فيما دعت تركيا أوروبا إلى تجنّب «أخطاء الماضي»، انطلقت أمس في أثينا الجولة الـ62 للمحادثات الاستكشافية حول المشاكل والخلافات المعلقة بين تركيا واليونان في بحر إيجه وشرق المتوسط. وجاء ذلك في الوقت الذي عبّر فيه حلف شمال الأطلسي (ناتو) عن «مخاوف جدية» من سلوك تركيا وتحركاتها في العديد من القضايا وفي مقدمها التوتر في شرق المتوسط.
وقال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن بلاده تولي أهمية كبيرة للمحادثات الاستكشافية مع اليونان، وكذلك لقاءات خفض التوتر التي يرعاها «الناتو» وتهتم باللقاءات التي تقلل من التوتر في المنطقة، داعياً اليونان إلى تجنّب ما سماه بـ«الممارسات الاستفزازية» تجاه تركيا. وأضاف أكار، خلال لقاء عبر «الفيديو كونفرنس» مع قادة القوات المسلحة التركية، أن ممارسات اليونان «لا تليق بمبادئ حسن الجوار» و«تغلب عليها لغة التهديد والتوتر والتصعيد»، وهو ما يقف عائقاً أمام تأسيس علاقات الجوار بين أنقرة وأثينا، بحسب رأيه.
وتجددت المحادثات الاستكشافية بين البلدين بعد توقف منذ عام 2016، بعقد الجولة الـ61 في إسطنبول في 25 يناير (كانون الثاني) الماضي. وعقدت الجولة الجديدة أمس في أثينا قبل القمة الأوروبية المقررة في بروكسل في 25 مارس (آذار) ، التي ستجري تقييماً للوضع في شرق البحر المتوسط وللعقوبات التي أعلنت على أفراد في تركيا في القمة السابقة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وكانت تركيا أوقفت عقب قمة ديسمبر (كانون الأول) جميع أنشطة التنقيب عن الغاز والنفط في شرق المتوسط، بعد إعلان الاتحاد الأوروبي العقوبات وتجميدها لحين تقييمها في القمة المقبلة، وكذلك بسبب الموقف الأميركي الرافض للتحركات التركية في المنطقة والتنسيق المحتمل مع الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن.
في سياق متصل، أبلغت تركيا كلاً من إسرائيل واليونان والاتحاد الأوروبي بضرورة الحصول على إذن منها قبل بدء العمل في مشروع كابل بحري للطاقة في شرق المتوسط. ووقعت اليونان وقبرص وإسرائيل، الأسبوع الماضي، اتفاقاً مبدئياً لمد أطول كابل بحري للطاقة في العالم يربط الشبكات الكهربائية بين الدول الثلاث. لكن المشروع المرتقب يمر عبر مياه متنازع عليها في شرق المتوسط في منطقة شهدت توتراً حاداً حول أنشطة التنقيب العام الماضي.
وذكرت تركيا، في رسالة وجهتها إلى سفارتي اليونان وإسرائيل ووفد الاتحاد الأوروبي في أنقرة، أن على الأطراف الثلاثة الحصول على موافقتها قبل الشروع في أي عمل في «الجرف القاري التركي». وقالت مصادر دبلوماسية تركية إن خطط مشروع «الربط الكهربائي الأوروبي الآسيوي» الذي يمتد مسافة 1200 كيلومتر تُظهر مروره عبر الجرف القاري لتركيا، وإن الرسالة التركية أشارت إلى أن ذلك يحتم موافقة أنقرة على أي عمل مبدئي أو أنشطة مرتبطة بالكابل، مضيفة أن السواحل الطويلة لتركيا على البحر المتوسط تمنحها حقوقاً أكبر في مياه المنطقة بمواجهة اليونان.
في غضون ذلك، طالب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الاتحاد الأوروبي بـ«عدم تكرار أخطاء الماضي» من أجل إحراز تقدم في العلاقات مع بلاده. وقال جاويش أوغلو، في مؤتمر صحافي مع نظيره السلوفاكي إيفان كورتشوك عقب مباحثاتهما في أنقرة أمس (الثلاثاء)، إنه «لتحقيق تقدم في علاقات تركيا والاتحاد الأوروبي، يجب عدم تكرار أخطاء الماضي، وعلى الاتحاد التصرف بصدق واستراتيجية».
إلى ذلك، قال الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، إن هناك ضرورة لاستمرار تنفيذ اتفاق الهجرة وإعادة قبول اللاجئين الموقع بين الاتحاد وتركيا في 18 مارس 2016، مؤكداً رغبة الاتحاد بتجديد الاتفاق في المستقبل. وأوضح بوريل، في تصريح مساء الاثنين عقب اجتماع غير رسمي لوزراء خارجية دول التكتل في بروكسل، إن الاتفاق لا يزال سارياً وينبغي استمرار تنفيذه، وإن دعم تركيا هو «مصلحة مشتركة» لتخفيف العبء عليها ولمنع الهجرة غير النظامية وفقدان الأرواح، مضيفاً أنه ستتم مناقشة الاتفاق بين دول الاتحاد الأوروبي ومؤسساته ومن ثم اللقاء مع تركيا لتجديد الاتفاق.
إلى ذلك، قال السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ينس ستولتنبرغ إن لديه «مخاوف جدية» بشأن سلوكيات تركيا، لكنه أكد أن الحلف يمثل منصة مهمة لحل النزاعات المتعلقة بأنقرة. وقال ستولتنبرغ، أمام نواب البرلمان الأوروبي الاثنين: «أعربت عن مخاوفي الجدية، وكلنا ندرك أن هناك خلافات جدية وبعض القضايا التي تتراوح من شرق المتوسط إلى القرار التركي بشراء منظمة صواريخ إس - 400 الروسية أو المرتبطة بالحقوق الديمقراطية في تركيا»، مضيفاً: «لكنّني أؤمن بأنّ الناتو على الأقل يمكن أن يمثل منصة مهمة لمناقشة هذه القضايا، وإثارة هذه القضايا وإجراء نقاشات وحوارات جدية حول المخاوف المختلفة».
وتثير تركيا غضب عدد من حلفائها في «الناتو»، المؤلف من 30 عضواً، بسبب سلوكها في إطار نزاع على الحدود البحرية مع اليونان، العضو في الحلف، وبدورها في النزاعات في سوريا وليبيا وناغورني قره باغ. وفي ديسمبر (كانون الأول)، فرضت واشنطن عقوبات على مستشارية الصناعات العسكرية التركية وعلى شراء الأسلحة التركية بسبب قرار أنقرة شراء منظمة صواريخ «إس - 400» من روسيا. وتبنى الرئيس الأميركي جو بايدن النهج المتشدد نفسه إزاء شراء الأسلحة الروسية، فيما لا تزال إدارته تسعى إلى التوصّل إلى صيغة مقاربة فيما يخص العلاقات مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.
وسعى الحلف إلى التخفيف من وطأة الخلاف الداخلي مع أنقرة، مشيراً إلى الدور الذي تؤديه تركيا في استضافة ملايين اللاجئين السوريين وفي محاربة تنظيم «داعش»، وهو ما أشار إليه جاويش أوغلو خلال مؤتمره الصحافي أمس مع نظيره السلوفاكي، أيضاً. وأنشأ الحلف العام الماضي «آلية لفض النزاع» في مسعى لتجنب وقوع اشتباكات بين تركيا واليونان مع تصاعد التوتر في شرق المتوسط، ما أسهم في تراجع حدة التوتر بين البلدين الجارين.
تركيا تدعو أوروبا إلى تجنّب «أخطاء الماضي»
وزيرا خارجية تركيا وسلوفاكيا خلال مؤتمر صحافي في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
تركيا تدعو أوروبا إلى تجنّب «أخطاء الماضي»
وزيرا خارجية تركيا وسلوفاكيا خلال مؤتمر صحافي في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


