الدين والفن... المقاربة الشائكة

علاقة حذرة ومتوترة خوفاً من سيطرة أحد المجالين على الآخر

مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
TT

الدين والفن... المقاربة الشائكة

مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية

انتشر هذه الأيام كثير من النقاشات والبرامج الدينية عبر وسائط فنية متلفزة، وأصبحت الأفلام والمسلسلات الدينية ملاذاً للبشر في قضاء الأوقات؛ خصوصاً أثناء استحكام الجائحة وتوقف النشاطات الإنسانية المختلفة، فمنصة «نتفلكس» حظيت أيام الحجر الصحي بأكثر من 200 مليون مشترك وبمتوسط 66 ساعة مشاهدة أسبوعياً في الولايات المتحدة الأميركية حسب مجلة «فوربس»، ومن الجدير بالاهتمام أن فيلم «يهوذا والمسيح الأسود» من ضمن الأفلام المرشحة للفوز بجائزة أوسكار 2021 التي ستعلن في أبريل (نيسان) المقبل.
كما أن الفن أصبح شريكاً لكثير من رجال الدين في مواعظهم الأسبوعية، ومن ضمن أهم البرامج الأصيلة للكنائس والمعابد في عدد من الأديان، إما من خلال إقامة معارض للرسوم الفنية، أو للحفلات الموسيقية، أو منصات واقعية لمشاهدة الأفلام وحفلات الرقص، ومن يتتبع تاريخ الأديان قديماً يجد أنها متدثرة بلبوس الفن في أعمال متجسدة؛ يدل على هذا القدم التمثال الحجري الذي عثر عليه في النمسا، ويعرف باسم «فينوس ولندورف» ويرجع تاريخه إلى أكثر من 25 ألف عام قبل الميلاد، أو من خلال طقوس من الأشعار الغنائية وجدت في آثار البابليين والفراعنة والإغريق والديانات الهندية القديمة.
هذا التقارب بين الدين والفن على اختلاف مدارسه كان مشوباً بعلاقة حذرة ومتوترة خوفاً من سيطرة أحد المجالين على الآخر، كما أنهما أسهما في دعم وتسويق بعضهما حتى في أوقات المواجهة بينهما، فالتحريم الديني لموضوع ما قد يكون سبباً في عمل فني جذاب للكثير، وما تمرد فيه الفن على قيم المجتمع فإن الدين هو حربة المواجهة لهذه المخالفات الفنية.
أمام هذا الموضوع المثير والجدلي خصوصاً في بيئتنا الإسلامية، أضع بين يدي القارئ هذه التأملات التي أوجزها على النحو الآتي:
أولاً: ارتبط الدين بالفن والعكس كذلك عبر التاريخ، والمتتبع لهذه العلاقة يجد نقوش الكهنة الصينيين وصلواتهم على أجراس معدنية جميلة قبل كونفوشيوس بفترة طويلة، وعندما انتشرت البوذية أول مرة عبر طريق الحرير باتجاه شمال آسيا، ترك رهبانها سجلاً من أعمالها على جداريات دقيقة أسهمت في انتشارها، وحسبنا زيارة أو مشاهدة كنيسة سيستينا في الفاتيكان أو الكاتدرائيات الكبرى في أوروبا للتعرف على تقاطع الفن والإيمان في تاريخ المسيحية. (انظر: المرجع في سوسيولوجيا الدين 1/541)، هذا التلاقي العضوي ربما كان بسبب احتياج الدين لجواذب الفن وتعبيراته عن الروحانيات التي لا يمكن إيصالها إلى المؤمنين، إلا من خلال خيالات تجذب الأعين والأسماع لجمالياتها؛ شعراً أو دراما أو رسومات أو غيرها.
والمسيحية منذ القرن السادس الميلادي عندما أصدر البابا غريغوريوس الكبير مرسومه برقابة الكنيسة على الفن والموسيقى، والكنائس تتوسع وتتماهى مع الفنون، وأحياناً تتصادم مع محرمات الكتاب المقدس، وبعضها أنتج خلافاً دينياً كمسألة بناء التماثيل، فقد رفضته الكنائس الشرقية؛ بينما شجعته كنائس روما وما يتبعها، وكان عصر النهضة الأوروبي تجسيداً لهذه الموافقة الدينية، خصوصاً في القرن 15م، حيث ظهرت أعظم الأعمال الفنية التي قام بها دافنشي ومايكل أنجلو ورفائييل لتزيين أهم الكنائس الكاثوليكية آنذاك، ولما جاء القرن 16م وقامت الحركة البروتستانتية منعت وأزالت كثيراً من التماثيل في كنائسها، كونها تجسّد حالة من التقديس الباذخ مارسه الرهبان في حق أنفسهم، وجعله مارتن لوثر من الكفر والتجديف، أما حجة الأوائل في توسعهم في الفنون كالرسوم والمنحوتات، أن أكثر الأوروبيين جهلة وأميين ومشاهدتهم لتلك الأعمال هي من باب التعليم وتقريب الدين لهم.
أما اليوم، فالحال أصبحت مختلفة في جميع الكنائس، فكنيسة دالاس الأميركية على سبيل المثال ترعى أوركسترا سيمفونية بمسرح كبير وموظفين يتجاوزون المائة مفرغين للأعمال الموسيقية، وفي دراسة أميركية في 2003م تذكر أن نصف أعضاء الكنيسة في الولايات المتحدة يقولون إن تجمعاتهم الدينية ترعى عروضاً موسيقية في غير أوقات العبادة، وهذا الأمر بدأ يتسع لكل أنواع الموسيقى حتى الروك، وأضافت بعض الكنائس لطقوسها الرقص ووشم الأجساد بصور لرمزيات دينية.
ثانياً: تختلف نظرة الإسلام للفنون عما سبق ذكره في المسيحية أو غيرها من الأديان، فهناك نصوص من القرآن والسنة حرّمتْ بعض الفنون لعلّة صريحة، وهي أن تكون ذريعة لحصول الشرك المنافي لتوحيد الله في العبادة، وهذه العلّة لم تكن مجرد تصور ذهني متوقع حدوثه؛ بل هو ما تأكد وقوعه حقيقةً لدى بعض الأمم السابقة، فعن عائشة أم المؤمنين أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير - أي مجسمات مصورة - فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (رواه البخاري 417)، والوعيد ورد فيها لأنها تحولت مع الزمن إلى أصنام تعبد من دون الله تعالى، وهذا ما حصل حقيقةً عندما عُبِد يعوق ويغوث وسواع ونسرا، فقد كانوا رجالاً صالحين من قوم نوح أراد أقوامهم تذكرهم فصنعوا لهم تماثيل تحولت مع الزمن وذهاب العلم إلى أصنام تعبد من دون الله، لهذا قال ابن القيم: «غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور» (زاد المعاد 3 / 458)، وإذا تأملنا الأحكام الجازمة بتحريم فنٍ من الفنون؛ فإنه غالباً ما يكون حول التماثيل المنصوبة للتعظيم والمضاهاة، أما لو كانت صوراً أو تماثيل للطبيعية أو لمخلوقات غير مكتملة أو للعب الأطفال فلا حرج عند كثير من الفقهاء، ويستدلون بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها: أنه كان في لُعبها فرس له جناحان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك لما رآها حتى بدت نواجذه. (أخرجه أبو داود 4932).
وهنا نسأل هل كان الإسلام في الأصل ضد الفنون الجمالية؟ وهذا السؤال الكبير حاول الكثير بحثه والإجابة عنه، والكتابات في ذلك على منحيين: الأول: المحتاطون بالتحريم؛ خوفاً على حياض العقيدة وحراسة التوحيد من أي وسيلة قد تفضي إلى الشرك أو البدعة حتى لو كانت متخيلة؛ فتوسعوا في المنع وسد الذرائع؛ ولهم في التراث العقدي شروح وتوضيحات، والمنحى الآخر: المقاصديون؛ الذين تحرزوا أن يمنعوا تصرفاً بشرياً تنادي له الفطرة الباحثة عن الجمال، واستثنوا ما ورد به نص شرعي أو كان وسيلة لمخالفة يقينية، وما عدا ذلك جعلوه على أصل الإباحة كإنشاد الشعر والرقص والتمثيل وحبس الصور والموسيقى - عند البعض، وغيرها من الفنون.
وقد يسأل البعض عن إهمال الصحابة للفنون حتى المباح منها... ويمكن تعليل ذلك بطبيعة البيئة التي عاشوها حيث كانت أقرب للبيئة الصحراوية أو الزراعية التي تقيم عيشها بحثاً عن الضرورات الحياتية، بينما الفنون هي من قبيل التحسينات المعيشية، لذلك لما انتقلوا إلى العراق والشام ومصر، ورأوا طبيعة الحياة المختلفة والوفرة المعيشية التي تتجاوز الكفاية إلى التأنق والتزيُّن في الحياة، مارس أولادهم ومن جاء بعدهم الفنون الجمالية وتوسعوا فيها؛ في البناء واللباس والطعام والحفلات وغير ذلك (انظر: مقدمة ابن خلدون، تحقيق درويش 2/172).
ومن الجدير ذكره أن الحضارة الإسلامية التي تكونت مدنها وانتشرت علومها بعد القرن التاسع الميلادي قامت بثورات فنية في كثير من المجالات الحياتية، كما أن بعض الطوائف الإسلامية التي ظهرت بعد القرن 14م مارست كثيراً من الفنون في مقابرها ومساجدها وتكاياها مقتربة بشكل كبير من نماذج الديانات الأخرى؛ كتأثر الصفويين بالأرثوذكسية والمغول المسلمين بالمانوية، لكن الطابع العام كان مولّداً ومنتجاً من الفن الإسلامي الأصيل (انظر: فضل علماء المسلمين على الحضارة لفراج، 167-212).
ثالثاً: يعتبر كثير من السوسيولوجيين موضوع العلاقة بين الدين والفن موضوعاً جدلياً تحدده العلاقات البينية بين أطراف المجتمع وتفاعلاته ومتغيراته، وقد انعكست هذه العلاقة بين رواد المجالين، وكان التاريخ القديم يجمعهم في مناخ ديني واحد، ولكن في العصر الحديث ظهرت فكرة الفصل بينهما مع أول انبعاثات العلمانية الأوروبية، فكانت الفنون تتجه نحو التحرر التام من قبضة الدين؛ بما عرف بالنزعة الشكلانية ودعاوى الفن لأجل الفن، واستمر الفصل بينهما في مجال التعليم والتوظيف، فالدارس للفن لن يكون قساً في كنيسة، كما أن دارس اللاهوت لن يكون فناناً مسرحياً أو عازفاً في أوركسترا لأنه تخرج من مدرسة لاهوتية، لكن المجال المجتمعي العام يجبرهما على الالتقاء مهما حاولت العلمانية فصلهما، فقد أثبتت دراسة أميركية أن 80 في المائة من الأميركيين الإنجيليين و76 في المائة من البروتستانت و56 في المائة من الكاثوليك شعروا بالقرب من الله خلال الاستماع إلى الموسيقى أثناء القداس؛ بل إن 70 في المائة من فناني أميركا يعتبرون أنفسهم من المتدينين. (انظر: المرجع في سوسيولوجيا الدين 1/543)، وهناك كثير من الروابط بين الفن والدين سبقت الإشارة إليها، أما توتر العلاقة بينهما فيحدث عندما يتجاوز كل واحد منهما قدسية الآخر، فالفنان عندما يتهتك أخلاقياً فسيجد معارضة صارمة من رجال الدين، لذلك خرج كثير من فتاوى التحريم تمنع مشاهدة أفلام ومسلسلات أو اقتناء لوحات فنية مخالفة لصريح الدين، بيد أنه من المعلوم أن طبيعة الفن تقوم على التجاوز والخيال وتتبع الصور الجمالية بإثارة البصر أو السمع، وهذا ما جعل حراس الدين في حذر من تجاوزات الفنانين، ومع ذلك فمساحة التلاقي بينهما عظيمة، وهذا ما حدا بعلي عزت بيغوفيتش إلى القول: «إن الفن في بحثه عما هو إنساني؛ أصبح باحثاً عن الله» (الإسلام بين الشرق والغرب، 174)، وفي المقابل يعتبر بيغوفيتش الفن الإلحادي ظاهرة نادرة جداً، ويمكن إرجاعها إلى تناقض في الإنسان نفسه، وهو تناقض لا مفر منه، ومع ذلك سرعان ما يعود الفنان الحقيقي ليجد ذاته في التعبير عن الروحاني داخل الإنسان، مقترباً من الأديان المعروفة أو الروحانيات الجديدة.
وفي الختام... هل خرجنا مما سبق مناقشته بعلاقة تصالحية بين الدين والفن؟ أم ستبقى علاقة جدلية مشكلة بينهما؟ ولعلّي أميل إلى أن المجتمع وتطوره الثقافي والمعيشي هو من يرسم العلاقة بين الدين والفن قرباً أو بُعداً، فمجتمع قرطبة وغرناطة في القرن 12م كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية، كما أن عواصم أوروبا في القرن 20م تقدمت فنياً على عواصم أفريقية كثيرة تفتقد الخصوبة المحفّزة لإنتاج الفنون، ويبقى الإنسان بفطرته ميّالاً نحو الجمال وتعبيراته التي تشتهيها الأنفس، وميّالاً للتعظيم والتقديس بصلواتها التي تطرب لها الأرواح، وفي مجتمعاتنا المعاصرة يعدّ الفقه الإسلامي هو حجر الزاوية في تغيير المشهد الديني والفني معاً؛ فقد يحمل مشعل التجديد في تحرير الفنون من خطاياها وتحرير التدين من أخطائه؛ وتوظيف رسالتهما الإنسانية في الخير والإسعاد، وهذا مشروط بتجاوز الفقيه المعارك القديمة مع المتفلسفة والمتصوفة الذين كانوا يمثلون في فترات تاريخية ماضية؛ الزعامة الفكرية للانشقاق الإسلامي في الطقوس الشعائرية والتجاوز في اقتباس الفنون الأجنبية، وإذا تعالى عن ذلك نحو النظر المقاصدي للفن وقيمته الجمالية فلربما نشهد مصالحةً أوثق بين مجالي الدين والفن.

* أستاذ بقسم الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الملك فهد للبترول والمعادن - الظهران (المملكة العربية السعودية)



شقة سكنتها بريجيت باردو في باريس معروضة للبيع

بريجيت باردو في منزلها بباريس تقرأ صحيفة «لو فيغارو» على سريرها (غيتي)
بريجيت باردو في منزلها بباريس تقرأ صحيفة «لو فيغارو» على سريرها (غيتي)
TT

شقة سكنتها بريجيت باردو في باريس معروضة للبيع

بريجيت باردو في منزلها بباريس تقرأ صحيفة «لو فيغارو» على سريرها (غيتي)
بريجيت باردو في منزلها بباريس تقرأ صحيفة «لو فيغارو» على سريرها (غيتي)

تُعرض للبيع في باريس شقة أنيقة تضاهي في فخامتها الشقق الواقعة في الدائرة الـ16، وهي من أغلى المناطق السكنية في العاصمة الفرنسية، وتتميز عنها بأن النجمة بريجيت باردو أقامت فيها 3 سنوات خلال مرحلة نشاطها وقبل اعتزالها.

واختارت بريجيت أثاث شقتها وفق طراز «آرت ديكو» الحديث، المختلف عن الطرز الفرنسية الشهيرة عالمياً والمتأثرة بقصور ملوك فرنسا. وتبلغ مساحة الشقة 400 متر مربع، بينما يصل السعر المطلوب فيها إلى 7 ملايين و900 ألف يورو.

وجاء في الإعلان الذي نشرته الوكالة المكلفة بالبيع أن هذا المسكن المجاور لغابة بولونيا مشبع بالتاريخ؛ إذ أقامت فيه الممثلة مع زوجها الألماني الثري غونتر ساكس في أواخر عقد الستينات من القرن الماضي. وهي الفترة التي أصبحت فيها بريجيت معروفة عالمياً، ورمزاً للإغراء بعد أن قدمها زوجها الأول، المخرج روجيه فاديم، في فيلم «وخلق الله المرأة».

وزير الزراعة الفرنسي وبريجيت باردو في شقتها بباريس (غيتي)

تتألف الشقة، التي تُشبه متحفاً بما تضمّه من مقتنيات فنية، من عدة صالات استقبال متعددة المستويات، و4 غرف للنوم. وتتوسط الحجرات صالة طعام ذات سقف مزدوج الارتفاع. وهناك زاوية لتناول المشروبات مبطنة بخشب الأكاجو، تتوسطها مرآة كبيرة كانت ضمن أثاث الباخرة التاريخية «فرانس». أما الأرضيات فما زالت على حالها بمواد أصلية راقية مثل الرخام، في حين صُنعت النوافذ من زجاج «تيفاني» الملون. وأكثر ما يلفت النظر احتواء الشقة على حديقة شتوية تزيد مساحتها على 50 متراً مربعاً، بجدار زجاجي كامل يمنح المكان نوراً طبيعياً.

وقبل بريجيت باردو وزوجها، كانت الشقة مملوكة لعائلة بوهارنيه التي يتحدر أفرادها من سلالة جوزفين، الزوجة الأولى للإمبراطور نابليون الأول. وبعد تألق الممثلة على الصعيد العالمي، انتقلت إلى هذه الشقة لتكون ملاذها الباريسي عندما تتطلب ظروف عملها الحضور إلى العاصمة وترك فيلتها الشهيرة «لا مادراغ» في بلدة «سان تروبيه» الجنوبية على ساحل المتوسط.

وفي عام 2018 خضعت الشقة لعملية تجديد كاملة هدفت إلى تحديث المرفقات مع الحفاظ على طابعها الأصلي. وتم الإبقاء على المستويات المتعددة، مع إضافة قطع تتناغم مع الأثاث الموجود. كما استُحدثت صالة للرياضة وأخرى للسينما المنزلية، وتحوَّلت الحديقة الشتوية إلى غرفة مفتوحة لأوقات الراحة والتريض، وخُصص جناح منفصل لإقامة الضيوف، إلى جانب حجرتين في الطابق الأخير من المبنى مخصصتين للمساعدين.

يُذكر أن باردو تزوجت 4 مرات ولها ابن وحيد، وقد غادرت الحياة في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي عن عمر ناهز 91 عاماً.


السعودية تستعيد أمجاد قرون مضت في احتفالات «يوم التأسيس»

أمانة الرياض تزين طرق وميادين العاصمة بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية احتفاءً بيوم التأسيس (واس‬)⁩
أمانة الرياض تزين طرق وميادين العاصمة بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية احتفاءً بيوم التأسيس (واس‬)⁩
TT

السعودية تستعيد أمجاد قرون مضت في احتفالات «يوم التأسيس»

أمانة الرياض تزين طرق وميادين العاصمة بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية احتفاءً بيوم التأسيس (واس‬)⁩
أمانة الرياض تزين طرق وميادين العاصمة بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية احتفاءً بيوم التأسيس (واس‬)⁩

في وقت تزدان فيه شوارع المدن السعودية باللون الأخضر والأزياء التراثية، انطلقت، الأحد، في جميع مناطق المملكة سلسلة من الفعاليات الثقافية والترفيهية الكبرى احتفاءً بذكرى يوم التأسيس، وتحولت العاصمة الرياض وكل المدن السعودية إلى وجهة سياحية وثقافية، استقطبت آلاف المواطنين والمقيمين والسياح الذين وفدوا لمشاهدة آثار وأثر ملحمة البناء التي صاغت تاريخ الجزيرة العربية.

‏مدينة جدة تعتمد برنامجاً احتفائياً بمناسبة ⁧‫يوم التأسيس (واس)

وتتزامن ذكرى يوم التأسيس هذا العام مع ليالي شهر رمضان المبارك، واتخذت الفعاليات طابعاً إثرائياً وطنياً، واحتفالات ليلية في أجواء رمضانية، واحتفت المدن السعودية بذكرى «يوم التأسيس»، وجسَّدت مختلف المدن والمناطق معاني الاعتزاز بالجذور الراسخة والعمق التاريخي للدولة وارتباط مواطنيها الوثيق بقادتها منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى قبل 3 قرون.

جلسات علمية عن تاريخ الدولة السعودية (هيئة تطوير الدرعية)

الدرعية... قلب التاريخ النابض

وتصدّرت الدرعية التاريخية مشهد الاحتفالات؛ حيث احتضن حي الطريف، المدرج على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو»، فعاليات نوعية نظمتها هيئة تطوير بوابة الدرعية.

وشملت فعاليات يوم التأسيس في حي الطريف التاريخي مجموعة من الأنشطة التي قربت الزوار من التاريخ عبر تجارب استثنائية في أرض التاريخ.

وفي مجلس الطريف، تم تقديم قصص الدرعية للأطفال من خلال ورش عمل مخصصة للصغار، فيما روى نواف الهويمل للجمهور قصصاً غنية بالتاريخ وسرداً متميزاً.

المناطق السعودية تزينت ابتهاجاً بمناسبة يوم التأسيس‬ (واس‬)

وفي جلسات مسيان، قدّم الدكتور فيصل العامر جلسات أكاديمية غنية تناول فيها إرث الدرعية ومسيرة امتداد الدولة السعودية، إضافة إلى عروض الخيل العربي وجولات يوم التأسيس، وهي جولات إرشادية متخصصة عبر مسار تاريخي تبرز أدوار القيادة والشراكة المجتمعية والعطاء في مرحلة التأسيس.

العاصمة... تلاحم الحداثة والتراث

وفي قلب الرياض، شهدت منطقة قصر الحكم وساحة العدل فعاليات وطنية برعاية الهيئة الملكية لمدينة الرياض، تضمنت معرض «مخيال هل العوجا» الذي استعرض مراحل تأسيس الدولة عبر تقنيات بصرية معاصرة.

‏أمير حائل يرعى احتفاء تعليم المنطقة بذكرى يوم التأسيس (واس‬)⁩

وزينت أمانة منطقة الرياض الشوارع والطرق الرئيسية احتفاءً بيوم التأسيس، بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية شملت المحاور الحيوية والميادين والساحات العامة في مدينة الرياض، بما يُعزز حضور المناسبة في مختلف الأحياء ويمنح المدينة طابعاً بصرياً متناسقاً يعكس الاعتزاز بتاريخ الدولة، ويواكب مكانة يوم التأسيس في الوجدان.

وتعكس أعمال تزيين الشوارع عمق الانتماء وصدق الاعتزاز بتاريخ الدولة؛ حيث امتزج الضوء بالهوية في شوارع العاصمة، وتحوَّلت الطرق والميادين إلى لوحات وطنية تنبض بالفخر، وتجسد مرور 299 عاماً من البناء والعطاء، في صورة تُعبر عن مكانة يوم التأسيس في قلوب أبناء الوطن وتترجم معاني الوفاء للقيادة والمسيرة المباركة.

المناطق السعودية تزينت ابتهاجاً بمناسبة يوم التأسيس‬ (واس‬)

وواصلت أمانة منطقة الرياض تنفيذ فعالياتها بمناسبة يوم التأسيس في الحدائق والساحات، بما يُعزز حضور المناسبة في الفضاءات العامة، ويرسخ قيم الاعتزاز بالجذور التاريخية ويدعم التفاعل المجتمعي في مختلف أحياء العاصمة.

فعاليات إثرائية في قلب الدرعية مهد الدولة السعودية (هيئة تطوير الدرعية)

ولم تقتصر الاحتفالات على العاصمة؛ إذ انطلقت مظاهر الاحتفال في 13 منطقة سعودية، تزامناً مع هذه المناسبة الوطنية التي يحتفل بها السعوديون للمرة الخامسة منذ أصدر الملك سلمان أمراً ملكياً يقضي بعَدِّ 22 فبراير (شباط) من كل عام يوماً للتأسيس.

وفي مدينة جدة، بدأ برنامج متكامل للاحتفاء بيوم التأسيس يمتد لعدة أيام، ويشمل تزيين الطرق الرئيسية والميادين والبوابات والحدائق في مختلف أنحاء المدينة، كما تحتضن حديقة الأمير ماجد فعاليات ميدانية في 22 فبراير، تتضمن أركاناً للصقور والخيول والحرف اليدوية، إلى جانب أنشطة للأطفال والرسم والحناء، وعكست احتفالات مدينة جدة العمق التاريخي ليوم التأسيس وتعزيز مظاهر الفخر بالهوية الوطنية.

وفي منطقة تبوك، نظم الاحتفاء بيوم التأسيس من خلال 23 فعالية وطنية وثقافية وتراثية في مدن ومحافظات المنطقة، بمشاركة جهات حكومية وخاصة، أبرزت العمق التاريخي للمناسبة، وعززت قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.


مسجد القبلتين... لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي

منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)
منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)
TT

مسجد القبلتين... لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي

منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)
منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)

على ربوة من الحرة الغربية في المدينة المنورة، يقف «مسجد القبلتين» شاهداً حياً على لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي؛ حيث لم يكن مجرد بناء من اللبن والسعف وجذوع النخيل عند تشييده في العام الثاني للهجرة، بل كان مسرحاً لحدث غيّر وجهة الصلاة في العالم أجمع.

تعود ذاكرة اللحظة المفصلية إلى يوم الـ15 من شعبان في العام الثاني للهجرة (واس)

قصة التحول: من القدس إلى مكة

تعود ذاكرة المكان إلى الـ15 من شعبان في العام الثاني للهجرة، حينما كان النبي محمد، يزور أم بشر من بني سلمة، وأثناء أدائه لصلاة الظهر، نزل الوحي الإلهي بآية كريمة، ليتحول النبي والمصلون خلفه في منتصف الصلاة من استقبال بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. وبتلك الركعات التي انقسمت بين قبلتين، اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد، وبات مزاراً لا تغيب عنه شمس الزوار.

يحكي الدكتور عبد الرحمن الوقيصي، الباحث في التاريخ، حكاية المسجد وتاريخيته، وقال حينما خلت البقاع حول مسجد النبي، أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم، التي هي اليوم منطقة مسـجد القبلتين وما حولها، إلى قرب المسـجد النبوي، فنهاهم النبي، وقال لهم حديثه المشهور: (يا بني سلِمةَ دِيارَكم تُكتَبْ لكم آثارُكم) قالها ثلاثاً.

ويضيف الوقيصي: «من هنا يظهر إعطاء النبي هذا المسجد، وما حوله أهمية خاصة، حتى لا تُهجر هذه المنطقة، وحتى يُكتب لهم أجر الصلاة في مسجدهم، الذي كان يعرف أصلاً باسم مسجد بني سلم في ذلك الوقت، وحتى يُكتب لهم أيضاً أجر القدوم إلى النبي والعودة إلى ديارهم في كل مرة يقدمون عليه».

عند تشييده في العام الثاني للهجرة كان المسجد مسرحاً لحدث غيّر وجهة الصلاة في العالم أجمع (واس)

رحلة الإعمار والازدهار

لم ينقطع اهتمام المسلمين بهذا المعلم عبر العصور؛ فقد جدده عمر بن عبد العزيز عام 87هـ، ثم شاهين الجمالي عام 893هـ، وصولاً إلى العصر العثماني في عهد سليمان القانوني.

إلا أن النقلة النوعية الكبرى بدأت في العهد السعودي، انطلاقاً من أمر الملك عبد العزيز، بتجديد عمارته وتوسعته وبناء مئذنة له لتصل مساحته إلى 425 متراً مربعاً.

واستمرت عجلة التطوير في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، الذي أمر بإعادة بناء المسجد وتوسعته وفق أحدث التقنيات الهندسية مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، وصولاً إلى التحسينات المستمرة في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة ضيوف الرحمن.

أضيف إلى تاريخية المسجد مركز حضاري يستقبل الملايين سنوياً (واس)

رؤية حضارية لـ 8 ملايين زائر

واليوم، يشهد المسجد تحولاً جديداً تحت إشراف هيئة تطوير المدينة المنورة من خلال «مركز القبلتين الحضاري»، وهو مشروع تطويري شامل يهدف لتعزيز تجربة الزوار وربط التاريخ بالحاضر.

وتشمل أبرز ملامح التطوير الحديث، زيادة الطاقة الاستيعابية حيث قفزت القدرة الاستيعابية للمسجد والساحات الخارجية لتستوعب أكثر من 20 ألف مصلٍ في وقت واحد، إضافة إلى التجهيزات اللوجيستية، وتزويد الموقع بـ50 مظلة ذكية مزودة بمراوح رذاذ، بالإضافة إلى مواقف ضخمة تتسع لـ300 حافلة.

وسجل المركز أرقاماً قياسية، حيث استقبل أكثر من 8 ملايين زائر خلال عام 2025، ما يجعله إحدى أكثر الوجهات الدينية والسياحية جذباً في المنطقة. ويقع المركز على بُعد نحو 5 كم شمال غربي المسجد النبوي، ويفتح أبوابه على مدار الساعة، ليقدم نموذجاً فريداً يجمع بين الروحانية التاريخية والخدمات العصرية، مؤكداً مكانة المدينة المنورة وجهة عالمية للحضارة الإسلامية.