عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

الصفقة وحدها لن تعالج مشكلات طهران مع المنطقة... وإدارة بايدن مطالبة بالتنسيق مع حلفائها

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد
TT

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

يقول البعض إن تصميم إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن على «العودة إلى الدبلوماسية»، لحل الخلاف مع إيران، هو جزء من جهوده للعودة عن كثير من القرارات التي اتخذها سلفه دونالد ترمب. وقد يكون هذا جزءاً من «تقاليد» عودة الرؤساء الأميركيين عن القرارات التي يرونها إشكالية من أسلافهم، رغم أنها باتت تثير أسئلة عن صدقية التحالفات والاتفاقات التي توقع مع الإدارات الأميركية المتعاقبة. والحال أنه قد لا يكون مفاجئاً سعي بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي الذي أبرم مع إيران عام 2015، بموافقته عملياً حين كان نائباً لباراك أوباما.
في ذلك الوقت كان يُنظر إلى إصرار أوباما على توقيع الاتفاق، بأنه سيكون أحد أبرز إنجازات عهده. لكن ما الدافع لعودة بايدن إليه رغم انتقاداته الشخصية وانتقادات عدد من أعضاء إدارته للثغرات الموجودة فيه. ثم ما مبرر إصراره على التمسك به وهو لا يزال في بداية الشهر الثاني من عهده؟

كل المؤشرات تظهر أن إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن جادة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران بتنسيق مكثف، على الأقل مع «شركائها» فيه، بريطانيا وفرنسا وألمانيا... وهذا، رغم «خيبة أملها» من رفض طهران الموافقة على عقد اجتماع «استكشافي» غير رسمي لمجموعة «5+1».
إلا أن التنسيق مع «الحلفاء» في منطقة الشرق الأوسط، على ما دأب وزير الخارجية أنتوني بلينكن في ترداده، لم تُعرَف بعد طبيعته، وما إذا كان قد بدأ بشكل موازٍ مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات المتحدة... أو حتى إسرائيل.
تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي تتعارض نظرته بشكل كبير مع خطط بايدن بعد تلقيه الاتصال الأول منه، لا توحي بالتوافق، رغم التسريبات التي أشارت أخيراً إلى اتفاق البلدين على معاودة عقد اجتماعات «مجموعة العمل المشتركة» لمناقشة ملف إيران. كذلك تلقي تصريحات السيناتور الديمقراطي الصاعد كريس مورفي، المقرّب من بايدن وطهران، ظلالاً كثيفة ولافتة على «التنسيق» المسموح به مع السعودية ودولة الإمارات، خلال التوصل إلى اتفاق مع إيران؛ إذ يقول مورفي في مقال نشرته صحيفة «فورين أفيرز» حول الموضوع: «رغم أنه (لا ينبغي) للولايات المتحدة أن تمنح الإماراتيين أو السعوديين حق النقض (الفيتو) على اتفاقية نووية ثنائية مع إيران، فإن الحوار الإقليمي من شأنه أن يقرّب أكثر دول الخليج إلى الولايات المتحدة بشأن السياسة الإيرانية، ومن المرجح أن يقدّم (مجلس التعاون الخليجي) مساهمة أكبر في أي اتفاق مستقبلي»!
وعليه، تُطرح أسئلة عديدة عن سرّ هذه «الخصوصية» في العلاقات الأميركية - الإيرانية التي تستوطن دوائر صنع القرار في واشنطن؟

- علاقات تاريخية ومواقف آيديولوجية
يرى البعض أن للعلاقات الأميركية - الإيرانية جذوراً تاريخية أعمق من الخلافات الآنية. لا بل يتساءل آخرون مُشككون في أن تكون إدارة بايدن تعمل فعلاً على اتفاق نووي معزّز، يأخذ في الاعتبار مخاوف الدول العربية وإسرائيل. إذ يعتقد هؤلاء أن المواقف المتشددة ظاهرياً التي تصدر عن أركانها لا تتجاوز التصريحات الإعلامية. أيضاً، تطرح أسئلة أخرى عن الدور الذي يلعبه «أكثر من لوبي» إيراني، في التأثير على الإنتليجنسيا الأميركية، خصوصاً اليسارية منها، التي من «نجومها» روبرت مالي، الذي - وللمفارقة - عينه بايدن مسؤولاً مباشراً عن ملف إيران، وهو الذي لعب دوراً أساسياً في إدارة أوباما خلال مفاوضاتها لتوقيع الاتفاق النووي معها عام 2015. وحقاً، لا يخفى الدور المتزايد الذي لعبته ولا تزال تلك الشخصيات في «تكوين رأي» إدارات أميركية، ولا سيما الديمقراطية منها في العقدين الأخيرين، وتركيزها على «الخطر السنّي» من منطلقات آيديولوجية. وتضجّ أروقة واشنطن بالحديث عن الدور النشط الذي لعبه وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في تشكيل بعض «اللوبيات»، التي تمكنت - على الأقل - من بناء علاقات ثابتة مع الإعلام الأميركي الليبرالي.
من هنا، فإن العودة إلى تاريخ العلاقات الأميركية - الإيرانية، تغدو ضرورية لقراءة جذور تلك الخصوصية، بدءاً من العام 1953 مع اندفاع «الحرب الباردة» بين الشرق والغرب. فقد أعاد انقلاب عسكري بمساعدة من وكالات الاستخبارات الأميركية والبريطانية النظام الإمبراطوري الصديق للغرب برئاسة الشاه محمد رضا بهلوي.
وعام 1957، وقّعت الولايات المتحدة وإيران اتفاقية للتعاون بشأن الاستخدامات المدنية للطاقة الذرية كجزء من مبادرة «الذرة من أجل السلام» التي أطلقها الرئيس دوايت أيزنهاور، وبموجبها تتلقى الدول النامية التعليم والتكنولوجيا النووية من الولايات المتحدة. واعتبرت تلك الاتفاقية حجر الأساس للبرنامج النووي الإيراني، إذ زودت الولايات المتحدة فيما بعد إيران بمفاعل ووقود يورانيوم مخصّب يمكن استخدامه أيضاً في صنع الأسلحة.
ثم، عام 1972 سافر الرئيس ريتشارد نيكسون إلى إيران ليطلب من الشاه المساعدة في حماية المصالح الأمنية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك مواجهة العراق المتحالف مع السوفيات. وفي المقابل، وعد نيكسون بأنه يمكن لإيران شراء أي نظام أسلحة غير نووي. ومع اندلاع حرب عام 1973 العربية - الإسرائيلية وارتفاع أسعار النفط في ظل حظر فرضته الدول العربية على الولايات المتحدة، اشترى شاه إيران كمية كبيرة من الأسلحة العالية التقنية، الأمر الذي أثار قلق المسؤولين الأميركيين. بيد أن خلعه على يد «الثورة الإسلامية» التي قادها آية الله الخميني عام 1979، قلب المعادلة بين البلدين، بعد تحوّل إيران إلى دولة دينية، ما لبثت أن استخدمت آيديولوجيتها في مشروع تمدد سياسي إقليمي. وحينذاك، أعلن الخميني أن إيران ستحاول «تصدير» ثورتها إلى جيرانها، ليظهر بعدها في بداية الثمانينات «حزب الله» في لبنان، الذي تعهد الولاء للخميني.

- أزمة الرهائن وحرب العراق
أزمة الرهائن الأميركيين التي دامت 444 يوماً في نهاية عهد الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، شكلت أولى إشارات التواصل بين إدارة جمهورية برئاسة رونالد ريغان مع إيران الخمينية، حين تم إطلاق سراحهم بموجب «اتفاقية الجزائر»، بعد دقائق من تنصيب ريغان، مقابل تعهده بالامتناع عن التدخل في السياسة الإيرانية.
حتى «الحرب العراقية - الإيرانية»، التي وقفت واشنطن فيها إلى جانب صدام حسين، اعتبرت توريطاً مزدوجاً للبلدين، بعدما تحوّل العراق إلى قوة إقليمية مقلقة. بيد أن الهجوم الانتحاري على قوات «المارينز» الأميركيين في بيروت ومقتل 241 من أفراد الجيش الأميركي، أدى إلى تصنيف إيران كـ«دولة راعية للإرهاب» في عام 1984. ولكن، مع هذا، رغم حظر الأسلحة عليها، بدأ كبار مسؤولي إدارة ريغان بيع الأسلحة سراً إلى إيران فيما أطلق عليه لاحقاً فضيحة «إيران كونترا»، لتأمين إطلاق سراح 7 أميركيين محتجزين كرهائن لدى «حزب الله» في لبنان، أطلق 5 منهم وقتل الحزب رهينتين اثنتين.
عام 1991 قادت الولايات المتحدة تحالفاً من 35 دولة لطرد القوات العراقية من الكويت، بينما أعلنت إيران «حيادها» في الصراع. ولاحقاً، قال مسؤولون أميركيون إنهم يشتبهون في أن إيران تسعى لاحتلال مكانة العراق كقوة مهيمنة في المنطقة.

- استئناف الاتصالات
عام 1998، التقت وزيرة الخارجية الديمقراطية مادلين أولبرايت بنائب وزير الخارجية الإيراني في مباحثات «6+2» خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان هذا أعلى مستوى اتصال بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 1979. وفي أبريل (نيسان) 2000، أقرت أولبرايت بدور واشنطن في الإطاحة بحكومة محمد مصدّق، كما وصفت السياسة السابقة تجاه إيران بأنها «قصر نظر مؤسف»، لترفع بعدها بعض العقوبات عنها.
وبعد «هجمات11 سبتمبر (أيلول) 2001» الإرهابية، فتحت إدارة الرئيس جورج بوش الابن «قناة خلفية» مع إيران لمواجهة طالبان «السنّية» في أفغانستان، ثم تعاونت معها بعد الغزو في توقيع «اتفاقية بون» لإعادة بناء الدولة وإعادة اللاجئين الأفغان. ومع أن بوش وصف في «خطاب حال الاتحاد» عام 2002 إيران بأنها جزء من «محور الشر» إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، اعتبر كلامه تمهيداً ضرورياً لاجتياح العراق. وما لبثت إيران أن ردت بوقف الاجتماعات السرّية مع الدبلوماسيين الأميركيين التي تركّز على القبض على عملاء «القاعدة» ومحاربة «طالبان».

- مفصل «غزو العراق»
عندما غزت القوات الأميركية العراق عام 2003 بهدف إنهاء التهديد الذي تشكله ما وصفته واشنطن «برامج أسلحة الدمار الشامل»، اندفعت بعدها إيران في دعم ميليشيات شيعية محلية، شارك بعضها في هجمات على القوات الأميركية. وبالفعل، خلصت دراسة أجراها الجيش الأميركي عام 2019 حول غزو العراق، إلى أن «إيران الشجاعة والتوسّعية تبدو المنتصر الوحيد» في الصراع.
عام 2006 وجه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى الرئيس بوش الابن رسالة من 18 صفحة، كانت أول رسالة من زعيم إيراني إلى نظيره الأميركي منذ عام 1979. وفيها سعى أحمدي نجاد إلى تخفيف التوترات النووية بين البلدين، من دون أن تتخذ إيران أي خطوات لإبطاء تخصيب اليورانيوم في برنامجها الذي تقول إنه للاستخدام المدني. وفي المقابل وبشكل منفصل، وافق الكونغرس الأميركي على «قانون دعم حرية إيران» في سبتمبر لتمويل «المجتمع المدني الإيراني وتعزيز الديمقراطية». غير أن هذا القانون لم يُترجَم على أرض الواقع بتاتاً.

- عهد أوباما
في سبتمبر 2013، اتصل الرئيس باراك أوباما بالرئيس الإيراني المنتخب حديثاً حسن روحاني، لمناقشة برنامج إيران النووي، وكان الاتصال الأكثر مباشرة منذ عام 1979. وبعد شهرين، وقعّت إيران ومجموعة «5+1» (التي تضم الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن مع ألمانيا) على الاتفاق النووي المبدئي، الذي خفف عن إيران بعض العقوبات. ويومذاك أشاد أوباما بالصفقة لقطعها «المسارات الأكثر احتمالاً للوصول إلى قنبلة»، بينما أشاد بها روحاني ووصفها بأنها «انتصار سياسي» لإيران.
وفي 2015 وقع «الاتفاق النووي» بشكل كامل مقابل رفع العقوبات، إذ وافقت إيران على تفكيك مفاعلها النووي في مدينة أراك وإعادة تصميمه، والسماح بآليات تحقق تدخلاً أكبر والحد من تخصيب اليورانيوم لمدة 15 سنة على الأقل. ويهدف الاتفاق إلى زيادة «وقت الاختراق» الإيراني لتطوير ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي من بضعة أسابيع إلى سنة واحدة على الأقل.

- معارضة ترمب... استثناء
غير أن معارضة العديد من المشرّعين الجمهوريين والديمقراطيين للاتفاق، بحجة أن رفع العقوبات سيعزّز موقف طهران ويسمح لها بزعزعة استقرار المنطقة ومواصلة برنامجها للصواريخ الباليستية، لم يترجم عملياً إلا في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب.
ترمب كان حقاً «الاستثناء». إذ انسحب من الاتفاق النووي كلياً عام 2018، وأعاد سياسة «أقصى الضغوط» على السلطات الإيرانية. ثم، في عام 2019 صنّف «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية لأول مرة، وقتل قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» فيه بضربة جوية مطلع عام 2020.
في المقابل، الموقف المعلن لإدارة جو بايدن تمسكها بخطاب يشدد على «ضرورة عودة إيران إلى الالتزام ببنود الاتفاق النووي»، قبل رفع العقوبات عنها، في حين تشترط إيران من جهتها، رفع تلك العقوبات قبل العودة إلى طاولة المفاوضات. ومن المفارقات أنه حتى الهجمات الأخيرة التي وقعت في العراق، والرد الأميركي عليها بتنفيذ غارات على الحدود السورية - العراقية، رفض المتحدث باسم «البنتاغون» جون كيربي ربطها بأي أنشطة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران. إذ قال: «هذا لا علاقة له بأي جهود دبلوماسية قد تحدث أو لا تحدث... يتعلق الأمر بمحاولة التأكد من أننا نحكم على ما جرى بطريقة صحيحة»!
لكن على أرض الواقع ثمة من يقول أيضاً إن سياسة ترمب لم تؤدّ إلى ثني إيران عن سياساتها، ثم إن انتظار انهيارها من الداخل عملية مديدة، ولنا في تجارب الأنظمة الديكتاتورية أمثلة عدة، من العراق إلى سوريا وليبيا وغيرها. لا بل إن خرقها لالتزاماتها في الاتفاق النووي، قرّبها من امتلاك السلاح النووي «خلال أشهر وليس أسابيع»، على حد قول وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن. وهذا مسار بدأ في ظل إدارة ترمب، الذي لم يضع تصوراً عملياً عن كيفية منع إيران من امتلاك السلاح النووي خارج نطاق فرض العقوبات، وهو ما كان سيستمر حتى ولو فاز في انتخابات 2020، في ظل خيار استراتيجي يقضي بألا تتورط الولايات المتحدة في أي حروب جديدة في المنطقة، والابتعاد عن رمالها المتحركة.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.