تصدّعات في استراتيجية الاتحاد الأوروبي في مواجهة أزمة «كوفيد ـ 19»

رغم تأكيد المفوضية توافر أكثر من 1500 مليون جرعة لقاح هذه السنة

جانب من عمليات التلقيح بلقاح «أسترازينيكا» في عيادة خاصة بولاية براندنبورغ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
جانب من عمليات التلقيح بلقاح «أسترازينيكا» في عيادة خاصة بولاية براندنبورغ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
TT

تصدّعات في استراتيجية الاتحاد الأوروبي في مواجهة أزمة «كوفيد ـ 19»

جانب من عمليات التلقيح بلقاح «أسترازينيكا» في عيادة خاصة بولاية براندنبورغ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
جانب من عمليات التلقيح بلقاح «أسترازينيكا» في عيادة خاصة بولاية براندنبورغ الألمانية أمس (إ.ب.أ)

يوماً بعد يوم تتعرّض استراتيجية الاتحاد الأوروبي في مواجهة الأزمة الصحية الناشئة عن جائحة «كوفيد - 19» لتصدّعات على جبهات عدة، فيما تصرّ المفوضية الأوروبية على تفاؤلها بالحفاظ على وحدة الصف بين الدول الأعضاء، مؤكدة توفّر أكثر من 1500 مليون جرعة لقاح هذا العام، أي ما يكفي لتطعيم السكان البالغين في الاتحاد ثلاث مرات.
وكانت بداية هذا التصدّع قد ظهرت بين بلدان أوروبا الوسطى، تتقدمها المجر، عندما قررت الخروج عن الاتفاق الذي أبرمته المفوضية مع ست شركات، واتجهت للحصول على اللقاحات من الصين وروسيا. وتبعتها النمسا والدنمارك اللتان تعدّان لتحالف مع إسرائيل من أجل تطوير القدرات الوطنية لإنتاج اللقاحات والحد من الاعتماد على المصانع الأوروبية. يضاف إلى ذلك أن فرنسا وهولندا ولوكسمبورغ وبلجيكا، وألمانيا بنسبة أقلّ، ما زالت تعترض، أو تتحفظّ بشدّة، على إصدار جواز السفر الصحي الذي قالت رئيسة المفوضية أورسولا فان دير لاين إن اقتراحاً بشأنه سيكون جاهزاً بحلول نهاية الشهر الجاري.
ويخشى المسؤولون في المفوضية من انهيار وحدة الدول الأعضاء في مواجهة هذه الأزمة المصيرية، وذلك بسبب من الإنهاك الذي أحدثه عام كامل من المآسي البشرية والانهيار الاقتصادي والحسابات السياسية والانتخابية التي غالباً ما توجّه بوصلة القرارات التي تتخذها الحكومات لإدارة الأزمة. ويذكّرون بالجهد الكبير الذي بذلته المؤسسات والدول الأوروبية لإعادة توحيد الصف وإقرار خطة غير مسبوقة للنهوض من الأزمة والتعهد بعدم تكرار ما حصل إبّان المرحلة الأولى من الجائحة بدايات العام الماضي، حيث انصرف كل بلد إلى تدبّر أموره من غير تنسيق مع الدول الأخرى، ما أدى إلى فوضى عارمة على كل الجبهات ونقص حاد في المستلزمات الصحية والطبية.
لكن المفاجأة الكبرى كانت القنبلة التي فجّرها يوم الثلاثاء المستشار النمساوي سيباستيان كورتز عندما أعلن أن بلاده والدنمارك قررتا عدم الاعتماد على الاتحاد الأوروبي واتفقتا مع إسرائيل لتطوير وإنتاج لقاحات من الجيل الثاني ضد السلالات والطفرات الفيروسية الجديدة. وكانت الدنمارك والنمسا قد انتقدتا بطء الإجراءات التي تتبعها الوكالة الأوروبية للأدوية للموافقة على استخدام اللقاحات، وعدم اتباعها إجراء الموافقة الطارئة كما في بريطانيا والولايات المتحدة. ويأتي هذا القرار ليوسّع دائرة «الخوارج» التي تضمّ المجر وسلوفاكيا والجمهورية التشيكية وإستونيا وكرواتيا التي اتجهت إلى موسكو للحصول على لقاح سبوتنيك الذي لم تتسلّم بعد الوكالة الأوروبية للأدوية طلب الموافقة عليه من السلطات الروسية. يضاف إلى ذلك أن بولندا باشرت بالتفاوض مع الصين لشراء لقاحاتها، فيما يطالب حزب الرابطة الإيطالي الحكومة بالتوجه إلى موسكو وبكين لتعويض النقص في اللقاحات التي ما زال توزيعها يتعثر في معظم بلدان الاتحاد الأوروبي.
وتشكّل هذه المبادرة النمساوية - الدنماركية تحدّيا مزدوجاً لرئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين وللمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي كانت عرّابة تكليف المفوضية إبرام الاتفاقات مع شركات الأدوية وتوزيعها على الدول الأعضاء. وقد حاولت الحكومة النمساوية طمأنة الشركاء الأوروبيين بتصريح صدر أمس الأربعاء عن ناطق بلسانها جاء فيه: «من الطبيعي أن نعتمد على الاتحاد الأوروبي، لكن لا بد من معالجة مشكلة التأخير في تسليم الكميات الموعودة، فضلاً عن أن الاتفاق المزمع توقيعه لن يدخل حيّز التنفيذ قبل الخريف المقبل، ولا يهدف لأن يكون بديلاً عن الاتفاقات الأوروبية، بل أن يكون مكمّلاً لها».
ورغم التوتر الذي يسود الأوساط الأوروبية حول هذا الموضوع، تميل المفوضية إلى اعتبار الخطوة النمساوية موجّهة للاستهلاك الداخلي، وتذكّر بأن الدول الأعضاء بإمكانها منذ البداية إبرام اتفاقيات للحصول على لقاحات من شركات أخرى غير التي وقعت عقوداً مع الاتحاد الأوروبي. وقالت فون دير لاين إن المفوضية تعدّ اقتراحاً عاجلاً لتمكين الوكالة الأوروبية للأدوية من الموافقة الطارئة السريعة على استخدام اللقاحات الجديدة، لكن لن يطبّق على لقاح «جونسون آند جونسون» الذي من المتوقع أن توافق عليه الوكالة في الحادي عشر من الشهر الجاري.
وتجدر الإشارة إلى أن المبادرة النمساوية - الدنماركية تندرج ضمن إطار «مجموعة الروّاد» التي تشكّلت في أبريل (نيسان) من العام الفائت وتضمّ النمسا والدنمارك والنرويج واليونان والجمهورية التشيكية وإسرائيل وسنغافورة وأستراليا ونيوزيلندا، والتي يرجّح أن تنضمّ إليها دول أخرى قريباً.
يذكر أن الدنمارك قد اعتمدت استراتيجية الجرعة الواحدة التي تطبقها بريطانيا، منتهكة بذلك توصية الوكالة الأوروبية للأدوية، وهي حالياً تتصدّر دول الاتحاد الأوروبي في التغطية اللقاحية. وكانت النمسا والدنمارك، إلى جانب الدول المتوسطية، أكثر المدافعين في القمة الأوروبية الأخيرة عن إصدار جواز السفر الصحي، حتى أن المستشار النمساوي هدّد حينها باللجوء إلى اتفاقات ثنائية لتسهيل حركة السفر وإنقاذ الموسم السياحي المقبل.
وتأتي هذه «القمة اللقاحية» التي تجمع اليوم (الخميس) رؤساء وزراء النمسا والدنمارك وإسرائيل، في الوقت الذي أفادت وزارة الصحة الإسرائيلية بأنها تجري محادثات متقدمة مع شركتي «موديرنا» و«فايزر» لبناء مركز بحوث في صحراء النجف من أجل تطوير وإنتاج لقاحات الجيل الثاني ضد الطفرات والسلالات الجديدة لفيروس «كورونا» المستجدّ.
وكانت شركة «موديرنا» قد أعلنت أن رئيسها التنفيذي ألبرت بورلا سيقوم بزيارة إلى إسرائيل الأسبوع المقبل لبحث سبل التعاون بين الطرفين في مجال تطوير اللقاحات الجديدة.
وفيما أعلنت رئيسة المفوضية عن استعدادها للتعلّم من تجارب الدول الأخرى، تخشى بعض الأوساط في بروكسل من تصدّعات إضافية في استراتيجية اللقاحات الأوروبية، خاصة بعد البطء الشديد الذي ما زالت تسير فيه حملات التلقيح والصعوبات التي تواجه بعض البلدان في الحصول على اللقاحات التي تحتاج إليها. وكانت المفوضية قد رفضت طلباً من سلوفاكيا لمنحها الأولوية في توزيع اللقاحات حيث إنها تسجّل أحد أعلى معدّلات الوفيّات الناجمة عن «كوفيد - 19» في العالم.


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.