عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

الصفقة وحدها لن تعالج مشكلات طهران مع المنطقة... وإدارة بايدن مطالبة بالتنسيق مع حلفائها

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد
TT

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

يقول البعض إن تصميم إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن على «العودة إلى الدبلوماسية»، لحل الخلاف مع إيران، هو جزء من جهوده للعودة عن كثير من القرارات التي اتخذها سلفه دونالد ترمب. وقد يكون هذا جزءاً من «تقاليد» عودة الرؤساء الأميركيين عن القرارات التي يرونها إشكالية من أسلافهم، رغم أنها باتت تثير أسئلة عن صدقية التحالفات والاتفاقات التي توقع مع الإدارات الأميركية المتعاقبة. والحال أنه قد لا يكون مفاجئاً سعي بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي الذي أبرم مع إيران عام 2015، بموافقته عملياً حين كان نائباً لباراك أوباما.
في ذلك الوقت كان يُنظر إلى إصرار أوباما على توقيع الاتفاق، بأنه سيكون أحد أبرز إنجازات عهده. لكن ما الدافع لعودة بايدن إليه رغم انتقاداته الشخصية وانتقادات عدد من أعضاء إدارته للثغرات الموجودة فيه. ثم ما مبرر إصراره على التمسك به وهو لا يزال في بداية الشهر الثاني من عهده؟

كل المؤشرات تظهر أن إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن جادة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران بتنسيق مكثف، على الأقل مع «شركائها» فيه، بريطانيا وفرنسا وألمانيا... وهذا، رغم «خيبة أملها» من رفض طهران الموافقة على عقد اجتماع «استكشافي» غير رسمي لمجموعة «5+1».
إلا أن التنسيق مع «الحلفاء» في منطقة الشرق الأوسط، على ما دأب وزير الخارجية أنتوني بلينكن في ترداده، لم تُعرَف بعد طبيعته، وما إذا كان قد بدأ بشكل موازٍ مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات المتحدة... أو حتى إسرائيل.
تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي تتعارض نظرته بشكل كبير مع خطط بايدن بعد تلقيه الاتصال الأول منه، لا توحي بالتوافق، رغم التسريبات التي أشارت أخيراً إلى اتفاق البلدين على معاودة عقد اجتماعات «مجموعة العمل المشتركة» لمناقشة ملف إيران. كذلك تلقي تصريحات السيناتور الديمقراطي الصاعد كريس مورفي، المقرّب من بايدن وطهران، ظلالاً كثيفة ولافتة على «التنسيق» المسموح به مع السعودية ودولة الإمارات، خلال التوصل إلى اتفاق مع إيران؛ إذ يقول مورفي في مقال نشرته صحيفة «فورين أفيرز» حول الموضوع: «رغم أنه (لا ينبغي) للولايات المتحدة أن تمنح الإماراتيين أو السعوديين حق النقض (الفيتو) على اتفاقية نووية ثنائية مع إيران، فإن الحوار الإقليمي من شأنه أن يقرّب أكثر دول الخليج إلى الولايات المتحدة بشأن السياسة الإيرانية، ومن المرجح أن يقدّم (مجلس التعاون الخليجي) مساهمة أكبر في أي اتفاق مستقبلي»!
وعليه، تُطرح أسئلة عديدة عن سرّ هذه «الخصوصية» في العلاقات الأميركية - الإيرانية التي تستوطن دوائر صنع القرار في واشنطن؟

- علاقات تاريخية ومواقف آيديولوجية
يرى البعض أن للعلاقات الأميركية - الإيرانية جذوراً تاريخية أعمق من الخلافات الآنية. لا بل يتساءل آخرون مُشككون في أن تكون إدارة بايدن تعمل فعلاً على اتفاق نووي معزّز، يأخذ في الاعتبار مخاوف الدول العربية وإسرائيل. إذ يعتقد هؤلاء أن المواقف المتشددة ظاهرياً التي تصدر عن أركانها لا تتجاوز التصريحات الإعلامية. أيضاً، تطرح أسئلة أخرى عن الدور الذي يلعبه «أكثر من لوبي» إيراني، في التأثير على الإنتليجنسيا الأميركية، خصوصاً اليسارية منها، التي من «نجومها» روبرت مالي، الذي - وللمفارقة - عينه بايدن مسؤولاً مباشراً عن ملف إيران، وهو الذي لعب دوراً أساسياً في إدارة أوباما خلال مفاوضاتها لتوقيع الاتفاق النووي معها عام 2015. وحقاً، لا يخفى الدور المتزايد الذي لعبته ولا تزال تلك الشخصيات في «تكوين رأي» إدارات أميركية، ولا سيما الديمقراطية منها في العقدين الأخيرين، وتركيزها على «الخطر السنّي» من منطلقات آيديولوجية. وتضجّ أروقة واشنطن بالحديث عن الدور النشط الذي لعبه وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في تشكيل بعض «اللوبيات»، التي تمكنت - على الأقل - من بناء علاقات ثابتة مع الإعلام الأميركي الليبرالي.
من هنا، فإن العودة إلى تاريخ العلاقات الأميركية - الإيرانية، تغدو ضرورية لقراءة جذور تلك الخصوصية، بدءاً من العام 1953 مع اندفاع «الحرب الباردة» بين الشرق والغرب. فقد أعاد انقلاب عسكري بمساعدة من وكالات الاستخبارات الأميركية والبريطانية النظام الإمبراطوري الصديق للغرب برئاسة الشاه محمد رضا بهلوي.
وعام 1957، وقّعت الولايات المتحدة وإيران اتفاقية للتعاون بشأن الاستخدامات المدنية للطاقة الذرية كجزء من مبادرة «الذرة من أجل السلام» التي أطلقها الرئيس دوايت أيزنهاور، وبموجبها تتلقى الدول النامية التعليم والتكنولوجيا النووية من الولايات المتحدة. واعتبرت تلك الاتفاقية حجر الأساس للبرنامج النووي الإيراني، إذ زودت الولايات المتحدة فيما بعد إيران بمفاعل ووقود يورانيوم مخصّب يمكن استخدامه أيضاً في صنع الأسلحة.
ثم، عام 1972 سافر الرئيس ريتشارد نيكسون إلى إيران ليطلب من الشاه المساعدة في حماية المصالح الأمنية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك مواجهة العراق المتحالف مع السوفيات. وفي المقابل، وعد نيكسون بأنه يمكن لإيران شراء أي نظام أسلحة غير نووي. ومع اندلاع حرب عام 1973 العربية - الإسرائيلية وارتفاع أسعار النفط في ظل حظر فرضته الدول العربية على الولايات المتحدة، اشترى شاه إيران كمية كبيرة من الأسلحة العالية التقنية، الأمر الذي أثار قلق المسؤولين الأميركيين. بيد أن خلعه على يد «الثورة الإسلامية» التي قادها آية الله الخميني عام 1979، قلب المعادلة بين البلدين، بعد تحوّل إيران إلى دولة دينية، ما لبثت أن استخدمت آيديولوجيتها في مشروع تمدد سياسي إقليمي. وحينذاك، أعلن الخميني أن إيران ستحاول «تصدير» ثورتها إلى جيرانها، ليظهر بعدها في بداية الثمانينات «حزب الله» في لبنان، الذي تعهد الولاء للخميني.

- أزمة الرهائن وحرب العراق
أزمة الرهائن الأميركيين التي دامت 444 يوماً في نهاية عهد الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، شكلت أولى إشارات التواصل بين إدارة جمهورية برئاسة رونالد ريغان مع إيران الخمينية، حين تم إطلاق سراحهم بموجب «اتفاقية الجزائر»، بعد دقائق من تنصيب ريغان، مقابل تعهده بالامتناع عن التدخل في السياسة الإيرانية.
حتى «الحرب العراقية - الإيرانية»، التي وقفت واشنطن فيها إلى جانب صدام حسين، اعتبرت توريطاً مزدوجاً للبلدين، بعدما تحوّل العراق إلى قوة إقليمية مقلقة. بيد أن الهجوم الانتحاري على قوات «المارينز» الأميركيين في بيروت ومقتل 241 من أفراد الجيش الأميركي، أدى إلى تصنيف إيران كـ«دولة راعية للإرهاب» في عام 1984. ولكن، مع هذا، رغم حظر الأسلحة عليها، بدأ كبار مسؤولي إدارة ريغان بيع الأسلحة سراً إلى إيران فيما أطلق عليه لاحقاً فضيحة «إيران كونترا»، لتأمين إطلاق سراح 7 أميركيين محتجزين كرهائن لدى «حزب الله» في لبنان، أطلق 5 منهم وقتل الحزب رهينتين اثنتين.
عام 1991 قادت الولايات المتحدة تحالفاً من 35 دولة لطرد القوات العراقية من الكويت، بينما أعلنت إيران «حيادها» في الصراع. ولاحقاً، قال مسؤولون أميركيون إنهم يشتبهون في أن إيران تسعى لاحتلال مكانة العراق كقوة مهيمنة في المنطقة.

- استئناف الاتصالات
عام 1998، التقت وزيرة الخارجية الديمقراطية مادلين أولبرايت بنائب وزير الخارجية الإيراني في مباحثات «6+2» خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان هذا أعلى مستوى اتصال بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 1979. وفي أبريل (نيسان) 2000، أقرت أولبرايت بدور واشنطن في الإطاحة بحكومة محمد مصدّق، كما وصفت السياسة السابقة تجاه إيران بأنها «قصر نظر مؤسف»، لترفع بعدها بعض العقوبات عنها.
وبعد «هجمات11 سبتمبر (أيلول) 2001» الإرهابية، فتحت إدارة الرئيس جورج بوش الابن «قناة خلفية» مع إيران لمواجهة طالبان «السنّية» في أفغانستان، ثم تعاونت معها بعد الغزو في توقيع «اتفاقية بون» لإعادة بناء الدولة وإعادة اللاجئين الأفغان. ومع أن بوش وصف في «خطاب حال الاتحاد» عام 2002 إيران بأنها جزء من «محور الشر» إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، اعتبر كلامه تمهيداً ضرورياً لاجتياح العراق. وما لبثت إيران أن ردت بوقف الاجتماعات السرّية مع الدبلوماسيين الأميركيين التي تركّز على القبض على عملاء «القاعدة» ومحاربة «طالبان».

- مفصل «غزو العراق»
عندما غزت القوات الأميركية العراق عام 2003 بهدف إنهاء التهديد الذي تشكله ما وصفته واشنطن «برامج أسلحة الدمار الشامل»، اندفعت بعدها إيران في دعم ميليشيات شيعية محلية، شارك بعضها في هجمات على القوات الأميركية. وبالفعل، خلصت دراسة أجراها الجيش الأميركي عام 2019 حول غزو العراق، إلى أن «إيران الشجاعة والتوسّعية تبدو المنتصر الوحيد» في الصراع.
عام 2006 وجه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى الرئيس بوش الابن رسالة من 18 صفحة، كانت أول رسالة من زعيم إيراني إلى نظيره الأميركي منذ عام 1979. وفيها سعى أحمدي نجاد إلى تخفيف التوترات النووية بين البلدين، من دون أن تتخذ إيران أي خطوات لإبطاء تخصيب اليورانيوم في برنامجها الذي تقول إنه للاستخدام المدني. وفي المقابل وبشكل منفصل، وافق الكونغرس الأميركي على «قانون دعم حرية إيران» في سبتمبر لتمويل «المجتمع المدني الإيراني وتعزيز الديمقراطية». غير أن هذا القانون لم يُترجَم على أرض الواقع بتاتاً.

- عهد أوباما
في سبتمبر 2013، اتصل الرئيس باراك أوباما بالرئيس الإيراني المنتخب حديثاً حسن روحاني، لمناقشة برنامج إيران النووي، وكان الاتصال الأكثر مباشرة منذ عام 1979. وبعد شهرين، وقعّت إيران ومجموعة «5+1» (التي تضم الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن مع ألمانيا) على الاتفاق النووي المبدئي، الذي خفف عن إيران بعض العقوبات. ويومذاك أشاد أوباما بالصفقة لقطعها «المسارات الأكثر احتمالاً للوصول إلى قنبلة»، بينما أشاد بها روحاني ووصفها بأنها «انتصار سياسي» لإيران.
وفي 2015 وقع «الاتفاق النووي» بشكل كامل مقابل رفع العقوبات، إذ وافقت إيران على تفكيك مفاعلها النووي في مدينة أراك وإعادة تصميمه، والسماح بآليات تحقق تدخلاً أكبر والحد من تخصيب اليورانيوم لمدة 15 سنة على الأقل. ويهدف الاتفاق إلى زيادة «وقت الاختراق» الإيراني لتطوير ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي من بضعة أسابيع إلى سنة واحدة على الأقل.

- معارضة ترمب... استثناء
غير أن معارضة العديد من المشرّعين الجمهوريين والديمقراطيين للاتفاق، بحجة أن رفع العقوبات سيعزّز موقف طهران ويسمح لها بزعزعة استقرار المنطقة ومواصلة برنامجها للصواريخ الباليستية، لم يترجم عملياً إلا في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب.
ترمب كان حقاً «الاستثناء». إذ انسحب من الاتفاق النووي كلياً عام 2018، وأعاد سياسة «أقصى الضغوط» على السلطات الإيرانية. ثم، في عام 2019 صنّف «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية لأول مرة، وقتل قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» فيه بضربة جوية مطلع عام 2020.
في المقابل، الموقف المعلن لإدارة جو بايدن تمسكها بخطاب يشدد على «ضرورة عودة إيران إلى الالتزام ببنود الاتفاق النووي»، قبل رفع العقوبات عنها، في حين تشترط إيران من جهتها، رفع تلك العقوبات قبل العودة إلى طاولة المفاوضات. ومن المفارقات أنه حتى الهجمات الأخيرة التي وقعت في العراق، والرد الأميركي عليها بتنفيذ غارات على الحدود السورية - العراقية، رفض المتحدث باسم «البنتاغون» جون كيربي ربطها بأي أنشطة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران. إذ قال: «هذا لا علاقة له بأي جهود دبلوماسية قد تحدث أو لا تحدث... يتعلق الأمر بمحاولة التأكد من أننا نحكم على ما جرى بطريقة صحيحة»!
لكن على أرض الواقع ثمة من يقول أيضاً إن سياسة ترمب لم تؤدّ إلى ثني إيران عن سياساتها، ثم إن انتظار انهيارها من الداخل عملية مديدة، ولنا في تجارب الأنظمة الديكتاتورية أمثلة عدة، من العراق إلى سوريا وليبيا وغيرها. لا بل إن خرقها لالتزاماتها في الاتفاق النووي، قرّبها من امتلاك السلاح النووي «خلال أشهر وليس أسابيع»، على حد قول وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن. وهذا مسار بدأ في ظل إدارة ترمب، الذي لم يضع تصوراً عملياً عن كيفية منع إيران من امتلاك السلاح النووي خارج نطاق فرض العقوبات، وهو ما كان سيستمر حتى ولو فاز في انتخابات 2020، في ظل خيار استراتيجي يقضي بألا تتورط الولايات المتحدة في أي حروب جديدة في المنطقة، والابتعاد عن رمالها المتحركة.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.