كارثة دينامو زغرب تشير إلى وجود مشكلة في توتنهام

مورينيو يطالب لاعبيه بالنزاهة وبردة فعل قوية أمام أستون فيلا اليوم

TT

كارثة دينامو زغرب تشير إلى وجود مشكلة في توتنهام

عندما انتصر توتنهام هوتسبير في خمس مباريات متتالية مؤخراً ليحيي موسمه بعد دخول النفق المظلم، بدا أن جوزيه مورينيو استعاد لمسته الساحرة في الوقت الحاسم. وبدا أنه نقل ذلك للاعبيه عندما هز الجناح الأرجنتيني إيريك لاميلا الشباك بطريقة مذهلة، ليمنح توتنهام التقدم على آرسنال الأحد الماضي. وفي غضون ستة أيام تحول كل ذلك إلى سراب.
وانتزع آرسنال فوزاً مستحقاً 2 - 1 أمام توتنهام واتهم مورينيو بعض لاعبيه «بالاختفاء»، وإذا كان من الصعب تقبل ذلك فما حدث في زغرب مساء الخميس زاد علامات الاستفهام عما يحدث في النادي. وقطع توتنهام خطوة كبيرة نحو دور الثمانية بالدوري الأوروبي عندما انتصر 2 - صفر على دينامو زغرب في لندن، ليحقق فوزه الخامس على التوالي عقب تغلبه على فولفسبورغ النمساوي في الدوري الأوروبي وبيرنلي وفولهام وكريستال بالاس في الدوري.
وبعد ذلك بأسبوع، قدم توتنهام أداء كارثياً في العاصمة الكرواتية افتقر خلاله للكفاءة والعزيمة ليخسر 3 - صفر ويودع البطولة، ووصف الحارس هوغو لوريس ما حدث «بالعار». وبعد أسوأ ليلة في مسيرته التدريبية اللامعة في البطولات القارية اتهم مورينيو لاعبيه بافتقارهم «لأساسيات الحياة». وكانت المرة الثالثة فقط التي يخسر فيها مورينيو، الفائز بدوري الأبطال كمدرب، بفارق ثلاثة أهداف في أوروبا، والثانية مع توتنهام بعد الهزيمة الكبيرة أمام رازن بال شبورت لايبزيغ بدوري الأبطال في الموسم الماضي. كما خسر المدرب البرتغالي بفارق ثلاثة أهداف مع ريال مدريد أمام بروسيا دورتموند، لكن هذه خسارة أمس الخميس كانت أسوأ كثيراً.
وبدا الآن أن الفوز على بيرنلي وفولهام وبالاس أخفى الانهيار الذي عاد عند مواجهة توتنهام مقاومة جدية. وفي الوقت الذي يمكن لأي فريق فيه أن يعاني في مباراة كان الأمر المقلق في هزيمة توتنهام في زغرب هو افتقار الفريق للقيادة والروح. وانتقد مورينيو أسلوب لاعبيه وأوضحت تصريحات لوريس وجود مشكلة كبيرة في الفريق. وقال لوريس: «نحن نادٍ يملك طموحاً كبيراً لكن في الوقت الحالي ما يحدث في الفريق هو انعكاس للحالة التي يمر بها النادي. استمتعنا بلحظات رائعة في الماضي لأننا كنا نثق في جماعية الفريق. لست واثقاً من ذلك الآن». وكان مورينيو يسعى للفوز بالدوري الأوروبي ليضرب عصفورين بحجر واحد. فحصد اللقب كان سيعيد النادي إلى منصات التتويج ويمنحه فرصة المشاركة في دوري أبطال أوروبا في الموسم المقبل وسهولة التعاقد مع اللاعبين الذين اعتاد مورينيو العمل معهم. وستكون آمال توتنهام في المربع الذهبي معلقة بخيط رفيع لو خسر في ملعب أستون فيلا اليوم، كما ينتظر الفريق المباراة النهائية لكأس رابطة الأندية الإنجليزية أمام مانشستر سيتي، لكن حتى الفوز بهذا اللقب ربما لن يكفي جماهير توتنهام. وانتابت الجماهير حالة من الغضب بعد كارثة الخميس، وطالب البعض رئيس النادي دانييل ليفي عبر مواقع التواصل الاجتماعي بإقالة مورينيو. ولن يكون ذلك مكلفاً فقط، بل سيكون بمثابة اعتراف ليفي بالذنب بعد إقالة ماوريسيو بوكيتينو، وهو المدرب الذي جعل من توتنهام منافساً على الألقاب، والتعاقد مع مورينيو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. وفي الماضي، كان ليفي يعتقد أن عقلية مورينيو ستساعد توتنهام في تجاوز وصفه بأنه فريق لا يرتقي لمستوى التوقعات. وكاد توتنهام ينال لقبه الأول في الدوري منذ 1961 في مناسبتين مع بوكيتينو كما بلغ نهائي دوري الأبطال في 2019 وكأس رابطة مرة واحدة والدور قبل النهائي لكأس الاتحاد الإنجليزي مرتين. وتعرض النادي للسخرية وعدم قدرته على الصمود في الأوقات الصعبة وهو كان وصفاً ظالماً أثناء فترة بوكيتينو. لكن بعد ما حدث يوم الخميس، بدا الوصف مثالياً لتوتنهام مع مورينيو.
وحث مورينيو لاعبيه على إظهار إمكاناتهم الحقيقية التي افتقدوها خلال آخر مباراتين خاضهما الفريق، وذلك من خلال إعلان تحديه للاعبين قبل مباراتهم المرتقبة أمام أستون فيلا اليوم. وبعد أن شكك مورينيو في تعامل اللاعبين مع المباراتين الماضيتين، طالب مورينيو لاعبيه بإظهار «أساسيات العمل» وتقديم ردة فعل مناسبة في مواجهة أستون فيلا.
ولدى سؤاله عما يريده من لاعبيه، قال مورينيو: «هذا هو السؤال نفسه الذي تلقيته بعد مباراة آرسنال، ولم أجد ما أريده في مواجهة دينامو زغرب... ولهذا، من الصعب أن أقول إنني كنت أنتظر تعاملاً مختلفاً تماماً ولم نرَه في زغرب».
وأوضح: «من الواضح، ماذا أريد أمام أستون فيلا، أريد كل ما قلته رداً على بعض الأسئلة السابقة... أريد ما أعتبره أساسيات المحترف النزيه. لا يهم المجال. في الوقت الحالي، نتحدث عن كرة القدم ولكن يمكن أن نتحدث عن أي مجال آخر في المجتمع». وأضاف: «أساسيات أي وظيفة هي الصدق والالتزام والرغبة واحترام الأشخاص الذين يطلبون منك القيام بعمل جيد. هذا ما أتوقعه كل يوم، وفي كل مباراة». وسقط توتنهام أمام دينامو زغرب في غياب اللاعب بيير إميل هويبرغ، الذي يمثل قائداً لخط وسط فريق توتنهام، ولكن مورينيو لا يشعر بارتياح إزاء إشارة وسائل الإعلام لهذا. وقال مورينيو: «الحديث عن وجود قادة داخل المستطيل الأخضر شيء لا يريحني... الأمر يتعلق بنا وبما يحدث داخل الفريق والحياة التي نعيشها كمجموعة عمل. يمكن بالطبع أن يكون لديك منظورك ووجهة نظرك من الخارج. يمكنك تحليل الأمر، وقد يمكنك الحصول على نتيجة بفضل خبرتك ومعرفتك. ولكنني لا أسير في هذا الاتجاه».
وأضاف: «السبب وراء هزيمتنا في زغرب هو أنه على مدار نحو 100 دقيقة، أعطى فريق كل شيء على أرض الملعب فيما شعر فريق آخر بالكبرياء، ولنقل إنه شعر بالحافز فقط للكفاح عندما تأخر صفر - 3». وأشار: «نعم، في هذه الدقائق العشر الأخيرة كنا نستطيع وكان يجب علينا خصوصاً أنه سنحت لنا الفرص لهز الشباك والعبور لدور الثمانية. ولكن المنافس تفوق علينا في الحماس والهدوء وفي شيء آخر أرفض ذكره أمام الكاميرات».


مقالات ذات صلة


بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.


هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
TT

هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة بحدود مستطيلة لتسعين دقيقة، بل هي مرآة للشعوب، ومسرحاً تُصفى عليه الحسابات التي عجزت عنها أروقة الدبلوماسية. وفي مساء الأربعاء، الخامس عشر من يوليو (تموز) 2026، تتجه أنظار العالم صوب ملعب «مرسيدس بنز» في أتلانتا بالولايات المتحدة الأميركية، حيث يلتقي عملاقا الكرة الأرضية، الأرجنتين وإنجلترا، في نصف نهائي مونديال 2026، في مواجهة تتجاوز التكتيك الكروي لتنبش في دفاتر التاريخ الساخنة.

هذه الموقعة ليست مجرد بطاقة عبور للنهائي الكبير، إنها استدعاء مباشر لروح عام 1982، وتلك البقعة الصخرية الباردة في جنوب المحيط الأطلسي المعروفة بـ«جزر الفوكلاند» (أو المالوين كما يسميها الأرجنتينيون).

صورة ترصد الفرقاطة البريطانية «إتش إم إس برودسورد» وهي تبحر بجانب حاملة الطائرات «إتش إم إس هيرميس» في مياه جنوب المحيط الأطلسي خلال مشاركتهما في عمليات حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

النزاع العسكري العنيف الذي دار بين البلدين، والذي خلَّف جراحاً غائرة في الوجدان النرجسي لـ«التانغو» وسيادة «التاج البريطاني»، يعود ليفرض ظلاله السياسية والوجدانية على عقول اللاعبين والجماهير على حد سواء.

صورة توثق أكواماً من الأسلحة والمعدات العسكرية التي خلَّفها الجنود الأرجنتينيون وراءهم في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلامهم للقوات البريطانية وانتهاء حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

صراع الجزر والسيادة: الجرح الذي لم تندمل ندوبه

في ربيع عام 1982، اندلعت حرب مباغتة دامت 74 يوماً بين بريطانيا والأرجنتين حول السيطرة على جزر الفوكلاند. انتهت المعارك بانتصار عسكري إنجليزي حاسم واستعادة لندن للسيطرة على الجزر، مما خلّف مئات الضحايا الأرجنتينيين، ومعهم مرارة وطنية جارفة في بوينس آيرس.

صورة التُقطت في 19 مايو 1982 تُظهر طائرات «هاريير جي آر 3» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وطائرات «سي هاريير إف آر إس 1» التابعة للبحرية الملكية مصطفَّةً على ظهر حاملة الطائرات «إتش إس هيرميس» خلال توجهها لخوض معارك حرب الفوكلاند (ويكيبيديا)

بالنسبة للأرجنتينيين، لم تكن الهزيمة العسكرية نهاية المطاف، بل تحولت «المالوين» إلى عقيدة شعبية وقضية أرض مغتصبة تُرجمت لاحقاً في كل محفل يجمع اللونين الأزرق السماوي والأبيض، ضد اللون الأبيض الإنجليزي.

صورة توثق أسرى الحرب الأرجنتينيين في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلام القوات الأرجنتينية للقوات البريطانية في نهاية حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

من خنادق المالوين إلى عشب «أزتيكا»: معجزة مارادونا 1986

بين جيلَي مارادونا وميسي... هل تستمر تبعات أزمة فوكلاند عند مواجهة إنجلترا (رويترز)

لم ينتظر الأرجنتينيون طويلاً لتصفية الحساب الرمزي. ففي عام 1986، وعلى أرض المكسيك، التقى المنتخبان في ربع النهائي. هناك، تقمص الأسطورة الراحل دييغو أرماندو مارادونا دور «المنتقم الشعبي»، لم يكتفِ بإقصاء الإنجليز، بل فعل ذلك بطريقة تداخلت فيها الخديعة بالعبقرية الساحرة.

هدف مارادونا الذي لا يزال يعدُّ أكثر لقطات المونديال جدلاً في التاريخ (د.ب.أ)

من «يد الله» التي هزت شباك بيتر شيلتون، إلى هدف القرن الذي راوغ فيه نصف إنجلترا، صرّح مارادونا لاحقاً بوضوح: «كنا نقول إن المباراة لا علاقة لها بالحرب، لكننا كنا نعلم أن شباننا ماتوا هناك.. لقد كانت حرباً بالنسبة لنا».

هذا الإرث هو ما يمنح مواجهة اليوم ثقلاً دراماتيكياً لا يتكرر في أي ديربي آخر حول العالم.

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

لغة الأرقام تبوح بأسرارها: تفوق إنجليزي تاريخي تبدده عُقدة «الإقصاء» الأرجنتينية

لا تتوقف الإثارة عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد إلى دفاتر «فيفا» التي تكشف عن صراع أرقام محموم، إذ التقى العملاقان تاريخياً في 15 مواجهة بين مونديالية وودية، تميل فيها الكفة الإحصائية العامة لصالح «الأسود الثلاثة» بستة انتصارات مقابل أربعة لـ«التانغو»، بينما خيّم التعادل على خمس مواجهات أخرى.

ورغم هذا التفوق الرقمي الإنجليزي في الحصيلة العامة، فإن الموازين النفسية والتاريخية تتبدل تماماً بمجرد وضع هذا التاريخ تحت مجهر الأدوار الإقصائية الحاسمة في كأس العالم.

منتخب إنجلترا (رويترز)

فمنذ موقعة عام 1966 المثيرة للجدل التي حسمتها إنجلترا على أرضها، عجز الإنجليز تماماً عن إقصاء الأرجنتين في أي دور لخروج المغلوب، حيث كانت الأرجنتين دائماً صاحبة الكلمة الدرامية العليا والضربة القاضية، سواء تجلى ذلك في عبقرية مارادونا الفذة وتمرده التاريخي في المكسيك عام 1986، أو عبر ركلات الترجيح القاتلة في فرنسا عام 1998 التي شهدت طرد ديفيد بيكهام وانكسار جيل بريطاني ذهبي كامل.

صورة مركَّبة تجمع بين حارس الأرجنتين إميليانو مارتينيز وحارس إنجلترا جوردان بيكفورد (أ.ف.ب)

هذا التناقض الصارخ بين التفوق الإنجليزي الشرفي وعقدة «الحياة أو الموت» أمام الأرجنتين، يمنح موقعة أتلانتا بعداً نفسياً مرعباً، يضع كتيبة توخيل أمام تحدي كسر اللعنة التاريخية، بينما يمنح رفاق ميسي ثقة متوارثة بأن الأرجنتين في مواجهات كسر العظم تظل دائماً الرقم الصعب الذي لا يلين.

أتلانتا 2026: رقصة ميسي الأخيرة في مواجهة طموح بلاد الضباب

في هذا المنعطف التاريخي من مونديال 2026، تبدو الحسابات الفنية معقدة ومشحونة بالطموحات الكبرى:

كتيبة الأرجنتين والدفاع عن العرش

يدخل رجال المدرب ليونيل سكالوني المباراة بصفتهم حاملي اللقب، وفي أذهانهم هدف واحد يتمثل في منح الأسطورة ليونيل ميسي نهاية سينمائية لقصته المونديالية الاستثنائية.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

الأرجنتين التي عانت الأمرين للوصول إلى هذا الدور بعد تجاوزها عقبة سويسرا في ربع النهائي، ومصر في ثمن النهائي، بروح قتالية عالية، تعتمد على دهاء ميسي، وتحركات إيماليانو مارتينيز في حراسة المرمى، والشباب النابض في خط الوسط، لإحباط المخطط الإنجليزي.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

طموح إنجلترا وإنهاء 60 عاماً من العقدة

على الجانب الآخر، يقف الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنجلترا، الذي أعاد صياغة شخصية «الأسود الثلاثة» ببراعة وتطلّب صارم.

تسعى إنجلترا لإنهاء ستة عقود من العقدة التاريخية والغياب عن منصات التتويج العالمية منذ عام 1966.

الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا وقائده هاري كين (رويترز)

الفريق الذي يرتكز على صلابة النجم الشاب جود بيلينغهام، الذي قاد الفريق ببراعة أمام المكسيك والنرويج والهداف الخبير هاري كين، يرى في هذه الموقعة البوابة الشرعية لكتابة تاريخ جديد يتجاوز عقدة الماضي.

صراع العقول التكتيكية: سكالوني وتوخيل على رقعة الشطرنج

سكالوني في حديث مع القائد ميسي (رويترز)

المواجهة لن تكون داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل ستكون معركة تكتيكية معقدة بين عقلين مختلفين تماماً، إذ يراهن سكالوني على العاطفة الجياشة الممزوجة بالصبر التكتيكي، والتحولات السريعة التي تخدم عبقرية ميسي في الثلث الأخير.

توماس توخيل وجود بيلينغهام (رويترز)

في المقابل، يفرض توخيل أسلوباً براغماتياً صارماً، يركز على الهيمنة البدنية، والضغط العالي، واستغلال أنصاف الفرص عبر تحركات بيلينغهام القادم من الخلف.

صورة مركَّبة تجمع بين لاعب وسط إنجلترا جود بيلينغهام ومهاجم الأرجنتين لاوتارو مارتينيز (أ.ف.ب)

ستنطلق صافرة البداية في أتلانتا، ممتصةً كل صخب مدرجات «مرسيدس بنز»، لكنها لن تحجب أصوات الماضي الجاثم في الصدور. فالإنجليز يبحثون عن مجد كروي طال انتظاره، بينما يلعب الأرجنتينيون كعادتهم من أجل الكبرياء، ومن أجل ميسي، ومن أجل الأرواح التي غادرت يوماً في صقيع الفوكلاند.


مربع الذهب يطابق تصنيف «فيفا» لأول مرة... هل هي صدفة أم حصاد سنوات من التخطيط؟

مربع الذهب يطابق تصنيف «فيفا» لأول مرة... هل هي صدفة أم حصاد سنوات من التخطيط؟
TT

مربع الذهب يطابق تصنيف «فيفا» لأول مرة... هل هي صدفة أم حصاد سنوات من التخطيط؟

مربع الذهب يطابق تصنيف «فيفا» لأول مرة... هل هي صدفة أم حصاد سنوات من التخطيط؟

تثبت الساحرة المستديرة في مونديال 2026 أن المفاجآت، وإن كانت مِلح البطولة، فإن السيادة في النهاية تظل لأصحاب الأقدام الثقيلة والتخطيط الصارم.

لأول مرة منذ تأسيس نظام تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عام 1992، تتطابق أطراف المربع الذهبي للمونديال تماماً مع المراكز الأربعة الأولى في التصنيف العالمي: فرنسا (الأول)، الأرجنتين (الثاني)، إسبانيا (الثالث)، وإنجلترا (الرابع).

هذا المشهد المهيب، الذي يعيد للأذهان ذكريات مربع الكبار في مونديال إيطاليا 1990، ليس وليد صدفة عابرة أو ضربة حظ، بل هو نتاج عمل مؤسسي جبار وهيمنة فنية واقتصادية واضحة لأقوى المدارس الكروية في العالم.

نحن أمام صراع عقول واستراتيجيات تمتد لسنوات، تُرجمت على عشب الملاعب الأميركية بعبور مستحق لعمالقة القارة العجوز وأسياد أميركا الجنوبية.

فرنسا... قمة الهرم واستقرار «الديوك» مع ديشامب ومبابي

يتربع المنتخب الفرنسي على عرش التصنيف العالمي بوصفه أقوى منظومة كروية مستقرة في العقد الأخير بقيادة المدرب ديدييه ديشامب.

«الديوك»، أصحاب اللقبين الموندياليين (1998 و2018)، شقوا طريقهم إلى المربع الذهبي بثقة وهدوء عبر مسار صلب، حيث تصدروا مجموعتهم بتسع نقاط كاملة، قبل أن يلتهموا السويد بثلاثية نظيفة في دور الـ32، ثم يعبروا باراغواي بهدف نظيف، ويختتموا رحلتهم نحو نصف النهائي بالفوز على المغرب بهدفين دون رد.

مبابي قائد فرنسا وأبرز لاعبيها يتقدم زملاءه بالتدريب الأخير قبل مواجهة إسبانيا (أ.ف.ب)

تعتمد فرنسا على صلابة دفاعية استثنائية جعلتها الفريق الوحيد الذي لم تهتز شباكه في الأدوار الإقصائية، مدعومة بعبقرية قائدها كيليان مبابي الذي يتصدر سباق الهدافين بثمانية أهداف، ومعه المتوَّج بالكرة الذهبية عثمان ديمبيلي، ليمثل الفرنسيون النموذج المثالي للواقعية والقوة البدنية الفائقة.

الأرجنتين... روح البطل ورقابة التاريخ دفاعاً عن العرش

يدخل منتخب الأرجنتين، حامل اللقب والمتوَّج بالكأس ثلاث مرات (1978، 1986، 2022)، هذه الموقعة محملاً بإرث ثقيل ورغبة جامحة في الحفاظ على تاجه العالمي ومنح الأسطورة ليونيل ميسي رقصة الوداع المثالية.

منتخب الأرجنتين يواصل مشواره في المونديال (إ.ب.أ)

رفاق المدرب ليونيل سكالوني عبروا دور المجموعات بالعلامة الكاملة وتسع نقاط، لكن مسارهم في الأدوار الإقصائية كان درامياً ومثيراً للأعصاب، بدءاً من الفوز الصعب على الرأس الأخضر بثلاثة أهداف لهدفين، ثم إقصاء مصر بالنتيجة ذاتها، وصولاً إلى معركة ربع النهائي الشرسة التي تطلبت وقتاً إضافياً لتجاوز سويسرا العنيدة بثلاثة أهداف لهدف.

ورغم بعض الهنَّات الدفاعية واستقبالهم خمسة أهداف في الأدوار الإقصائية، يظل «التانغو» الفريق الأكثر فتكاً هجومياً بتسجيل تسعة أهداف في هذه الأدوار، مستندين إلى خبرة ميسي (8 أهداف في البطولة) وحيوية أليكسيس ماك أليستر ومهاجمين فتاكين مثل جوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز.

إسبانيا... سيمفونية التمرير الشابة وأحلام اللقب الثاني

بطل العالم عام 2010 وحامل لقب كأس الأمم الأوروبية يدخل المربع الذهبي بأجمل وأمتع كرة قدم جماعية تُقدم حالياً تحت قيادة المدرب الوطني لويس دي لا فوينتي.

الماتادور الإسباني تصدر مجموعته بسبع نقاط، وبدأ الأدوار الإقصائية باكتساح النمسا بثلاثية نظيفة، ثم حسم الموقعة الكلاسيكية أمام البرتغال بهدف دون رد، قبل أن يختبر شجاعته بإقصاء بلجيكا في ربع النهائي بهدفين لهدف.

يامال نجم إسبانيا الواعد يستعرض بالكرة وسط زملائه بالتدريب قبل مواجهة فرنسا (أ.ب)

إسبانيا التي تمتاز بالاستحواذ الخانق والتحولات الهجومية السريعة تعول بشكل كبير على نضج وجرأة الجوهرة الشابة لامين يامال في الأطراف، لتقديم كرة قدم تجمع بين الرومانسية التقليدية والنجاعة الحديثة التي تقربهم خطوة إضافية من النجمة الثانية.

إنجلترا... قسوة المعاناة وشخصية البطل الجديد مع توخيل

أما منتخب إنجلترا، الباحث عن لقب ثانٍ غائب منذ عام 1966، فيقدم تحت إمرة الألماني توماس توخيل نسخة تتسم بالصلابة الذهنية والقدرة على العودة من بعيد.

مسار «الأسود الثلاثة» نحو نصف النهائي اتسم بالدراما والإثارة، حيث فازوا في جميع مبارياتهم الإقصائية بفارق هدف وحيد وتلقوا أهدافاً في كل الأدوار.

وكان الإنقاذ البطولي حاضراً في ربع النهائي ضد النرويج بفضل ثنائية جود بيلينغهام في الوقت الإضافي ليفوزوا بهدفين لهدف.

منتخب إنجلترا (رويترز)

يعتمد توخيل على مرونة تكتيكية كبيرة وقدرات استثنائية لنجوم ينشطون في أعلى المستويات الأوروبية مثل بيلينغهام وهاري كين (6 أهداف لكل منهما)؛ ما يجعل الإنجليز يؤمنون أكثر من أي وقت مضى بأن لعنة الستين عاماً قد حان وقت انكسارها.

صراع خارج حدود الورق

ومع بقاء أربعة عمالقة وجهاً لوجه، يسلم منطق الأرقام والتصنيفات الراية لجنون المستطيل الأخضر. في هذه الأمتار الأخيرة من عمر المونديال، تسقط كل الحسابات الباردة لتفسح المجال لعاطفة اللعبة واللحظات الفارقة التي تصنع الخلود وتأبى الخضوع للتوقعات.

الصافرة على وشك الانطلاق، والمسرح مهيأ لكتابة فصِل ملحمي جديد، فمن من هؤلاء الجبابرة سيقبض على الكأس الغالية، ومن سيكتفي بمرارة الوقوف على أعتاب الحلم؟