«كورونا» أعاد المكتبات المنزلية إلى الواجهة

التطور التقني ساهم في تقلص ركن كان مرجعاً للقراءة

الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل يوقع عقد التبرع  بمكتبته لمدينة لشبونة في سبتمبر الماضي (غيتي)
الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل يوقع عقد التبرع بمكتبته لمدينة لشبونة في سبتمبر الماضي (غيتي)
TT

«كورونا» أعاد المكتبات المنزلية إلى الواجهة

الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل يوقع عقد التبرع  بمكتبته لمدينة لشبونة في سبتمبر الماضي (غيتي)
الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل يوقع عقد التبرع بمكتبته لمدينة لشبونة في سبتمبر الماضي (غيتي)

ممتنون نحن لجائحة فيروس كورونا المستجد، لأنها أعادت للمكتبة وأرفف الكتب، حضورها البهي، وهي تظهر خلفية في برامج المحادثة أو لضيوف التلفزيون، الذين يتحدثون من بيوتهم، ضمن تدابير الوقاية من الوباء. أرقب تلك الخلفيات باهتمام وأنشغل بتأمل إطلالة المكتبة، أنيقة كأنها لم تمس منذ زمن، أم مستها فوضى النقل والإعادة؟ وأرقب ما وضع على الأرفف، من صور لأحبة أو مبدعين ملهمين، أو تحفة من مقتنيات السفر.
من خلال تلك الإطلالة، بتنا نرى تصاميم مختلفة للمكتبات المنزلية، أو لزوايا، قد لا ينطبق على بعضها، اسم «مكتبة»، لكنها أرفف تحتضن الكتب، في بيوت أطباء وعلماء وصحافيين وسياسيين، أمهات وآباء، تعكس ذوق كل منهم في تخصيص ركن للكتب، يتموضع في الصالة، وأحياناً في غرفة النوم، أو حتى في المطبخ، بحسب ما نرى. هذا الركن، وإن كان محدود المساحة، يشي بمنزل يحترم ساكنوه وجود الكتاب في فضاء البيت، بعد أن ابتلعت برامج الألعاب ومواقع التواصل، اهتمام الأجيال الجديدة، وبعد أن راجت نسخ ديجيتال وألواح قراءة، بديلاً لنسخ ورقية من الكتب والصحف والمجلات، ما ساهم في تقلص أو اختفاء ركن داخل البيت، كان مرجعاً أساسياً للقراءة.
في العادة، كان يتم توريث المكتبة المنزلية إلى الأجيال اللاحقة، فتكون مصدر تعلق بالقراءة، وربما، لاحقاً، بالكتابة. في مقتبل التسعينات، حظيت بزيارة لبيت الباحث محمد سعيد القاسمي، في حي المهاجرين بدمشق، حفيد علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي، حيث استقبلني في حجرة المكتبة الواسعة التي ورث فيها كتب ومخطوطات جده، رجل الدين الإصلاحي ومؤرخ صناعات دمشق ورجالها البارزين. حدثني محمد سعيد عن صداقة جده بالعلامة اللبناني رشيد رضا ولقائهما في القاهرة ودمشق، عن نسخ من الرسائل التي تبادلاها، وعن أعداد من مجلة «المنار» التي نشرا فيها المقالات وكانت تسترخي على أرفف المكتبة العتيدة في ذلك البيت. أثناء بحثي بينما أكتب هذا المقال، قرأت أن محمد سعيد توفي مطلع عام 2019. وأول ما خطر ببالي، التساؤل عن مصير تلك المكتبة التي يعود كثير من محتوياتها إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خصوصاً في ظل الأوضاع المزرية التي تمر بها سوريا.
وكي نكون واقعيين، ليس كل جيل بقادر على تحمل عبء صيانة مكتبة جمعت خلال عقود، فقد تفسد بفعل الحرارة أو الرطوبة أو الاستخدام السيئ للمخطوط، لذا، يفضل الورثة التبرع بها لجامعات أو مراكز بحثية قادرة على صيانتها، من أن تترك لأجيال يزداد تعدادهم مع الوقت، وقد يتسرب بعض هذا الإرث إلى بسطات الكتب المستعملة أو الأفراد، بالإهداءات التي عليها أو الملاحظات التي خطها مالك الكتاب، وهي آثار تعدها الأمم المتحضرة من موروثها القومي الذي تحتفظ به، وتطلق حملات التبرع لشرائها ومنع خروجها إلى بلد آخر.
تروي السيدة فايزة شاويش، زوجة الكاتب المسرحي السوري البارز سعد الله ونوس، كيف كان في آخر أيامه وهو يصارع السرطان، قلقاً على مصير مكتبته التي تضم نحو 4500 كتاب، وأنها أعطته الوعد بالاهتمام بها. لكن بعد وفاته بعقدين، وعندما لم تعد قادرة على حراستها في دمشق، من نيران الحرب أو السطو أو حتى الانتقام، وبعد متابعة ثلاث جهات، بينها مكتبة الأسد «الوطنية»، اضطرت عام 2017 للتبرع بها إلى الجامعة الأميركية في بيروت. ولهذه الجامعة صيت أكاديمي يدفع للثقة بها، لأن أكثر من كاتب في المنطقة، ترك إرثه في جنبات جدرانها، فقد أعلن عمرو العظم، نجل المفكر السوري صادق جلال العظم، ووفقاً لرغبة والده الراحل، التبرع بمجموعة من الأوراق ومقتطفات الصحف والوثائق التي كان لها علاقة بكتابة «نقد الفكر الديني» والقضية المرتبطة به، وكل ما كتب عن هذا الموضوع، لمكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، وكذلك التبرع بعدد من الكتب والمجلات التي كانت جزءاً من مكتبته الخاصة في دمشق. وهو الكرم الذي استقبلته الجامعة، باعتذار متأخر عن تخليها عن الكاتب قبل 47 عاماً، في القضية التي وصلت للمحاكم بسبب الكتاب ثم تبرأ فيها العظم.
الجامعة الأميركية، في القاهرة، احتضنت هي الأخرى، إرث شخصيات معروفة، مثل مجموعة بطرس بطرس غالي، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، والكاتب أنيس منصور. ويختار بعض المشاهير أو ورثتهم، التبرع للمكتبات الوطنية أو المحلية، المكان الذي تثق أنه سيحافظ على مخطوطات وأوراق، وحتى نسخ من الكتب اقتناها الراحل.
في حوار أجريته معه قبل سنوات قليلة، سألت الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، وهو الذي كتب عن مئات الكتب وعن المكتبات وفلسفة القراءة، حاملاً لعالم النشر تخصصاً جديداً، عن حجم مكتبته الآن؟ فأجاب أن لديه في حدود 40 ألف عنوان. وكان من الفضول الصحافي أن أسأل الكاتب الستيني، عما ينوي أن يفعله بهذا الكم من الكتب، إن كان سيهديه لمكتبات وطنية أم سيورثها لعائلته؟ قال مانغويل إنه لم يفكر بالموضوع بعد، «لكن من المؤكد أن عائلتي لا تريد أن تتورط بعبء مكتبة بهذا الحجم». غير أن الأخبار حملت لنا في سبتمبر (أيلول) الماضي، خبر توقيع مانغويل على إهداء ثروته من الكتب، إلى مدينة لشبونة عاصمة البرتغال، لتكون بذرة «مركز دراسات تاريخ القراءة».
وعلى سيرة البرتغال، قرأت في «يوميات» الكاتب خوزيه سراماغو، الحاصل على نوبل، التفاتة مهمة عن خلو المسلسلات الأميركية الشهيرة من أي حضور للمكتبة المنزلية، مذكراً بأن الأعمال ممولة من قبل شركات المال في وول ستريت.
إذا حاولنا أن نفكك ملحوظته، نلحظ تركيز تلك المسلسلات، على الأثاث، مثل التلفزيون والكنبة الواسعة، المطابخ الحديثة بتصميم لافت للخزائن والأجهزة الكهربائية، علب رقائق الفطور والحليب والعصائر، ثم علب الآيس كريم والمشروبات الغازية أو البيرة، إلخ. وكلها منتجات سينجذب لها المتفرج في أول تسوق قريب بعد أن تم تخزينها في ذاكرته. وهكذا فإن أمكنة المسلسلات الخفيفة، مفروشة بأسلوب يستثمره المعلنون، ويصدف أن دور النشر ومحلات بيع الكتب، ليست بينهم.
في المسلسلات العربية حضور باهت للمكتبة المنزلية، لأنها لا تستوقف صناع العمل، وإن ظهرت، تكون مرتبطة بشخصية تعمل في الكتابة أو التدريس، شديدة الجدية أو «معقدة». وإن صدف وتمت استضافة شخص في بيته، يكون تركيز الاهتمام على إظهار تحف أو قطعة أثاث لافتة، حتى لو كانت لوحة فنية من البوب آرت، ونادراً ما نرى رف كتب خلف الضيف. وحدها برامج تصور عاملين في الكتابة، داخل منازلهم، تكشف عن «مكتبة» أو أرفف كتب، فالكاتب يقرأ ويكتب، وغداً سيحار ورثته ماذا يفعلون بالإرث الثقيل.
ستحتاج البشرية في المستقبل، لموجة وباء آخر، وتباعد اجتماعي يستدعي الكلام، من البيت، لنتأكد إن كان لا يزال للمكتبة المنزلية حضور أم أنها اختصرت داخل جهاز كومبيوتر


مقالات ذات صلة

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

 بدرية البشر
بدرية البشر
TT

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

 بدرية البشر
بدرية البشر

قبل البدء في الكتابة، شاهدت للمرة الثانية الفيلم «الساعات، 2002» المبني على رواية «الساعات، 1998» للروائي الأميركي مايكل كننغهام. وحمدت الله على إخفاقي في العثور على النسخة الورقية منها، كما لم تنجح النسخة الإلكترونية في إغرائي بقراءتها، لأنني لم أكن، في الحقيقة، في حاجة إلى قراءة رواية كننغهام مرة ثانية؛ فهذه المقالة ليست قراءة تأويلية، أو تحليلية، أو بنيوية، أو تفكيكية، أو تشريحية، لا للرواية، ولا للفيلم... أما مشاهدة الفيلم فكانت تنفيذاً لفكرة خطرت في ذهني خلال استرجاع بعض ما تضمنته مقالة فرجينيا وولف المنشورة مرتين بالعنوانين «السينما»، و«السينما والواقع»، وفيها تكشف وولف عدم تقبلها لظاهرة تكييف/ ترجمة الروايات لأفلام سينمائية. على سبيل الدعابة، أقول إن من يشاهد «الساعات» على خلفية تلك المقالة قد يعتقد أن الفيلم نكاية بوولف، وأنه رد السينما عليها ولو بعد عقود من وفاتها؛ بينما هو، في الواقع، إيماءة تقدير للروائية والرواية «السيدة دالاوي» مثلما أن رواية «الساعات» هي أيضاً كذلك.

سلسلة من الانقضاضات

صحيح أن السينما «انقضّت» من قبل على روايات وولف «السيدة دالاوي»، و«أورلاندو» و«الأمواج»، و«إلى المنار»، لكن انقضاضها على الرواية «الساعات» شيء آخر له أبعاد ودلالات مهمة بالنسبة للمقالة. واسترسالاً بفكرة الانقضاض، يمكن الكتابة أن «الساعات»، الرواية، قامت في الأصل على مشروع انقضاض على «السيدة دالاوي» الرواية، والشخصية، وعلى قصة حياة وولف نفسها. فالروائية التي لا تتقبل تحويل الروايات إلى أفلام، أصبحت، ويا للمفارقة، شخصيةً سينمائية (نيكول كدمان) في فيلم هو بحد ذاته نتيجة انقضاض على روايتها. لقد أدركت السينما وولف ورواياتها وكانت قد خالت أن «المنتأى» عن السينما واسع وأبدي! يتضح سبب استخدام المفردات «انقضّ ومشتقاتها» لاحقاً.

موقف وولف من السينما

في 3 يوليو (تموز)، و4 أغسطس (آب) 1926، نُشِرَتْ مقالة وولف بالعنوانين المذكورين سابقاً في صحيفة «The Nation and Athenaeum» البريطانية، ومجلة «The New Republic» الأميركية على التوالي. أعتقد أن موقف وولف من السينما وما كتبته عن صناع الأفلام كانا السبب، أو ربما أحد الأسباب التي أبقت السينما بعيدة عن رواياتها، وقد يفسر لماذا لم تخطر ببال أحد فكرة ترجمة إحدى رواياتها سينمائياً وهي على قيد الحياة، رغم صدور رواياتها المذكورة آنفاً في فترة شهدت تجذر وترسخ التكييف ممارسة، ومصدراً للقصص، والحكايات. لا يُعَبِّرُ ما ذكرته وولف عن السينما ونشوء علاقتها المبكرة بالأدب عن موقف مضاد للسينما؛ إنما هو انتقاد للسينمائيين لاعتمادهم على الأدب، ومحاولة محاكاته بدلاً من تطوير أدواتهم، والإمكانات التعبيرية لفنهم، وخلق لغة خاصة بالسينما. وتشير وولف إلى عدم رضا صناع الأفلام عن «المصادر الواضحة للإثارة، مثل مرور الزمن، وإيحائية الواقع» بالإضافة إلى ازدرائهم لما حولهم، مثل «تحليق النوارس، والسفن على التيمز، وأمير ويلز، وطريق مايل إند، وميدان بيكاديللي». إن لديهم، من دون شك، طموحاً ورغبة في ابتكار وتطوير فن خاص بهم، هذا بحد ذاته مشروع، وطبيعي، بيد أنهم يميلون إلى السهولة تحت إغراء فنون عديدة تحيط بهم، وتلهمهم بأفكار، وحكايات.

وتشير وولف إلى الروايات الشهيرة على نحو خاص، مضيفةً أن السينمائيين يرونها في حالة انتظار للنقل إلى الشاشة الصامتة آنذاك. وتكتب متسائلةً: «ما الذي يمكن أن يكون أسهل وأبسط من ذلك؟ هكذا انقضّت السينما على فريستها بشراهة هائلة ولا تزال... تقتات على جسد ضحيتها سيئة الحظ». من هنا جاء الانقضاض فكرة، ولفظاً.

التكييف والتحويل

على الرغم من عدم احتواء المقالة ما يوحي بازدرائها واعتبارها في منزلة أدنى من الأدب، فإن دعوة وولف للسينما إلى التخلص مما تعده طفيليةً تثيرُ الاستغراب، نظراً لأن ما كان يفعله السينمائيون، في زمانها وبعده، ليس جديداً، وله تاريخ طويل يمتد في ماضي المجتمعات الغربية وثقافاتها. في هذا الصدد، تذكر ليندا هتشيون في «نظرية التكييف»، أن ظاهرة «التكييف/ التحويل» ليست جديدة؛ فــقد «نقل شكسبير قصص الثقافة من الصفحة إلى خشبة المسرح، وجعلها متوفرة لجمهور متلقين جدد. وأعاد إسخيلوس وراسين وغوته ودا بونتي روي قصصاً مألوفة في أشكال جديدة» (2). وتشير في موضع آخر إلى أن الفيكتوريين اعتادوا تحويل كل شيء تقريباً: قصص، روايات، مسرحيات، وأوبرات، ولوحات، وأغانٍ ورقص. يبدو أن كل شيء كان قابلاً للتحويل من شكل إلى آخر في نظر الفيكتوريين. وما لم تقله هتشيون هو أن السينما، بالإضافة إلى أسباب أخرى، كانت تقتدي بالمسرح، أو هكذا أظن؛ فبالنظر إليه بعيون وولف، فإن المسرحي، وليس صانع الأفلام، هو الطفيلي المعلم والقدوة بنقله الروايات الإنجليزية المبكرة إلى خشبة المسرح، مثل «روبنسون كروسو» لدانيال ديفو، و«باميلا» لصاموئيل ريتشاردسون، و«توم جونز» لهنري فيلدينغ، أما روايات تشارلز ديكنز فكانت تُكيف للمسرح فور نشرها.

الرواية على مسارح «برودواي» و«بارك رو»... تأويل مبني على تأويل

في سياق سرده قصة نشوء علاقة الصبي هنري جيمس بالفنون والأدب، وشغفه بهما، يروي فرِدْ كابلان في الفصل الأول من السيرة الغيرية «هنري جيمس: خيال العبقرية، 1999»: «بالنسبة للصبي الصغير، لم تقتصر هيمنة ديكنز على الروايات، إنما على خشبة المسرح أيضاً. وكان هنري الأب... يصرّ على أن يكون ارتياد المسرح تجربةً عائلية، وأن يتعرف أطفاله منذ نعومة أظفارهم على الترفيه الثقافي.... أما هنري الصغير، فقد كان المسرح بالنسبة إليه سحر، ومشهدية رائعة، ودراما، ولغة، وغناء». (23) ويذكر كابلان أن هنري الصغير شاهد في مسارح «برودواي» و«بارك رو» مسرحيات مبنية على العديد من روايات ديكنز، خصوصاً «نيكولاس نِكلبي»، ومسرحيات مبنية على رواية «كوخ العم توم» التي ترجمت مسرحياً بُعَيْدَ نشرها.

في ضوء ما سبق، ليس مستغرباً أن يكون الفيلم الصامت «غاتسبي العظيم، 1926» مبنياً على المسرحية «غاتسبي العظيم، 1926». المسرح سبق السينما إليها، فالفيلم ترجمة سينمائية مبنية على ترجمة مسرحية؛ تأويل مبني على تأويل يمثل قراءة خاصة للنص «الأصل». اللافت أن المسرحية والفيلم أُنجزا في نفس العام الذي نُشِرَتْ فيه مقالة وولف (1926).

غاتسبي العظيم... حكاية التكييف عابر الوسائط

كان المخرج هربرت برينون سريعاً في «انقضاضه» على رواية فيتزجيرالد، فكأنه كان ينتظر صدورها ليظفر بفرصة إخراجها، لتضاف إلى قائمة الترجمات السينمائية الأخرى لعدد من نصوص فيتزجيرالد (رواية وأربع قصص) سبقت «غاتسبي العظيم» إلى الشاشة الصامتة. وتمثل الترجمتان المسرحية والسينمائية لـ«غاتسبي العظيم» بداية لمتوالية طويلة من التكييفات استمرت من 1926 إلى 2024 في قائمة اشتملت على طيف عريض من الفنون: مسرحيات، أفلام، مسرحيات إذاعية وتلفزيونية، مسرحيات استعراضية، أوبرا، وباليه، وعدة نسخ من روايات مصورة «graphic novels»، وألعاب فيديو. طاف بعض هذه الأعمال ببلدان مثل بريطانيا، وآيرلندا، وأستراليا، ومنها ما أنتج خارج الولايات المتحدة، مثل الباليه «غاتسبي العظيم» التي أنتجتها وقدمتها «شركة هونغ كونغ للباليه» في 2019.

إن «غاتسبي العظيم» نموذج دال على أن التكييف لا يقتصر على تحويل الرواية إلى فيلم فقط؛ إنه أوسع مجالاً من ذلك، ومتعدد بتعدد الأجناس، والأشكال الفنية، ووسائط السرد. بكلمات أخرى، التكييف ظاهرة عابرة للوسائط «transmedial phenomenon»، وتمنح النص فرصة لحياة، أو فرص حيوات إضافية، ومتعددة بتعدد مرات تكييفه، وتهيئ له مناخات، وفضاءات تلقٍ، وأنماط تفاعل «modes of engagement» مختلفة يفرضها نوع الوسيط، وخصائصه، وإمكاناته التعبيرية. ومن البديهي ازدياد النص المُكَيَّف شهرةً وانتشاراً. فرواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» -على سبيل المثال المحلي- أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل. وستتسع شهرتها بعبورها إلى وسائط أخرى عند ترجمتها مسرحياً، أو بصدورها نسخة مصورة، أو بنسخة سينمائية جديدة أفضل من السابقة التي كانت جزءاً من مشروع الغلاف الثالث. تلك كانت تجربة لا يمكن وصفها بـأنها «رائعة!!».

والأسئلة: لم لا تدخل روايات سعودية أخرى تجربة التكييف ولو لمرة واحدة، أو التكييف عابر الوسائط «transmedial adaptation» ؟ ما الذي يمنع ذلك؟ وماذا سيحدث؟

*كاتب وناقد سعودي

رواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل


«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب
TT

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

تتمحور رواية «دراما كوين»، للروائية المصرية نهلة كرم، حول 6 نساء، يمثلن عصب الرواية ومرتكزها، وكل واحدة منهن لها أزماتها الوجودية والنفسية والجسدية، تجمعهن صالة ألعاب رياضية، حيث يمارسن فيها رياضة «رقصة البول»، وفي هذه اللعبة تلتف كل لاعبة حول عمود معدني في وسط الغرفة تتمسك به وترقص، وسط مخاوف من الانزلاق والسقوط من أعلاه. هذه اللعبة التي تسبب لكل منهن وجعاً جسدياً في البداية، وتترك في الجسد ندوباً وكدمات، لكنها مع ذلك تكون سبباً في تعافي الروح؛ إذ تطغى الأوجاع التي تخلفها اللعبة على أوجاعهن القديمة، وتمنح أجسادهن كتلاً عضلية تجعلهن قادرات على تخطي الألم الجسدي واحتماله، وبالقدر نفسه تمنح أرواحهن قوة على المواجهة، وثقة بالنفس، ما يمنحهن قدرة على مواجهة مخاوفهن والندوب الروحية والنفسية اللصيقة بكل منهن، منذ فترة الطفولة أحياناً.

الرواية، الصادرة عن الدار المصرية - اللبنانية في القاهرة، لا تكتفي بأن تجعل صالة الألعاب مجرد فضاء مكاني تدور فيه الأحداث؛ بل تصوغ هذا المكان بوصفه محركاً سردياً لمصائر الشخصيات، وفاعلاً في تحولات حياة كل منهن، فالمكان هنا ليس مجرد صالة رياضية تمارس فيها الشخصيات المروي عنها نشاطاً رياضياً، بل تتحول العلاقة مع العمود المعدني (البول) إلى علاقة نفسية، فيغدو رفيقاً ومعالجاً نفسياً وصديقاً بديلاً، ورغم معدنيته وصلابته، فإنه أقل قسوة من البشر الذين تعاملت معهم هذه الشخصيات في الخارج، ويساعدهن في التطور والتنامي العضلي والعقلي والروحي؛ فالمكان هنا ملاذ، وفضاء للتعافي، وهو المركز الذي تلتقي فيه هذه الشخصيات متفاوتة الانتماء الطبقي، لكن كلهن يهربن إلى هذه الصالة، من تاريخ شخصي ضاغط.

لكل شخصية مشكلاتها النفسية القديمة، بدءاً من «غادة»، التي تتأذى من فقر عائلتها وإقامتها في منطقة شعبية فقيرة، وحتى عندما أصبحت طبيبة لم تتمكن من الارتقاء طبقياً، فقد أصابتها الذئبة الحمراء بفشل كلوي، واضطرت إلى إجراء جراحة زراعة كلى، فتشعر بأن جزءاً من جسدها غريب عنها، وينتمي إلى شخص آخر، فضلاً عن إحساسها بالخجل من الندوب الواضحة في جسدها إثر هذه الجراحة. أما «شيماء»، رغم ثراء عائلتها، فتعاني من النبذ بسبب بدانتها المفرطة، بداية من إحساسها بأن والدها ووالدتها يخجلان من بدانتها، مروراً بتنمر زميلاتها ومدرسيها عليها في طفولتها ومراهقتها، وصولاً إلى استغلال حبيبها لها باسم الحب وسرقة إبداعها، ثم معايرتها ببدانتها والتخلي عنها.

الشخصية الثالثة، «ليلى»، تعيش بعقدة قديمة منذ طفولتها المبكرة، جراء هجر والدها لوالدتها، وزواجه من أخرى، فصارت تخشى أن تصبح مثل أمها، وتعاني من هجر حبيبها لها، فتورطت في علاقات متعددة مع رجال متزوجين، مدفوعة برغبة نفسية دفينة في أن تكون مثل زوجة الأب المرغوب فيها، وليس الأم المرغوب عنها. أما «ريم» فمنذ طفولتها تعاني من سفر أبيها بحثاً عن المال، وموته في الغربة، وبخل أمها وجشعها المادي، ثم زواج ريم بأمر أمها من رجل ثري، اكتشفت بعد ذلك أنه عنين، وكان يضربها بقسوة وعنف كل ليلة تاركاً ندوباً في كل جسدها. الشخصية الخامسة «حلا»، صاحبة الصالة الرياضية، تعاني من كراهية كل من ينافسها، وتشعر منذ طفولتها بأنها ليست جميلة، خصوصاً بعد وفاة والدتها متأثرة بالسرطان، وزواج والدها من امرأة أخرى، لديها ابن وابنة، فكانت حلا تغار من ابنتها وتدبر لها المكائد، لمجرد أنها جميلة وشعرها طويل، مقارنة بشعر حلا التي تخشى من سقوطه كما حدث مع أمها في أيامها الأخيرة.

تتبقى شخصية واحدة هي «فريدة»، مدربة اللعبة، الأكثر بروزاً في الرواية، والمعادل لعمود البول، فهي عمود الرواية، وكل آلام اللاعبات تصب عندها، وتدور حولها، فهي الأكثر شعوراً بآلام كل متدربة، وتعرف أنهن لم يأتين لمجرد اللعب والرياضة؛ بل للتغلب على آلام أكثر قسوة، ومحاولة تجاوزها والتعافي منها، حيث تمتلك من الرهافة وحدة الشعور ما يجعلها تنصت للألم والأوجاع الكامنة داخل كل متدربة، رغم أن أزمتها أنها تعاني من متلازمة عدم الشعور بالألم منذ ولادتها، فلو اشتعلت بها النيران أو انجرحت بسكين أو انكسرت قدمها فلن تشعر بألم، لذا كانت أمها تحبسها في البيت، وكثيراً ما كانت تقيدها بالحبال في كرسي، حتى لا تؤذي نفسها دون أن تشعر بألم جسدي، وينتهي بها المطاف للموت، فللألم إيجابياته، ويجعل من يشعر به يبتعد عن مصدر الأذى، لكن لو انتفى هذا الشعور بالألم فسيتمادى الشخص دون أن يعي، حتى يموت.

قسمت الكاتبة روايتها إلى عدة فصول، كل منها يحمل اسم إحدى الرقصات على البول، مثل «brass monkey» و«butterfly»، و«drama queen»، و«hello boys»، و«suicide spin»، ويبدو اسم كل فصل ولعبة دالاً على أزمة الشخصية المحكي عنها داخله، فهذه الرقصات أو الألعاب موظفة فنياً لتتناسب مع أزمة كل شخصية، والنجاح في اللعبة يأتي متناغماً مع تجاوز الأزمات. وكل فصل ينقسم إلى قسمين؛ الأول يحمل اسم إحدى الشخصيات، وتروي فيه حكايتها مكتملة، منذ طفولتها حتى تعافيها تماماً من أوجاعها، والقسم الثاني عن فريدة، التي تأتي حكايتها مجزأة عبر كل الفصول، ومتخللة كل الحكايات؛ فهي مركز الحكي، وهي الوحيدة التي تسرد حكايتها بضمير المتكلم، في حين أن كل الشخصيات الخمس الأخرى تحكي عنهن الساردة بضمير الغائب، عبر تقنية الراوي العليم.

تبدأ حكاية كل بطلة من وجودها في صالة الرقص، ثم تعود الساردة عبر تقنية الاسترجاع إلى تاريخ المحكي عنها، لنتعرف على حكايتها منذ طفولتها، وكيفية وصولها إلى هذه الصالة الرياضية، ومعاناتها في البداية مع اللعبة التي تبدو عنيفة وصعبة عليهن، ويبدو التوازي بين الانزلاق والسقوط من على عمود اللعبة والسقوط في الحياة والأوجاع، ثم التمرس والصعود في مستويات اللعبة والارتفاع بعيداً عن الأرض، بالتوازي مع الانفلات من جاذبية الماضي وأوجاعه القاسية التي تؤدي للانهزام. لذلك، يبدو الزمن داخل هذه الصالة الرياضية منبت الصلة بالزمن خارجه، فهو زمن للمتعة والتعافي والتجاوز، في حين أن الزمن خارجها يبدو زمناً للآلام.


«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»
TT

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

يقدم كتاب «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»، للباحث والأكاديمي الأردني دكتور أحمد زهير رحاحلة، مقاربة جديدة إلى النقد الروائي العربي، من خلال التركيز على جانب أسلوبي وسردي لم يحظَ بالكثير من الدراسات المستقلة، فاتحاً المجال أمام قراءات جديدة تهتم ليس فقط بما تقوله الرواية، بل بكيفية قولها، وبالطرق التي تتشكل بها علاقتها بالقارئ والثقافة والنص.

ويرى الناقد والأكاديمي المغربي دكتور سعيد يقطين في تقديمه للكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) أن رحاحلة «انفرد بنظره فيما باتت تعرفه الرواية العربية منذ الألفية الجديدة، وما صارت تزخر به من استطرادات ثقافية وزخرفة معرفية»، مشيراً إلى أن الكتاب ينطلق من «تصور دقيق للرواية يبحث فيها عما هو زائد وفائض، ولا يخدم النص الروائي بالطريقة الملائمة التي تجعله نصاً جديراً بالقراءة بلا استطرادات زائدة، أو زخرفة معرفية فائضة».

ويقول يقطين إن خصوصية الدراسة تكمن في تجاوزها القراءات التي تركز على المحتوى المعرفي أو الثقافي الذي ترتبط به الرواية، متجهة إلى فحص طريقة اشتغال هذه العناصر داخل النص، ومدى إسهامها في بناء العمل الروائي وجمالياته، مشيراً إلى أن الباحث أفاد في تحقيق أهدافه من التحليل البنيوي للسرد، ومن جماليات التلقي، لتأتي الدراسة بوصفها مقاربة «سردية - أسلوبية» يمكن أن تشكل مدخلاً إلى تطوير فهم السرد وتحليله من جهة الأساليب التي يقدمها النص الروائي.

ينطلق كتاب رحاحلة من رؤية ترى أن الرواية جنس أدبي مفتوح على التجريب والتحول، وأن حريتها في استيعاب مختلف الخطابات والمعارف لا تعني غياب الحاجة إلى الوعي الفني، إذ إن نجاح أي تقنية سردية يرتبط بقدرتها على أداء وظيفة داخل العمل الإبداعي، لا بمجرد حضورها أو كثافتها.

ويبحث الكتاب في ظاهرة «الاستطرادات الثقافية» التي أصبحت أكثر وضوحاً في بعض الروايات العربية الحديثة، حيث يلجأ الكاتب إلى إدخال موضوعات معرفية متنوعة مثل التاريخ والفلسفة والفنون والعلوم والأفكار العامة، ضمن النسيج الروائي، مركزاً على السؤال الأساسي، وهو: «متى يصبح هذا الحضور الثقافي إضافة فنية للنص؟ ومتى يتحول إلى فائض يشتت القارئ ويضعف الحركة السردية؟».

يتضمن الكتاب ثلاثة فصول رئيسة، تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، يحمل الفصل الأول عنوان «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار النظري»، وهو فصل تأسيسي يتناول مفهوم الاستطراد الثقافي من خلال تتبع نشأته ومقارباته النقدية، وينقسم إلى ثلاثة مباحث؛ الأول بعنوان «الاستطرادات الثقافية: تأسيس وتأصيل»، حيث يرصد مفهوم الظاهرة، ويتابع ظهورها في الرواية، ويبحث في جوانبها الإيجابية والسلبية، وصولاً إلى تحديد مفهوم «الاستطراد الثقافي الروائي»، أما المبحث الثاني في الفصل الأول فجاء بعنوان «بين الاستطرادات الثقافية والتداخل الأجناسي»، ويتناول العلاقة بين دخول أجناس وخطابات مختلفة إلى الرواية من جهة، وظاهرة الاستطراد الثقافي من جهة أخرى، موضحاً نقاط التشابه والاختلاف بين المفهومين، وتأثير ذلك في تشكيل العمل الروائي، ويختتم الفصل الأول بمبحث بعنوان «بين الاستطرادات الثقافية والتناص»، حيث يقارب الكتاب العلاقة بين التناص والاستطراد الثقافي، ويبحث في كيفية توظيف النصوص والخطابات السابقة داخل الرواية، ومدى انعكاس ذلك على بناء السرد.

وينتقل الفصل الثاني إلى الجانب التطبيقي تحت عنوان «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار التطبيقي»، حيث يقوم الباحث بتحليل نماذج روائية مختارة للكشف عن مستويات استخدام الاستطرادات الثقافية. وينقسم هذا الفصل إلى مبحثين؛ الأول بعنوان «الاستطرادات الثقافية بوصفها بنية سردية – نماذج دالة»، ويركز على الأعمال التي نجحت في دمج المعرفة داخل السرد بطريقة تخدم البناء الفني للرواية، أما المبحث الثاني فجاء بعنوان «الاستطرادات الثقافية بوصفها زخرفة معرفية»، ويتناول الحالات التي تتحول فيها المعرفة إلى عنصر زائد أو منفصل عن حاجة النص، بحيث تصبح عبئاً على السرد بدل أن تكون جزءاً من جمالياته.

ويخصص الفصل الثالث والأخير لدراسة العلاقة بين الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية، ويحمل عنوان «الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية: تحليل وتركيب»، ويتناول علاقة الاستطراد الثقافي بثقافة الكاتب ودوره في توجيه هذه العناصر داخل الرواية، كما يبحث في علاقة الاستطرادات بثقافة القارئ وقدرته على استقبال النصوص ذات الحمولة المعرفية، ويختتم الفصل الثالث بمبحث بعنوان «الاستطرادات الثقافية والنص»، حيث يناقش مستوى حضور الثقافة في الرواية العربية بعد مطلع الألفية الجديدة، وعلاقتها بتغيرات الكتابة الروائية وتطور ذائقة القراء.