اليمنيون يكافحون يوميًا لتأمين قوتهم وتعودوا العيش من دون خدمات حكومية

مدير في مكتب العلاقات الخارجية للرئيس: نعيش في شبه دولة > وزير سابق: الجيش والشرطة أشبه بميليشيات تدين بالولاء لصالح

يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)
يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)
TT

اليمنيون يكافحون يوميًا لتأمين قوتهم وتعودوا العيش من دون خدمات حكومية

يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)
يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)

وضعت نفيسة ناصر التي يبلغ عمرها 12 ربيعا 4 صفائح مياه بلاستيكية قرب صنبور لمياه الشرب يقع في جانب أحد الشوارع المزدحم، وظلت تنتظر بهدوء دورها لملء هذه الصفائح بالمياه. ولكي تنتهي من عمليها اليومي المعتاد، أغلقت هذه الصفائح بأغطيتها المخصصة لها، قبل أن تضعها على عربة تقوم بدفعها للعودة بها للمنزل، وسط صخب وجلبة حركة المرور صباح كل يوم.
«في بعض الأحيان تعود باكية»، قال ذلك والد نفيسة، محمد ناصر، بينما كانت نفيسة تجلس قريبا منه على مفرش مطوي. وأضاف: «وهذا يؤلمني بالطبع. ولكن ظروفنا صعبة».
قد تكون كلمة «صعبة» هي الوصف الدقيق للأوضاع الحياتية الموجودة في اليمن أمس واليوم وكل يوم؛ فلا يهم أن يستقيل الرئيس وحكومته، أو أن لا تقوم الحكومة بعملها منذ أسابيع، أو أن يعلن المسلحون الذين يسيطرون على الشوارع أنهم يخططون لإنشاء نظام جديد تبعا لأهوائهم.
تضطر العائلات للكفاح لتعيش حياتها اليومية في دولة أصبحت الحكومة فيها عاجزة منذ فترة طويلة عن توفير الخدمات الأساسية. فتكاد تكون مياه الشرب منعدمة حاليا، وكانت شبه منعدمة قبل اندلاع الأزمة السياسية.
«اعتاد الناس في هذه الدولة أن يديروا شؤون حياتهم دون الحاجة للدولة» قال ذلك عبد الله الرحبي، الذي حفر منذ سنوات بئر مياه في أملاكه من أجل تعويض النقص الخطير الذي تعاني منه الشبكة الرسمية. كما أنه يزود المدارس والمساجد المجاورة بالمياه، ويوفر صنبور مياه مجانيا تستخدمه نفيسة صباح كل يوم. وأضاف الرحبي: «لدرجة أننا لا نعتمد على الدولة في الحصول على خدمات أساسية».
قضى ناصر، مثلا، صبيحة أحد الأيام أخيرا، مثلما فعل في كثير من المرات، في التفاوض على تخفيض الغرامة المفروضة عن مخالفات مرورية صدرت ضد السيارة «الميني باص» التي يملكها ويقوم بتأجيرها. ثم اضطر لاقتراض 250 دولارا من أجل أن تعود السيارة للعمل في الشارع.
وفي المنزل، أعدت زوجته غداء لأطفالهما الخمسة وعدد قليل من الأقارب الزائرين دون وجود كهرباء أو مياه شرب، مثلما تفعل دائما، إذ ربطت مصباحا يدويا على جبهتها، واستخدمت المياه التي أحضرتها ابنتها من أجل طهي وجبة مكونة من العجين والمرق.
من المؤكد أن اليمنيين يواجهون حاليا مستوى جديدا تماما من عدم اليقين السياسي، إذ استولت الميليشيات الحوثية التي كانت تقيم في شمال البلاد على العاصمة، وأعلنت عن نواياها لتعيين مجلس رئاسي جديد وتعيين رئيس جديد في النهاية. بينما يقاتل الانفصاليون الجنوبيون من أجل إعادة تقسيم الدولة مرة أخرى إلى دولتين منفصلتين. ويبدو أن الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي ظل في سدة الحكم لفترة طويلة من الزمن، واضطر للتخلي عن السلطة بسبب اندلاع احتجاجات شعبية في عام 2012، قد استعان بولاءات قديمة من أجل العودة لسدة الحكم.
ولكن الناس يقولون هنا إن حياتهم اليومية لم تتغير.
قال الرحبي، وهو يعمل مديرا في مكتب الرئيس للعلاقات الخارجية، إنه يواصل ذهابه للعمل، مثلما يفعل خلال الأعوام العشرين الماضية، علما بأنه يقوم بدور روتيني في نظام تعاني مؤسساته من حالة من الشلل. وأضاف الرحبي بوضوح: «دعونا نقل فقط إننا نعيش في شبه دولة».
يتردد هذا الشعور من بيت إلى بيت في العاصمة، مما يعكس حالة من الفوضى الاجتماعية في صميم الأزمة السياسية الحالية. لقد واجه اليمنيون الفراغ القيادي، ليس عن طريق الاعتماد على مؤسسات الدولة، ولكن باللجوء إلى شبكات أمان جغرافية ودينية وقبلية لم تتوحد أبدا تحت هوية وطنية مشتركة قوية.
ويرى خبراء ومسؤولون هنا أن الشروخ الموجودة حاليا في اليمن تُعد إلى حد كبير من موروثات على عبد الله صالح، الذي حكم البلاد لمدة عقود من الزمن، وجعل المؤسسة الرسمية للدولة واهية وضعيفة، بينما كان يشدد قبضته على السلطة».
قال حسن زيد، وهو وزير دولة وعضو بمجلس الوزراء في عهد الرئيس عبده ربه منصور هادي، الذي استقال منذ أسبوعين: «إنه يقوم بدور الشيطان. يمكنك ببساطة أن تكتشف مدى الهزال الذي تعاني منه مؤسسات الدولة، فحجم قوات الجيش والشرطة كبير، ولكنها أقرب إلى ميليشيات تنتمي للرئيس السابق وعائلته أكثر منها قوات وطنية»، وذلك في إشارة إلى الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح.
كان صالح قد قام، خوفا من تنامي قوة وكالات الاستخبارات العسكرية وحكومته، بإنشاء أجهزة أمنية موازية، ووضعها تحت سيطرة ابنه وابن أخيه. وبعد الإطاحة به خلال ثورات الربيع العربي، تعرضت القوى الأمنية المختلفة في اليمن لحالة من الاستقطاب، لتخدم مصالح مراكز القوى المتنافسة بدلا من أن تخدم مصالح الدولة، ولم تفعل شيئا يُذكر من أجل توفير الأمن للمواطنين اليمنيين العاديين. ولم تزد حالة توفير الخدمات الأساسية، في بلد يواجه تصاعدا مستمرا في أحداث العنف وتفشيا مستمرا في الفقر، إلا سوءا.
«علينا أن نخفي كيف نعيش»، قال ذلك منيف المقطري، الذي يبلغ من العمر 20 عاما، وهو يسير متجها لمنزله الذي يقع في حي البليلي الشعبي في صنعاء، حيث لا يبتعد منزله كثيرا عن المكان الذي تحصل منه نفيسة ناصر على المياه لأسرتها. خفض المقتري رأسه تحت حبال غسيل مشدودة خارج باب منزله، تم تعليق حفاضات مغسولة عليها.
«إنه ليس منزلا، إنه كوخ»، قال ذلك المقتري وهو يسير متجها نحو المطبخ، حيث كانت شقيقته تخبز بعض الأرغفة على موقد يعمل بالغاز. وقال إنه يتقاضى راتبا شهريا يبلغ 200 دولار من عمله صرافا لأحد المتاجر، بينما يعمل والده وشقيقان له عمال بناء برواتب يومية، ونادرا ما يجدون عملا في هذه الأيام. يضعون إيراداتهم مع بعضها لشراء الطعام. وقال: «هذه هي الحياة الوحيدة التي لم أشهد غيرها. وتزداد الأزمة سوءا مع قدوم كل رئيس، وتتزايد معاناتنا جراء ذلك». لم يتضح مدى النفوذ الكبير الذي يتمتع به علي عبد الله صالح، ولكن إرث السنوات التي قضاها في الحكم، وعلى رأس الدولة الممزقة، واضح في مواقف اليمنيين الموجودين في الشارع.
من جانبها، قالت تغريد عبد الوهاب (21 عاما)، وهي طالبة في جامعة صنعاء، وقفت هي ومجموعة من زملاء الدراسة يستعدون لأداء امتحان في مادة الجغرافيا: «لم نشعر أبدا بوجود الحكومة، على أي حال».
تم تأجيل امتحاناتهم بعد اندلاع موجة من أحداث العنف، ولكنهم اشتكوا من مزيد من المشاكل المستمرة في الحرم الجامعي، مثل وجود المحسوبية وتفشي الفساد، التي قالوا إنها لن تعالج أبدا. قالت تغريد: «الطلاب الحاصلون على درجات قليلة قد يلتحقون بكليات الطب على حساب الطلاب الآخرين، لأنهم من عائلة نافذة أو أنهم على معرفة بأشخاص نافذين».
وصل الحديث إلى أسماع بلال حسين (25 عاما) وهو خريج جامعة حاصل على شهادة في إدارة الأعمال، وأشرف على امتحان في وقت سابق من اليوم. قدم بلال حسين نفسه على أنه يعمل موظفا حكوميا ولكنه لم يحصل على راتبه منذ 7 أشهر. وأضاف: «يرددون دائما أنه لا توجد لديهم إيرادات».
وظيفة حسين متابعة حضور وغياب الموظفين في لجنة أراضي الدولة، وهي الهيئة التي تدير أملاك الدولة. واعترف بأنه تلقى رشوة لإثبات حضور زملاء له غابوا عن العمل لأنهم يعملون في وظيفة أخرى. وبرر ذلك قائلا: «وإلا فكيف يمكنني أن أعيش؟».
يشير اليمنيون بشكل عابر إلى الثورة التي انطلقت في عام 2011، عندما بدأ الربيع العربي، وتوابعها على أنها «أزمة». فحالة عدم الاستقرار الذي تسببت فيه هذه الثورة سمحت للحوثيين باجتياح العاصمة، وطرد القيادة القديمة، والوعد بإدخال إصلاحات. ولكن الكثير من اليمنيين لديهم ما يدفعهم للشك. في حي البليلي مرة أخرى، كان ناصر في انتظار وضع طعام الغداء.
وقال بينما يتجمع أولاده من أجل تناول الطعام «حتى الآن، لم يفعل الحوثيون الكثير لنا». كان ينظر إلى الطعام المفروش على الأرض المكون من مواد أساسية. وأضاف: «ولكنهم يفعلون القليل أيام الجمعة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.