«جيوب اليمين المتطرف» تذكّر ألمانيا بتاريخها المظلم

محكمة علّقت قرار المخابرات مراقبة حزب «البديل»

ألماني يضيء شمعة في ذكرى مجزرة هاناو 19 فبراير الماضي (أ.ب)
ألماني يضيء شمعة في ذكرى مجزرة هاناو 19 فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«جيوب اليمين المتطرف» تذكّر ألمانيا بتاريخها المظلم

ألماني يضيء شمعة في ذكرى مجزرة هاناو 19 فبراير الماضي (أ.ب)
ألماني يضيء شمعة في ذكرى مجزرة هاناو 19 فبراير الماضي (أ.ب)

تعيش ألمانيا حاضرها وشبح الماضي يطوف دائماً بالقرب. في العاصمة برلين، مجسّم ضخم لضحايا المحرقة النازية يقع بالقرب من أهم معلم في المدينة، بوابة براندنبرغ. المجسم يبدو من بعيد كأنه مقبرة جماعية. وهو بني بالفعل لكي يبدو كذلك. فهو عبارة عن صناديق من الإسنمت، بأحجام مختلفة مصفوفة بالقرب من بعضها. هي تبدو من بعيد كأنها توابيت، العشرات منها، مرصوصة بعضها إلى جانب بعض.
هذا المجسم وجد ليذكر الألمان بتاريخهم الأسود «كي لا يتكرر». وهو ليس الوحيد. علامات أخرى كثيرة وجدت لتبقي أهوال النازية في الذاكرة.
على أنقاض المقر الأمني للرايخ في برلين، معرض «طوبوغرافية الإرهاب» بالهواء الطلق. يوثّق جرائم النازية بصور تظهر سجناء تعرضوا للتعذيب والقتل كانوا يقبعون في أقبية سجون الرايخ. وغيرها الكثير.
مربعات ذهبية صغيرة لا يزيد حجم المربع على 10 سنتمترات، تراها مزروعة بين حجارة الطرقات والأرصفة في أماكن كثيرة بألمانيا. عليها مكتوب اسم وتاريخ ميلاد ووفاة. الاسم هو لأحد ضحايا النازيين، من اليهود معظمهم، ولكن أيضاً من فئات أخرى تعرضت للإبادة على يد النازيين مثل الأقليات الغجرية. الحجرة التي تسمى بالألمانية «شتولبرشتاين» وهي تعني حرفياً «حجرة عثرة»، تزرع أمام المنزل الذي كانت تسكنه الضحية قبل قتلها.
ولكن كل هذه الإشارات ليست كافية على ما يبدو لبعض الألمان. ولم تعد بالنسبة لهؤلاء «البعض» إلا مجسمات تاريخية لا تعني الكثير، ولا هدف لها. وحتى إن منهم من يذهب أبعد من ذلك. مثل ألكسندر غولان، رئيس حزب «البديل لألمانيا»، الذي يعتبر أن ألمانيا «تبالغ» بتذكّر تاريخ النازيين وجلد نفسها بسببه. هو يقول إن حقبة النازية ما هي إلا «وصمة عار قصيرة» في تاريخ طويل ناجح لألمانيا. ويريد تخطيها كي تعود ألمانيا إلى سابق مجدها.
والواقع أن حزبه المصنّف بأنه يميني متطرف، صعد على أنقاض اللاجئين والكراهية الموجّهة إليهم. وهو رغم أنه تأسس عام 2013، لم ينجح في أن «يجد صوته» فعلياً إلا بعد أزمة اللاجئين في ألمانيا عام 2015 عندما سمحت المستشارة أنغيلا ميركل باستقبال قرابة مليون لاجئ سوري، هي تقول ما باتت جملة من أشهر ما قالته: «بإمكاننا أن نفعل ذلك». وبالفعل فعلت ألمانيا ذلك، واستقبلت اللاجئين ومنحت كثيراً منهم منزلاً ثانياً وفرصة ثانية في الحياة. ولكن الثمن كان باهظاً بالنسبة لميركل. فهل أساءت تقدير مدى انفتاح مواطنيها واستعدادهم لتخطي الماضي؟
قرار ميركل هذا كان سبباً مباشراً لزيادة نسبة معاداة اللاجئين والمسلمين والكراهية التي باتت عناوين حملة «البديل لألمانيا» الانتخابية. عناوين لقيت آذاناً صاغية لدى شريحة لا بأس بها من الألمان. ونجحت بإدخال الحزب اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) عام 2017. وأصبح «البديل لألمانيا» أكبر حزب معارض في البرلمان. وباتت تلك المرة الأولى التي يدخل فيها البرلمان حزب يميني متطرف يُجيّش علناً ضد شريحة من السكان ويفوز بسبب تجييشه.
فوزه دفع بالكثيرين للتساؤل قلقاً وخوفاً: هل بدأت ألمانيا بتخطي ونسيان تاريخها الأسود؟ وهل باتت وصمة العار التي يُربى عليها الألمان شيئاً من الماضي؟ وهل ستعود ألمانيا لإحياء أفكار النازية والتمييز ضد سكانها على أساس اللون والعرق والدين؟
أسئلة كثيرة مقلقة لم تخمد منذ دخول «البديل لألمانيا» إلى البرلمان، بل على العكس تزيد إلحاحاً. وإذا سألت عائلات ضحايا «مجزرة هاناو»، فهم يقولون إن الحزب دفع بالخطوط الحمر لتصبح غير مرئية، والكثير مما كان محظوراً باتت اليوم مناقشته أمراً عادياً.
المجزرة هذه وقعت قبل عام وأسبوعين تحديداً، في مدينة صغيرة ليست بعيداً عن فرانكفورت. في 19 فبراير (شباط) من عام 2020، دخل رجل ألماني أبيض يدعى توبياس راتجن (43 عاماً) مساء إلى مطعم للشيشة وفتح النار على الجالسين. قتل 5 منهم، كلهم من أصول مهاجرة. أكمل إلى مكان ثانٍ قريب، أيضاً يقدم الشيشة. فتح النار هناك من جديد على الجالسين وأردى 4 آخرين قتلى، أيضاً كلهم من أصول مهاجرة، وإن ليسوا كلهم مسلمين. ثم ذهب إلى منزله، قتل والدته وأعفى والده، ثم قتل نفسه.
عندما وصلت الشرطة ودخلت منزله، عثرت على أشرطة فيديو ومنشورات وحتى بيان يحمل نظريات مؤامرة يؤمن بها الرجل، وأفكار شديدة العنصرية وكراهية لا متناهية للاجئين ومن هم من أصول مهاجرة. أفكار باختصار يعبّر عنها النازيون الجدد، الذي عادوا للصعود بشكل واضح منذ دخول «البديل لألمانيا» البوندستاغ. تركيزه في البيان الذي تركه خلفه، كان تحديداً على القادمين من دول الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا الذين يعتبرهم «غير أنقياء ولا يتمتعون بذكاء كافٍ»، مقارنة بتمجيد الألمان وقدرتهم «على رفع الجنس البشري».
كل هذه الأدلة لم تكن كافية للمحققين الذين بعد عام على الجريمة، ما زالوا لم ينشروا نتائج التحقيق بعد. وحتى إن نسخة مسرّبة من تحقيقات أظهرت أن التركيز ليس على تطرف الرجل، بل على «جنونه» وأنه يعاني من «أمراض عقلية». ورغم أن اختيار الضحايا كان واضحاً للجميع بأنه جاء على أساس اللون والأصل، ولكن هذا لم يكن مثبتاً بالنسبة للمحققين الذين اعتبروا اختيار الضحايا «عشوائياً»، وفق التقارير.
استنتاجات ما إذا مقصودة أم عن غير قصد، أو أنها كانت نهائية أم لا، غير واضحة بعد. ولكنها بغض النظر، تسلّط الضوء على المشاكل الكثيرة التي تعاني منها الأجهزة الأمنية الألمانية، سواء الشرطة أو الجيش، المخترقة أحياناً من قبل اليمين المتطرف. فضائح كثيرة لفت بالشرطة والجيش في أكثر من مدينة ألمانية في السنوات الماضية. من ظهور صور لأشخاص في الخدمة العامة مفترض أنهم حياديون، يؤدون تحية النازية، إلى العثور على كومات وكومات من الأسلحة المخزّنة لدى أحد الجنود بحسب استخدام بعمليات ضد لاجئين… وغيرها كثير من الحوادث المحبطة.
وما هو أكثر إحباطاً بالنسبة لأهالي ضحايا هاناو، عدا عن أنهم لم يتلقوا إجابة مفيدة من الشرطة بعد حول سبب قتل أبنائهم، أنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان. هم أشخاص ولدوا وكبروا في ألمانيا. ويتحدثون الألمانية كلغتهم الأم. ولكن ما زال ينظر إليهم بشكل مختلف. كأنهم أجانب.
يقولون إن والد القاتل، وهو مسن بالغ من العمر 73 عاماً، يرسل إليهم تهديدات. وإنه يحمل نفس أفكار ابنه، المتطرفة. يقولون إنه يلومهم هم على ما حصل وليس ابنه. ويشتبهون بأنه هو من شجع ولده على ارتكاب المجزرة.
ولكن الشرطة في المقابل، ترفض اعتبار الوالد إلا شاهداً. روايته بأنه كان نائماً في الساعة الثامنة ليلة الجريمة، ولم يسمع شيئاً ولا حتى الطلق الناري داخل المنزل، قبلتها الشرطة. ولكن ليس عائلات الضحايا. والتهديدات التي يرسلها لهم، لم تدفع الشرطة لفتح تحقيق معه. وحتى إنها طلبت منهم «تركه وشأنه» والتوقف عن «إزعاجه»، بعد أن قضى بضعة أيام في المستشفى وعاد لمنزله. كل هذا، يجعل عائلات ضحايا هاناو يشعرون اليوم بأنهم «متروكون»، وأنهم لم يعودوا بأمان في ألمانيا، بلدهم الذي ولدوا فيه.
ومع ذلك، فإن شيئاً من الأمل ما زال موجوداً.
ففي ذكرى المجزرة، كانت صور ضحايا هاناو في كل زاوية من شوارع منطقتي نويكولن وكرويتزبيرغ في برلين. منطقتان تعيش فيهما جاليات كبيرة من أصول مهاجرة. مسيرة كبيرة كذلك انطلقت في ذلك اليوم في الشوارع تلك، شارك فيها نحو 6 آلاف شخص، يرفعون صور الضحايا ويدعون لنبذ التطرف. ولكن المسيرة لم تمتد لشوارع أخرى في برلين، أكثر تجانساً لجهة سكانها «البيض».
هذا الأمل امتد كذلك، وإن لفترة وجيزة، أبعد قليلاً. فقبل أيام، نشرت صحف ألمانية أن المخابرات الداخلية وضعت حزب «البديل لألمانيا» تحت المراقبة، ما يعني أنه بات من السهل عليها جمع معلومات عن الحزب وأعضائه، فيما قد يكون تمهيداً لحظر هذا الحزب بسبب تطرّفه وترويجه لأفكار معارضة للدستور. ولكن لم يدم هذا الخبر طويلاً. إذ حكمت محكمة في كولن بأنه لا يمكن للمخابرات مراقبة الحزب حالياً لأن هذا يضعه في موقف أضعف من الأحزاب الأخرى، قبيل انتخابات محلية مهمة وفيدرالية في الخريف المقبل. ولكن قرار المحكمة هذا مؤقت، وقد تعود المخابرات وتقلبه في أي لحظة.
إلا أن المقلق فعلاً في ألمانيا، أن البلاد مقبلة على نهاية عهد، مع اقتراب موعد تقاعد ميركل في سبتمبر (أيلول) المقبل. من سيحل مكانها وكيف ستكون الحياة السياسية من بعدها؟ لا أحد يعلم. هل سيعود حزبها إلى اليمين، بعد أن قضت عشرين عاماً تشده نحو الوسط؟ وهل سيحكم البلاد مستشار يغازل اليمين المتطرف لأهداف انتخابية وينهي حقبة 15 عاماً قادت فيها ميركل البلاد إلى مكان أكثر تقبلاً للآخر رغم أنه لم يكن من دون عواقب؟
رمادية تخيّم على سماء ألمانيا حالياً، بانتظار أن ينتهي فصل الشتاء وتحل الفصول الأخرى ربما تحمل معها وضوحاً أكبر. وربما مع عودة مراقبة حزب «البديل لألمانيا» وحظره في النهاية، تعود الخطوط الحمر لتظهر بوضوح أكبر، ومعها تبقى الذكريات السوداء التي تطوف في سماء البلاد «كي لا تتكرر».


مقالات ذات صلة

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج سوق مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية (رويترز)

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية... مسلحون هاجموا قرى يتهمونها بقتل اثنين من أبناء قبيلتهم

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا ضباط شرطة «يتركون حقيبة أسلحة» خارج منزل عمدة لندن

ضباط شرطة «يتركون حقيبة أسلحة» خارج منزل عمدة لندن

ضباط شرطة «يتركون حقيبة أسلحة» خارج منزل عمدة لندن

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

دخلت العلاقات الجزائرية - الفرنسية، المتوترة أصلاً، فصلاً جديداً من التأزيم والتصعيد، أمس (الجمعة)؛ بسبب تصريح إعلامي مثير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أفريقيا رجال شرطة ومواطنون في مكان الهجوم المسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية الاثنين (رويترز)

الولايات المتحدة تدعو نيجيريا لتعزيز إجراءات حماية المسيحيين

الولايات المتحدة تدعو نيجيريا لتعزيز إجراءات حماية المسيحيين إثر هجوم استهدف قداسا وأودى بحياة 30 شخصا

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا متمردون كونغوليون يحملون أسلحتهم في أثناء قيامهم بدورية بالقرب من روشورو في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز - أرشيفية)

43 قتيلاً في هجوم لمتمردين مرتبطين ﺑ«داعش» في الكونغو الديمقراطية

قُتل ما لا يقل عن 43 شخصاً على أيدي متمردي «القوات الديمقراطية المتحالفة» المرتبطين بتنظيم «داعش» في شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)

تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)

تتسارع التحركات الدولية لمعالجة تداعيات إغلاق إيران لمضيق هرمز، في وقت تتباين فيه المقاربات بين طرح عسكري دفاعي مباشر، كما فعلت أوكرانيا، والدفع نحو تنسيق سياسي - أمني أوسع، كما برز في التقارب الفرنسي - الكوري الجنوبي، والاجتماع الدولي الذي استضافته لندن، الخميس.

وبينما تشكك باريس وعواصم أوروبية أخرى في واقعية أي تدخل عسكري لفتح الممر الحيوي، تستعدّ لندن لاستضافة اجتماع لـ«مخططين عسكريين»، الأسبوع المقبل، لبحث خيارات تشمل إزالة الألغام وتوفير قوة طمأنة للسفن التجارية، ضمن مقاربة متعددة المراحل قد لا تُفعّل قبل وقف إطلاق النار.

عرض زيلينسكي

عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مساهمة بلاده في جهود إعادة فتح المضيق، مؤكداً استعداد كييف لتقديم دعم دفاعي يستند إلى خبرتها في تأمين الملاحة في البحر الأسود بعد الغزو الروسي. وقال إن بلاده قادرة على توفير تقنيات تشمل اعتراض الطائرات المسيّرة، ومرافقة السفن، والحرب الإلكترونية، مشيراً إلى أن إعادة فتح المضيق قد تتطلب أيضاً مزيجاً من أنظمة الدفاع الجوي، وقوافل بحرية محمية، وقدرات تشويش متقدمة لضمان سلامة العبور. وأضاف أن أوكرانيا «مستعدة للمساعدة في كل ما يتعلق بالدفاع».

ويأتي الطرح الأوكراني في ظل مساعٍ من كييف لتفادي تراجع موقعها على الأجندة الدولية مع تحوّل التركيز نحو حرب الشرق الأوسط، ومحاولة توظيف خبرتها العسكرية في مواجهة أنماط تسليح مشابهة لتلك التي تستخدمها إيران، لا سيما الطائرات المسيّرة التي اكتسبت القوات الأوكرانية خبرة واسعة في التصدي لها، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، كما يأتي ذلك بعد جولة قام بها زيلينسكي في عدد من دول الشرق الأوسط، شملت توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي في إطار سعيه لتعزيز حضور بلاده كشريك أمني في المنطقة.

باريس تفضّل الدبلوماسية

في المقابل، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قمّة جمعته بنظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، التركيز على المسار الدبلوماسي؛ حيث اتفق الجانبان على تنسيق الجهود للمساهمة في إعادة فتح المضيق، وتخفيف تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.

وأكد الزعيمان ضرورة ضمان أمن خطوط الملاحة، دون الخوض في تفاصيل عملياتية. وشدد ماكرون على أهمية بلورة إطار دولي لخفض التصعيد، معتبراً أن اللجوء إلى عملية عسكرية لفتح المضيق «غير واقعي»، وهو موقف يعكس تبايناً مع دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي حضّ الحلفاء، خصوصاً في آسيا، على الاضطلاع بدور أكبر في تأمين الممر الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وكان الرئيس الفرنسي قد وصف خيار السيطرة العسكرية على المضيق بأنه «غير واقعي»، محذراً من مخاطر التصعيد، وتعريض السفن لهجمات محتملة.

إجماع دولي

وجاءت هذه المواقف غداة اجتماع عبر الفيديو، نظّمته لندن، الخميس، وجمع 40 دولة شدّدت على ضرورة «إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي شروط». ورأى وزراء خارجية هذه الدول، التي لم تشمل الولايات المتّحدة، أن إغلاق المضيق من جانب إيران يُشكّل «تهديداً مباشراً للازدهار العالمي» وانتهاكاً لمبدأ حرية الملاحة وقانون البحار.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن المجتمع الدولي أظهر «تصميماً واضحاً» على ضمان حرية العبور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، إضافة إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، كما يكتسب المضيق أهمية خاصة لنقل مواد حيوية، مثل الأسمدة؛ ما يجعله عنصراً أساسياً في دعم سلاسل الغذاء، خصوصاً في أفريقيا.

وحدّد المشاركون 4 محاور رئيسية للتحرك المشترك: أولاً، زيادة الضغط الدبلوماسي الدولي، بما في ذلك عبر الأمم المتحدة، لإيصال رسالة واضحة ومنسقة إلى إيران بضرورة السماح بالمرور الحرّ وغير المقيّد، ورفض فرض أي رسوم على السفن. ثانياً، بحث إجراءات اقتصادية وسياسية منسقة، بما فيها العقوبات، في حال استمرار إغلاق المضيق. ثالثاً، العمل مع المنظمة البحرية الدولية للإفراج عن آلاف السفن والبحّارة العالقين، وإعادة حركة الشحن. رابعاً، إقامة ترتيبات مشتركة لتعزيز الثقة في الأسواق والعمليات التشغيلية، عبر التنسيق مع شركات الشحن والهيئات المعنية لضمان تدفق المعلومات بشكل متماسك وفي الوقت المناسب.


أول بابا أميركي للفاتيكان يتحوّل إلى منتقد حاد لترمب

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
TT

أول بابا أميركي للفاتيكان يتحوّل إلى منتقد حاد لترمب

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)

أصبح بابا الفاتيكان، البابا ليو، في ‌مايو (أيار) الماضي أول زعيم أميركي للكنيسة الكاثوليكية العالمية، لكنه تجنّب في الغالب خلال الأشهر العشرة الأولى من ولايته الإدلاء بتعليقات بشأن بلده الأم، ولم يذكر الرئيس دونالد ترمب علناً ولو مرة واحدة، لكن هذا زمن ولّى.

ففي الأسابيع القليلة الماضية، ​أصبح البابا منتقداً حاداً للحرب مع إيران. وذكر اسم ترمب، لأول مرة علناً، يوم الثلاثاء في نداء مباشر حضّ فيه الرئيس على إنهاء الصراع الآخذ في التوسع.

وهذا تحوّل مهم في اللهجة والنهج، قال خبراء إنه يُشير إلى رغبة البابا في أن يكون ثقلاً موازناً أمام ترمب وأهداف سياسته الخارجية على الساحة العالمية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال ماسيمو فاغولي، وهو أكاديمي إيطالي يتابع الفاتيكان من كثب: «لا أعتقد أنه يريد أن يُتهم الفاتيكان بالتساهل مع سياسات ترمب لأنه أميركي».

وحضّ البابا ليو، المعروف بحرصه الشديد على اختيار كلماته، ترمب على إيجاد «مخرج» لإنهاء الحرب، مستخدماً مصطلحاً عامياً أميركياً يفهمه الرئيس ومسؤولو الإدارة.

وقال فاغولي، الأستاذ في كلية ترينيتي في دبلن، «عندما يتحدث (البابا ‌ليو)، يكون دائماً ‌حذراً... لا أعتقد أن ذلك كان مصادفة».

وقال الكاردينال بليز كوبيتش، ​وهو ‌حليف مقرب ​للبابا ليو، لوكالة «رويترز»، إن البابا يتبنى نهج سلسلة طويلة من الباباوات الذين حثوا قادة العالم على الابتعاد عن الحرب.

وأوضح: «ففي الوقت الحالي، يستمع الأميركيون والعالم الناطق باللغة الإنجليزية بأسره إلى الرسالة بلغة مألوفة لهم».

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر يتحدث للصحافيين (رويترز)

البابا: الرب يرفض صلوات القادة الذين يشنون حروباً

قبل يومين من مناشدة ترمب مباشرة، قال البابا ليو إن الرب يرفض صلوات القادة الذين يشنّون الحروب، وتصبح «أيديهم ملطخة بالدماء»، في تصريحات قوية بشكل غير معتاد بالنسبة لبابا كاثوليكي.

وفسر معلقون كاثوليك محافظون تلك التعليقات على أنها موجهة إلى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الذي استخدم كلمات مسيحية لتبرير الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران، والتي أشعلت الحرب.

وأدت هذه التصريحات ‌إلى أحد الردود الأولى المباشرة من إدارة ترمب على تعليق للبابا ‌ليو. فقد قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، عندما سُئلت عن تصريحات ​البابا: «لا أعتقد أن هناك أي مشكلة في ‌دعوة قادتنا العسكريين أو الرئيس للشعب الأميركي للصلاة من أجل أفراد جيشنا».

وقالت ماري دينيس، الزعيمة السابقة ‌لحركة السلام الكاثوليكية الدولية «باكس كريستي»، إن تعليقات البابا ليو الأحدث ونداءه المباشر لترمب «انعكاس لقلب محطم بسبب العنف الذي لا هوادة فيه».

وأضافت: «هو يمد يده إلى جميع الذين أرهقهم هذا العنف المتواصل، ويتوقون إلى قيادة شجاعة».

البابا يُصعّد انتقاداته منذ أسابيع

واستهدف البابا ليو في السابق سياسات ترمب المتشددة تجاه الهجرة، متسائلاً عما إذا كانت تتماشى مع تعاليم الكنيسة ‌المؤيدة للحق في الحياة. وفي تلك التعليقات، التي أثارت انتقادات حادة من الكاثوليك المحافظين، امتنع عن ذكر اسم ترمب أو أي مسؤول في الإدارة بشكل مباشر.

وأجرى البابا تغييراً كبيراً في قيادة الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة في ديسمبر (كانون الأول)، إذ أقال الكاردينال تيموثي دولان من منصب رئيس أساقفة نيويورك. وخلف دولان، الذي يُعدّ من أبرز المحافظين بين الأساقفة الأميركيين، رجل دين غير معروف نسبياً من إلينوي، هو رئيس الأساقفة رونالد هيكس.

وصعّد البابا من انتقاداته للحرب على إيران على مدار أسابيع.

وقال في 13 مارس (آذار) إن القادة السياسيين المسيحيين الذين يشنون الحروب يجب أن يذهبوا للاعتراف ويقيموا ما إذا كانوا يتبعون تعاليم المسيح. وفي 23 مارس (آذار)، قال البابا إن الغارات الجوية العسكرية عشوائية، ويجب حظرها.

وقال الكاردينال مايكل تشيرني، أحد كبار المسؤولين في الفاتيكان، إن صوت البابا له وزن على الصعيد العالمي؛ لأنه «بوسع الجميع أن يدركوا أنه يتحدث... من أجل الصالح العام، ومن أجل جميع الناس، خصوصاً الضعفاء».

وتابع: «صوت البابا ليو الأخلاقي موثوق به، والعالم يريد بشدة أن يؤمن بأن السلام ممكن».

وبدأ البابا ليو، الخميس، 4 أيام ​من الفعاليات في الفاتيكان التي تسبق «عيد القيامة» ​يوم الأحد عندما سيلقي صلاة خاصة ورسالة من شرفة كاتدرائية القديس بطرس.

وخطاب «عيد القيامة» من أكثر الفعاليات التي تحظى بمتابعة دقيقة على جدول أعمال الفاتيكان، وغالباً ما يستغله البابا لإطلاق نداء دولي مهم.


روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.