الدنمارك تعلق استخدام لقاح «أسترازينيكا» إثر مخاوف حيال تسببه في جلطات بالدم

الدنمارك تعلق لقاح «أسترازينيكا» (أ.ف.ب)
الدنمارك تعلق لقاح «أسترازينيكا» (أ.ف.ب)
TT

الدنمارك تعلق استخدام لقاح «أسترازينيكا» إثر مخاوف حيال تسببه في جلطات بالدم

الدنمارك تعلق لقاح «أسترازينيكا» (أ.ف.ب)
الدنمارك تعلق لقاح «أسترازينيكا» (أ.ف.ب)

علّقت الدنمارك احترازياً وحتى إشعار آخر، استخدام لقاح «أسترازينيكا» المضاد لفيروس كورونا، بعدما أصيب بعض الأشخاص الذين تلقوه بجلطات دموية، فيما حظي اللقاح بدفاع أوروبي وبريطاني.
وقالت هيئة الصحة الدنماركية، في بيان، إن هذه الخطوة تأتي «عقب تقارير عن حالات خطيرة لجلطات دموية لدى أشخاص حصلوا على لقاح أسترازينيكا». لكنها أوضحت أنه «حتى الآن، لم يتم تحديد أي صلة بين اللقاح والجلطات الدموية».
والاثنين، علقت السلطات الصحية النمساوية استخدام مجموعة من لقاحات «أسترازينيكا» ضد «كوفيد – 19» بعد وفاة ممرضة جراء «مشاكل خطيرة في تخثر الدم» بعد أيام من تلقيها جرعة منه. وقررت أربع دول أوروبية أخرى؛ هي إستونيا ولاتفيا ولوكسبمورغ وليتوانيا أيضاً تعليق استخدام هذه اللقاحات من هذه الشحنة، التي أرسلت إلى 17 دولة أوروبية وتتكون من مليون جرعة، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
لكن الدنمارك قررت تعليق استخدام مخزونها من «أسترازينيكا».
والأربعاء، أعلنت وكالة الأدوية الأوروبية أن تحقيقاً مبدئياً أظهر أن لقاح «أسترازينيكا» المستخدم في النمسا على الأرجح غير مسؤول عن وفاة الممرضة.
وذكرت الوكالة أنه بحلول 9 مارس (آذار)، تم تسجيل 22 حالة تجلط في الدم ضمن ثلاثة ملايين شخص تلقوا اللقاح في المنطقة الاقتصادية الأوروبية.
وقال مدير هيئة الصحة الدنماركية سورين بروستروم، في بيان: «من المهم أن نوضح أننا لم ننهِ استخدام لقاح أسترازينيكا، نحن فقط نوقفه مؤقتاً».
وقالت الدنمارك إن شخصاً توفي بعد تلقيه اللقاح. وفتحت وكالة الأدوية الأوروبية تحقيقاً في وفاته. وأوضح بروستروم: «هناك توثيق واسع يثبت أن اللقاح آمن وفعال. لكننا ووكالة الأدوية الدنماركية علينا أن نتصرف حيال معلومات عن آثار جانبية خطيرة محتملة في الدنمارك ودول أوروبية أخرى».
ومن المتوقع أن يؤدي التعليق، الذي ستتم مراجعته بعد أسبوعين، لإبطاء حملة التلقيح في البلد الإسكندنافي.
وقالت السلطات الصحية إنها تتوقع الآن أن يتم تلقيح جميع سكانها البالغين بحلول منتصف أغسطس (آب) عوضا عن مطلع يوليو (تموز).
وقالت شركة «أسترازينيكا» للأدوية إنها على «دراية» بقرار الدنمارك تعليق استخدام لقاحها ضد فيروس كورونا مؤقتاً، بعد ورود تقارير حول آثار جانبية.
وقالت الشركة البريطانية - السويدية في بيان أمس: «أسترازينيكا تولي أقصى أولوية لسلامة المريض. لدى الجهات المسؤولة تنظيمياً معايير واضحة بالنسبة للكفاءة والسلامة عند الموافقة على أي دواء جديد، وهذا يشمل لقاحنا ضد فيروس كورونا». وأضافت: «تمت دراسة سلامة اللقاح بكثافة في التجارب السريرية بالمرحلة الثالثة، كما أكدت بيانات مراجعة الأقران أن اللقاح مقبول عامة بصورة جيدة».
وأعلنت الهيئة الناظمة للأدوية في أوروبا أمس أن مخاطر تجلط الدم على ما يبدو ليست أعلى لدى الأشخاص الذين تلقوا اللقاح ضد فيروس كورونا المستجد، وذلك بعدما علقت كل من الدنمارك والنرويج وآيسلندا استخدام لقاح أسترازينيكا.
وقالت وكالة الأدوية الأوروبية إن «المعلومات المتوفرة حتى الآن تشير إلى أن عدد حوادث الانسداد التجلطي لدى الذين تلقوا اللقاح، ليست أعلى مما يسجل لدى عامة الناس». وجاءت التصريحات في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى وكالة الصحافة الفرنسية ردا على استفسار بشأن تعليق استخدام اللقاح.
ودافعت الحكومة البريطانية عن لقاح أكسفورد - أسترازينيكا. وقال المتحدث الرسمي باسم رئيس الحكومة بوريس جونسون للصحافيين: «قلنا بوضوح إنه آمن وفعال... وعندما يُطلب من الناس التقدم لتلقيه، يجب أن يفعلوا ذلك بثقة». وأضاف: «بالحقيقة بدأنا نتلمس نتائج برنامج التلقيح فيما يتعلق (بانخفاض) عدد الحالات المسجلة في أنحاء البلاد، وانخفاض الوفيات وعدد الحالات التي تتطلب العلاج في المستشفى».
وقالت وكالة المنتجات الطبية السويدية إنها حالياً ليس لديها دليل يدعم وقف استخدام لقاح «أسترازينيكا» في التطعيم ضد فيروس كورونا، وفقاً لما ذكرته وكالة «بلومبرغ» للأنباء.
ونقلت وكالة أنباء «تي تي» السويدية عن فيرونيكا ارثورسون، رئيسة وحدة سلامة الأدوية بالوكالة، قولها إنه لم يتم وقف استخدام لقاح «أسترازينيكا».
إلى ذلك، أظهر استطلاع حديث تباين ثقة المواطنين الألمان بسلامة لقاحات فيروس كورونا التي تم التصريح بها حتى الآن في الاتحاد الأوروبي.
وجاء في استطلاع معهد «يوجوف» لقياس مؤشرات الرأي أن ثلثي الألمان (66 في المائة منهم) ذكروا أنهم يرون أن لقاح شركتي «بيونتيك وفايزر» آمن، ولكن تراجعت هذه النسبة إلى 43 في المائة فقط فيما يتعلق بلقاح «أسترازينيكا»، وبلغت النسبة 54 في المائة فيما يتعلق بلقاح «موديرنا».
وذكر 27 في المائة ممن شملهم الاستطلاع في ألمانيا أنهم لا يرغبون في تلقي لقاح «أسترازينيكا»، وسوف ينتظرون إلى أن يتم عرض لقاح آخر، فيما بلغت نسبة مَن يرغبون في تلقي هذا اللقاح 35 في المائة.
وزادت نسبة الألمان الراغبين في تلقي لقاح «موديرنا» 49 في المائة، وزادت إلى 61 في المائة بالنسبة للقاح «بيونتيك وفايزر»، بحسب الاستطلاع.
يشار إلى أن معهد «يوجوف» أجرى استطلاعاً موسعاً شمل أكثر من ثمانية آلاف شخص في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية في الفترة بين 23 فبراير (شباط) الماضي وحتى الثاني من مارس الجاري.
وأظهر الاستطلاع أن البريطانيين يرون في لقاحي «بيونتيك وفايزر» و«أسترازينيكا» درجة عالية متقاربة من السلامة، حيث ذكر 79 في المائة منهم ذلك بالنسبة للقاح «بيونتيك وفايزر»، و81 في المائة للقاح «أسترازينيكا». وبالفعل هناك تقدم واضح في عملية التلقيح ضد الفيروس في بريطانيا، حيث تلقى أكثر من ثلثي المواطنين جرعة أولى من لقاح كورونا.
ولكن لقاح شركة «أسترازينيكا» البريطانية - السويدية يواجه مشكلات عدم الثقة به في دول أخرى غير ألمانيا أيضاً، حيث ذكر 33 في المائة فقط في فرنسا مثلاً أنهم يشعرون أن هذا اللقاح آمن، وأعرب 42 في المائة فقط من الأميركيين عن الرأي ذاته، وزادت النسبة قليلا بين الإيطاليين بواقع 54 في المائة وبين الإسبان بواقع 59 في المائة.
يشار إلى أن معهد «يوجوف» أجرى استطلاعه على الإنترنت. وشمل الاستطلاع في ألمانيا 2034 شخصاً تزيد أعمارهم على 18 عاماً.


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...