اليمنيون يكافحون يوميًا لتأمين قوتهم وتعودوا العيش من دون خدمات حكومية

مدير في مكتب العلاقات الخارجية للرئيس: نعيش في شبه دولة > وزير سابق: الجيش والشرطة أشبه بميليشيات تدين بالولاء لصالح

يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)
يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)
TT

اليمنيون يكافحون يوميًا لتأمين قوتهم وتعودوا العيش من دون خدمات حكومية

يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)
يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)

وضعت نفيسة ناصر التي يبلغ عمرها 12 ربيعا 4 صفائح مياه بلاستيكية قرب صنبور لمياه الشرب يقع في جانب أحد الشوارع المزدحم، وظلت تنتظر بهدوء دورها لملء هذه الصفائح بالمياه. ولكي تنتهي من عمليها اليومي المعتاد، أغلقت هذه الصفائح بأغطيتها المخصصة لها، قبل أن تضعها على عربة تقوم بدفعها للعودة بها للمنزل، وسط صخب وجلبة حركة المرور صباح كل يوم.
«في بعض الأحيان تعود باكية»، قال ذلك والد نفيسة، محمد ناصر، بينما كانت نفيسة تجلس قريبا منه على مفرش مطوي. وأضاف: «وهذا يؤلمني بالطبع. ولكن ظروفنا صعبة».
قد تكون كلمة «صعبة» هي الوصف الدقيق للأوضاع الحياتية الموجودة في اليمن أمس واليوم وكل يوم؛ فلا يهم أن يستقيل الرئيس وحكومته، أو أن لا تقوم الحكومة بعملها منذ أسابيع، أو أن يعلن المسلحون الذين يسيطرون على الشوارع أنهم يخططون لإنشاء نظام جديد تبعا لأهوائهم.
تضطر العائلات للكفاح لتعيش حياتها اليومية في دولة أصبحت الحكومة فيها عاجزة منذ فترة طويلة عن توفير الخدمات الأساسية. فتكاد تكون مياه الشرب منعدمة حاليا، وكانت شبه منعدمة قبل اندلاع الأزمة السياسية.
«اعتاد الناس في هذه الدولة أن يديروا شؤون حياتهم دون الحاجة للدولة» قال ذلك عبد الله الرحبي، الذي حفر منذ سنوات بئر مياه في أملاكه من أجل تعويض النقص الخطير الذي تعاني منه الشبكة الرسمية. كما أنه يزود المدارس والمساجد المجاورة بالمياه، ويوفر صنبور مياه مجانيا تستخدمه نفيسة صباح كل يوم. وأضاف الرحبي: «لدرجة أننا لا نعتمد على الدولة في الحصول على خدمات أساسية».
قضى ناصر، مثلا، صبيحة أحد الأيام أخيرا، مثلما فعل في كثير من المرات، في التفاوض على تخفيض الغرامة المفروضة عن مخالفات مرورية صدرت ضد السيارة «الميني باص» التي يملكها ويقوم بتأجيرها. ثم اضطر لاقتراض 250 دولارا من أجل أن تعود السيارة للعمل في الشارع.
وفي المنزل، أعدت زوجته غداء لأطفالهما الخمسة وعدد قليل من الأقارب الزائرين دون وجود كهرباء أو مياه شرب، مثلما تفعل دائما، إذ ربطت مصباحا يدويا على جبهتها، واستخدمت المياه التي أحضرتها ابنتها من أجل طهي وجبة مكونة من العجين والمرق.
من المؤكد أن اليمنيين يواجهون حاليا مستوى جديدا تماما من عدم اليقين السياسي، إذ استولت الميليشيات الحوثية التي كانت تقيم في شمال البلاد على العاصمة، وأعلنت عن نواياها لتعيين مجلس رئاسي جديد وتعيين رئيس جديد في النهاية. بينما يقاتل الانفصاليون الجنوبيون من أجل إعادة تقسيم الدولة مرة أخرى إلى دولتين منفصلتين. ويبدو أن الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي ظل في سدة الحكم لفترة طويلة من الزمن، واضطر للتخلي عن السلطة بسبب اندلاع احتجاجات شعبية في عام 2012، قد استعان بولاءات قديمة من أجل العودة لسدة الحكم.
ولكن الناس يقولون هنا إن حياتهم اليومية لم تتغير.
قال الرحبي، وهو يعمل مديرا في مكتب الرئيس للعلاقات الخارجية، إنه يواصل ذهابه للعمل، مثلما يفعل خلال الأعوام العشرين الماضية، علما بأنه يقوم بدور روتيني في نظام تعاني مؤسساته من حالة من الشلل. وأضاف الرحبي بوضوح: «دعونا نقل فقط إننا نعيش في شبه دولة».
يتردد هذا الشعور من بيت إلى بيت في العاصمة، مما يعكس حالة من الفوضى الاجتماعية في صميم الأزمة السياسية الحالية. لقد واجه اليمنيون الفراغ القيادي، ليس عن طريق الاعتماد على مؤسسات الدولة، ولكن باللجوء إلى شبكات أمان جغرافية ودينية وقبلية لم تتوحد أبدا تحت هوية وطنية مشتركة قوية.
ويرى خبراء ومسؤولون هنا أن الشروخ الموجودة حاليا في اليمن تُعد إلى حد كبير من موروثات على عبد الله صالح، الذي حكم البلاد لمدة عقود من الزمن، وجعل المؤسسة الرسمية للدولة واهية وضعيفة، بينما كان يشدد قبضته على السلطة».
قال حسن زيد، وهو وزير دولة وعضو بمجلس الوزراء في عهد الرئيس عبده ربه منصور هادي، الذي استقال منذ أسبوعين: «إنه يقوم بدور الشيطان. يمكنك ببساطة أن تكتشف مدى الهزال الذي تعاني منه مؤسسات الدولة، فحجم قوات الجيش والشرطة كبير، ولكنها أقرب إلى ميليشيات تنتمي للرئيس السابق وعائلته أكثر منها قوات وطنية»، وذلك في إشارة إلى الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح.
كان صالح قد قام، خوفا من تنامي قوة وكالات الاستخبارات العسكرية وحكومته، بإنشاء أجهزة أمنية موازية، ووضعها تحت سيطرة ابنه وابن أخيه. وبعد الإطاحة به خلال ثورات الربيع العربي، تعرضت القوى الأمنية المختلفة في اليمن لحالة من الاستقطاب، لتخدم مصالح مراكز القوى المتنافسة بدلا من أن تخدم مصالح الدولة، ولم تفعل شيئا يُذكر من أجل توفير الأمن للمواطنين اليمنيين العاديين. ولم تزد حالة توفير الخدمات الأساسية، في بلد يواجه تصاعدا مستمرا في أحداث العنف وتفشيا مستمرا في الفقر، إلا سوءا.
«علينا أن نخفي كيف نعيش»، قال ذلك منيف المقطري، الذي يبلغ من العمر 20 عاما، وهو يسير متجها لمنزله الذي يقع في حي البليلي الشعبي في صنعاء، حيث لا يبتعد منزله كثيرا عن المكان الذي تحصل منه نفيسة ناصر على المياه لأسرتها. خفض المقتري رأسه تحت حبال غسيل مشدودة خارج باب منزله، تم تعليق حفاضات مغسولة عليها.
«إنه ليس منزلا، إنه كوخ»، قال ذلك المقتري وهو يسير متجها نحو المطبخ، حيث كانت شقيقته تخبز بعض الأرغفة على موقد يعمل بالغاز. وقال إنه يتقاضى راتبا شهريا يبلغ 200 دولار من عمله صرافا لأحد المتاجر، بينما يعمل والده وشقيقان له عمال بناء برواتب يومية، ونادرا ما يجدون عملا في هذه الأيام. يضعون إيراداتهم مع بعضها لشراء الطعام. وقال: «هذه هي الحياة الوحيدة التي لم أشهد غيرها. وتزداد الأزمة سوءا مع قدوم كل رئيس، وتتزايد معاناتنا جراء ذلك». لم يتضح مدى النفوذ الكبير الذي يتمتع به علي عبد الله صالح، ولكن إرث السنوات التي قضاها في الحكم، وعلى رأس الدولة الممزقة، واضح في مواقف اليمنيين الموجودين في الشارع.
من جانبها، قالت تغريد عبد الوهاب (21 عاما)، وهي طالبة في جامعة صنعاء، وقفت هي ومجموعة من زملاء الدراسة يستعدون لأداء امتحان في مادة الجغرافيا: «لم نشعر أبدا بوجود الحكومة، على أي حال».
تم تأجيل امتحاناتهم بعد اندلاع موجة من أحداث العنف، ولكنهم اشتكوا من مزيد من المشاكل المستمرة في الحرم الجامعي، مثل وجود المحسوبية وتفشي الفساد، التي قالوا إنها لن تعالج أبدا. قالت تغريد: «الطلاب الحاصلون على درجات قليلة قد يلتحقون بكليات الطب على حساب الطلاب الآخرين، لأنهم من عائلة نافذة أو أنهم على معرفة بأشخاص نافذين».
وصل الحديث إلى أسماع بلال حسين (25 عاما) وهو خريج جامعة حاصل على شهادة في إدارة الأعمال، وأشرف على امتحان في وقت سابق من اليوم. قدم بلال حسين نفسه على أنه يعمل موظفا حكوميا ولكنه لم يحصل على راتبه منذ 7 أشهر. وأضاف: «يرددون دائما أنه لا توجد لديهم إيرادات».
وظيفة حسين متابعة حضور وغياب الموظفين في لجنة أراضي الدولة، وهي الهيئة التي تدير أملاك الدولة. واعترف بأنه تلقى رشوة لإثبات حضور زملاء له غابوا عن العمل لأنهم يعملون في وظيفة أخرى. وبرر ذلك قائلا: «وإلا فكيف يمكنني أن أعيش؟».
يشير اليمنيون بشكل عابر إلى الثورة التي انطلقت في عام 2011، عندما بدأ الربيع العربي، وتوابعها على أنها «أزمة». فحالة عدم الاستقرار الذي تسببت فيه هذه الثورة سمحت للحوثيين باجتياح العاصمة، وطرد القيادة القديمة، والوعد بإدخال إصلاحات. ولكن الكثير من اليمنيين لديهم ما يدفعهم للشك. في حي البليلي مرة أخرى، كان ناصر في انتظار وضع طعام الغداء.
وقال بينما يتجمع أولاده من أجل تناول الطعام «حتى الآن، لم يفعل الحوثيون الكثير لنا». كان ينظر إلى الطعام المفروش على الأرض المكون من مواد أساسية. وأضاف: «ولكنهم يفعلون القليل أيام الجمعة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.