عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

الصفقة وحدها لن تعالج مشكلات طهران مع المنطقة... وإدارة بايدن مطالبة بالتنسيق مع حلفائها

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد
TT

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

يقول البعض إن تصميم إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن على «العودة إلى الدبلوماسية»، لحل الخلاف مع إيران، هو جزء من جهوده للعودة عن كثير من القرارات التي اتخذها سلفه دونالد ترمب. وقد يكون هذا جزءاً من «تقاليد» عودة الرؤساء الأميركيين عن القرارات التي يرونها إشكالية من أسلافهم، رغم أنها باتت تثير أسئلة عن صدقية التحالفات والاتفاقات التي توقع مع الإدارات الأميركية المتعاقبة. والحال أنه قد لا يكون مفاجئاً سعي بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي الذي أبرم مع إيران عام 2015، بموافقته عملياً حين كان نائباً لباراك أوباما.
في ذلك الوقت كان يُنظر إلى إصرار أوباما على توقيع الاتفاق، بأنه سيكون أحد أبرز إنجازات عهده. لكن ما الدافع لعودة بايدن إليه رغم انتقاداته الشخصية وانتقادات عدد من أعضاء إدارته للثغرات الموجودة فيه. ثم ما مبرر إصراره على التمسك به وهو لا يزال في بداية الشهر الثاني من عهده؟

كل المؤشرات تظهر أن إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن جادة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران بتنسيق مكثف، على الأقل مع «شركائها» فيه، بريطانيا وفرنسا وألمانيا... وهذا، رغم «خيبة أملها» من رفض طهران الموافقة على عقد اجتماع «استكشافي» غير رسمي لمجموعة «5+1».
إلا أن التنسيق مع «الحلفاء» في منطقة الشرق الأوسط، على ما دأب وزير الخارجية أنتوني بلينكن في ترداده، لم تُعرَف بعد طبيعته، وما إذا كان قد بدأ بشكل موازٍ مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات المتحدة... أو حتى إسرائيل.
تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي تتعارض نظرته بشكل كبير مع خطط بايدن بعد تلقيه الاتصال الأول منه، لا توحي بالتوافق، رغم التسريبات التي أشارت أخيراً إلى اتفاق البلدين على معاودة عقد اجتماعات «مجموعة العمل المشتركة» لمناقشة ملف إيران. كذلك تلقي تصريحات السيناتور الديمقراطي الصاعد كريس مورفي، المقرّب من بايدن وطهران، ظلالاً كثيفة ولافتة على «التنسيق» المسموح به مع السعودية ودولة الإمارات، خلال التوصل إلى اتفاق مع إيران؛ إذ يقول مورفي في مقال نشرته صحيفة «فورين أفيرز» حول الموضوع: «رغم أنه (لا ينبغي) للولايات المتحدة أن تمنح الإماراتيين أو السعوديين حق النقض (الفيتو) على اتفاقية نووية ثنائية مع إيران، فإن الحوار الإقليمي من شأنه أن يقرّب أكثر دول الخليج إلى الولايات المتحدة بشأن السياسة الإيرانية، ومن المرجح أن يقدّم (مجلس التعاون الخليجي) مساهمة أكبر في أي اتفاق مستقبلي»!
وعليه، تُطرح أسئلة عديدة عن سرّ هذه «الخصوصية» في العلاقات الأميركية - الإيرانية التي تستوطن دوائر صنع القرار في واشنطن؟

- علاقات تاريخية ومواقف آيديولوجية
يرى البعض أن للعلاقات الأميركية - الإيرانية جذوراً تاريخية أعمق من الخلافات الآنية. لا بل يتساءل آخرون مُشككون في أن تكون إدارة بايدن تعمل فعلاً على اتفاق نووي معزّز، يأخذ في الاعتبار مخاوف الدول العربية وإسرائيل. إذ يعتقد هؤلاء أن المواقف المتشددة ظاهرياً التي تصدر عن أركانها لا تتجاوز التصريحات الإعلامية. أيضاً، تطرح أسئلة أخرى عن الدور الذي يلعبه «أكثر من لوبي» إيراني، في التأثير على الإنتليجنسيا الأميركية، خصوصاً اليسارية منها، التي من «نجومها» روبرت مالي، الذي - وللمفارقة - عينه بايدن مسؤولاً مباشراً عن ملف إيران، وهو الذي لعب دوراً أساسياً في إدارة أوباما خلال مفاوضاتها لتوقيع الاتفاق النووي معها عام 2015. وحقاً، لا يخفى الدور المتزايد الذي لعبته ولا تزال تلك الشخصيات في «تكوين رأي» إدارات أميركية، ولا سيما الديمقراطية منها في العقدين الأخيرين، وتركيزها على «الخطر السنّي» من منطلقات آيديولوجية. وتضجّ أروقة واشنطن بالحديث عن الدور النشط الذي لعبه وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في تشكيل بعض «اللوبيات»، التي تمكنت - على الأقل - من بناء علاقات ثابتة مع الإعلام الأميركي الليبرالي.
من هنا، فإن العودة إلى تاريخ العلاقات الأميركية - الإيرانية، تغدو ضرورية لقراءة جذور تلك الخصوصية، بدءاً من العام 1953 مع اندفاع «الحرب الباردة» بين الشرق والغرب. فقد أعاد انقلاب عسكري بمساعدة من وكالات الاستخبارات الأميركية والبريطانية النظام الإمبراطوري الصديق للغرب برئاسة الشاه محمد رضا بهلوي.
وعام 1957، وقّعت الولايات المتحدة وإيران اتفاقية للتعاون بشأن الاستخدامات المدنية للطاقة الذرية كجزء من مبادرة «الذرة من أجل السلام» التي أطلقها الرئيس دوايت أيزنهاور، وبموجبها تتلقى الدول النامية التعليم والتكنولوجيا النووية من الولايات المتحدة. واعتبرت تلك الاتفاقية حجر الأساس للبرنامج النووي الإيراني، إذ زودت الولايات المتحدة فيما بعد إيران بمفاعل ووقود يورانيوم مخصّب يمكن استخدامه أيضاً في صنع الأسلحة.
ثم، عام 1972 سافر الرئيس ريتشارد نيكسون إلى إيران ليطلب من الشاه المساعدة في حماية المصالح الأمنية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك مواجهة العراق المتحالف مع السوفيات. وفي المقابل، وعد نيكسون بأنه يمكن لإيران شراء أي نظام أسلحة غير نووي. ومع اندلاع حرب عام 1973 العربية - الإسرائيلية وارتفاع أسعار النفط في ظل حظر فرضته الدول العربية على الولايات المتحدة، اشترى شاه إيران كمية كبيرة من الأسلحة العالية التقنية، الأمر الذي أثار قلق المسؤولين الأميركيين. بيد أن خلعه على يد «الثورة الإسلامية» التي قادها آية الله الخميني عام 1979، قلب المعادلة بين البلدين، بعد تحوّل إيران إلى دولة دينية، ما لبثت أن استخدمت آيديولوجيتها في مشروع تمدد سياسي إقليمي. وحينذاك، أعلن الخميني أن إيران ستحاول «تصدير» ثورتها إلى جيرانها، ليظهر بعدها في بداية الثمانينات «حزب الله» في لبنان، الذي تعهد الولاء للخميني.

- أزمة الرهائن وحرب العراق
أزمة الرهائن الأميركيين التي دامت 444 يوماً في نهاية عهد الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، شكلت أولى إشارات التواصل بين إدارة جمهورية برئاسة رونالد ريغان مع إيران الخمينية، حين تم إطلاق سراحهم بموجب «اتفاقية الجزائر»، بعد دقائق من تنصيب ريغان، مقابل تعهده بالامتناع عن التدخل في السياسة الإيرانية.
حتى «الحرب العراقية - الإيرانية»، التي وقفت واشنطن فيها إلى جانب صدام حسين، اعتبرت توريطاً مزدوجاً للبلدين، بعدما تحوّل العراق إلى قوة إقليمية مقلقة. بيد أن الهجوم الانتحاري على قوات «المارينز» الأميركيين في بيروت ومقتل 241 من أفراد الجيش الأميركي، أدى إلى تصنيف إيران كـ«دولة راعية للإرهاب» في عام 1984. ولكن، مع هذا، رغم حظر الأسلحة عليها، بدأ كبار مسؤولي إدارة ريغان بيع الأسلحة سراً إلى إيران فيما أطلق عليه لاحقاً فضيحة «إيران كونترا»، لتأمين إطلاق سراح 7 أميركيين محتجزين كرهائن لدى «حزب الله» في لبنان، أطلق 5 منهم وقتل الحزب رهينتين اثنتين.
عام 1991 قادت الولايات المتحدة تحالفاً من 35 دولة لطرد القوات العراقية من الكويت، بينما أعلنت إيران «حيادها» في الصراع. ولاحقاً، قال مسؤولون أميركيون إنهم يشتبهون في أن إيران تسعى لاحتلال مكانة العراق كقوة مهيمنة في المنطقة.

- استئناف الاتصالات
عام 1998، التقت وزيرة الخارجية الديمقراطية مادلين أولبرايت بنائب وزير الخارجية الإيراني في مباحثات «6+2» خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان هذا أعلى مستوى اتصال بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 1979. وفي أبريل (نيسان) 2000، أقرت أولبرايت بدور واشنطن في الإطاحة بحكومة محمد مصدّق، كما وصفت السياسة السابقة تجاه إيران بأنها «قصر نظر مؤسف»، لترفع بعدها بعض العقوبات عنها.
وبعد «هجمات11 سبتمبر (أيلول) 2001» الإرهابية، فتحت إدارة الرئيس جورج بوش الابن «قناة خلفية» مع إيران لمواجهة طالبان «السنّية» في أفغانستان، ثم تعاونت معها بعد الغزو في توقيع «اتفاقية بون» لإعادة بناء الدولة وإعادة اللاجئين الأفغان. ومع أن بوش وصف في «خطاب حال الاتحاد» عام 2002 إيران بأنها جزء من «محور الشر» إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، اعتبر كلامه تمهيداً ضرورياً لاجتياح العراق. وما لبثت إيران أن ردت بوقف الاجتماعات السرّية مع الدبلوماسيين الأميركيين التي تركّز على القبض على عملاء «القاعدة» ومحاربة «طالبان».

- مفصل «غزو العراق»
عندما غزت القوات الأميركية العراق عام 2003 بهدف إنهاء التهديد الذي تشكله ما وصفته واشنطن «برامج أسلحة الدمار الشامل»، اندفعت بعدها إيران في دعم ميليشيات شيعية محلية، شارك بعضها في هجمات على القوات الأميركية. وبالفعل، خلصت دراسة أجراها الجيش الأميركي عام 2019 حول غزو العراق، إلى أن «إيران الشجاعة والتوسّعية تبدو المنتصر الوحيد» في الصراع.
عام 2006 وجه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى الرئيس بوش الابن رسالة من 18 صفحة، كانت أول رسالة من زعيم إيراني إلى نظيره الأميركي منذ عام 1979. وفيها سعى أحمدي نجاد إلى تخفيف التوترات النووية بين البلدين، من دون أن تتخذ إيران أي خطوات لإبطاء تخصيب اليورانيوم في برنامجها الذي تقول إنه للاستخدام المدني. وفي المقابل وبشكل منفصل، وافق الكونغرس الأميركي على «قانون دعم حرية إيران» في سبتمبر لتمويل «المجتمع المدني الإيراني وتعزيز الديمقراطية». غير أن هذا القانون لم يُترجَم على أرض الواقع بتاتاً.

- عهد أوباما
في سبتمبر 2013، اتصل الرئيس باراك أوباما بالرئيس الإيراني المنتخب حديثاً حسن روحاني، لمناقشة برنامج إيران النووي، وكان الاتصال الأكثر مباشرة منذ عام 1979. وبعد شهرين، وقعّت إيران ومجموعة «5+1» (التي تضم الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن مع ألمانيا) على الاتفاق النووي المبدئي، الذي خفف عن إيران بعض العقوبات. ويومذاك أشاد أوباما بالصفقة لقطعها «المسارات الأكثر احتمالاً للوصول إلى قنبلة»، بينما أشاد بها روحاني ووصفها بأنها «انتصار سياسي» لإيران.
وفي 2015 وقع «الاتفاق النووي» بشكل كامل مقابل رفع العقوبات، إذ وافقت إيران على تفكيك مفاعلها النووي في مدينة أراك وإعادة تصميمه، والسماح بآليات تحقق تدخلاً أكبر والحد من تخصيب اليورانيوم لمدة 15 سنة على الأقل. ويهدف الاتفاق إلى زيادة «وقت الاختراق» الإيراني لتطوير ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي من بضعة أسابيع إلى سنة واحدة على الأقل.

- معارضة ترمب... استثناء
غير أن معارضة العديد من المشرّعين الجمهوريين والديمقراطيين للاتفاق، بحجة أن رفع العقوبات سيعزّز موقف طهران ويسمح لها بزعزعة استقرار المنطقة ومواصلة برنامجها للصواريخ الباليستية، لم يترجم عملياً إلا في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب.
ترمب كان حقاً «الاستثناء». إذ انسحب من الاتفاق النووي كلياً عام 2018، وأعاد سياسة «أقصى الضغوط» على السلطات الإيرانية. ثم، في عام 2019 صنّف «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية لأول مرة، وقتل قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» فيه بضربة جوية مطلع عام 2020.
في المقابل، الموقف المعلن لإدارة جو بايدن تمسكها بخطاب يشدد على «ضرورة عودة إيران إلى الالتزام ببنود الاتفاق النووي»، قبل رفع العقوبات عنها، في حين تشترط إيران من جهتها، رفع تلك العقوبات قبل العودة إلى طاولة المفاوضات. ومن المفارقات أنه حتى الهجمات الأخيرة التي وقعت في العراق، والرد الأميركي عليها بتنفيذ غارات على الحدود السورية - العراقية، رفض المتحدث باسم «البنتاغون» جون كيربي ربطها بأي أنشطة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران. إذ قال: «هذا لا علاقة له بأي جهود دبلوماسية قد تحدث أو لا تحدث... يتعلق الأمر بمحاولة التأكد من أننا نحكم على ما جرى بطريقة صحيحة»!
لكن على أرض الواقع ثمة من يقول أيضاً إن سياسة ترمب لم تؤدّ إلى ثني إيران عن سياساتها، ثم إن انتظار انهيارها من الداخل عملية مديدة، ولنا في تجارب الأنظمة الديكتاتورية أمثلة عدة، من العراق إلى سوريا وليبيا وغيرها. لا بل إن خرقها لالتزاماتها في الاتفاق النووي، قرّبها من امتلاك السلاح النووي «خلال أشهر وليس أسابيع»، على حد قول وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن. وهذا مسار بدأ في ظل إدارة ترمب، الذي لم يضع تصوراً عملياً عن كيفية منع إيران من امتلاك السلاح النووي خارج نطاق فرض العقوبات، وهو ما كان سيستمر حتى ولو فاز في انتخابات 2020، في ظل خيار استراتيجي يقضي بألا تتورط الولايات المتحدة في أي حروب جديدة في المنطقة، والابتعاد عن رمالها المتحركة.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.


العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)
مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)
TT

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)
مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس جديد للجمهورية. انتخاب الرئيس الجديد للدولة، الذي لا يملك بسبب تركيبة السلطة «العرقية - المذهبية» في البلاد المزيد من الصلاحيات والذي يجب أن يكون بموجب الدستور كردياً، جاء هذه المرة وسط خلافات كردية - كردية استمرت شهوراً. وطوال هذه الفترة لم يتمكن الحزبان الكرديان الرئيسان؛ أي الحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، و«الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة بافل طالباني، من الاتفاق على مرشح توافقي فيما بينهما. وبالتالي، كان لا بد من اللجوء إلى البرلمان لحسم خيار إحدى الرئاسات من دون توافق، ما أخلّ بمبدأ التوازن الهش الذي تقوم عليه العملية السياسية في العراق. والمعروف، أنه جرى تقسيم المناصب في هذه العملية وفقاً للمحاصصة العرقية والطائفية، بالتالي، أدى هذا الأمر إلى أزمة داخل «البيت الكردي» من شأنها أن تنعكس على البرلمان الاتحادي.

الرئيس الجديد نزار آميدي، وهو وزير سابق وقيادي في «الاتحاد الوطني الكردستاني»، حصل على غالبية مريحة داخل البرلمان، إلا أنه على الرغم من حجم هذه الغالبية، فإنها قد تكون مريحة على صعيد كيفية تداول السلطة مع عدم رغبة أي طرف سياسي في البلاد بالتوجه إلى المعارضة.

وهذا ما يعني اللجوء، بعد فترة، لا سيما مع تشكيل الحكومة الجديدة التي يهمين عليها الشيعة، إلى نوع من الترضيات عبر توزيع الحقائب الوزارية والمواقع العليا في البلاد، وذلك وفقاً للأوزان السياسية للأحزاب التي تمثل «مكوّنات»... لا تلك التي تحصل على المقاعد البرلمانية بالضرورة.

ثم إنه مع تحوّل الحكومة الحالية، التي يترأسها محمد شياع السوداني، من حكومة كاملة الصلاحيات إلى حكومة «تصريف أمور يومية» في أعقاب تشكيل البرلمان الحالي وانتخاب رئاسته أواخر العام الماضي، أدى فشل القوى السياسية الشيعية في الاتفاق على مرشح لها لتسلم منصب رئيس الوزراء، إلى نوع من الشلل السياسي. وهذا ما عاشه ويعيشه العراق مع إعلان «الحرب الإيرانية» بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أواخر شهر فبراير (شباط) الماضي. وهو واقع أفضى إلى تداعيات خطيرة كان الأخطر فيها هو إغلاق «مضيق هرمز» من قبل إيران، مع الإشارة إلى أن صادرات النفط العراقي تعتمد كلها تقريباً على هذا المضيق. وبالنتيجة، ينذر الوضع الراهن بمخاطر مستقبلية جدية بسبب عجز الحكومة عن تأمين رواتب عشرات ملايين الموظفين الذين يعتمدون كلياً على الخزينة العامة.

قوى «الإطار التنسيقي» قد تعيش أيامها الأخيرة في أعقاب عجزها عن حسم هوية مرشحها لمنصب رئيس الحكومة

خلافات بلا حدود

من جهة ثانية، وفي ظل الانقسام الحاد بين القوى السياسية المكوّنة لكتلة «الإطار التنسيقي» الشيعية، وهي 12 قوة سياسية متباينة الحجوم والأوزان، فإنها على مدى نحو 4 أشهر من إجراء الانتخابات البرلمانية في العراق أواخر العام الماضي - خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025 - أخفقت في عملية حسم هوية مرشحها لمنصب رئيس الوزراء.

وللتذكير، بما أن المناصب السيادية العليا الثلاث - أي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان - موزّعة على المكوّنات العرقية والمذهبية الكبرى (الكردية والشيعية والسنية) طبقاً لـ«مبدأ المحاصصة» الذي جرت عليه العملية السياسية بعد عام 2003، فإن حسم مصير رئاسة الحكومة هو العنصر الأهم والأخطر في البنية السياسية الحالية للعراق.

محمد شياع السوداني (آ ب)

منصب رئيس الحكومة

ذلك أن منصب رئيس الحكومة يُعد المنصب التنفيذي الأهم في البلاد، وهو يكاد يحصر الصلاحيات كافة بيده، بما فيها السلطة العسكرية؛ كون رئيس الحكومة هو نفسه القائد العام للقوات المسلحة.

وفي حين يسري «العُرف»، لا الوزن الانتخابي، على معظم المناصب في الدولة، فإن الإشكالية داخل الوسط السياسي الشيعي تكمن في الخلافات التي تبدو بلا حدود بين القوى التي تمثل «الإطار التنسيقي» الشيعي. وفي الوقت الذي تجرى فيه انتخابات في البلاد كل أربع سنوات، ومعها يتوجب تشكيل الحكومة طبقاً للأوزان الانتخابية، فإن معظم الانتخابات التي أجريت - وهي 6 انتخابات حتى الآن - لم تُحترم نتائجها طبقاً للدستور؛ بسبب غلبة «العُرف» على القانون والدستور. وهذا الأمر يجعل عملية خرق المُدد الدستورية أمراً معتاداً ما دام لم يجر الاتفاق بين القوى السياسية طبقاً للعرف السائد بينها.

تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أنه سبق لرئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، أن حذّر أكثر من ثلاث مرات منذ إجراء الانتخابات الأخيرة، أواخر العام الماضي، من مغبة خرق المدد الدستورية. وعدّ في بيان له أن «التجارب السابقة أثبتت أن تسمية شاغلي المناصب الرئاسية الثلاث، رئاسة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، كثيراً ما تتجاوز المدد الدستورية المحددة، وهو ما يشكل خرقاً واضحاً للدستور، ومخالفة لروح التداول الديمقراطي للسلطة. ويُعزى استمرار هذا الخلل إلى غياب الجزاء أو الأثر القانوني المترتب على هذا التجاوز؛ إذ لم يتضمن الدستور نصاً يعالج هذه المخالفة أو يحدد عواقبها، مما أتاح تكرارها في أكثر من دورة انتخابية».

ولقد بيّن زيدان أنه «من هذا المنطلق، نأمل أن تؤخذ هذه الملاحظة بنظر الاعتبار عند إجراء أي تعديل مستقبلي للدستور، بما يضمن احترام التوقيتات الدستورية ويضع جزاءات محددة على مخالفتها، حفاظاً على استقرار النظام الديمقراطي، وتكريساً لسيادة القانون ومبدأ التداول السلمي للسلطة».

لم تؤخذ التحذيرات على محمل الجد

ولكن من الناحية العملية لم تأخذ القوى السياسية العراقية، مثل هذه التحذيرات على محمل الجد نتيجة الخلافات العميقة بين أطرافها. وهذا الحال جعل عملية تشكيل الحكومات العراقية كل أربع سنوات من أعقد ما يكون.

وفي الحقيقة، لم تتشكل أي حكومة عراقية منذ الحكومة الأولى عام 2005 وحتى آخر حكومة عام 2021 ضمن المدد الدستورية.

ويضاف إلى ذلك أن كل رؤساء الوزارات التي تشكلت بعد أول انتخابات برلمانية كاملة، عام 2005، وهم: نوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني جاؤوا عبر مفهوم التسوية لا الوزن الانتخابي. وهذا ما غدا إلى حد كبير ينسحب على الحكومة الحالية التي تعثر تشكيلها حتى الآن، على الرغم من مرور أكثر من أربعة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

ثم إنه، مع أن المهلة المتبقية لتشكيل الحكومة العتيدة بعد انتخاب رئيس الجمهورية في الحادي عشر من شهر أبريل (نيسان) الحالي هي 15 يوماً، فإن العقدة الأكبر التي يعانيها الفاعل الشيعي السياسي تتمثل في «الفيتو» الذي وضعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد تولي زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي منصب رئيس الحكومة لدورة ثالثة. وهذا، في وقت بدأت فيه الخلافات داخل مكوّنات التحالف الشيعي تبرز بوضوح معارضة تولي رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، زعيم ائتلاف «الإعمار والتنمية» تشكيل الحكومة وترؤسها، مع أنه هو الفائز الأول بالانتخابات.

مصاعب الحكومة... ومضيق هرمز

في هذه الأثناء، ومع أن قوى «الإطار التنسيقي» تعيش - على ما يبدو - أيامها الأخيرة، في أعقاب عجزها عن حسم هوية مرشحها لمنصب رئيس الحكومة بسبب الضغوط الأميركية، فإن ثمة عاملاً آخر يستحق الأخذ في الحساب. ذلك أنه في ظل استمرار الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، فإن العراق وبعد إقدام إيران على غلق مضيق هرمز، يجد نفسه أمام عدة خيارات أحلاها مر بسبب توقف صادرات النفط العراقي بنسية تزيد على الـ100 في المائة. وهذا العامل بات يهدد بتوقف رواتب نحو 9 ملايين موظف ومتقاعد عراقي يتسلمون رواتبهم من ميزانية الدولة التي صارت حسب البيانات الرسمية شبه خاوية.

للعلم، قبل الحرب، وبسبب الإنفاق الزائد، فإن الرواتب باتت تدفع كل 45 يوماً تقريباً. وهذا الأمر أوجد نقمة في صفوف الموظفين انعكست على مجمل الحياة الاقتصادية في العراق. وأكثر من هذا، ثمة أزمة اندلاع الحرب في ظل حكومة «تصريف أمور يومية» لا تملك غطاء برلمانياً، لكون البرلمان الحالي ينتظر التصويت على حكومة جديدة لم تتشكل بعد.

بناء عليه، فإن الحكومة الحالية التي يترأسها محمد شياع السوداني تواجه تحديات كبيرة وجدية، أبرزها قلة الصلاحيات التي تجعلها قادرة على مواجهة غلاء الأسعار وأزمة الرواتب، التي يتوقع خبراء الاقتصاد أن تنفجر في الشهر السادس من هذا العام؛ كون صادرات النفط العراقي شبه متوقفة.

وفي حين كان العراق يصدِّر ما قيمته 7 مليارات دولار أميركي قادرة على تمويل رواتب الموظفين، فإنه راهناً لا يصدّر إلا بحدود ملياري دولار، وهو ما يعني بالضرورة اضطرار الحكومة إما اللجوء إلى الاقتراض الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار قيمة الدينار العراقي ورفع قيمة الدولار الأميركي، وإما إلى سحب الاحتياطي النقدي في البنك المركزي... وهو ما يمكن أن يوقع الحكومة في مشكلة أكبر، لافتقار العراق إلى «صندوق سيادي» يمكنه من خلاله مواجهة مثل هذه التحديات غير المنظورة.

مشكلة السلاح

في سياق موازٍ، مع أن الحرب كشفت عن هشاشة الوضع الاقتصادي في البلاد عبر منفذ واحد لتصدير النفط ومنافذ أخرى، إما مغلقة لأسباب سياسية، وإما غير قادرة على تغطية كامل متطلبات الموازنة، فإن ثمة إشكالية أخرى.

وهذه الإشكالية الأخرى التي باتت تواجه العراق حالياً هي أنه لا يمتلك أسلحة دفاعية أو هجومية قادرة على مواجهة الطائرات والمسيّرات التي تنتهك سماءه وسيادته على أرضه.

أيضاً ثمة إشكالية ثالثة تتمثل في السلاح المنفلت في البلاد، الذي جعل من سماء العراق مفتوحة للطيرانين الأميركي والإسرائيلي اللذين يقومان بقصف مواقع الفصائل العراقية المسلّحة، بينما تقوم هذه الأخيرة بتوجيه ضرباتها إلى دول الجوار الجغرافي للعراق بحجة وجود قواعد أميركية فيها. وهذا الوضع أدى إلى حصول مشاكل دبلوماسية بين بغداد وعدد من العواصم العربية والخليجية.