يجمع صوراً وأصواتاً وأزمنة متناثرة، ويعيد تركيبها داخل سردية واحدة.

ولا يقتصر التوازي بين البطلتين على حمل الألم أو الإحساس بالتخلي، بل يمتد إلى جراح الطفولة نفسها؛ فكلتاهما تواجه عالماً صنعه الكبار، ثم تركوا الطفلة تتحمل نتائجه.

تبعات الزلزال

تخلق الرواية بعض ومضاتها السردية الأبرز من خلال التقابل بين أحداث تفصل بينها قرون، لكنها تتجاور داخل ذهن البطلة، ففي أحد مشاهد الرواية يتزامن زلزال قونيا، الذي عدّه بعض أهلها لعنة إلهية حلت بهم بسبب إيذائهم شمس التبريزي، مع توابع زلزال ضرب بيروت، وأعادت حوله بعض الأصوات المعاصرة إنتاج التفسير الغيبي نفسه، بوصفه عقاباً أو لعنة.

ولا تتوقف هذه المقابلة عند تشابه حادثتين، بقدر ما تكشف استمرار العقل الجمعي في إنتاج تفسيراته نفسها، رغم تغير الأزمنة، فبينما يهتز المكانان، يبدأ الزمن نفسه في الاهتزاز داخل وعي البطلة؛ فتتجاور قونيا وبيروت، ويختلط الزلزال التاريخي بتوابعه المعاصرة، كما لو أن الحدثين يقعان في اللحظة نفسها.

تنجح الكاتبة في منح زمن قونيا كثافة محسوسة؛ فلا يظهر القرن الثالث عشر مجرد خلفية تاريخية، وإنما عالماً تجري معايشته عبر تفاصيل البيوت والأفنية والمدارس والأسواق والملابس والطعام ومجالس العلم والسماع. وتتيح هذه التفاصيل للقارئ أن يدخل بيت الرومي، ويرى نافورته وشجرة الدلب وحبات التفاح المتدلية من أغصانها، ويتابع التحوّلات التي أحدثها حضور شمس التبريزي في البيت والمدينة معاً. وتستعين دندشلي بالمادة التاريخية المتاحة، في مقدمتها «مناقب العارفين» لأحمد الأفلاكي، أحد أبرز المراجع القديمة عن سيرة الرومي وشمس التبريزي، لكنها لا تتعامل مع تلك المادة بوصفها حقيقة نهائية. فالفراغات والتناقضات المحيطة بمصير كيميا تصبح المساحة التي يدخل منها الخيال الروائي لإعادة تركيب الحكاية من منظور الشخصية التي ظلت طويلاً على هامشها.

وفي هذا المزج بين المرجع التاريخي والتخييل، لا تبحث الرواية عن إجابة قاطعة عما وقع، بقدر ما تحاول تصور ما كان يمكن أن تشعر به طفلة وجدت نفسها داخل واحدة من أشهر العلاقات الروحية في التاريخ. ولذلك لا تصبح قونيا ديكوراً تاريخياً، بل عالماً له لغته وأسئلته وصراعاته، تخضعه الرواية في الوقت نفسه للمراجعة، خصوصاً حين تتحول لغة «الباطن» والمشيئة الروحية إلى وسيلة لتبرير قرارات إنسانية قاسية.

محاكمة الأسطورة

تقود الكاتبة قارئها إلى سرد ملغم بالمفارقات داخل عالم الصوفية؛ فهي تنجذب إلى أسئلته عن الزمن والروح والفناء، لكنها ترفض التسليم بهالة القداسة التي أحاطت بأبطاله، ومن ثم تتبنى الرواية موقفاً نقدياً من السطوع المعاصر لنجم شمس التبريزي، لا سيما بعد الانتشار الواسع لرواية «قواعد العشق الأربعون»، كما لا تقف من جلال الدين الرومي موقف التسليم الذي يحجب تناقضاته البشرية.

لا تستهدف الرواية إنكار القيمة الروحية أو الشعرية للرومي والتبريزي، بقدر ما تسائل الثمن الإنساني الذي دفعه المحيطون بهما، وعلى رأسهم كيميا، فهي تعيد النظر في موافقة الرومي على تزويج الطفلة اليتيمة ذات الثالثة عشرة من شيخه المتقدم في العمر، في زواج بدا هدفه ضمان استقرار شمس ومنعه من مغادرة قونيا، إلى جانب إسكات الأقاويل التي لاحقت شدة تعلق الرجلين ببعضهما البعض.

هنا تكمن المفارقة المركزية؛ فالأسطورة التي قدمت الرومي وشمس بوصفهما رمزين للعشق المتعالي، تخفي في هامشها طفلة جرى التعامل معها كوسيلة لحماية هذا العشق وضمان استمراره. ومن خلال نقل كيميا من الهامش إلى مركز السرد، تتحول «عروس قونيا» من إعادة رواية سيرة صوفية شهيرة إلى مساءلة مَن امتلك حق كتابة تلك السيرة.

وفي مقابل هذه المراجعة التاريخية، تمضي البطلة المعاصرة في مراجعة أزماتها الشخصية؛ طفولتها، وشعورها بالتخلي، وهشاشتها النفسية، وقدرتها على التمييز بين ما عاشته بالفعل وما أعاد لا وعيها بناءه، وهكذا تتقدم المحاكمتان معاً؛ محاكمة الأسطورة في الماضي، ومحاكمة البطلة لتصوّرها عن نفسها في الحاضر.

ومع نهايتها، تكشف الرواية عن مفاجأة سردية لا تهدم ما سبق أن شيدته من أزمنة وعوالم، بقدر ما تكثف سؤالها عن العلاقة بين الزمن التاريخي والزمن النفسي، وعن المسافة الملتبسة بين الذاكرة والتخييل، وهي الأسئلة التي تشير إليها الكاتبة في المراجع التاريخية والنفسية والفلسفية التي استعانت بها، من دون أن تنحاز إلى تفسير نهائي لما عاشته البطلة.


ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.