محمد حافظ رجب.. أديب في طي النسيان

رائد التجريب في القصة القصيرة يرتدي عباءة الثمانين

محمد حافظ رجب
محمد حافظ رجب
TT

محمد حافظ رجب.. أديب في طي النسيان

محمد حافظ رجب
محمد حافظ رجب

رغم ارتدائه عباءة الثمانين فإن صاحب «مخلوقات براد الشاي المغلي» لا تزال عيناه تشعان تحديا.. إنه المبدع السكندري المشاكس محمد حافظ رجب الذي قال عنه أدباء جيله «مبدع الهذيان»، لكن قاموس أكسفورد ذكره كأهم مجدد في القصة القصيرة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.
«طارق ليل الظلمات» معتكفا في منزله الصغير الهادئ في حي الورديان الشعبي، وبعيون الطفل المشاغب وابتسامة متهكمة ولا مبالية بعذابات الماضي، لا يزال يصارع الحياة وتقلباتها رغم وعكاته الصحية المتكررة مؤخرا، إذ لم تعد شرايينه تحتمل قسوة الحياة وقد حاصرته الوحدة بعد موت صديقه الروائي إبراهيم أصلان، فقد كانت تؤنسه المراسلات بينهما، ولعل حرص الأديب السكندري منير عتيبة على التواصل معه يخفف قليلا من شعوره الأليم بالتجاهل من قبل وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب.
بدأ حياته الأدبية في ريعان الشباب بعمر 19 عاما يدفعه نزق جارف للتمرد على واقعه كبائع محمصات في محطة الرمل، أمام سينما ستراند ليحطم القوالب الأدبية في الستينات من القرن الماضي، وجوده في ميدان محطة الرمل وسط باعة الجرائد المعدومين والزبائن الأرستقراطيين ولغات وثقافات مختلفة، كان ذلك الخليط حافزا للكتابة عن متناقضات الحياة، «بالنسبة له فن القص يساعده على إخراج الأفكار والانفعالات التي تدور بداخله»، لذلك ستجد كتاباته اعتمدت على الجمل القصيرة غير المترابطة تضج بالصورة كمشاهد سينمائية ثلاثية الأبعاد والموسيقى والفن التشكيلي فيها استشراف لتشيؤ الإنسان وسيطرة التكنولوجيا. لقد كان مواكبا لأفكار الفيلسوف الألماني الكبير هايدجر، وفلاسفة مدرسة فرانكفورت النقدية التي انبثقت في بدايات القرن العشرين معلنة سقوط الرؤية العقلانية للعالم، فكان رجب مواكبا لأفكار هوركاهيمر وماركيوز وأدورنو وهابرماس دون أن يدري! ولا تزال كتاباته تنضح بحداثية هي أقرب إلى ما نراه الآن من القصة القصيرة جدا والقصة «التويترية» في فن القص.
كتب أول قصة له «الجلباب» بدافع أن يخرج عن شرنقة واقعه الأليم، «كانت الكتابة هي السبب في بقائي على قيد الحياة»، ثم كتب لمجلة «أميركا» مقالا بعنوان «وداعا يا أميركا أيتها الحمقاء المطاعة» التي كانت وقتها تؤيد احتلال فرنسا للمغرب، بعدها ألقي القبض عليه والتحقيق معه، قال له الضابط: «لازم مصر تفخر أن فيها بياع بيكتب بالشكل ده»، وأطلق سراحه.
تشكلت ذائقته الأدبية من قراءته النهمة للأدب العالمي، وخصوصا رفاييل ساباتيني، «كنت أحب أقرأ لتشارلز ديكينز وكان يجعلني أضحك بالساعات، وكذلك برنارد شو وديستوفيسكي، كنت أقرأ لعبد الرحمن الخميسي وتعايشت معه بقوة ثم سيطر علَيّ مكسيم جوركي وتملكني ثم تخلصت من هيمنته وتوحدت مرة أخرى مع ذاتي».
أنصفه بعض النقاد حينما وصفوا أسلوبه بأنه «أنضج من جوركي»، ولكنه لم يرَ في ذلك إنصافا، قائلا: «لولا قصصي ما كتب نجيب محفوظ (ثرثرة فوق النيل)، فقد تأثر بي والعشرات من بعده كتبوا قصصا ترتدي قبعتي، وما جعلني أشعر بالمرارة والغربة، هو عدم وصول كتاباتي إلى عامة الناس الذين أنا منهم.. لأنها شهادة عن الواقع». وظل يصارع هواجسه، «كنت أعكف كل فترة على تغيير أسلوبي والبحث عن أفكار جديدة حتى أغلق عليهم طريق التقليد».
وقبل تأسيس اتحاد الكتاب، أسس رجب «رابطة أدباء القطر المصري» مع مصور هو زكريا محمد عيسى. يقول: «كنت سكرتير عام رابطة أدباء القطر المصري، أخاطب الأدباء والأعضاء، وراسلنا الصحف واستجابوا لنا. كانت الرابطة تضم عاملا في دكان هريسة (الحلبي)، وعاملا بمطعم (على كيفك) إبراهيم الوردي، ورضوان محمد رضوان، خادم في فندق. كنت أنا القاص الوحيد وكلهم كتّاب أغانٍ»، لم تنجح الرابطة لتعثر ظروف أعضائها، بعدها أنشأ اتحاد الكتاب.
بدأ نجم حافظ رجب في التوهج ومن هنا بدأت متاعبه مع الوسط الثقافي، حيث اتهمه يوسف عز الدين عيسى بأنه سرق منه قصة، ونشرت جريدة القاهرة وقتها تحقيقا كبيرا وقالت إن كليهما نقلناها عن الروسية. تلك العقبة دفعته إلى مسار جديد في فنه القصصي، «حاولت كتابة ما لا يمكن أن يقال إنه منقول أو مسروق، فكنت أغير وأبحث عن صور ومناطق لم يتطرق إليها أحد من قبل». وبروحه المتمردة أسس رابطة أخرى هي «كتاب الطليعة» 1956، كان يكتب ويبيع السجائر في قهوة خواجة يوناني اسمه «فانجلي»، الذي جسده رجب ببراعة في مجموعته القصصية البديعة «مخلوقات براد الشاي المغلي» عام 1979، تصور معاناته مع صاحب القهوة اليوناني، يقول: «(فانجلي) جعلني أكتب عن عبيد الواقع، عبرت عن قهر الإنسان المصري والأجانب عبدة الأموال».
تميز رجب بأسلوبه السريالي والشخوص والعوالم الغرائبية المنسلخة من الواقع الإنساني، ففي مجموعته القصصية الأولى «غرباء 1968» كانت بوادر التجديد واضحة في قصص مثل «المدية» و«جداران ونصف». وفي نفس العام صدرت مجموعته القصصية «الكرة ورأس الرجل»، وهو عنوان القصة التي نشرها في مجلة القصة برئاسة محمود تيمور، فجاءت المجموعة تضم روائع أدبية، منها «الكرة ورأس الرجل»، «مارش الحزن»، «الثور الذي ذبح الرجل»، و«حديث بائع مكسور القلب». وفي ذلك الوقت سانده الأديب الكبير يحيى حقي ونشر له عددا من قصصه في مجلة «المجلة.. سجل الثقافة الرفيعة»، وكتب عنه: «لقد التقيت بفنان يسبق زمانه، تجده يمسك القلم كريشة في مهب الريح، إنه غير من شكل ومضمون وأسلوب ومضمون القصة»، كما قدم له مجموعة «عيش وملح» مع خمسة من كتّاب جيله في الستينات.
وظهر أيضا يوسف السباعي مصادفة في حياة رجب، وكان لهذه المقابلة أثر في تغيير مسار حياته المهترئة في الإسكندرية، يقول: «اعتبر لقائي به التحطيم الأول لإرادة إنسان أراد أن يكون.. فقد عرضت عليه كتاباتي لم يهتم بها في البداية، ثم التقيته في فندق فلسطين بالإسكندرية وطلبت منه العمل، وحكم علي بالعمل كموظف في أرشيف المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب براتب يكاد يكفي للفرار من وحشية والدي، لكن قبلت ذلك لكي أؤمن وجودي بالقاهرة». استسلم رجب للمسار الجديد الذي رسمه له السباعي، وكان يوزع الملفات على الموظفين ويعود لجمعها رغم إبداعاته الأدبية! وهو الأمر الذي لا يزال يؤلمه كثيرا، «وجدت أدباء يدورون في فلك يوسف السباعي، وآخرين أصبحوا عبيدا للنظام الحاكم، وأنا لم أكن أيا من الفريقين».
«نحن جيل بلا أساتذة»، مقولته الشهيرة التي تسببت في عداء الوسط الثقافي له، دفعت نجيب محفوظ لأن يقول له: «ما الذي دفعك لتكتب السريالية؟ وكيف تقول نحن جيل بلا أساتذة؟! توفيق الحكيم أستاذ الكل، وأنا أستاذي سلامة موسى».
يمثل حافظ رجب ظاهرة أدبية في تنوعه وتغييره لأساليبه وصوته القصصي بنعومة فكان أحيانا ما يلجأ إلى الرمزية والواقعية السحرية، ورغم تكراره لرموز معينة كـ«المُدية» و«الرأس»، و«العظام» فإنه كان يكسيها مدلولا مختلفا وجديدا، فالقصة عنده «نحت وتشكيل وبحث في الأعماق، القصة تعطيني سرها، فتخرج من داخلي مشاعر الشعور بالغبطة والصراع والانفجار، لذا هي لم تأخذ شكل السرد التقليدي، والمشاهد الوحشية هي نتيجة ما عايشته من عنف قاهر.. فالوحشية هنا كانت بحثا عن الحل والاستقرار النفسي».
ترجمت أعمال صاحب «الكرة ورأس الرجل» إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية، وقد قام المترجم الدكتور محمود المنزلاوي بترجمة أعماله، وكذلك هشام مطاوع الذي قدم رسالة دكتوراه عنه وعن كاتب ألماني يكتب بأسلوب مماثل لرجب.
يتابع صاحب «طحالب رمادية سلاحف تئز» الإنتاج الثقافي الآني وكتابات الشباب، لكنه يقول عنهم: «شباب ماحق لم يعرف نقطة الارتكاز.. عندهم ضياع مع (بجاحة).. يرفعون شعار (الغموض هو الحل)، والكل ينصّب نفسه كاتبا وفيلسوفا.. في الحقيقة لا يضيفون شيئا!».
وعن غواية الكتابة وتأثير ثورة يناير 2011 على طبيعته المتمردة، وهو الذي كان مدافعا عن ثورة الضباط الأحرار 1952 ويحث الجموع الشعبية على مساندتهم، قال: «كنت مراقبا وكفى.. وجدت تلقائية الشارع المصري في النزول إلى الشارع وشعرت حقا بالثورة، في 1952 كانت ثورة حظ، أما ثورة يناير فكانت ثورة حق، ولكنها تفتقد القائد والتنظيم والكاتب الثوري الذي (يزغد) الثوار ليفيقوا من غيبوبتهم».
ولا يتوقع صاحب «ظل الحرب.. الألم القبيح» أن تحدث ثورة في الأدب أو انبثاق أدب مغاير لأنه يجد «البشر أصبحوا أسوأ».
لا تزال النزعة الصوفية مسيطرة على صاحب «النبي والبوذية وأهل بيافرا» رغم أنها لم تظهر إلا في قصة واحدة، فعلى مدار 50 عاما عاش حافظ رجب زاهدا متصوفا متقربا إلى الله، ودائما ما يقول: «هو الباقي وهو الحقيقة والخلاص، ولكن علاقتنا لا يمكن التعبير عنها بأشكال الكتابة».
توقف حافظ رجب عن الكتابة منذ 4 سنوات، لكن لديه في جعبته قصصا كثيرة لم تُنشر بعد، وسيرته الذاتية بعنوان «مقاطع من سيرة ميم في سطور»، وبعض اليوميات التي لم تنشر. يبدأ حافظ رجب يومه باكرا مع آذان الفجر، ثم يتابع النشرات الإخبارية، لكنه لا يقرأ الجرائد ومنعها من المنزل.
وفي عام 2011 صدرت «الأعمال الكاملة لمحمد حافظ رجب» عن «دار العين»، وإذا قرأت له أيا من قصصه ستصاب بدهشة كبيرة ممزوجة بالألم أحيانا جراء دقته في تصوير معاني الجوع والقهر المجتمعي والوحشية، بل إنك ستتجرع معاني الحزن.. ورغم ذلك لم يحظَ بقدر كافٍ من التكريم، اللهم إلا جائزة أفضل قاص من اتحاد الكتاب عام 2007 واحتفاء مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية به عام 2012 كرائد التجديد في القصة العربية بمؤتمر وكتيب عنه، والآن يسعى للحصول على منحة من وزارة الثقافة لإعانته على نفقات العلاج، لكن تغيير وزير الثقافة حال دون ذلك، فهل تلبي وزارة الثقافة احتياجات رائد التجديد في القصة القصيرة أم أنها كعادتها ستتخلى عنه كسابق عهودها؟!



تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.