مدينة لونيل.. مصدرة «المتطرفين» الفرنسيين إلى سوريا والعراق

30 من أبنائها التحقوا بتنظيمات إرهابية.. و6 قتلوا ما بين أكتوبر وديسمبر

جنود فرنسيون وسط العاصمة باريس بعد الهجمات التي ضربت مجلة «شارلي إيبدو»
جنود فرنسيون وسط العاصمة باريس بعد الهجمات التي ضربت مجلة «شارلي إيبدو»
TT

مدينة لونيل.. مصدرة «المتطرفين» الفرنسيين إلى سوريا والعراق

جنود فرنسيون وسط العاصمة باريس بعد الهجمات التي ضربت مجلة «شارلي إيبدو»
جنود فرنسيون وسط العاصمة باريس بعد الهجمات التي ضربت مجلة «شارلي إيبدو»

ما بين مدينة مونبليه المتوسطية ومدينة نيم المعروفة بآثارها الرومانية تقع مدينة متوسطة الحجم تسمى لونيل لا يزيد عدد سكانها عن 26 ألف نسمة. وتقول إحدى الروايات المتداولة إن جالية يهودية هاجرت من مدينة أريحا قامت بتأسيسها عام 68 ميلادية. وذاعت شهرة المدينة في القرون الوسطى حين تحولت إلى مركز للفلسفة اليهودية في تلك الفترة إلى درجة أنه أطلق عليها اسم «أورشليم (القدس) الصغرى».
هذه المدينة اختار وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف زيارتها يوم السبت الماضي ليس للاطلاع على التراث اليهودي فيها وقد اندثر وإنما لأن لونيل تحولت إلى «ظاهرة» مقلقة لا بل إلى «رمز» إذ أنها «صدرت» خلال الأشهر الأخيرة نحو ثلاثين «متطرفا» إلى سوريا وربما إلى العراق وهي أعلى نسبة إذا ما قيست إلى عدد السكان. ومن بين هؤلاء ستة قتلوا في سوريا والعراق من أصل 73 فرنسيا أو مقيما على الأراضي الفرنسية سقطوا في ميادين «التطرف». أسماؤهم وهوياتهم معروفة في هذه المدينة التي قال عنها رئيس بلديتها كلود أرنو يوم السبت الماضي بحضور الوزير كازنوف ووزيرة الدولة لشؤون المدينة مريم الخمري إنه «شهدت تدفقا كثيفا للمهاجرين خصوصا من شمال أفريقيا ما أدى إلى تبديل قواعد (العيش المشترك) المعمول بها». وأضاف أرنو: «كثيرون هم الشباب الذين أصاخوا السمع لخطب غرضها إخراجهم من الجمهورية. الجالية المسلمة مهمة وإنني شهدت على أن أقلية منها ذهبت باتجاه تيارات متطرفة».
إنه التطرف الذي دفع بكريم «28 عاما» وحمزة «19 عاما» وحسام «24 عاما» وصبري «18 عاما» وأحمد «24 عاما» ورافايل «23 عاما» إلى الرحيل عن لونيل والتوجه إلى تركيا ومنها إلى سوريا ومنها إلى العراق. كل هؤلاء قتلوا ما بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي.
رافايل الذي اعتنق الإسلام في نهاية المرحلة الثانوية كان طالبا في العلوم الإلكترونية. لكن أقرباءه ومعارفه يقولون عنه إنه كان يحب الحياة ويهوى الموسيقى. لكن «مؤشرات» مقلقة برزت في الأشهر التي سبقت توجهه إلى سوريا ودلت على تأثره بنهج متطرف. كل من هؤلاء الستة له قصة تروى. كريم مثلا وهو الأكبر سنا من بين القتلى كان يدير مقهى لتدخين الأركيلة «الشيشة». لكنه تركه فجأة ورحل. رافاييل وصبري قالا لذويهما إنهما ذاهبان إلى برشلونة. لكنهما لم يبقيا فيها إذ انتقلا منها إلى مدينة إسطنبول. أما حمزة فإنه ابن إمام مسجد لونيل السابق. وتظن الأجهزة الأمنية أن «متطرفي» لونيل تأثروا بالحركة الفكرية المسماة «التبليغ».
بعد مرور شهر كامل على العمليات الإرهابية التي ارتكبها الأخوان كواشي وأحمدي كاليبالي في باريس وإحدى ضواحيها، والتي أوقعت 17 ضحية، ما زالت السلطات الفرنسية تبحث عن «ردود». وزيارة كازنوف إلى لونيل كانت للغوص على الأسباب العميقة التي تجعل شبانا غالبيتهم ولدوا وتربوا في فرنسا أن يسلكوا مسالك العنف والتشدد والراديكالية وحتى الإرهاب. والرسالة التي حملها كازنوف إلى سكان لونيل من المسلمين وغير المسلمين مزدوجة: تشدد من جهة وطمأنة من جهة أخرى والتأكيد على أن لونيل ليست متروكة وحدها بل إن مشاكل لونيل وصعوباتها هي مشاكل كل فرنسا وصعوباتها.
قال الوزير كازنوف: «إن الجالية المسلمة في لونيل تريد العيش بسلام ووئام (في هذه المدينة)... لكن يتعين علينا أن نقف بوجه البرابرة الذين حرفوا دينهم لأنهم جاهلون به ونحن نريد أن نناضل (ضد التطرف) بكل حزم وطالما أن هذه الحكومة موجودة، فإن الإرهابيين لن يحصلوا على ملاذ آمن» في فرنسا التي وصفها بأنه «قوية بفضل وحدة شعبها وقيمها والوسائل التي نوفرها من أجل محاربة الإرهاب». وردا على شاب مسلم من لونيل شكا من الممارسات التمييزية التي يتعرض لها سكان المدينة، قال كازنوف إن «الإسلام في فرنسا دين تسامح ويتعين التذكير بذلك وبالقيم التي يحملها وبمحبة هذه القيم خصوصا بالنسبة للأحداث».
بالإضافة إلى التعبير عن المواقف المتشددة، يعي الوزير كازنوف أن الحل لا يمكن أن يكون فقط أمنيا وهو ما أكد عليه الرئيس هولاند في مؤتمره الصحافي الأسبوع الماضي حيث شدد على عزمه على الاهتمام بالضواحي ووضع حد للممارسات التمييزية التي وصفها مانويل فالس بأنها تقوم على اللون والدين. ولذا، فإن كازنوف اجتمع برشيد بلحاج، رئيس الجمعية المسلمة التي تتولى إدارة مسجد المدينة ليفهم منه «الأسباب العميقة» التي تدفع شبان المدينة للالتحاق بتنظيمات متطرفة. وأكد الوزير الفرنسي ومعه وزيرة الدولة لشؤون المدينة على رصد مبالغ مهمة لمدينة لونيل لإعادة تأهيل أحيائها. وبحسب مريم الخمري، فإن الدولة الفرنسية عبر الوكالة الوطنية للتجديد الحضري ستقوم بإعادة تأهيل وسط مدينة لونيل.
ربما يعد ما قاله القاضي جان بيار بيرتيه لصحيفة محلية في مجينة ونبليه أفضل توصيف للوضع في لونيل وللأسباب العميقة التي تفسر ما يحصل لشبابها. يقول القاضي: «إن نسبة البطالة بين الشبان ما بين 18 و25 عاما تصل إلى 20 في المائة. وتفتقر المدينة إلى البنى والجمعيات التي من شأنها الاهتمام بالشباب إذ أن كل أسبوع تشهد لونيل دخول شاب من سكانها إلى السجن إما بسبب أفعال السرقة أو المخدرات أو القيادة من غير إجازة سوق. لذا، فإن التعاطي القضائي والأمني وحده لا يكفي وهذا ما يخلق البيئة الحاضنة للمتطرفين».
الترجمة العملية لكلام كازنوف هو تكاثر ما يسمى «العمليات الاستباقية» التي تقوم بها الأجهزة الأمنية ضد الخلايا التي يظن أن لها علاقة بالمتشددين والمتطرفين وآخرها ما قامت به هذه الأجهزة صباح أمس في مدينتي تارب وتولوز «جنوب غربي فرنسا» حيث ألقت القبض على ستة أشخاص يظن أنهم ضالعون في جمع الأموال وتوفير التسهيلات والمساعدة على إرسال متطرفين إلى سوريا والعراق. وتولى العملية جهاز المخابرات الداخلية بناء على أمر قضائي.
وبحسب الأرقام التي تقدمها السلطات الفرنسية، فإن هناك نحو 1400 شخص على علاقة بشكل أو بآخر بالتنظيمات المتطرفة في سوريا من بين ذهب إلى هناك وقاتل وبين من ينوي الذهاب. ووفق رئيس الحكومة مانويل فالس، فإنه يتعين على أجهزة الأمن توفير الرقابة على 3000 شخص لأسباب تتعلق بالإرهاب.
وجاءت عملية تارب وتولوز بعد ستة أيام فقط على عملية مشابهة قامت بها الأجهزة نفسها والتي ألقت بموجبها القبض على ثمانية أشخاص في ضواحي مدينتي ليون وباريس خمسة منهم وجهت إليهم اتهامات رسمية وأربعة يقبعون في السجن. وتسعى باريس من خلال الإكثار من هذه العمليات إلى ضعضعة الخلايا الإرهابية ووقف موجة الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية و«حصر» الذين قاتلوا في سوريا والعراق. وحتى الآن، لم تحقق باريس النجاح الكامل الأمر الذي ظهر بوضوح في حالة موسى كوليبالي الذي هاجم بسكين ثلاثة جنود في مدينة نيس الأسبوع الماضي واستطاع إصابة اثنين منهم. ذلك أن موسى كان معروفا لدى الأجهزة الأمنية التي كانت تراقبه منذ شهور لكنه رغم ذلك نجح في الوصول إلى تركيا التي أعادته إلى فرنسا حيث خضع للتحقيق والمراقبة... ووجه القضاء تهما رسمية لموسى كوليبالي الذي يحمل الاسم العائلي نفسه لمرتكب مجزرة المتجر اليهودي يوم التاسع من الشهر الماضي. لكن يبدو أنه لا علاقة بين الشخصين. ونص قرار المحكمة على فتح دعوى ضد كوليبالي بتهمة «الشروع بالقتل والانتساب لمنظمة إرهابية».
يبدو أن الخوف «الكبير» في فرنسا هو في الظاهرة الجديدة التي يسميها وزير الداخلية «الإرهاب المتاح» أي الذي لا يفترض وجود تنظيم واتصالات إنما هو إرهاب «فردي» يصعب استكشافه مسبقا. وما يزيد من مخاطر هذا الإرهاب الدعوات التي تطلقها التنظيمات الإرهابية مثل النصرة و«القاعدة» التي تدعو لمهاجمة أهداف فرنسية بكل ما توفر من الأسلحة والأدوات. ولذا، فإن الخطة الأمنية التي أقرتها الحكومة الفرنسية تتضمن تشكيلة متكاملة من التدابير. لكن السلطات تعي أن المخاطر العديمة أي بدرجة الصفر حالة غير موجودة.
من بين ما تريده فرنسا تمرير مشروع إقامة قاعدة بيانات للمسافرين جوا من وإلى أوروبا المعروف بالإنجليزية بـ«PNR». لكن حتى الآن لم تنجح باريس في إقناع لجنة الحريات المدنية في البرلمان التي «تحتجز» المشروع منذ العام 2011. لذا سيكون على فرنسا أن تقدم الكثير من «التنازلات» لجهة شمولية قاعدة البيانات ومدة الاحتفاظ بالمعطيات التي تقدمها شركات الطيران إذا أرادت أن يرى هذا المشروع النور. ومن المنتظر أن تنظر اللجنة في التعديلات المقترحة نهاية الشهر الجاري قبل التصويت على مشروع القرار.



ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، الاثنين، بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له، ما جعل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في حاجة إلى الموازنة بين علاقات إيطاليا الوثيقة بالفاتيكان وتحالفها مع ترمب، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأثار ترمب ضجة كبيرة بعد أن وصف البابا ليو بأنه «فظيع»، ما تطلب رداً مباشراً ونادراً من البابا الذي أكد أنه «لا يخشى» الإدارة الأميركية، وسيواصل التنديد بالحرب التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، والدفاع عن المهاجرين.

وأصدرت ميلوني، التي وطدت علاقاتها مع ترمب خلال السنوات القليلة الماضية، بياناً تدعم فيه البابا ليو الذي انطلق في جولة لزيارة أربع دول أفريقية، لكنها لم تشر بشكل مباشر إلى انتقادات الرئيس الأميركي.

وقالت: «نسأل الرب أن تساعد خدمة الأب الأقدس في تعزيز حل النزاعات وعودة السلام، داخل الدول وفيما بينها»، موضحة دعمها للبابا دون توجيه انتقادات صريحة لترمب.

واستغل معارضون سياسيون هذا التجاوز، ويعتقد هؤلاء أن قرب ميلوني من ترمب بات يشكل عائقاً انتخابياً في بلد ينظر 66 في المائة من سكانه بشكل سلبي للرئيس الأميركي بسبب سياسته الخارجية العدوانية.

وقال أنجيلو بونيلي، وهو شخصية بارزة في حزب «الخضر» المنتمي لليسار: «بصفتي كاثوليكياً، يتملكني شعور بالغضب من رئيسة وزراء تستحضر القيم المسيحية، لكنها لا تملك القوة والشجاعة للتنديد بإساءة ترمب غير المقبولة بحق البابا والعالم الكاثوليكي». وأشار بونيلي إلى منشور لترمب في وقت لاحق ظهرت فيه صورة له مولدة بالذكاء الاصطناعي تصوره في هيئة السيد المسيح.

غير أن نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، الذي كان أيضاً مرتبطاً بعلاقات جيدة مع ترمب في السابق، كان أكثر صراحة في انتقاده للرئيس الأميركي، وسلّط الضوء على محاولات اليمين المتطرف في أوروبا النأي بنفسه عن دائرة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» الأميركية الموالية لترمب.

وقال رئيس الوزراء السابق ماتيو رينتسي المنتمي لتيار يسار الوسط: «لم نشهد منذ قرون مثل هذا التصرف العدائي الصارخ ضد بابا الفاتيكان»، مضيفاً أنه من الضروري أن يدافع الكاثوليك وغيرهم على حد سواء عن البابا ليو.


ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

TT

ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)
بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)

دعا الفائز في الانتخابات المجرية، بيتر ماغيار، الرئيس المجري إلى دعوة البرلمان للانعقاد من أجل تشكيل حكومة جديدة «في أسرع وقت ممكن»، آملاً في أن يتولى منصب رئيس الوزراء خلفاً لـ فيكتور أوربان ابتداءً من الخامس من مايو (أيار)، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال ماغيار خلال مؤتمر صحافي عقده الاثنين عقب الفوز الساحق الذي حققه حزبه في انتخابات الأحد، إن حزبه «تيسّا» حصل على «تفويض غير مسبوق». وأضاف: «لم يصوّت الشعب المجري من أجل مجرد تغيير حكومة، بل من أجل تغيير كامل في النظام». ويتيح هذا التفويض الكبير لحزب «تيسّا» إطلاق برنامج إصلاحي واسع وطموح.

زلزال انتخابي يطيح أوربان

بعد الزلزال الانتخابي الذي رفض فيه الناخبون بأغلبية ساحقة رئيس الوزراء القريب من روسيا فيكتور أوربان، بدأ المجريون يتساءلون عما ينتظرهم في عهد زعيمهم الجديد بيتر ماغيار، الإصلاحي المؤيد لأوروبا الذي تعهّد بإحداث تحوّل جذري في الثقافة السياسية للمجر.

وخلال حملته الانتخابية، وعد ماغيار بإنهاء انجراف المجر نحو روسيا وإعادة توثيق علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين. كما تعهّد للناخبين بأنه بعد 16 عاماً من الحكم السلطوي وتراجع سيادة القانون في عهد أوربان، سيكافح الفساد ويؤسس لـ«مجر مسالمة وفعالة وإنسانية».

إلا أن طبيعة هذه التغييرات ما زالت غير واضحة بالكامل. فخلال سنوات حكمه الطويلة، حكم أوربان بأغلبية برلمانية تبلغ الثلثين؛ ما مكّنه من تمرير دستور جديد، وإعادة صياغة النظام الانتخابي، وإعادة تشكيل السلطة القضائية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض 7 نوفمبر 2025 (أ.ب)

أغلبية دستورية تتيح تفكيك إرث أوربان

حصل حزب «تيسّا» على تفويض مماثل، الأحد، بعدما فاز بـ138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان؛ ما يمنحه سلطة واسعة لإلغاء كثير من التشريعات التي سمحت لأوربان بتكديس الموالين له في المحاكم، والتلاعب بالنظام الانتخابي، وتقييد حرية الصحافة، وفق «أسوشييتد برس».

ورغم ذلك، تبرز عقبات محتملة قد تحُول دون تحقيق التغييرات الجذرية التي يأمل بها كثير من المجريين.

احتفالات تاريخية في بودابست

استُقبل فوز ماغيار بموجة احتفالات عارمة في شوارع بودابست مساء الأحد، حيث احتشد عشرات الآلاف، كثير منهم من الشباب؛ احتفالاً بما عدّوه بارقة أمل ستجعل المجر أكثر حرية وسعادة وأكثر اندماجاً في منظومة الديمقراطيات الأوروبية.

وفي أنحاء العاصمة، أطلق السائقون أبواق سياراتهم وشغّلوا أغاني مناهضة للحكومة، في حين ردد المتظاهرون هتافات في الشوارع.

وقال أدريان ريكسير خلال الاحتفالات إنه عاد من منزله في لندن إلى المجر «لأنني أردت حقاً أن يكون لصوتي أثر، وأنا في غاية السعادة».

وأضاف: «أخيراً يمكنني أن أقول إنني مجري فخور، أخيراً بعد 16 عاماً».

مخاوف من أغلبية الثلثين

كان كثير من المجريين ومراقبين أوروبيين قد خشوا أن تكون الأغلبية البسيطة غير كافية لتفكيك نظام أوربان بالكامل.

لكن آخرين ما زالوا مترددين بشأن ما قد تعنيه أغلبية الثلثين في يد حكومة جديدة، مع وجود مخاوف من نقل هذه السلطة الواسعة ببساطة من أوربان إلى خصمه.

وقال المحتفل دانييل كوفاتش: «من الصعب تصور أن حكومة تملك ثلثي البرلمان ستكون عادلة بالكامل، لكننا سنرى. نأمل أن تكون أربع سنوات واعدة».

أنصار حزب «تيسّا» الفائز بالانتخابات البرلمانية المجرية لعام 2026 خلال مسيرة النصر في بودابست 13 أبريل 2026 (د.ب.أ)

المؤسسات لا تزال بيد موالين لأوربان

شكّل فوز ماغيار وحزب «تيسّا» سابقة في تاريخ المجر ما بعد الشيوعية؛ إذ حصلا على عدد أصوات ومقاعد لم يسبق أن حققه أي حزب.

وقال بولتشو هونيادي، المحلل في مركز الأبحاث «بوليتيكال كابيتال» في بودابست، إن الأغلبية الدستورية لحزب «تيسّا» تمنحه صلاحيات واسعة للتراجع عن كثير من سياسات أوربان، لكن «المؤسسات الأساسية في البلاد يقودها أشخاص مثبتون في مواقعهم لسنوات طويلة».

وفي إطار جهوده لترسيخ سيطرته على النظام الديمقراطي المجري، عيّن أوربان حلفاء موالين له على رأس مؤسسات رئيسية، من هيئة الإعلام إلى مكتب الادعاء العام والمحكمة الدستورية.

وفي حالات عدة، مُدّدت ولايات مسؤولين أو جرى تعيين آخرين قبل انتهاء ولايات من سبقوهم، بما أبقى القيادات الموالية له في مواقعها لسنوات تتجاوز أي تغيير حكومي محتمل.

وكان ماغيار قد دعا في خطاب النصر، الأحد، هؤلاء المسؤولين، بمن فيهم الرئيس المجري، إلى التنحي طوعاً. وقال هونيادي: «بخلاف ذلك، لا يملكون فعلياً أدوات أخرى لإزاحتهم».

وعود بمكافحة الفساد واستعادة الأموال

يتهم ماغيار أوربان وحكومته بسوء إدارة الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، والإشراف على فساد غير مضبوط أدى، حسب قوله، إلى تراكم ثروات هائلة لدى دائرة ضيقة من المقربين من السلطة.

وتعهّد بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، وإنشاء «مكتب استعادة وحماية الأصول الوطنية» لاسترجاع ما وصفه بالمكاسب غير المشروعة لحلفاء أوربان.


القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
TT

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها بسوريا.

وخلصت المحكمة إلى أن «لافارج» التي استحوذت عليها مجموعة «هولسيم» السويسرية دفعت ملايين الدولارات بين عامي 2013 و2014 عبر فرعها «لافارج سيمنت سوريا»، لجماعات متطرفة ووسطاء لحماية مصنع الأسمنت في الجلبية بشمال سوريا.

وقالت رئيسة المحكمة القاضية إيزابيل بريفوست-ديسبريز: «كانت هذه الطريقة في تمويل المنظمات الإرهابية، وخصوصاً تنظيم (داعش)، أساسية في تمكين المنظمة الإرهابية من السيطرة على الموارد الطبيعية في سوريا؛ ما أتاح لها تمويل الأعمال الإرهابية داخل المنطقة وتلك المخطط لها في الخارج، وخصوصاً في أوروبا»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويأتي الحكم بعدما أقرّت «لافارج» عام 2022 في الولايات المتحدة بالذنب بتقديم دعم ماديّ لمنظّمات مصنّفة في واشنطن «إرهابية» ووافقت على دفع غرامة قدرها 778 مليون دولار، في تهمة غير مسبوقة لأي شركة.

وأتمّت «لافارج» بناء معمل الجلبية البالغة تكلفته 680 مليون دولار في عام 2010، قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام التالي بعد القمع الوحشي لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد للاحتجاجات المناهضة للحكومة حينذاك.

وسيطر عناصر تنظيم «داعش» على أجزاء واسعة من سوريا والعراق المجاور في عام 2014، حيث أعلنوا تأسيس «خلافة».

وبينما غادرت شركات أخرى متعددة الجنسيات سوريا في 2012، اكتفت «لافارج» بإجلاء موظفيها الأجانب وأبقت السوريين منهم حتى سبتمبر (أيلول) 2014 عندما سيطر عناصر تنظيم «داعش» على المصنع.

واتُهمت «لافارج سيمنت سوريا» بدفع أموال في عامي 2013 و2014 لوسطاء من أجل الحصول على المواد الأولية اللازمة لتشغيل المصنع من تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات، ولتأمين حرية تنقّل شاحنات الشركة وموظفيها.

برونو لافون الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» يصل إلى المحكمة في باريس 13 أبريل 2026 (أ.ب)

«هدف واحد هو الربح»

وإلى جانب «لافارج»، تشمل لائحة المتّهمين الرئيس التنفيذي السابق للشركة برونو لافون وخمسة مسؤولين سابقين في الأقسام التشغيلية أو الأمنية، ووسيطين سوريين، أحدهما لم يكن حاضراً في جلسات المحاكمة. وهم متّهمون بـ«تمويل الإرهاب» وانتهاك العقوبات الدولية.

وقال مكتب المدعي العام الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب في مرافعته الختامية في ديسمبر (كانون الأول)، إنّ «لافارج» مذنبة بتمويل منظمات «إرهابية» بـ«هدف واحد هو الربح».

وطالب المدعون العامون بفرض أقصى غرامة على شركة «لافارج» بقيمة 1.12 مليون يورو (1.3 مليون دولار) ومصادرة أصول بقيمة 30 مليون يورو.

كذلك، طالبوا بسجن لافون (69 عاماً) لمدة ست سنوات، في حين ينفي أي علم له بالمدفوعات غير المشروعة.

وقال المدعون إنّ الرئيس السابق للشركة «أعطى تعليمات واضحة» للحفاظ على تشغيل المصنع في قرار وصفوه بأنّه «صادم».

وخلال المحاكمة، قال كريستيان هارو، وهو نائب المدير الإداري السابق، إنّ قرار إبقاء المصنع مفتوحاً تم اتخاذه بسبب القلق على الموظفين المحليين.

وأضاف: «كان بإمكاننا أن نتنصل من المسؤولية ونبتعد، ولكن ماذا كان سيحدث لموظفي المصنع؟».

ووفق مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، فقد بلغت المدفوعات للجماعات المصنّفة منظمات «إرهابية» ما لا يقل عن 4.7 مليون يورو (5.5 مليون دولار).

شعار شركة «لافارج» الفرنسية للأسمنت على أحد مصانعها في باريس 7 أبريل 2014 (أ.ف.ب)

السعي للحصول على مساعدة «داعش»

من جانبها، قالت شركة «هولسيم» التي استحوذت على «لافارج» في عام 2015، إنّها لم تكن على علم بالتعاملات في سوريا.

أما القضية الأخرى المتعلّقة باتهامات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، فهي لا تزال جارية.

وفي عام 2019، تمكنت «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد وتدعمها واشنطن، من دحر تنظيم «داعش» من آخر مناطق سيطرته في سوريا.

وفي عام 2017، فُتح تحقيق في فرنسا بعد تقارير إعلامية عدة وشكويين قانونيتين في عام 2016، إحداهما من وزارة المالية بسبب انتهاك مفترض لعقوبة اقتصادية والأخرى من جماعات غير حكومية و11 موظفاً سابقاً في «لافارج» بسبب «تمويل الإرهاب».

وفي قضية مرفوعة في الولايات المتحدة، قالت وزارة العدل إنّ «لافارج» سعت للحصول على مساعدة من تنظيم «داعش» لإقصاء المنافسين، من خلال تطبيق «اتفاقية تقاسم الإيرادات» الفعّالة معهم.

وفي ذلك الوقت، ندد لافون الذي كان رئيساً تنفيذياً منذ عام 2007 إلى عام 2015 عندما تمّ دمج «لافارج» ضمن «هولسيم»، بتحقيق وصفه بـ«المنحاز».